أَفقتُ وقد نامَ كلُّ البشرْ

77 أبيات | 437 مشاهدة

أَفــقــتُ وقــد نـامَ كـلُّ البـشـرْ
وسـادَ عـلى الكـائنـاتِ السكونْ
وأَقــبـل وسـط السـمـاء القـمـرْ
يـحـفُّ بـه النـجم ساجي العيونْ
وليــس ســوى لمــعــان النـجـومِ
عـلى المـاء يحكي بريق الّلآلْ
وليــس ســوى خــطـرات النـسـيـم
تـمـيـلُ مـع الغصن من حيث مال
مــظــاهـرُ وحـيٍ لأهـل النـظـيـم
ومـجـلىً بـعـيـد المـدى للخيال
فـيـا ليـلُ طُـلْ لا عراك القِصَرْ
لعـلّكَ يـا ليـلُ تـجـلو الشـجونْ
ويـا قـلب طِـرْ بـجـنـاح الفـكَـرْ
لك النـجـم فـوق الأثـير سفينْ
وطــار فــؤاديَ يــبـغـي السـمـا
وعــيــنُ الكــواكــب لا تــرقــدُ
مــجــدّاً يــحــثُّ الســرى كــلمــا
عـــدا فـــرقــداً راقــهُ فــرقــدُ
إلى أَن رأَى فـي الفـضـا سـلَّما
عـــليـــهــا مــلائكــةٌ تــصــعــد
فـــأجـــنــحــةٌ رُصّــعــت بــالدررْ
وأجــنــحــةٌ مــن نــضـارٍ ثـمـيـنْ
إذا طــويــتْ فــدُجــىً مــنــتـشـرْ
أو انــتــشــرت فـصـيـاحٌ مـبـيـنْ
تــبــاركــتَ يـا ربَّ هـذي الذرى
وأنــت الإله القـويُّ العـظـيـمْ
قـضـى النـاس فـي جهلهم أدهرا
وأنــت بــحــال العـبـاد عـليـم
فـلم يـفـقـهوا كنه هذا الورى
وحــار بــه كــلُّ عــقــلٍ حــكـيـم
تـمـرُّ الليـالي وفـيـهـا العبرْ
وتـمـضي السنون وتفنى القرونْ
وكــم فـي الطـبـيـعـة سـرٌّ ظـهـرْ
وســرُّ الطــبــيـعـة ليـس يـبـيـنْ
ألا أيـهـا الكـون سـمـعـاً لما
إلُهُـــكَ يـــوحـــيـــه للشـــاعـــرِ
فـمـا فـي الوجـود غـمـوضٌ كـمـا
يــقــال فــخــذه عــلى الظـاهـر
ولكــنــمـا الحـي تـحـت السـمـا
هــو الســرُّ للعــاقــل الفـاكـرِ
نـــفـــخــتُ بــآدم روح الكــبــرْ
وأودعــت حــوّاءَ لطــفــاً وليــنْ
فـإن ضـلً بـعـض البـنـين الأثرْ
فـدعـهـمُ فـي جـهـلهـم يـعـمـهونْ
بــرأْتُ الطــبــيــعـةَ فـي الأوَّلِ
لأجــمـع أسـرارهـا فـي البـشـرْ
فـــصـــغــت الشــهــامــة للرجــل
مـن الكـون مـجـمـوع كـل الكبرْ
وقـلت بـنـفـس الفـتـى فـانـزلي
فــنـفـس الفـتـى لكِ خـيـر مـقـرْ
فــمــا ضــرَّه قــصـرٌ فـي النـظـرْ
فـلا تـسـع الكـون منه العيونْ
وطــيّ الجــوانــح نــفــسٌ تــقــر
يـضـيـق بـها الكون والعالمونْ
وكــوّنـتُ حـلمـاً مـن الراسـيـاتِ
وأنـزلتـهُ فـي جـوار الشـهـامةْ
هــي الأم وهـو أب المـكـرمـاتِ
فـمـنه الوفاءُ ومنها الكرامهْ
كـلا الصـفـتـيـن أجـلُّ الصـفـاتِ
فـهـذا الإِبـاءُ وتـلك الفخامهْ
فــيــا حــبــذا مـنـه خـلقٌ أغـرّ
ويــا حــبّـذا مـنـه طـبـعٌ رزيـنْ
خــلالٌ تــجــرُّ الخــلال الزُهــرْ
وكــل قــريــنِ خــليــل القـريـنْ
تــمــشّــى المــروءةُ فــي صــدرهِ
تـمـشّـي الدمـا في عروق الجسدْ
ويــوحــي الإبــاءُ إلى فــكــرهِ
جــفــاءَ الذمــيــم وحـبَّ الرشـدْ
فـمـا يـقـبـل الضـيـم مـن دهرهِ
ويـأبـى له العـزُّ عـيـش النـكد
وتـسـمـو عـن اللؤْم فيه الفكرْ
وتـغـشـي عـن السـيـئات الجفونْ
نــزيــه اللسـان صـدوق الخـبـرْ
عـفـيـف الإزار سـليـم الظـنونْ
يـــرى حـــبّ أوطــانــه واجــبــا
فــقَّدس فــي النـفـس حـب الوطـنْ
وعــاف المُــخــاتــلَ والكـاذبـا
فـــصـــادق فـــي ســـرّه والعــلنْ
ومــا خــان فــي ودّه صــاحــبــا
ولم يـخـفِ طـيّ الضـلوع الضـغـنْ
وجـــرّد مـــن كـــل خـــبــثٍ وشــرّ
ضـمـيـراً صـفا كالزلال المعينْ
وجــانــب غــطــرســةَ المـفـتـخـرْ
ونــزَّهــهُ الفــضـلُ عـمـا يـشـيـنْ
ألا أيـهـا القـلب قـل للعبادِ
بــأن الشـهـامـة فـخـر الرجـالْ
وإنَّ الكــرامــة بــنـت الرشـادِِ
وإن المــــروءَة أم الكـــمـــالْ
ومـا الفـضـل إلا هـدى للفؤادِ
ومـا الحـلمُ إلا أمير الخصالْ
إذا أشـبـه العـمـرُ طـيـفاً يمرْ
وكــان الفـتـى هـدفـاً للمـنـونْ
فــإن دليــل الحــيــاة الأثــرْ
ومـا النـاس إلا بـمـا يفعلونْ
ويـا أيـها القلب إن الطبيعهْ
كــذاك مــجــمّــعـةٌ فـي النـسـاءْ
تـأمـلْ بهذي المجالي البديعهْ
وهـذي النـجـوم بـهـذا الفـضاءْ
فمنها خلقتُ الفتاة والوديعهْ
لتـظـهـر فـي الأرض سرَّ السماءْ
وصـــوَّرتُهـــا آيــةً فــي الصــورْ
ضـمـيـراً عـفـيـفـاً وقـلباً حنونْ
فـــجـــاءَت مــنــاظــرةً للقــمــرْ
فـمـنـه الكـسونُ ومنها الفتونْ
بــهــاءٌ مــن القــمــر الطــالعِ
عـلى القـلب يُنزل وحي الغرامْ
وعــيــنٌ مــن الكــوكـب اللامـع
وشَــعــرٌ كـلَيـلٍ أسـيـر الهـيـام
ومــن وهــج الشــفــق الســاطــع
عـلى وجـنـتـيـهـا أقام الضرام
وفـي الثـغـر عـقدٌ نضيد الدررْ
ومـا القـدُّ غـلا أمـير الغصونْ
جـمـال الطـبـيـعـة فيها استقرْ
فــكــانــت جــلاءً لســرّ مــصــونْ
تــخـذتُ وداعـة قـلب الحـمـامـهْ
وقــلتُ لهــا هــي تــاجُ جـمـالكْ
إذا كان فخر الرجال الشهامه
فْــإن الوداعــة أبـهـى خـصـالكْ
فـمـنـهـا العفاف وحبُّ السلامهْ
وهـذان فـي الكـون سـر كـمـالكْ
ومــصــدر كــل الصــفـات الغـررْ
حـــنـــان وعـــزة نـــفــس وليــنْ
يــحــدّث عـنـهـا نـسـيـم السـحـرْ
ويـسـرق منها الشذا الياسمينْ
تــمــلَّكُهــا رقــةٌ فــي الشـعـورِ
ونـــعـــم فــؤَادٍ لذاك امــتــلكْ
دمــائه خــلق وصــفــو ضــمــيــرِ
يــحــدّث عــنــه صــفــاءُ الفــلكْ
فــمــا هـي إلا مـثـالُ البـدورِ
ومــا هـي فـي النـاس إلا مـلكْ
تــحـبُ السـلام وتـخـشـى الضـررْ
وتـهـوى الكريم وتجفو الضنينْ
ســـلافُ نـــفــوسٍ ومــجــلى كــدرْ
وتــعــزيــةٌ للفــؤاد الحــزيــنْ
فـيـا قـلبَهـا مـا أرقَّكـ قـلبـاً
وأشـــرفَ أخـــلاقَــك الزاهــراتْ
ويــا حــبَهــا مــا أبــرَّك جـبـاً
وأســمــى عــواطــفَـك الطـيـبـاتْ
ويـا نـفـسَهـا مـا تـرنحتِ عجباً
ولا عـاش فـيـك سـوى المكرماتْ
ومــا غــض مــنــهـا لسـوءٍ بـصَـرْ
وسـالت لغـيـر الحـنان الشؤُّونْ
طـــبـــائع قـــلبٍ شـــريــفٍ أبــرّ
يــريــك الفـضـائل كـيـف تـكـونْ
ألم تــر مــا فــعــل السـيـداتُ
صــبــيـحـة عـيـدٍ سـعـيـد مـنـيـرْ
حـلمـنَ المـلابـس فيها الهباتُ
وألبــســنـهـا كـل طـفـل فـقـيـرْ
تــبــاركـتِ أيـتـهـا الفـاضـلاتُ
فــذلك شـأن الشـريـف الضـمـيـرْ
ويـا قـلب فـارجـع بهذا الخبرْ
وقــل مــا تـعـلمـت للعـالمـيـنْ
أنـا هـكـذا قـد خـلقـت البـشـرْ
ولكــنـمـا النـاس لا يـعـقـلونْ

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك