أمِنْ أجل أن أعفاك دهرُك تطمعُ

59 أبيات | 159 مشاهدة

أمِـنْ أجـل أن أعـفـاك دهـرُك تـطـمـعُ
وتـأمـن فـي الدنـيـا وأنـتَ المروَّعُ
فـإنْ كـنـتَ مـغـروراً بـمـن سـمحتْ به
صـروف اللّيـالي فـهـي تُـعـطي وتمنعُ
شـــفـــاءٌ وأســقــامٌ وفــقــرٌ وثَــرْوَةٌ
وبَـــعْـــدَ اِئتِــلافٍ نَــبــوَةٌ وتــصــدُّعُ
تـأمّـلْ خـليـلي هـل تـرى غـيـرَ هالكٍ
وإلّا مُـــبـــقـــىً هُـــلْكُهُ مـــتـــوقّــعُ
فَـمـا بـالُنـا نَـبـغي الحياةَ وإنّما
حـيـاةُ الفتى نَهجٌ إلى الموتِ مَهْيَعُ
لنـا كـلَّ يـومٍ صـاحـبٌ فـي يد الرّدى
ومــاضٍ إلى دار البِـلى ليـس يـرجـعُ
ومَـغْـنـى جـمـيـعٍ فـرّق الدَّهـر بينهم
ودارُ أنــيــسِ أوحَــشَــتْ فـهـي بَـلْقَـعُ
وخَــــرْقٌ نُــــرجِّيـــه بـــســـدِّ فـــروجِهِ
وآخــرُ لا يــخــفــى ولا هــو يُـرقَـعُ
تـحـسَّى الرّدى لَخْـمٌ وأبـنـاءُ حِـمْـيَـرٍ
وقــيــدَ إلى الأجــداث عــادٌ وتُــبَّعُ
وآلُ نِــزارٍ زَعْــزَعــتْ مــن عــروشـهـمْ
بأيدي الرَّزايا السّود هوجاءُ زَعْزعُ
ولم يـبـق مـن أبـنـاء سـاسانَ مُخبرٌ
ولم يـبـدُ مـن أولادِ قـيـصـر مُـسـمِعُ
ولم يُــنــجــهـمْ مـنـه عـديـدٌ مُـجـمّـع
ولم يَــثْــنِهــمْ عــنــه مَـشـيـدٌ مُـرَفَّعُ
فــلا مِــعْــصَــمٌ فــيــه سِــوارٌ مُـعَـطَّنٌ
ولا مَـــفْـــرِقٌ يَــعــلوه تــاجٌ مُــرَصَّعُ
كَـــأنّهُـــمُ بــعــدَ اِعــتِــلاءٍ وَصــولةٍ
أَديــمٌ مــفــرّىً أَو هَــشــيــمٌ مُـذَعْـذَعُ
وَلَيــــس لَهـــمْ إلّا بِـــنـــاءٌ مُهَـــدَّمٌ
وركــنٌ بــمَــرِّ الحــادثــاتِ مُـضَـعْـضَـعُ
وَقَــطّــع عــنّــي مــعــشــري وأصـادِقـي
وَشَــمــلُ اِمـرئٍ فـاتَ الرّدى مـتـقـطّـعُ
وكــانــوا وعــزَّاتُ الزَّمــانِ ذليــلةٌ
لديــهــمْ وأجــفــانُ المـنـيَّاـتِ هُـجَّعُ
مـتـى عجِموا كانوا الصّخورَ وإنْ هُمُ
دُعـوا يـومَ مكروهٍ أجابوا فأسرعوا
وإنْ شـهـدوا الهـيـجاءَ والسُّمرُ شُرَّعٌ
فَــذاكَ عــريــنٌ لا أبــاً لك مُــسـبِـعُ
تــفــانَــوْا فـمـاضٍ بـانَ غـيـرَ مـودَّعٍ
تـــعـــاجَــلَهُ صــرفُ الرّدى أو مــودَّعٌ
أَلا قُـلْ لِنـاعِـي جـعـفـرِ بـنِ مـحـمّـدٍ
وأســمَــعـنـي يـا ليـت لم أكُ أسـمـعُ
فــمــا لك مــنِّيــ اليـومَ إلّا تَـلَهُّفٌ
وإلّا زَفـــيـــرٌ أو حـــنـــيــنٌ مُــرَجَّعُ
وإلّا عِــضــاضٌ للأبــاهِــم مــن جــوىً
وهــل نــافــعٌ أنْ أدْمِـيَـتْ لِيَ إصـبـعُ
ولو كـانـت الأقدار تُوقَى وقَتكَ مِن
نُـــيـــوبِ الرّدى أيــدٍ طــوالٌ وأَذرُعُ
وَقَــومٌ إِذا مــا أَطـعَـمـوا بـأكـفّهـمْ
طِـوالَ القَـنا لحمَ التَّرائبِ أشبعوا
كِــرامٌ إذا ضَــنَّ الغــمـامُ تـدفّـقـوا
وإنْ أقـحـطَ العامُ الشّماليُّ أمْرَعوا
وَإنْ طَلبوا صَعْباً منَ الأمرِ أرهقوا
وإنْ طـرقـوا بـابَ العـظيمةِ قعقعوا
مَــعـاقِـلهـمْ مـا فـيـهـمُ مِـن بـسـالةٍ
وَلَيـس لَهـمْ إِلّا القنا السُّمْرَ أدْرُعُ
وبـيـضـاً تـراهـنّ العـيـون وعـهـدُهـا
بَــعـيـدٌ بـأيـمـانِ الصّـيـاقـلِ تـلمـعُ
ومـا فـيـهـمُ والحـربُ تـقتنصُ الطُّلى
بِـأَيـدي الظّبا إِلّا الغلامُ المُشَيَّعُ
صــحــبـتُ بـه عـصـرَ الشّـبـابِ وطـيـبَه
وكـنـتُ إلى نـجـواه فـي الهـمِّ أفزعُ
وللسّـرِّ مـنّـي بـيـن جـنـبـيـه مَـسـكَـنٌ
حـــمـــيٌّ أبـــيٌّ شـــاحـــطٌ مُـــتـــمـــنِّعُ
وكــم رامــه مــنّـي الرّجـالُ وإنّـمـا
يـرومـون نـجـمـاً غـاربـاً ليـس يطلعُ
فـلِي جَـزَعٌ بـاقٍ عـليه وإن عفا الت
تَــجــمّــل مـا فـي أضـلُعـي والتّـصـنُّعُ
ولم أسْــلُهُ لكــنْ تــجــلّدت كـي يـرى
شَــمــوتٌ بِــحُــزْنِــي أنّ صــدرِيَ أوســعُ
وقـالوا عـهـدنـا مـنـك صبراً وحِسْبَةً
وفـي الرُّزءِ لا يـجري لعينيك مدمَعُ
فــقــلتُ مـصـيـبـاتُ الزّمـان كـثـيـرةٌ
وبـعـض الرّزايـا فـيـه أدهـى وأوجعُ
ذكـرتُـك والعـيـنـان لا غَـرْبَ فيهما
فــلم تــبــقَ لِي لمّـا ذكـرتُـك أدمُـعُ
وَما زُلتَ عن قلبي وإنْ زُلت عن يدي
وقـد تـنـزع الأقـدار ما ليس يُنزعُ
فـإنْ تـرقَ عـيـنـي مـن بـكـاءٍ تجمّلاً
فــمــن دونـهـا قـلبٌ بـفـقـدك مـوجَـعُ
وَإنْ غبتَ عن عَيني فما غبتَ عن حَشىً
مُــقَــلْقِــلَةٍ تــحــنــو عــليـك وأضـلعُ
ومـا بـعـد يـومٍ أمـطَـرَتْـكَ مـدامـعـي
لعــيــنِـيَ مَـبْـكـىً أو لقـلبـيَ مَـجـزَعُ
وكــم قــلّبــتْ كــفّــاي مـن ذي مـودّةٍ
فَـلم يَـلقَـنِـي إلّا المـلومُ المـقرَّعُ
عـرفـتُـك لمّـا أنْ وفَـيْـتَ ومـا وَفَـوْا
وحـيـن حـفـظـتَ العـهـدَ مـنِّي وضيّعوا
فــنــعـمَ مـشـيـراً أنـتَ والرّأيُ ضـيِّقٌ
ونـعـم ظـهـيـراً أنـت والخـطـب أشنعُ
وإنّ غـــنـــاءً بــعــد هُــلْكِــكَ أصْــلَمٌ
وإنّ وفـــاءً بـــعـــد فـــقــدك أجْــدَعُ
وليـس لإخـوانِ الزّمـان وقـد سُـقـوا
فــراقَــك صِــرْفــاً مـن يـضـرّ ويـنـفـعُ
عـهـدتُـك لا تـعـنـو لبـأسٍ ولم تَـبِتْ
وخــدُّك مــن شــكــوى الشّـدائد أضـرعُ
وَعَــزّ عــلى قــلبــي بــأنّــك مــفــردٌ
أُنـاجـيـك لَهْـفـاً نـائمـاً ليـس تسمعُ
وَأَنّــك مِــن بــعــدِ اِمــتِــنـاعٍ وعـزّةٍ
تُــحَــطُّ عــلى أيـدي الرّجـالِ وتُـرفـعُ
فَــمــا لَكَ مَهــجــوراً وأنــتَ مُــحــبَّبٌ
ومــا لك مــبــذولاً وأنــت المُـمَـنَّعُ
وقـد كـنـتَ صَـعْباً شامسَ الظّهر آبياً
وأنـــتَ لرَحْـــلِ المــوت عَــوْدٌ مُــوَقَّعُ
ومــا ذاك عـن عـجـزٍ ولا ضَـعْـفِ قـوّةٍ
وَلَكــنّه الأمــر الّذي ليــس يُــدفــعُ
ومــا ســرّنــي أنّـي نـبـذتُـك طـائحـاً
بــغــبــراءَ لا تـدنـو ولا تـتـجـمّـعُ
وأودعـتُ بـطـنَ الأرضِ مـنـك نـفـيـسةً
وهـلْ مـودَعٌ فـي التُّربِ إلّا المُـضَيَّعُ
سَـقـى قَـبـرَك الثّـاوي بِـمَلساءَ قفرةٍ
غَــزائرُ مــن نــســجِ العـشـيّـات هُـمَّعُ
كـأنّ السّـحـابَ الجَـوْنَ يَـنـطِـفُ فـوقه
ركـــائبُ يـــحــمــلن الهــوادجَ ضُــلَّعُ
وَلا زالَ مَــطــلولَ التّــراب وحــولهُ
مِـنَ الرّوض مُـخـضـرُّ السّـبـاسـب مُـمْرِعُ
وجِـــيـــد بــريــحــانٍ وَرَوْحٍ ورحــمــةٍ
ونـاء بـمـا فـيـه الشّـفـيـعُ المشفّعُ

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك