أُعاتِبُ فيكَ الدّهرَ لو أعتبَ الدّهرُ

46 أبيات | 550 مشاهدة

أُعــاتِــبُ فـيـكَ الدّهـرَ لو أعـتـبَ الدّهـرُ
وأســتـنـجِـدُ الصّـبـرَ الجـمـيـلَ ولا صَـبـرُ
وأســـألُ عـــن نَهـــجِ السُّلـــُوِّ وقــد بَــدا
لعَــــيــــنَــــيَّ إلاّ أنّ مـــســـلَكـــه وَعـــرُ
وكــــيــــف التَّســــلِّي والحــــوادثُ جــــمَّةٌ
إذا مــا انـقَـضـى أمـرٌ يـسـوءُ أتـى أمـرُ
رمَــتْــنِــيَ فـي عـشْـرِ الثّـمـانـيـنَ نـكـبـةٌ
مـن الثُّكـل يُـوهـي حـمـلُهـا مَـن له عَـشْـرُ
عـلى حـيـن أفْـنـى الدّهـرُ قَومي ولم تزلْ
لهــم ذِروةُ العــليــاءِ والعَــدَدُ الدَّثْــرُ
إذا حـاربُـوا فـالأسْـدُ تـحـمـي عَـريـنَهـا
وإن ســالَمــوا كــان التَّبــتُّلــُ والذِّكــرُ
تُــبــيــحُ وتَـحـمـي مـنـذ كـانـت سُـيـوفُهُـم
يُــبــاحُ بــهـا ثَـغْـرٌ ويُـحـمـى بـهـا ثَـغْـرُ
مَــضَــوْا وانــطَــوَتْ دُنــيــاهُــمُ وتَــصَـرّمَـتْ
كــــأنَّهـــُمُ مـــا عُـــمِّرُوا ولَهـــا نَـــشْـــرُ
فـــلم يَـــبـــقَ إلاّ ذكـــرُهـــم وتـــأسُّفــي
عــليــهــم ولَن يـبـقـى التـأسُّفـُ والذِّكـرُ
وأصــــبــــحـــتُ لا آلٌ يُـــلبُّون دعـــوتـــي
ولا وطـــــــنٌ آوي إليـــــــهِ ولا وَفْــــــرُ
كـــأنّـــيَ مَــن غــيــر التُّرابِ فــليــسَ لي
مـن الأَرضِ ذاتِ العـرضِ دونَ الوَرى شِـبـرُ
رُزئتُ أبـــا بـــكـــرٍ عـــلى شَــغَــفــي بــهِ
فـيـا لَهْـفَـتـا مـاذا جَني الحادِثُ البِكْرُ
لِســبــعٍ مَــضــتْ مــن عُــمـرهِ غـالَه الرّدى
وكــنــتُ أُرجِّيــ أن يــطــولَ بــه العُــمْــرُ
وقـــلتُ عـــتـــيـــقٌ مـــن خُـــطــوبِ زَمــانِهِ
عــتــيــقٌ بــهـذا يـخـبـرُ الفـأْلُ والزَّجْـرُ
فـــعـــاجـــلَه قَـــبـــلَ التَّمـــام حِــمــامُهُ
ولا عــجــبٌ قــد يُــخْــضَـدُ الغُـصُـنُ النَّضـْرُ
ويــأمُــرنــي فــيــه الأخِــلاّء بــالأُســى
وهَــيــهــاتَ مــالي بـالأُسـى بَـعـده خُـبْـرُ
يَــقــولون كَــم هَــذا البــكـاءُ ولو بَـدا
ضَــمــيـرُ الّذي بـي رَقَّ لي وبَـكـى الصّـخْـرُ
وكـــنـــتُ أظـــنُّ الدّمـــعَ يُــبْــرِدُ غُــلَّتِــي
إلى أن بَــدا لي أنّ دمــعَ الأســى جَـمْـرُ
أبــا بَــكــر مــا وجــدي عـليـك بـمـنْـقَـضٍ
طَوالَ اللّيالي ما انقَضى اليومُ والشَّهرُ
أطــــلْتَ عــــليَّ اللّيـــلَ حـــتَّى كـــأنَّمـــا
زَمــــانــــيَ ليــــلٌ كـــلُّه مـــالَه فَـــجـــرُ
وإنّــي لأسْــتَــدعــي الكَــرى وهْــو نـافـرٌ
بــه مــن جُــفــونــي أن يُــلِمَّ بــهـا ذُعـرُ
لعــلَّ خَــيــالاً مــنــك يَــطــرقُ مــضــجَـعـي
فــأشــكــو إليـه مـا رَمـانـي بـه الدَّهـرُ
تُـــمـــثِّلـــُكَ الأفـــكـــارُ لي كـــلَّ لَيــلةٍ
وتُــؤنِــسُــنــي أشـبـاهُـكَ الأنـجـمُ الزُّهـرُ
إذا لجَّ بــــي شــــوقٌ أتــــيـــتُـــكَ زائراً
فـــأرجِـــعُ كـــالمـــخــبــولِ دَلَّهَهُ السِّحــرُ
ومــا القُــربُ مــن قــبـرٍ أجَـنَّكـَ نَـافِـعـي
إذا كــانَ فــيـمـا بَـيـنَـنـا للثَّرى سِـتـرُ
أقـــولُ لنـــفــســي حــيــنَ جــدَّ نِــزاعُهــا
عــليـكِ بِـحُـسـنِ الصَّبـرِ إنْ أمـكـنَ الصَّبـرُ
ألســنــا بَـنـي المَـوتـى إليـهـم مـآلُنـا
بــلا مِــرْيَــةٍ والفــرعُ يَــجــذبُه النَّجــْرُ
فـــنـــحـــن كَـــسَــفْــرٍ عــرَّســوا ووَراءَهــم
رِفـــاقٌ إذا وافَـــوْهُـــمُ رحَـــلَ السّـــفْـــرُ
مــن الأرضِ أُنْــشِـئْنـا وفـيـهـا مَـعـادُنـا
ومِـنـهـا يـكـون النّـشْـرُ والبـعثُ والحَشرُ
هــــي الأُمُّ لا بِــــرَّ لديــــهـــا وردَّنـــا
إلى بــطــنــهــا بـعـد الوِلادِ هـو البِـرُّ
ثَـــكـــولٌ ولا دمـــعٌ لهـــا إثـــرَ هـــالكٍ
وكـــلُّ رَقـــوبٍ ثـــاكـــلٍ دمـــعُهـــا هَــمْــرُ
أضـــلَّ الورى حـــبُّ الحـــيـــاةِ فـــحـــازِمٌ
خـــبـــيــرٌ ســواءُ فــي الضَّلــالةِ والغِــرُّ
فَـــلا يـــأمـــنَـــنْ غَــدْرَ الليــاليَ آمِــنٌ
وإن أمْهَــــلَتْه إنَّ إِمْهــــالَهــــا خَـــتْـــرُ
تُـعـيـرُ وبـالقَـسـرِ العـنـيـفِ ارتـجـاعُهـا
ولا خَــيــرَ فــي عــاريَّةــٍ ردَّهــا القَـسْـرُ
ونــحــنُ عــليــهــا عــاكِــفــون وليـسَ فـي
مــواهِــبِهــا عُــقــبــى تَــســرُّ ولا يُــســرُ
فــمــا بــالُنــا فـي سَـكـرةٍ مـن طِـلابِهـا
ومَــنْ نــالَهــا مِــنَّاــ يَـزيـدُ بـهِ السُّكـرُ
مَــضــى مــن مَــضـى مِـمَّنـ حَـبَـتْهُ فـأكـثـرَتْ
وراحَـــتُه مـــن كــلِّ مــا جَــمَــعــت صِــفْــرُ
ومــا نــالَ أيَّاــمَ الحــيـاةِ مـن الغِـنـى
عـن الفـقْـرِ فـي يـومِ المَـعادِ هو الفَقْرُ
يُـــحـــاسَــبُ عــن قِــطــمــيــرِه ونَــقــيــرِهِ
ولم يَـــتَّبـــِعْهُ مـــنـــه كُــثــرٌ ولا نَــزْرُ
وهــذا هــو الخُـسـرُ المـبـيـنُ فـمـا لنـا
حِـــراصٌ عـــلى أمـــرٍ عَـــواقِـــبـــهُ خُــسْــرُ
وقـــد كـــان فــي آبــائِنــا زاجــرٌ لنــا
يُــبــصِّرُنــا لو كــان يــردعُــنــا الزَّجــرُ
تـفـانَـوْا فـبـطـنُ الأرضِ مِـن بـعـدِ وحـشَةٍ
بــهــم آهِــلٌ مــســتــأنِــسٌ وخَــلا الظَّهــرُ
وقــــد دَرَسَـــتْ آثـــارُهـــم وقـــبـــورُهـــم
كــمــا دَرســوا فــيـهـا فـليـسَ لهـا أُثْـرُ
فـــهـــل ليَ فــي هَــذي المــواعِــظِ واعِــظٌ
يُــبَــرِّدُ مــا يُــخـفـي مـن الكَـمَـدِ الصّـدرُ
يَــحُــثُّ عــلى الصّــبــرِ الجــمــيــلِ فــإِنَّه
يُــنــالُ بــه حُــســنُ المــعــوضَـةِ والأجـرُ
ومَــن نَــزعَــتْ أيــدي المــنـيـةِ مِـن يَـدي
هـو الذُّخـرُ لي فـي يـومِ يَـنْـفَعُني الذُّخرُ

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك