أمّا الشّبابُ فقد مضت أيّامُهُ

72 أبيات | 301 مشاهدة

أمّــا الشّــبـابُ فـقـد مـضـت أيّـامُهُ
وَاِســتُـلّ مـن كـفّـي الغـداةَ زِمـامُهُ
وتـــنـــكّـــرتْ أيّـــامُهُ وتَـــغـــيّــرتْ
جــــاراتُه وتــــقــــوّضــــتْ آطــــامُهُ
ولقـد درى مـن فـي الشـبابِ حياتهُ
أنّ المــشــيــبَ إذا عــلاه حِـمـامُهُ
عـوجـا نحيّي الرَّبعَ يدللنا الهوى
فــلربّــمــا نــفــع المــحـبَّ سَـلامُهُ
واِسـتـعـبـرا عـنّـي بـه إنْ خـانـنـي
جَـفـنـي فـلم يـمـطـرْ عـليـه غـمامُهُ
فــمــن الجــفــون جــوامِــدٌ وذوارفٌ
ومـــن السّـــحــاب رُكــامُهُ وجَهــامُهُ
دِمَــنٌ رضــعــتُ بـهـنّ أخـلافَ الصِّبـا
لو لم يـكـن بـعـد الرَّضـاعِ فـطامُهُ
ولقـد مـررتُ عـلى العـقـيـق فشفّني
أنْ لم تـغـنّ عـلى الغـصـون حَـمامُهُ
وكـــأنّه دَنِـــفٌ تـــجـــلّد مــؤنــســاً
عُــوّادَه حــتّــى اِســتَــبــان سَـقـامُهُ
مــن بــعــد مــا فــارقــتُه فـكـأنّه
نــشــوانُ تــمــســح تــربــه آكــامُهُ
مَــرِحٌ يــهــزّ قــنــاتَه لا يــأتــلي
أَشَـــرُ الصِّبـــا وغـــرامُهُ وعُـــرامُهُ
تــنــدى عـلى حـرّ الهـجـيـر ظِـلالُهُ
وَيــضــيـء فـي وقـت العـشـيّ ظَـلامُهُ
وكـــأنّـــمـــا أطـــيــارُه ومــيــاهُهُ
للنّــــازليـــه قِـــيـــانُه ومُـــدامُهُ
وكـــأنّ آرامَ النّـــســـاءِ بـــأرضــه
للقـــانِـــصِــي طَــرْدِ الهــوى آرامُهُ
وكــأنّــمــا بــرد الصّــبـا حَـوْذانُه
وكــأنّــمــا ورق الشّــبــاب بَـشـامُهُ
وَعَــضـيـهـةٍ جـاءتـك مـن عَـبِـقٍ بـهـا
أزرى عــليــك فــلم يــجُـزه كـلامُهُ
ورمــاك مــجــتــرئاً عـليـك وإنّـمـا
وافــاك مــن قــعــر الطَّوِىّ سِــلامُهُ
وكــأنّـمـا تَـسْـفِـي الرّيـاحُ بـعـالِجٍ
مــا قــال أو مــا ســطّـرتْ أقـلامُهُ
وكــــأنّ زُوراً لفّــــقــــتْ ألفــــاظُهُ
سِــلْكٌ وَهــى فَــاِنـحـلّ عـنـه نـظـامُهُ
وَإِذا الفــتــى قـعـدتْ بـه أخـوالُهُ
فـي المـجـدِ لَم تَـنـهـض به أعمامُهُ
وإذا خـصـالُ السّـوءِ بـاعَدْن اِمرءاً
عـــن قـــومـــه لم تُـــدنِهِ أرحــامُهُ
وَلكَــمْ رمـانـي قـبـل رَمْـيـكِ حـاسـدٌ
طــاشــتْ ولم تــخـدش سـواه سـهـامُهُ
ألقـى كـلامـاً لم يَـضِـرْنـي وَاِنثَنى
ونــــدوبـــهُ فـــي جـــلده وكِـــلامُهُ
هَــيــهـاتَ أَن أُلفـى رَسـيـلَ مُـسـافِهٍ
يــنــجـو بـه يـوم السّـبـابِ لِطـامُهُ
أو أن أُرى فـــي مـــعــركٍ وســلاحُهُ
بـــدلَ السّـــيــوف قِــذافُهُ وعِــذامُهُ
ومــن البــلاء عــداوةٌ مــن خـامـلٍ
لا خــــلفــــه لعُـــلىً ولا قُـــدَّامُهُ
كَــثُــرتْ مَــســاويـه فـصـارَ كَـمـدحـه
بــيــن الخــلائق عــيــبُهُ أوْ ذامُهُ
والخُـرْقُ كـلُّ الخُرق من متفاوت ال
أفــعــالِ يــتــلو نــقــضَه إبــرامُهُ
جَــدِبِ الجَــنــاب فـجـارُهُ فـي أزْمـةٍ
والضّــيــفُ مــوكــولٌ إليــه طـعـامُهُ
وإذا عــلقـتَ بـحـبـله مـسـتـعـصـمـاً
فــكــفــقــعِ قَــرْقَـرَةٍ يـكـون ذِمـامُهُ
وإذا عـهـودُ القـومِ كـنّ كـنـبـعـهمْ
فــالعــهــد مــنـه يَـراعُهُ وثُـمـامُهُ
وَأَنـا الّذي أَعـيـيـتُ قبلك مَن رَسَتْ
أَطـــوادُه واِســـتــشــرفــتْ أعــلامُهُ
وتــتــبّــع المــعــروفَ حـتّـى طُـنِّبـتْ
جـوداً عـلى سَـنَـنِ الطّـريـقِ خِـيـامُهُ
وتــــنـــاذرتْ أعـــداؤه ســـطـــواتِهِ
كــاللّيــث يُــرهــب نـائبـاً إرزامُهُ
وتــرى إذا قــابــلتــه فــي وجـهـهِ
كــالبــدر أشـرق حـيـن تـمّ تـمـامُهُ
حـــتّـــى تــذلّل بــعــد لأْيٍ صــعــبُهُ
وَاِنــقــادَ مَــنــبــوذاً إليَّ خِـطـامُهُ
يُهــدى إليّ عـلى المـغـيـب ثـنـاؤُهُ
وإذا حـــضـــرتُ أظَـــلَّنِـــي إكــرامُهُ
فـمـضـى سـليـمـاً مـن أداة قـوارصي
وَاِســتــام ذمّــي بــعــده مــسـتـامُهُ
والآن يــوقــظــنــي لنـحـتِ صَـفـاتِهِ
مَـن طـال عـن أخـذ الحـقـوق نيامُهُ
وَيَــســومــنـي مـا لم أزلْ عـن عـزّةٍ
ونـــزاهـــةٍ آبـــاه حـــيــن أُســامُهُ
ويـــلُسُّنـــِي ولئنْ حَــلَوْتُ فــإّنــنــي
مَــقِــرٌ وفــي حــنـكِ العـدوّ سِـمـامُهُ
فــلبــئســمــا مـنّـتْه مـنِّيـ خـاليـاً
خــــطــــراتُه أو ســــوّلتْ أحــــلامُهُ
أمّـا الطّـريـفُ مـن الفخار فعندنا
ولنـا مـن المـجـد التّـليـد سنامُهُ
ولنـا مـن البـيـت المـحـرّم كـلّمـا
طــافــتْ بــه فــي مــوســم أقــدامُهُ
ولنـا الحَـطِـيـمُ وزَمْـزَمٌ وتـراثـنـا
نِـعْـمَ التّـراثُ عـن الخـليـل مَقامُهُ
ولنـا المـشـاعـر والمواقفُ والّذي
تــهــدي إليــه مــن مِـنـىً أنـعـامُهُ
وبــجَـدّنـا وبـصـنْـوِه دُحِـيَـتْ عـن ال
بــيــت الحــرامِ وزُعـزعـتْ أصـنـامُهُ
وهـمـا عـليـنـا أطـلعا شمس الهدى
حــتّــى اِســتَــنــارَ حـلالُهُ وحـرامُهُ
وَأَبـى الّذي تَـبدو على رغم العِدا
غُــــرّاً مــــحـــجَّلـــةً لنـــا أيّـــامُهُ
كالبدر يكسو اللّيلَ أثواب الضّحى
والفـجـرُ شُـبّ عـلى الظـلام ضِـرامُهُ
وَهـو الّذي لا يـقـتـضـي فـي مـوقـفٍ
إِقــــدامُهُ نُــــكْــــصٌ بـــه أقـــدامُهُ
حــتّــى كــأنّ حــيــاتَه هــي حــتــفُه
ووراءَه مــــمّـــا يـــخـــاف أمـــامُهُ
ووقـى الرّسـول على الفراش بنفسه
لمّــــا أرادَ حِــــمــــامَه أقــــوامُهُ
ثــانِــيـهِ فـي كـلّ الأمـور وحـصـنُه
فــي النّــائبــاتِ وركــنُه ودِعــامُهُ
للَّه دَرُّ بــــــــــلائه ودفــــــــــاعِه
واليـومُ يـغـشـي الدّارعـيـن قَتامُهُ
وكــأنّــمــا أُجــمُ العــوالي غِـيـلُهُ
وكــأنّــمــا هــو بـيـنـهـا ضِـرغـامُهُ
وتــرى الصّــريــعَ دمــاؤه أكـفـانُه
وحَــــنــــوطُه أحــــجـــارُه ورَغـــامُهُ
والمــوْت مــن مـاء التّـرائب وِرْدُه
ومــن النّــفــوسِ مَــرادُه ومَــســامُهُ
طـلبـوا مـداه فـفـاتـهمْ سبقاً إلى
أمَــدٍ يــشــقّ عــلى الرّجـالِ مَـرامُهُ
فـمـتـى أجـالوا للفـخـارِ قِـداحَهـمْ
فـــالفـــائزاتُ قـــداحُهُ وســـهــامُهُ
وَإِذا الأمـور تَـشـابَهـت واِستَبهمتْ
فَــجِــلاؤهــا وشــفــاؤهــا أحـكـامُهُ
وَتَـرى النـديَّ إِذا اِحـتَـبـى لقـضيّةٍ
عــوجــاً إليــهــا مُــصْـغِـيـاتٍ هـامُهُ
يُــفْــضِــي إلى لُبّ البـليـد بـيـانُهُ
فــيــعِــي ويُــنـشـئُ فـهـمَه إِفـهـامُهُ
بـــغـــريــبِ لفــظٍ لم تُــدِرْهُ أَلْسُــنٌ
وَلِطــيــفِ مــعـنـىً لم يُـفـضّ خـتـامُهُ
وَإِذا اِلتـفـتّ إلى التُّقـى صـادقْتَه
مـــن كـــلِّ بِـــرٍّ وافـــراً أقــســامُهُ
فــاللّيــلُ فـيـه قـيـامُه مـتـهـجّـداً
يـتـلو الكتابَ وفي النّهارِ صيامُهُ
يــطـوِي الثـلاثَ تـعـفُّفـاً وتـكـرُّمـاً
حـــتّـــى يُــصــادفَ زادَه مــعــتــامُهُ
وتـراه عُـريـانَ اللّسـانِ من الخَنا
لا يــهــتــدي للأمـر فـيـه مـلامُهُ
وعــلى الّذي يُـرضـي الإلهَ هـجـومُه
وَعــلى الّذي لا يَــرتَـضـي إحـجـامُهُ
فــمــضـى بـريـئاً لم تَـشِـنْهُ ذنـوبُه
يـــومـــاً ولا ظــفِــرتْ بــه آثــامُهُ
ومــفــاخــرٍ مــا شــئتَ إن عـدّدتَهـا
فــالسّــيـلُ أطـبـق لا يـعـدّ زهـامُهُ
تـعـلو عـلى مَـن رام يـومـاً نيْلَها
مـــن يَـــذْبُــلٍ هَــضَــبَــاتُهُ وإكــامُهُ

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك