أفى العرسِ تُنعى يالها قسوةَ القدر

75 أبيات | 207 مشاهدة

أفـى العـرسِ تُـنـعـى يـالها قسوةَ القدر
ولكــن هــي الدنــيــا تُــعَّلــمُ مـن غَـدر
ولم تــرحـم الُّدولاتِ يـومـاً فـهـل لهـا
بـأن تُـنـقـذَ الفـردَ العـظيمَ من الغير
وكــنــتُ عــلى وعــدٍ لألقــاكَ مــثــلمــا
ألاقــي بــشــاشــاتِ الصـبَّاـحـةِ والزَّهـر
لأنــعــمَ بــالحــلوِ الحــديــثِ مُــرنَّقــاً
وبــالحــبِّ مــوفـوراً وبـالرّاحِ والثـمـر
وأقــتــبــسَ المـعـنـى الثـمـيـنَ ذخـيـرةً
إذا شـحَّ ودُ النـاسِ أو خـاطـري افـتـقر
وأشــهــدَ أوراقَ الخــريــف مــجــانــيــاً
مـن الجَّنـة الفـيـحـاءِ لا ذابـلِ الشجر
ومــا كــنــتُ أدرى أن مــوتــكَ ســابـقـي
وإن كـنـتَ لم تَـبـرحَ على الوعدِ تنتظر
ومــا رخُــصــت يــومــاً بــقــربــك لحـظـةٌ
بــذلتَ لإســعــادي ولا مَــسَّهــا الضـجـر
فـهـا أنـا مـن يـلقـاكَ والدمـعُ خـانقي
ومــا لي ابــتـسـامٌ كـابـتـسـامـكَ مـدُخُّر
تــجَّلــى عـلى الوجـهِ الحـبـيـبِ بـوَسـنـةٍ
هـي الرَّاحـةُ الكـبـرىِ لمـن كَّدهُ السـفر
نَــدامــاكَ جــاؤا جــازعــيــن وطــالمــا
بِـشـعـرِكَ كـانـوا الطـائفينَ على السمر
يـطـوفـون سـكـرَى حـول نـعـشكَ في الأَسى
وبـالأمـس كـنـتَ الشـعـرَ يُـسـكرُ من سكر
رأيــتَ بــعــيــن الرُّوحِ عُــقــبـاكَ إنَّمـا
أَبــيــتَ عــزيــزاً أن تــكــون عـلى حَـذرَ
وَخَــلفــتــنــاَ لم نــفــقــد الفـنَّ وحـدَه
بـل الرجـلَ الفـذَّ الذي قـلبـهُ انـفـطـر
وفــي هــيــكــلِ الحـبِّ السـمـاوىِّ نَـفـحـهُ
وُشــعــلتــهُ الُمــثــلىَ تَــضـئُ لمـن عَـبـرَّ
وفـــي ذّمـــةِ الرحـــمـــنِ نـــورٌ أذابـــه
على الطِّرسِ أو نورٌ على العالم ابتكر
ومــا كــان بــالتــهـويـلِ والرَّوعِ فَـنُّهـُ
ولكـــنَّهـــ نـــبـــعٌ تَـــســـلســلَ وازدهــر
وكـــل الذي أســـدى سَـــجـــيِّةــٌ نــفــســهِ
وليــس مُــعــاراً مــن فَــلاة ولا حَــضــر
أَبــيـتُ الربـا إلاَّ ربـا الوقـتِ عـنـده
فــمــن زاره يَــغــنــىَ ومـن فَـاتَهُ خَـسـر
كــانَّ الســنــيـنَ الخـمـسَ خـمـسـون حـجَّةـً
بــصــحــبــتــهِ أو كــالخــضــمِ إذا غَـمـر
عــرفــتُ بــهــا الانـسـانَ فـي مـلكـوتـة
مَـلاكـاً وقـد عـادَى الصـغـائرَ واحـتـقر
وأَنــشــقــنــيِ عَــرفَ التــســامـي إبـاؤهُ
وأشــعــرنـي بـالجـاهِ مـا صـاغ مـن درُر
لقــد عــبــدوا الأصــنـامَ وهـي سـواخـرٌ
لغـفـلتـهـم أضـعـافَ مـا عـبـدوا البـقر
وَعُّجــوا بــشــكــواهــم وهـم مـن بِـذلِّهـم
جــحــيــمٌ اعُّدوه وفــي جُــبــنــهــمِ سـقـر
ومــــا نــــدرةٌ إلا هــــديــــةُ رحـــمـــةٍ
إلى الخـلقِ فـاغتيلَ الحنانُ الذي نَدرَ
وقـــد بَـــذرَ الحــبَّ المــصــفــىَّ لعــالمٍ
شـــقـــىٍ كـــأنَّ الله مـــن قــلبــه بَــذَر
ولم يــصــطــحــب إلاّ السُّهــادَ بـبـحـثـه
كـذاك النـجـوم الزُّهـرُ تـصـطـحـبُ السَّهر
لئن لم يَــنــل مــن عــمـره غـيـرَ ذكـره
فــإنَّ أَجــلَّ العــمــرِ مــا شَــعَّ بـالذِّكـر
يُـــصـــلى عـــليـــه المــســلمــون كــأنّه
ولُّى وفــي بُــرديــهِ عــثــمــانُ أو عـمـر
وتــبــكــى له الصُّلــبـانُ حـتـىّ كـأنّـمـا
بــذبــحــتــه كــان الفــداءَ لمــن كَـفـر
ويـــعـــرفــه الانــســانَ مــن كــل مِــلَّةٍ
أخــاه فِــمــن وجــدانِه ذاقَ واعــتـصـره
ولم يـــشـــرح الانــجــيــلَ إلا خــلالُه
ولا كُــتــب الأديــانِ دونَ الذي سَــطــر
ومــا قــيــمــةٌ الانــسـانِ إلاّ بـقـلبـه
فـيـنـبـضُ بـعـد المـوت فـي كـلّ مـا خطر
كــذلك غَــنَّتــنــا القــرونُ التــي مـضـت
وغـنـت لنـا الافـلاكُ إن ليلنا اعتكر
فــكـيـفَ بِـمـن لمَ يـعـرف المـوتَ طـبـعـهُ
وعــاشَ جــمــالاً للحــيــاة بــمــا نَـشـر
وكـــيـــف بِـــمـــن أنـــفـــاسُه عـــلويَّةـــٌ
تَــشــرَّبــهــا مــن حـولنـا كـل مـا نَـضـر
إذا قــيــل يــوم الذكــر هــذا فــإنَّهــ
تــضــمَّخــَ أضــعــافــاً بــذكــركَ لِلعــصــر
ومــا الفـاتـحُ الغـلاّبُ بـالنـارِ ذكـرهُ
بــأخــلد مــن لحــنٍ تــأجَّجــَ وانــتــصــر
صـــديـــقـــي الُمـــسَّجــى أي رُزءٍ لعــالمٍ
سـيـبـقـى عـلى الآبـاد يَـشـقـىَ ويـحتضر
وَيَــفــنــىَ مــراراً حـيـن يُـبـنـىَ مـكَّرراً
وقــد خُــلطــت فــيــه الخــرائبُ والصُّور
وكـــان ومـــا زالت مـــعـــاليــه هُــوةص
وكـان ولم يـبـرح إذا اكـتـمـلَ انـدثـر
وكـــان ولم يـــنــفــكَّ مــاســاةَ مــســرحٍ
يُهــدّمــه البــانــي وتــمــلؤهُ العــبــر
وهــلَ ثــمَّ مــعــنــىً للنــبــوغ بــأَوِجــهِ
يُــســاقُ إلى المــوتِ المـحَّتـم والحـفـر
أم المــوتُ مــيــلادُ الحــيــاةِ غــنـيـةً
بــمــا كــســبــتـهُ مـن تُـراثٍ ومـن فِـكـر
وأنــــك أنـــتَ العـــبـــقـــري بـــروِحـــه
تُــحــدِّثُ مــن نَــاجَــى وُتــلهـم مـن شـعـر
ومــنــبــركُ الحُّر المــطــل عـلى الُّدَنـا
تَــفَّردَ لم تــحــجــبــه شــمــسٌ ولا قَـمـر
عــجــائبُ ضـاقَ العـقـلُ عـنـهـا بـبـحـثـه
وَزلَّ خــيــالُ الشـعـر فـانـبـتَّ وانـكـسـر
أِجــبــنــيِ كــمــا عـوّدتـنـي فـي صـراحـةٍ
وفــي نــظـرةٍ نـفـاذةٍ حـلفَ مـا اسـتـتـر
فـمـا كـان هـذا الصـمـتُ صـمـتاً لخاطري
أذا شـئت أن تُـوحـى وتُـصـدَقـنـي الخـبر
وإلاَّ فــوا حُــزنــي المـضـاعـفَ عـنـدمـا
يُــرَدِ نــجــائي كــالجــريــحِ الذي عـثـر
ويــا وحــشــتــي فــي غُــربــتــيَّ وقـلمـا
أرى غـيـر مـن بـاهىَ على الشرِّ وابتدر
عــزاء بــنــى حــدَّادِ والخـطـبُ خـطـبـنـا
جــمــيــعـاً وخـطـب الألمـعـيـةِ والبـشـر
ومــن ذا يُــعــزّى فـي النـبـيـيـن آلهـم
ويـنـسـى شـعـوبـاً حُّظـهـا اليأسُ والخطر
فــمــا كــان هـذا النـبـل مـلكـاً لأمـةٍ
ولا لغـــةٍ عـــزّت ولا مـــرســـلٍ ظـــهـــر
ولكــــنــــه مــــلكٌ لآفــــاق نــــفـــســـه
ومـن بـعـضـهـا أسـنـى العـواطفِ والوتر
غــفــرنــا ذنــوبَ الدهــر إلاَّ ذنــوَبــه
عــلى المــبـدعِ الفـنـانِ لو أنـه غـفـر
عــزاءً لنــا جــمــعــاً عــراءً فــإنــمــا
إذا الشـعـب لم يُـنـصـف نـوابغه انتحر
ومـا كـانـت الُقـربـى الوشـيـجـةَ وحدَها
فــبـيـن دمـوعِ النـاسِ مـا خَـلقَ المـطـر
وليــســت دمــوعٌ تُــبــذل اليــوم حــوله
دمـوعـكـمـو بـل ِ مـن معانيه ما انتثر
ومـــن ذا الذي مـــنــا يــؤبــن فــضــله
بــأبــلغَ مــن نــفـحِ الخـمـائلِ والنَّهـر
ومــن خــطـراتِ النـور تُـضـفـى حَـنـانَهـا
فـيـلثـمـهـا فـي بِـرَّهـا التـربُ والحـجر
ومــن كــلِّ حــســنٍ فــي الوجــودُ مــؤصــلٍ
يــجــاوبُه بــالرُّوح والســمــعِ والبـصـر
ولم أَلقـــهُ يـــومـــاً وكـــلي حـــيـــالَه
خُـشـوعٌ كـحـالي اليـومَ لا أمـلكُ النظر
وليــس جــلالُ المــوتِ مــا هــو قـاهـري
ولكــن جــلالٌ فــي تــســامـيـه مـا قَهـر
لمــن رَقــرقَ الشــعــرَ العــصـىَّ جـداولاً
مــن السـحـر والآىَ الطـهـورةِ فـي سُـور
ومــن كـان أدنـى فـضـله يَـبـهـرُ النُّهـى
ويُـخـفـى حـيـاءً مـنـه أضـعـافَ مـا بـهـر
ومــن دمـعـةُ العـاصـي عـليـه كـدمـعـتـي
كــأنــي جــزءُ مــنــه بـد بُـتَّ فـانـشـطـر
أرانــي صــديــقــي فـي وقـوفـي مـؤبـنـاً
أخــادعُ نــفــســي فــي صـفـاتـك والأثـر
وإلاّ فــمــا عــذري ومــثــلكَ مــن أتــى
إلى هـــذه الأطـــلال مـــن ســـدُمٍ أَخــر
وليــس رثــائي غــيــرَ رمــزٍ لوحــشــتــي
فــشــأنُــك بــيــن العــبـقـريـةِ والقـدر
ومــن كــان مــن نــورٍ وعــطــرٍ حــيــاتُه
فـغـايـتـه التـخـليـدُ فـي نـوره العـطر
تـعـالى عـلى الشـكـر الحـمـيـم بـعـيشهِ
وفـي المـوت لا يـعـينهِ تأبينُ من شَكر
ولكــنــمــا يــعـنـيـه ثـأرٌ عـلى المـدى
مـن الظـلم والُّظـلامِ والبـطـشِ والبـطر
لئن جــادَ بـالشـعـر الرقـيـقِ أغـانـيـاً
فــمـن خـلفـهـا الآلام تـقـدح بـالشـرر
لقــد عــاش عــيــش التـضـحـيـاتِ ومـوتـه
حــيــاةٌ لمــن يـحـيـا وإلهـامُ مـن ثـأر

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك