أرى في غربة الانسان سجناً

93 أبيات | 849 مشاهدة

أرى فـي غـربـة الانـسان سجناً
فـكـيـف بـسـجـن انـسـانٍ غـريـب
وزاد عـليّ ضـيـق السـجـن أنـي
حُــرمــت بـه مـن الخـلّ الأريـب
فـكـم فـي السـجن من ليل غضوب
وكـم فـي السجن من يوم عصيب
تـسـامـرنـي همومي في الدياجي
ويــطــربـنـي فـؤادي بـالوجـيـب
ســحــائب بــارقـات بـالأمـانـي
ولكـــن بـــاخــلات بــالســكــوب
وتبسم لي البروق بها وكم لي
بـسـحـب النـفـس مـن بـرق خـلوب
تـقّـطب لي السما بالسحب وجهاً
كـأن لم يـكـف دنـياها قطوبي
فــأدعــو الله تـعـجـيـلا بـفـكٍّ
لسـجـنـي او بـسـجـن فـتـىً لبيب
فــإن أشــعّــة الآمــال تــحـكـي
نــــضــــالاً واخـــزات للقـــلوب
سـيـمـسـكـنـي وقار اليأس كيلا
أرانــي لعـبـة الأمـل اللعـوب
وإن لوامـــــــع الآمـــــــال آلٌ
يزيد المحل في القفر الجديب
فــإن لخــادع الآمــال عــقـبـى
تـزيـد مرارة القلب الكئيب
ســأقــتــل حــيّ أمـالي سـريـعـاً
وأرجــع مــنـه ذا سـيـفٍ خـضـيـبِ
فـمـن لي ان أرى يـأسـاً مريحاً
يــخـلّصـنـي مـن الأمـل الكـذوب
أبـشّـر عـنـد فـتـح الباب نفسي
بـان سـتـفـوز بالفتح القريب
وأغـضـي عـن سـنا الآمال طرفي
وأدخـل ظـلمـة اليـأس الرهـيـب
تــمــنـيـت الزيـارة مـن قـريـب
وان تـلك زورة الأجـل القريب
كــأن الليــل جــبــار عــظــيــم
أصــيــب بــألف مــكـروب مـهـيـب
كــأن الأفـق شـدقـك رحـت مـنـه
تــكــشــر عـن نـجـوم كـالنـيـوب
وتـطـبـق جـفـنـهم رعباً ليغفوا
مـتـى قـابـلت بـالوجـه الغضوب
تـهـدهـدهـم بـصـمـتـك وهو يحكي
زئيــراً صــكّ اســمـاعَ القـلوب
وتــغــمــرهــم بــأحــلام كــذاب
وتـسـقـيـهـم مـن الرنق المشوب
تـنـام عـلى سـواعـدك البـرايا
فـتـرضـعـهـم بـمـسـموم الحليب
أرى حـر النـهـار يـخاف من أن
يــراك لذاك يـسـرع بـالهـروب
مــرّبـي العـالمـيـن لأنـت بـاق
وكــم خـنـقـتْ اكـفـك مـن ربـيـب
أجــبّــار الظــلام لأنــت عـبـدٌ
وإن أوتــيــت سـلطـان الشـعـوب
أيــا فــيــلا يــمـدّ بـكـل يـوم
عـلى الأكـوان خرطوم الغروب
أصــيــبَ بــتـلكـم الآفـات لكـن
صــحــيـحـاً عـاش ذا عـود صـليـب
وأشـــــبـــــاحٍ و أرواحٍ و جــــنٍ
وبــومٍ مــفــزعــات بــالنــعـيـب
وأحــــــزانٍ وإجـــــرام ٍويـــــأس
وذكــرى عــاشــق وكــرىً ســليــب
وإجــــرامٍ وأحـــقـــادٍ تـــنـــزّى
وأوهــام ودمــع نــوىً ســكــيــب
ومـا المـكـروب فـيه سوى هوامٍ
وآســــادٍ ووحــــش فـــلا وذيـــب
فــيــشــرب كــل نـور ثـم يـلقـي
مــجــاجــاً للدجـنّـة والخـطـوب
ألا يـا ليـل حسبك ليل سجني
وحـسـبـك عـن كـروبـك لي كروبي
لئن أسـجـن فـمـا الأقفاص إلا
لليــث الغــاب أو للعــنـدليـب
فما أرضى ولو في الخلد حبساً
ولو مــا بــيـن ازهـار وطـيـب
تُــراع حــلومــهـم لصـدى عـظـامٍ
ضـئيـلات تـقـضـقـض فـي جـنـونـي
أدبّ عـلى الثـرى ضـعـفـاً ولكـن
أرى الجـبـنـاء يـقلقهم دبيبي
كـلانـا صـاحـبـا صـمـتٍ مـهـيـب
كــلانــا صــاحـبـا وجـهٍ رعـوب
لئن كــشّــرت للهــيـجـاء نـابـاً
فــأقــلامــي تــكــشــر للحــروب
و يـا ليـت الشرى سجنوك مثلي
لدُن خـافـوا وثـوبـك أو وثوبي
ولو أصــغـى لنـغـمـتـنـا مـليّـاً
لذاب بــذلك النــغــم المـذيـب
لقـد أصـغـى الخـليّ إلى غنانا
و لم يـسـمـع بـه نـغـم النحيب
كـرهـت القبر بعد الموت سجناً
وعفت اللبث في الوطن الخصيب
كــلانــا مــن تــألمــه يــغـنـي
فـنـنـعـش صاحب القلب الطروب
فــيـا لك شـكـل حـيـوان عـجـيـب
تــضــمّــن الف حــيــوان غـريـب
رهـيـن المـحـبـسـيـن ضـنىً وفقرٍ
وأُحـبَـسُـ؟ : جـلّ ذلك مـن نـصيب
وكـيـف يـطـيـق ضـيـق السـجن حرّ
يـضـيـق بـه فضا الكون الرحيب
رأيـت السـجـن مـجتمع الزوايا
ولا كــالسـجـن للرجـل الأديـب
يـرى مـن جـسـمـه سـجـنـاً عـليـه
يــكــاد يــهــمّ مـنـه بـالوثـوب
أيــحــبــس شــاعــر حــر رقــيــق
تـضـايـقـه النـسـائم بالهبوب
أيــحــبــس مــن يـجـرّم أي حـبـس
وكــل مــنـاه تـحـريـر الشـعـوب
ألا يـا بـلبـلاً سـجـنـوك ظلماً
فـنـحـت لفـرقـة الغـصن الرطيب
يـلوح إهـابـك الضـافـي ظـلاماً
ويــخــفـي شـكـل حـيـوان عـجـيـب
أقــول بـكـل صـبـح سـوف تـفـنـى
مـتـى أبـصـرت فـحـمـك مـن لهيب
وكـم أخـفـت شـروراً كـالضـواري
مــحــدّدة المــخــالب والنـيـوب
أفــتــش فــي ظـلامـي عـن رجـاء
فــأدخــل فــي ظـلام مـن غـيـوب
اذا مـــالت ذكـــاء الى غــروبٍ
أرى نـفـسـي تـميل الى الغروب
نـهـاري مـن عـبـوس السـجن ليلٌ
وليــلي الف ليــل مــن كـروبـي
ســأبـعـد عـنـهـم الآمـال حـتـى
تــجـيـء إليّ بـالغـدق السـكـوب
فــمــا فـي بـرقـهـم إلاّ عـمـاء
ومـا فـي سـحـبـهـم غير القطوب
وكــم قــد غـرنـي مـرأى نـجـيـبٍ
بـهـم فـنـكبت بالمرأى النجيب
ومــن يــنـمـى الى عـيـب تـحـرّى
عـيـوب النـاس يـبحث عن نسيب
نــفــوس قـد رَبـيـن عـلى عـيـوبٍ
فـمـا يـحـسسنَ بالأمر المعيب
هــم الخــلان لي لا عــن وداد
هـم الأعـداء لي لا عـن ذنـوب
أجـيـل بـهـم عـيـون أخـي وثـوقٍ
فــألقـى مـنـهـمُ نـظـر المـريـب
أفـتـش لا أرى حـولي حـبـيـباً
وكـم شـاهـدت حـولي مـن رقـيب
كــأن عــيــونـهـم حـشـرات نـهـش
طـلعـن عـليّ مـن خـلل الثـقوب
كــأنــي ســاكــنٌ قــبــراً أُغــذّيٌ
بـه الحـشـرات مـن شتى الضروب
أشـاهـد مـنـهـم الأطـماعَ حولي
تـدور تـكـاد تـأكـل لي جـيوبي
وخـــدامٍ قـــســـاةٍ أغـــبـــيـــاءٍ
ضـعـافِ العـقـل أموات القلوب
وأبــحـث فـيـه عـن حـدس مـصـيـب
فـأعـثـر مـنـه بـالسهم المصيب
ألا يـا ليـل ليتك لم تسارع
وليـتـك ضـعـت في أقصى الدروب
وليـتـك قـد عـثـرت بـلا مـقـيل
وليـتـك قـد دعـوت بـلا مـجـيـب
وليــتـك اذ عـثـرت عـراك كـسـرٌ
بـرجـلك لم يـصـادف مـن طـبـيـب
وكــم ضــمــت عـقـارب مـن وشـاة
بــــألســــنـــةٍ لوادغَ للقـــلوب
فـكـم وسـعـت ثـيـابك من أفاعي
هــمــومٍ مــقــلقــات بــالدبـيـب
أتــلبـس مـثـل رهـبـانٍ مـسـوحـاً
وقــلبــك قــلب شــيـطـان رهـيـب
ألا يـا ليـل كـم لك مـن خطوب
وكـم لك فـي الجوانح من ندوب
سـتـبـقـى بـعـد أن تـفـنى شموس
إلى مــا شــاء عــلام الغـيـوب
اذا بـالفـحـم يـنـضـب باشتعال
ومـا لمـعـيـن فـحـمـك مـن نضوب
أعّـبـس للضـنـى فـيـخـيـف قـومـاً
عـبـوسـي ثـم يـشـحـبـهـم شـحوبي
فـلو خـلعـوا ثـيابك عنك أبدت
إليــنــا كـل أنـواع العـيـوب
تـشـيـب بـشـيـبـك الأكـوان لكن
شـبـابـك لا يـعـيـد شـبـاب شيب
تــبــدّل ثــوبــهـا فـي كـل ليـل
لتـجـلو حـسـنـهـا عـنـد الحبيب
كــأنــك حــيــة رقــطــاء تـزهـو
بـثـوب دجـىً وثـوب ضـحـى قـشـيب
أراك وانـت فـي لونـيـن تـبـدو
تـسـير من المغيب إلى المغيب
لبـسـت مـن النـهار الغضّ ثوباً
لتـخـفـى عـن عـيـون المـسـتريب
تـجـدّ السـيـر منذ الصبح نحوي
فـتـهـجـم هـجـمة الأسد الغضوب
وتــلقــي كـل رحـلك فـوق صـدري
وتـجـثـم فـوق قـلبـي كـالخـطوب
تــسـارع فـي خـطـاك إليّ شـوقـاً
مـسـارعـة المـحب إلى الحبيب
ألا يـا ليـل كـم لك مـن شباب
وكــم لك كــلّ صـبـح مـن مـشـيـب
فـكـيـف بـهم اذا سمعوا زئيري
وكـيـف اذا أكـشـر عـن نـيـوبـي

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك