أطَلَّتِ الآلامُ من جُحْرِهِ

85 أبيات | 2292 مشاهدة

أطَـــلَّتِ الآلامُ مـــن جُـــحْـــرِهِ
وَلُفَّتــِ الأسْــقــامُ فــي طِـمْـرِهِ
بُـــرْدَتُهُ الليـــل عــلى بَــرْدِه
وكِـــنُّهـــُ الْقَــيْــظُ عــلى حَــرِّه
مُــــشَــــرَّدٌ يَــــأوِي إلى هَــــمِّهِ
إذا أوَى الطــيــرُ إِلى وَكْــرِه
مـا ذاق حُـلْوَ اللثْـم فـي خَدِّهِ
ولا حــنــانَ المَـسِّ فـي شَـعْـرِهِ
وَلاَ حَــوَتْه الأمُّ فــي صَـدْرِهـا
ولا أبٌ نــاغــاهُ فــي حِــجْــرِه
قـد صَـبَـرَ النـفْسَ على ما بها
وانـتـظَـر المـوعـودَ مـن صَبْرِه
البَـطْـنُ مـهـضـومٌ طـواه الطَّوَى
ونــامَ أهـلُ الأرضِ عـن نَـشْـرِهِ
والوجــهُ لليــأْسِ بــه نَــظْــرَةٌ
يَــقـذِفُهـا الْحِـقْـدُ عـلى دَهْـرِه
جَــرَّحــه الدهــرُ فــمِــنْ نَــابِه
تــلك الأخــاديـدُ ومـن ظُـفْـره
قـــد كـــتــب اللّهُ عــلى خَــدِّه
خَـطّـاً يَـبِـيـنُ البُـؤُسُ في سَطْرِهِ
وغــار ضـوءُ الحِـسِّ مـن عَـيْـنـهِ
وفــرَّ لَمْــحُ الأُنـسِ مـن ثَـغْـرِه
والبـشـرُ أين البِشْرُ وَيْحي له
يــا رحــمـةَ اللّه عـلى بِـشْـرِهِ
يــجــرُّ رِجْـلَيْه بَـطـيـء الْخُـطَـا
كــالْجُـعَـلِ المـكْـدُودِ مـن جَـرِّه
إِن نــام أبْــصــرتَ بــه كُـتْـلَةً
تــجــمــعُ ســاقَــيْهِ إلى نَـحْـرِه
احــتَــبَــسَــتْ أوَّاهُ فــي قَــلْبِهِ
واخــتـنـقـت ويْـلاهُ فـي صَـدْرِه
وجـفَّ مـاءُ العَـيْـنِ فـي مُـوقِها
مـاذا أفَـاد العـيـنَ من هَمْرِه
ســالت بــه نَهـراً عـلى لُقْـمـةٍ
فــعــادَ كــالســائلِ فـي نَهْـره
لا يَــجِــدُ المــأوَى ولو رَامَهُ
أحــالَهُ الدهــر عــلى قَــبْــره
هــنــاك يَــثْـوِي هـادئاً آمِـنـاً
مــن شَـظَـفِ العَـيْـشِ ومـن وَعْـرِه
فـكـم بـصـدر القَـبْـر من ضَجْعةٍ
أحـنـى مـن الدهـر ومـن نُـكْرِهِ
مَــتْــعَـبَـةُ الإِنـسـانِ فـي حِـسِّهِ
وشِــقْـوةُ الإِنـسـان مـن فِـكْـرِه
كـيـف يُـرجَّى الصـفْـوُ مـن كَائنٍ
الْحــمَــأُ المــســنـونُ فـي ذَرِّه
لم يَـسْـمُ للأمـلاك فـي أوْجِهَا
ولا هَــوَى للوَحْــشِ فــي قَـفْـرِه
رام اللبـابَ المَـحْضَ من سَعْيِهِ
فــلم يَــنَـلْ مـنـه سِـوَى قِـشْـرِه
يـسـعَـى ومـا يَـدْرِي إلى نـفعِهِ
سَــعَــى حَــثِـيـثـاً أم إِلى ضَـرِّهِ
آمــنــتُ بــاللّه فــكــم عــالِمٍ
أعــجــزه المــحـجـوبُ مـن سِـرِّه
اللّه فــي طِـفْـلٍ غـزاهُ الضَّنـَى
بــأدْهَــمِ الخَــطْــبِ ومُــغْــبَــرِّه
فــي ظُــلُمــاتٍ مَــوْجُهــا زاخــرٌ
كــأنّهُ ذو النُّونِ فــي بَــحْــرِهِ
والنـاسُ بـالشـاطـىء من غافلٍ
أو ســاخــر أمْــعَـنَ فـي سُـخْـره
والمَوْجُ كالذُؤْبانِ حَوْلَ الفتى
يــســدُّ أُذْنَ الأُفْــقِ مــنْ زَأرِه
نــادَى ومــا نــادَى سـوَى مَـرَّةٍ
حــتّـى طـواهُ اليَـمُّ فـي غَـمْـرِه
تــظــنُّهــ طِــفْــلاً فـإن حـقّـقَـتْ
عـيـنـاكَ لم تَـعْـثُـرْ على عُشْرهِ
كــأنَّهــ الشّــكُّ إِذا مــا مَـشَـى
أو مـا يَـرى النائمُ في ذُعْرِه
طَــغَـى بـه الجـوعُ فـفـي دَمْـعِهِ
مــا فـعـلَ الجـوعُ وفـي نَـبْـرِه
واهــاً لكــفٍ لَصِــقَــتْ بـالثـرَى
وائْتَـدَمَـتْ بـالبُـؤْسِ مـن عَـفْرِه
مـاذا عـلى الإحسانِ لو ردَّها
نَـــديْـــةَ الأطْــرافِ مــن بِــرِّهِ
مـاذا عـلى الإِحسان لو ردَّها
رَطــيــبــةَ الألْسُـنِ مـن شُـكـره
كــم بَــسْــمَـةٍ أرسـلَهـا مُـحْـسـنٌ
أزْهَــى مــن الروْضِ ومـن زَهْـرِه
ولُقْــمــةٍ ســدَّتْ فــمــا جـائعـاً
رجَّحــَتِ المِــيــزانَ فــي حَـشْـره
ومِــنَّةــٍ كــانــت جَــنَــاحــاً له
طــارَ بــهِ الذائعُ مــن ذِكْــرِهِ
ودَمْــعــةٍ يُــذْرِفــهــا مُـشْـفِـقـاً
أصْـفَـى مـن المَـذْخُـورِ مـن دُرِّه
لا تُــزْهِــرُ الجـنـةُ إِلاّ بـمـا
يَــسْــفَـحُه البـاكِـي عـلى وِزْره
لو عَــرَفَ الإِنـسـانُ مـا أجـرُه
مــا ضَـنَّ بـالنـفْـسِ عـلى أَجْـرِه
يـبـقَـى قـليلُ المالِ مِنْ بَعْدِهِ
ويَــذْهَــبُ المــالُ عــلى كُـثْـرِهِ
بِـيـضُ أيـادِي المـرْءِ في قَومِهِ
أغْـلَى مـن البِـيـضِ ومـن صُـفْرِه
والحُــرُّ لا يَــنْـعَـمُ فـي وَفْـرِه
حـتـى يَنالَ الأحْداثُ عن قَدْرِه
والنـاسُ كـالمـاءِ فـمن ضَحْحضَحٍِ
ومــن عَــمـيـقٍ حِـرْتُ فـي سَـبْـرِه
ليــس الذي يُـنْـفِـقُ مـن يُـسْـرِه
مِـثْـلَ الذي يُـنْـفِـقُ مـن عُـسْـره
كــم دِرْهَــمٍ أُلْقِــيَ فــي سِـجْـنِهِ
ولم يَــنَـلْ عَـفْـواً مَـدَى عُـمْـرِه
لم يَـرَ حُـسْـنَ الصُّبـحِ في شَمْسِه
ولا جَــمـالَ الليـلِ فـي بَـدْرِه
يـطْـمَـعُ وَخْـزُ الجـوعِ فـي وَصْلِهِ
ويُــرْسِــلُ الزَّفْـراتِ مـن هَـجْـرِهِ
والمـالُ كـالْخَمْرِ إذا ما طَغَى
ضـاقـت فِـجَـاجُ الأرضِ عـن شَـرِّه
مــتـى يَهُـبُّ العـقـلُ مـن نَـوْمِه
أو يـسـتـفـيقُ المالُ من سُكْرِه
مـتـى أَرَى النـفـسَ وقد أُطْلِقَتْ
مـن رِبْـقَـةِ المـالِ ومـن أسْـرِه
مـتـى أرَى الْحُـبَّ كـضَوْءِ الضُّحَى
كُــلُّ امْـرِىءٍ يَـسْـبَـحُ فـي طُهْـرِه
مـتـى أرَى النـاسَ وقـد نُزِّهُوا
عــن شَــرَهِ الذئبِ وعــن غَــدْرِه
أُخُـــوَّةُ الغُـــصْــنِ إِلى صِــنْــوِهِ
وبَــسْــمَــةُ الزهْــرِ إِلى قَـطْـرِهِ
ورَحْـــمَـــةٌ رَفّـــافَـــةٌ لم تَــدَعْ
قـلْبـاً يُوارِي النارَ في صَخْرِهِ
لا يُـحْـسَـدُ الجـاهُ عـلى مـالِه
أو يُـنْهَـرُ الْبُـؤْسُ عـلى فَـقْـرِهِ
كـم شـارِدٍ فـي مِـصْـرَ يـا كُثْرَه
مــن عَــدَدٍ يَــسْــخُـر مِـنْ حَـصْـرِه
ذَخِــيــرةُ الأمــة أبــنــاؤهــا
مـاذا أفـادَ النـيـلُ من ذُخْرِه
مـاذا أفـادَ النـيـلُ من ساعدٍ
أسْــرَعَ مِــنْ ضِــغْــثٍ إِلى كَـسْـرِه
وأَرْجـــلٍ أوْهَـــنَ مــن هَــمْــســةٍ
ومـن نـسـيـم الصـبـح فـي مَـرِّه
ومــن فــتـاةٍ فَـجْـرُهـا لَيْـلُهـا
ومــن غُــلامٍ ضَــلَّ فــي فَــجْــرِه
ألْقَــتْهُ مِــصْــرٌ هَـمَـلاً ضـائعـاً
فـصـال يَـبْـغِي الثارَ مِن مِصْرِهِ
غــاصَ مــن الآثــامِ فــي آسِــنٍ
يَــكــرَعُ مِــلْءَ الفَــمِ مـن مُـرِّه
أسـرَى مـن الليـل وأمْـضَى يَداً
مــن عَـبَـثِ الليـل ومـن مَـكْـرِه
كــم ضــاق مـن شِـقْـوَتـه عَـصْـرُهُ
وضــاق بــالسُّخــْطِ عــلى عَـصْـرِه
شَـجـاً بِـحَـلْقِ الوَطَـنِ الْمُـفْتَدَى
وشَــوْكَــةٌ كــالنَّصــْلِ فـي ظَهْـرِه
مــدْرَســةُ النـشْـلِ وَسَـلِّ المُـدَى
أسَّسـَهـا الشـيْـطـانُ فـي جُـحـرِه
إذا هَـوَى الْخُـلق وضاع الحِجَا
فــكــلُّ شَــيْــءٍ ضــاع فـي إثْـرِه
مـن يُـصْـلِح الأُسْـرةَ يصْلِحْ بها
مـا دَمَّرَ الإِفـسـادُ فـي قُـطْـرِهِ
جــنـايـةُ الوالدِ نَـبْـذُ ابـنـهِ
فـي عُـسْـرِه إنْ كـان أو يُـسْـرِه
لا تَــتْـرُكُ الذِئْبَـةُ أجْـراءَهـا
ولا يـغـيـبُ الكـلبُ عـن وَجْـرِه
البَـيْـتُ صَـحْـراءُ إذا لم تَـجِـدْ
طــفُــولةً تَــمْــرَحُ فــي كِــسْــرِه
فـعـاقـبـوا الآباءَ إنْ قصَّروا
لابُـــدَّ للســـادِرِ مـــن زَجْـــرِه
وأنـقـذوا الطـفْـلَ فـمـا ذَنْبُه
إِنْ جَــمَــحَ الوالدُ فــي خُـسْـرِه
رَبُّوهُ يَــنْــمــو ثَــمَــراً طـيِّبـاً
لا يــيــأسُ الزراعُ مـن بَـذْرِهِ
وعـــلِّمـــوهُ عَـــمـــلاً صــالحــاً
يَـــشُـــدُّ إن كــافَــحَ مــن أَزْرِه
ربُّوه فـي الريـفِ لعـلَّ القـرَى
تُــصْــلِحُ مــا أَعْـضَـلَ مـن أمْـرِه
النــفْــسُ مِـرْآةٌ وغُـصْـنُ النَّقـَا
يَــطــيـبُ أو يَـخْـبُـثُ مـن جـذْرِه
لعــلّ هَــمْـسَ الغُـصـنِ فـي أُذْنِه
يُـنْـسِـيـهِ مـا أضْـمَـرَ مـن ثَأْرِه
لعــلّ أنْــفــاسَ نـسـيـم الرُّبـا
فــي صَــدْرِه تُــبْـرِدُ مـن جَـمْـرِه
النـيـلُ يـسـتـنـجِـدُ مُـسْـتَـنْصِراً
فـأَسْـرعـوا الْخَـطْـوَ إلى نَـصْرِه
لا يــذهـبُ المـعـروفُ فـي لُجَّةٍ
ولا يَــكُـفُّ الْمِـسْـكُ عـن نَـشْـرِه

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك