أَظَلَّ الوُجُودَ المساءُ الحزينُ

45 أبيات | 1781 مشاهدة

أَظَـلَّ الوُجُـودَ المـسـاءُ الحزينُ
وفــي كــفِّهــِ مــعْـزَفٌ لا يُـبـيـنْ
وفــي ثَــغــرهِ بَـسَـمـاتُ الشُّجـونِ
وفــي طَــرفِهِ حَــسَــراتُ السِّنـيـنْ
وفـــي صـــدرِهِ لوعــةٌ لا تَــقِــرُّ
وفــي قــلبِهِ صَــعَـقَـاتُ المَـنـونْ
وقــبَّلـَهُ قُـبَـلاً صـامِـتـاتٍ كـمـا
يَــلْثُــمُ المــوتُ وَرْدَ الغُــصُــون
وأَفــضــى إليـه بـوحْـيِ النُّجـُومِ
وسِــرِّ الظَّلــامِ ولَحْــنِ السُّكــونْ
وأَوْحــــى إليـــه مَـــزامِـــيـــرَهُ
فـغـنَّتْ بها في الظَّلامِ الحُزُونْ
وعَــلَّمَهُ كــيــفَ تــأسـى النُّفـوسُ
ويَـقـضـي يَـؤوساً لديها الحَنينْ
وأَسْـــمَـــعَهُ صَـــرَخـــاتِ القُــلُوبِ
وأَنْهَــــلَهُ مِـــنْ سُـــلافِ الشُّؤونْ
فـأَغـفـى عـلى صـدرِهِ المـطـمَـئِنِّ
وفــي روحِهِ حُــلُمٌ مُــسْــتَــكــيــنْ
قــويٌّ غَــلُوبٌ كــسِــحْــرِ الجُـفُـونِ
شـــجـــيٌّ لَعــوبٌ كــزهــرٍ حَــزيــنْ
ضَــحــوكٌ وقــد بــلَّلتـهُ الدُّمـوعُ
طَـــرُوبٌ وقـــد ظَــلَّلَتْهُ الشُّجــُونْ
تـــعـــانِـــقُهُ سَـــكَــراتُ الهَــوَى
وتــحــضُــنُهُ شَهَــقَــاتُ الأَنــيــنْ
يُـشـابِهُ روحَ الشَّبـابِ الجـمـيـلِ
إِذا مَــا تــأَلَّقَ بَــيْـنَ الجُّفـونْ
أَعـادَ لنـفـسـي خَـيـالاً جـمـيلاً
لَقَــدْ حَــجَــبَـتْهُ صُـرُوفُ السِّنـيـنْ
فَــطَـافَـتْ بـهـا هَـجَـسَـاتُ الأَسـى
وعــادَتْ لهــا خُـطُـواتُ الجُـنُـونْ
أَظَــلَّ الفــضـاءَ جـنـاحُ الغـروبِ
فــأَلقــى عـليـهِ جـمـالاً كَـئيـبْ
وأَلبَــسَهُ حُــلَّةً مـن جَـلالٍ شـجـيٍّ
قــــــويٍّ جـــــمـــــيـــــلٍ غَـــــلُوبْ
فنامَتْ على العُشْبِ تِلْكَ الزُّهُورُ
لمرأَى المساءِ الحزينِ الرَّهيبْ
وآبَـتْ طـيـورُ الفـضـاءِ الجـميلِ
لأوكــارِهــا فــرِحــاتِ القُــلُوبْ
وقــدْ أَضــمــرَتْ بــأَغــاريــدهــا
خـيـالَ السَّماءِ الفسيح الرَّحيبْ
وَوَلَّى رُعـاةُ السَّوامِ إلى الحـيِّ
يُـزْجُـونـهـا فـي صُـمـاتِ الغُـروبْ
فــتَـثْـغُـو حـنـيـنـاً لحِـمْـلانِهـا
وتـقـطـفُ زهـرَ المُـروجِ الخَـصيبْ
وهـمْ يُـنـشِـدونَ أَهازيجَهمْ بصوتٍ
بـــــهـــــيـــــجٍ فَـــــرُوحٍ طَــــرُوبْ
ويَــسْــتَــمْــنِــحــونَ مـزامـيـرهـم
فــتــمــنــحُهُـمْ كُـلَّ لحـنٍ عـجـيـبْ
تــطــيــرُ بــهِ نَـسَـمـاتُ الغـروبِ
إلى الشَّفـقِ المُـسْتَطيرِ الخَلُوبْ
وتـوحـي لهـم نَـظَـرَاتُ الصَّبـايا
أَنـاشـيـدَ عـهدِ الشَّبابِ الرَّطيبْ
وأَقْـــــبَـــــلَ كُــــلٌّ إلى أهــــلِهِ
سِـوَى أمـلي المـسـتطارِ الغَريبْ
فـقـد تـاهَ فـي مَعْسَباتِ الحَيَاة
وسُــدَّتْ عــليـه مـنـاجـي الدُّروبْ
وظــلَّ شَــريـداً وحـيـداً بـعـيـداً
يُـغـالبُ عُـنْـفَ الحَـيَـاةِ العَصيبْ
وقـد كـانَ مِـنْ قـبـلُ ذا غـبـطـةٍ
يُــرفـرفُ حـولَ فـؤادي الخَـصـيـبْ
ولمَّاــ أَظــلَّ المَــسـاءُ السَّمـاءَ
وأســكَـرَ بـالحُـزْنِ روحَ الوُجُـودْ
وقفتُ وساءلتُهُ هل يَؤوبُ لقلبي
رَبــــيــــعُ الحَــــيَــــاةِ الشَّرودْ
فَـتَـخْـفُـقُ فـيـه أَغـانـي الورودِ
ويـخـضـرُّ فِـرْدَوْسُ نـفـسي الحَصيدْ
وتــخـتـالُ فـيـهِ عَـروسُ الصَّبـاحِ
وتــمـرَحُ نَـشْـوَى بـذاكَ النَّشـيـدْ
ويَـرجـعُ لي مِـنْ عِـراصِ الجـحـيمِ
سـلامُ الفـؤادِ الجميلُ العهيدْ
فــقــد كــبَّلـَتْهُ بَـنـاتُ الظَّلـامِ
وأَلقــيْــنَهُ فــي ظـلامِ اللُّحـودْ
فـأَصْـغـى إلى لَهَـفـي المـسـتـمرِّ
وخــاطَــبَـنـي مِـنْ مـكـانٍ بـعـيـدْ
تَــعــودُ ادِّكــاراتُ ذاكَ الهَــوَى
ولكــنَّ سِــحْـرَ الهَـوَى لا يَـعـودْ
فـجَـاشَـتْ بـنـفـس مـآسـي الحَيَاةِ
وسـخـطُ القُـنُـوطِ القويِّ المُريدْ
ولمَّاــ طَــغَـتْ عَـصَـفـاتُ القُـنُـوط
فــمــادتْ بــكــلِّ مَـكِـيـنٍ عَـتـيـدْ
أَهَـبْـتُ بـقـلبي الهلوعِ الجزوعِ
وكــانَ مِــنْ قــبـلُ جَـلْداً شَـديـدْ
تــجــلَّدْ ولا تَــسْـتَـكِـنْ للَّيـالي
فـمـا فازَ إلاَّ الصَّبورُ الجَليدْ
ولا تَـأْسَ مِـنْ حـادِثـاتِ الدُّهُورِ
فـخَـلْفَ الدَّيـاجـيـرِ فَـجْـرٌ جَـديدْ
ولولا غـيـومُ الشِّتـاءِ الغِـضابُ
لمــا نَـضَّدَ الرَّوضُ تِـلْكَ الوُرودْ
ولولا ظَـلامُ الحَـيَـاةِ العَـبُوسُ
لمـا نَـسَـجَ الصُّبـْحُ تِلْكَ البُرُودْ

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك