أيا أيُّها العشّاق للمَحضَرِ الأعلى
للشاعر المستغانمي
1
أيــا أيُّهــا العــشّــاق للمَـحـضَـرِ الأعـلى
عــيــدونـا بـوَصـلِكُـم فـلكُـم فـيـنـا وَصـلا
2
فــهــذا قــت النــهــوض للمـقـام الأسـنـى
فـــلِلهِ الحـــمــدُ حــيــثُ كــنــا له أهــلا
3
دعـــانـــا داعـــيُّ اللَهِ قـــبــلَ وجــودِنــا
ولمــا كــان الوجــود ســمـعـنـا لهُ قـولا
4
فــحــنَّ حــمــامُ الوصــلِ مــن بــعــدِ فـصـلهِ
فــصِــرنــا عــلى جــمــعٍ تـاللَهِ ولا حـولا
5
فــنــحــنُ مــلوكُ الأرضِ مــن حــيــث قــربُهُ
بــذَلنــا نــفــوسـاً فـي حـبَّهـِ ثـمَّ الأهـلا
6
فـكُـنّـا فـي ضوء الشمس والغيرُ في الدجى
لنـــا بـــصَــرٌ حــديــدٌ حــيــثُــمــا تــجــلّى
7
ولنــا مــن نــور الحــقِّ نــورٌ عــلى نــورٍ
يـهـدي اللَهُ لنـورِ الولي مـن كـان أهـلا
8
ولا تــعــجَـبِ مـن هـذا وقـد كـان قـبـلَنـا
هـداةٌ عـلى التـحـقـيـق في الأمم الأولى
9
تُـزكـوامـا بـيـن القـوم لم يُـسـمَع قولُهُم
وقــد مــرَّت الأيــامُ والنــاسُ فــي غـفـلا
10
وبــعــد وفــاةِ الشــيــخ يــظــهـر كـمـثـلهِ
فـــهـــذي سُـــنَّةـــُ اللَهِ جــرت فــلا بــدلا
11
فـــإن فـــاتــكَ الوصــولُ عــنــدَ حــيــاتــهِ
فـالفَـوتُ فـذاك الفـوتُ صـح بـعـد النـقلا
12
فــشــمِّر عــن ســاق الجــد وانــهـض لأمـرهِ
وخُــذ عــنــهُ عـلومـاً رخـيـصـة وقـد تـغـلا
13
وذلكَ مــــــشـــــهـــــودٌ لدي كـــــلِّ عـــــارفٍ
فـمَـن كـان ذا عـقـلٍ فـليـسـتـنـجدِ العقلا
14
ويَــقُــل فــاتَ الزمــانُ عـنّـي يـا حـسـرَتـي
ويَـــنـــهــض تــجــدِ الحــقَّ حــقّــاً إن جــلا
15
ويَــقــل أنــا الغــريــقُ لالي ولا مــعــي
وليـسـتـنـجـدِ أربـاب الوصول إلى الوصلا
16
فـــهـــمُ إلى الظـــمـــآن أولى بـــشـــربــهِ
لهُـــم فـــيّــاضُ الرحــمــنِ وشــرّابٌ يــحــلى
17
ومــن لم يــغــنِ المــريــدَ أوَّل نــظــرَتــهِ
فـهُـو فـي قـيـد الجـهـلِ حـاط بـهِ الجـهلا
18
فـــلا شـــيـــخَ إلّا مـــن يـــجـــودُ بــســرِّهِ
حــريــصٌ عــلى المــريــد مـن نـفـسـه أولى
19
ويــرفــعُ عــنــهُ حــجــبــاً كــانــت لقـلبـهِ
مــنــيــعـاً عـن الوصـول للمـقـام الأعـلى
20
ويــدخُــل حــضــرةَ اللَهِ مــن بــعــدِ فـصـلهِ
ويَـــرى ظـــهـــورَ الحـــقِّ أيــنــمــا تــولّى
21
ويـــفـــنـــى عـــنِ العــالمِ طُــرّاً بــأســرهِ
فــلا نــاصِــراتُ الطَــرف يُهــوى ولا خــلّا
22
فـــهـــذا تـــاللَهِ شـــيــخٌ ليــس كــمــثــله
فــهــوَ فـريـدٌ العـصـرِ واحـد فـي الجـمـلا
23
فــهــو النــجــم اثــاقــب إن رُمــتَ قــربَهُ
وإن نــفــسُــكَ عــزت فــهــو مــنــهـا أغـلى
24
كــــســــاهُ رســــول اللَهِ ثــــوبَ خـــلافـــةٍ
تــخــلى بــذاك الثــوب بــعــدَ مــا تـخـلّى
25
وكـــــــفـــــــى هــــــوَ الوارِبُ لســــــرِّ ربِّهِ
صــفــيُّ نــقــيُّ القــلبِ بــالحُــســن تــحــلى
26
أخـــذ عـــن الرســـول عـــلمــاً كــفــى بــهِ
أنــهُ عــلمُ البــاطــنِ فــي القــلبِ تــدلّى
27
عــلمٌ كــان مــكــتـومـاً عـن الخـلقِ جـمـلةً
وبــرٌّ كــان مــصــونــاً بـاللفـظِ لا يُـتـلى
28
عـــزيـــزٌ حــوى عــزيــزاً حــلِّ فــي قــلبــهِ
وللَهِ العـــــــــــزُّ والرســـــــــــول وللوُلا
29
هـــــم بـــــدلٌ للرُسُــــل فــــي كــــلِّ أمــــةٍ
قـامـوا بـدعـوةِ الحـقِّ نـابوا عن الرُسلا
30
وضــحـوا مـعـنـى السـبـيـل للحـقِّ وقـامـوا
شـهـوداً عـلى التـوحـيـد كما قام الأولى
31
هــنــيــئاً لهــم مــن قـومٍ قـد جـادَ ربُّهـُم
عـــليـــهــم بــقــربــهِ وبــالرضــى تــجــلّى
32
هـمُ القـوم لا يـشـقـى جـليـسـهُم قد قالا
نــبـيُّهـُم فـي الصـحـيـح صـحَّ مـا قـد قـالا
33
هــمُ العُــروةُ الوثــقــى بــهــم فـتـمـسَّكـَن
هـم أمـان أهـلِ الأرضِ فـي الخلا والملا
34
لهُــم قــلوبٌ تــرى مــالا يــرى غــيــرهــا
أيـقـاظٌ وإن نـامـوا فـفـي نـومـهِـم وصـلا
35
تــاللَهِ نــومُ العــارف يُــغـنـي عـن ذكـرهِ
فـــكـــيـــفَ بـــصـــلاةِ العـــارف إذا صــلّى
36
يـــكـــونُ بــســقــفِ العــرشِ حــالةَ قــربــهِ
واقــفــاً مــع الإلهِ يــا لهــا مـن حـالا
37
حــالةٌ لو حــال الحــالُ بـيـنـي وبـيـنَهـا
لقــلتُ هــذا مــحــالٌ والحــالُ لا يــحــلى
38
فــكُــنّــا كــمــا كــنّـا ولا زِلنـا وعـدنـا
عــلى حــضــرةِ التــوحــيــد كـأوَّل الوهـلا
39
حــبــيــبٌ قــد تــجــلى عــليــنــا بــنــورهِ
فَــنِــلنـا مـن ذاك النـور حـظّـاً وإن جـلّا
40
وقــد بـدا نـورُ الشـمـس فـي قـمـر الدجـى
فـكـنـتُ مـنـهـا فـرعـاً وكـانـت مـنّـي أصلا
41
وقـــد خـــمــر الغــرام مــنّــا عــقــولنــا
كــأنَّنــا فــي خــبــل وليــسَ بــنــا خـبـلا
42
تــرانــا بـيـن الأنـام لسـنـا كـمـا تـرى
تــــاللَهِ لفــــوق أرواحــــنــــا تــــجــــلى
43
لنــا مــن عــقــل العـقـول عـقـلٌ فـيـا لهُ
جــوهــرٌ فــريــدُ الحـسـن يـا حـبَّذا عـقـلا
44
لا يــعــقِــل مــا ســوى اللَهِ جــلَّ ثـنـاؤهُ
فــهــذا هــو العــقــال يــعــقـل ولو قـلّا
45
هــنــيــئاً لكُــم مــن قــوم خــصَّكــُم ربُّكــُم
واصــطــنــعــكُــم لِنَــفــسـهِ صـنـعَه مُـكـمـلا
46
خــصَّكــُم بــكَــشــف الصــون عـن نـور وجـهـه
فــهــل يــعــادلُ الشــكــر كــلّاً قُـلتُ فـلا
47
ألا فــاعــمـلوا شـكـراً لمـن جـادَ بـالذي
أعــــزَّ مــــن العـــزيـــز وبـــالعـــزّ أولى
48
ألا فـتـيـهـوا فـخـراً على العرشِ والثرى
فــأنــتُـم عـبـيـدُ اللَهِ أمـا الغـيـرُ فـلا
49
تــحــيَ بــكــمُ أجــسـامُ حـالَت فـي رمـسـهـا
مـــمـــزَّقـــة كـــانـــت رُفـــاتـــاً ونُـــخــلا
50
كـــأنـــكـــم روحُ اللَهِ خـــلت فـــي آدمـــا
مـثـلَ مـا لمـريـمَ مـن نـفـخ جـبـرَ اثـيـلا
51
ألا فــارقــصــوا وجــداً وتــيـهـا وطـربـاً
وجــرّوا ذيــولَ العــزِّ كُــنـتُـم لهـا أهـلا
52
كــلامُــكُــم مــا أحــلاهُ يُــصــغـى لصـيـتـهِ
كــأنَّهــُ تــســبــيــحٌ مــن المـلاءِ الاعـلى
53
كــــأنــــه ســــحــــرُ اللَهِ للقـــلبِ جـــاذبٌ
واللَهُ يُـــحِـــقُّ الحــق والبــاطــلُ يــفــلا
54
حـــوَيـــتُــم عــزّاً نــعــم وقــدراً وســطــوة
فـــــعِـــــزُّكـــــم عـــــزٌّ ودولتــــكُــــم دولا
55
مــدَحــتُــكُــم كــلا بــل نَــمــدَح مــادِحَـكُـم
لأنـــكـــمُ أهـــل والمـــدح فــيــكُــم حــلى
56
ســلامُ اللَهِ عــنــكُــم مــا قــال قـائلُكُـم
جــزى اللَهُ مــن ان داعــيـاً إلى المـولى
57
وإن كُــنــتُ عــبــدكُــم عــبــيـداً لعـبـدكُـم
فــلى فــي ذاك فــخــرٌ وعــزٌّ بــيــنَ الولا
58
مُــحــبــكُــم حــب اللَهِ مــن حــيــثُ حــبِّكــُم
لأنــــكُــــم بــــابُ اللَهِ جــــلَّ وتـــعـــالى
59
فــهَــل لكَ يــا هــذا نــصــيــبٌ مـن ذوقِهـم
فــإن كــنــت مــثــلهُــم نــعــم فـلكَ صـولا
60
وإن لم تــجِــد لدَيــكَ شــيــئا مــمّـا لهُـم
فــأنـصـف مـن نـفـسِـك وهـذا الوصـف يـتـلى
61
فــهَــل طــويــت الأكــوان عــنــك بــنـظـرة
وهــل شــاهــدت الرحــمــن حـيـثُـمـا تـجـلّى
62
وهَــل اِفــنَــيــت الأنــامَ عــنــكَ بــلَمـحَـةٍ
وهـل تـهـت عـن الكـل والعـلوي والسُـفـلا
63
وهــل طُــفــتَ بــالأكــوانِ مــن كــلِّ جـانـبٍ
وهــل طــافَ بــك الكــونُ وانــت لهُ قـبـلا
64
وهـــل زالَت الحـــجُـــبُ عـــنـــكَ تـــكــرُّمــاً
وهــــــل رُفِـــــع الرداءُ وزالتِ الســـــدلا
65
وقــــيــــلَ لك أدن فــــهـــذا جـــمـــالُنـــا
مــرحــبــاً فــتــمــتِّعــ بــك أهــلا وسـهـلا
66
وهـــل دعـــاك الداعـــي فـــقُــمــت لأمــرهِ
وكــنــت أديــب الســيــر وخـلعـت النـعـلا
67
وحــاطَ بــكَ التــعــظــيــم مــن كــل جـانـبٍ
ولمـــا صـــحَّ الوصـــولُ مـــلتَ لهُ مـــيـــلا
68
وهـــل صُـــنـــتَ ســـر اللَهِ بــعــدَ ظــهــورهِ
وكــنــت أمــيـنـاً عـنـهُ هـل لبـسـت الحـلا
69
فــهــذا بــعــضُ الذي يــدلُّ عــن قــربِــكــا
وإلّا ثــم أســرار لا تــفـشـى فـي المـلا
70
فـــإن صـــح هـــذا الوصـــفُ عــنــدكَ حــبَّذا
وإلّا أنــت البــعـيـدُ مـن حـضـرةِ المـولى
71
نـــحَّ عـــن عــلم القــوم لســت مــن أهــلهِ
لا تـقـرَب مـال اليـتـيـم ذاك نفسُ البلا
72
كـــبُـــرَ مــقــتُ الإله يــا خــيــبَــةَ الذي
جــعــل زُخــرف القــول يـسـتـبـدِل الفِـعـلا
73
وهـل يـنـفَـعُ التـشـديـقُ بـالقـول والثـنا
وهـل يـنـفَـعُ التـزويـقُ مـن شـفـاء العـلا
74
وهــل يــنــفــعُ المــريــضَ مــا ســوى طــبِّه
وهــل يــســرُّ الغــريـب شـيـءٌ دونَ الأهـلا
75
فــإن لفّــقــت الأقــوال تـحـكـي كـقـولهِـم
فـهـذا شـهـدُ الزنـبـور أيـن عـسلُ النحلا
76
فـيـا ليـتَ شـعـري مـا الجـمـيلُ وما الذي
دعــــاهُ لهــــذا الزور بــــه تــــحـــمّـــلا
77
فــيــا لهُ مــن أحــمــق قــد ضــاع عــمــرهُ
يـــرومُ جـــذبَ النـــجـــوم بــيــدهِ الشــلّا
78
فــــلو صــــدق الإله أحــــســــن مــــن أنَّهُ
ضــيــع مــن العُــمــر حــظَّهــُ فــي الجُـمـلا
79
ليَـعـمَـل بـمـا عـلِم كـي يـرث ما لم يعلَم
بــهــذا جـاء الحـديُـث عـن النـبـي يُـتـلى
80
وليــأت بــيــوت اللَهِ مــن نــحــوبــابـهـا
وليــجـنَـح عـن الكـذبِ لا يـحـسـبـهُ سـهـلا
81
ألا يـــخـــشـــى رب العـــرش يــوم لقــائهِ
حــيــث يــدَّعـي الوصـولَ والحـال لا وصـلا
82
ألا تــتــقــى الرحــمــن صــونــا لعــرضــه
ويــحــفــظ نــور الإيــمــان لئلا تـرحـلا
83
ألا يــــخــــافُ الإله مــــن كـــان قـــولهُ
يـشـيـرُ إلى التـحـقـيـق والمـقامِ الأعلى
84
تـسـمَـع لسـانـاً يـتـلو مـا ليـسَ فـي قلبهِ
كـــأنَّهـــُ ذو عـــلمٍ أحـــاط بـــمـــا قــالا
85
يــــقــــولُ إن العــــارف فــــوقَ مـــقـــالهِ
فـــهـــوَ مــع الإله فــي الخــلا والمــلا
86
مــمــوَّه عــنــدَ العــوام يــدعــى كــمِـثـلهِ
وهـــو عـــنـــد الخـــواص مــرتَــكَــبُ الزلّا
87
ولولا كــشــفُ الأله يــنــبــي عــن حــالهِ
لكُــنّــا مــن حــســنِ الظـنِّ نـحـسـبـهُ أهـلا
88
ولولا ســـتـــرُ الإله نــخــشــى لهــتــكــهِ
لصـرّخـتُ بـاسـمـهـم تـفـصـيـلاً لا إجـمـالا
89
فـــهـــل طـــالبُ الإله يـــرضــى بــبُــعــدهِ
حـــشـــاهُ وإنَّمــا يــحــتــاجُ إلى الوصــلا
90
مــريــدُ المــعــنــى لهُ ســمــةٌ فــي وجـهـهِ
ونـــورٌ عـــلى الجــبــيــن ضــاء فــتــلالا
91
قـــريـــبـــاً أديـــبــاً ذا حــيــاءٍ وثــقــةٍ
صــفــوحــاً عــن العُــذال مــعـتـبـر الخـلّا
92
لهُ هـــمَّةـــٌ تـــســـمـــو عـــلى كــلّ لِّهــمَّةٍ
فــلا شـيـء يـمـنـعـهُ والوعـر يـرى سـهـلا
93
ولا لهُ وطــــــرٌ مــــــن دون مــــــرامــــــهِ
فــلا يــهــفـو لأهـل كـمـا لا يـرى عـذلا
94
ولهُ وصــفٌ جــمــيــلٌ يــكــفــي فــي وصــفــهِ
أنــهُ مــريــدُ الحــق يــا حــبَّذا النــزلا
95
فــــمـــن كـــان مـــريـــداً فـــهـــذي إرادةٌ
يــجــعــلهــا نــصــب عـيـنَـيـهِ ثـمَّ يـتـخـلّى
96
مــن كــل وصـفٍ مـذمـوم يـفـهـمُ مـن نـفـسـه
وبـــعـــد تـــخـــلّيـــهِ بـــالضــدِّ يــتــحــلّى
97
يــــكـــونُ عـــبـــداً للّهِ فـــي كـــلِّ حـــالةٍ
آتــيــاً بــفــرضــهِ ومــعــتــبِــرَ النــفــلا
98
حـــتّـــى يـــكـــونَ الحــقُّ ســمــعَهُ وبــصــرَه
لســانـاً ونُـطـقـاً واليـدَيـنِ كـذا الرجـلا
99
يــمُــت قــبــل أن يــمــوتَ يــحــيــى بـربـه
ومـا كـان بـعـدَ المـوتِ ذاك هـو النـقـلا
100
ويُــحــاسِــب نــفــســه بــنــفــسـهِ قـبـلَ مـا
ويَـــكُـــن نـــائِب الحـــقّ بــنــفــســهِ أولى
101
وليــــرَ وجــــودَ الحــــقِّ قــــبـــل وجـــودهِ
وبــــعــــدَ وجـــودهِ وحـــيـــثُـــمـــا تـــولّى
102
كــــان اللَهُ وحــــدهُ ولا شـــيـــءَ مـــعـــهُ
وهــــــو كـــــمـــــا كـــــان آخـــــراً وأولّا
103
فــــأيــــنــــمــــا رأيــــت رأيـــتَ وجـــودهُ
فــفــي مــطــلقِ التـوحـيـد ليـس فـيـه إلّا
104
فــكــيــفَ بــذاتِ اللَهِ يــحــصُــرهــا حـاجـبٌ
فــمــا ثـمِّ مـن حـجـاب سـوى النـور تـجـلّى
105
وليــــس لك هـــذا إلّا بـــصـــحـــبـــة مـــن
لهُ مـــقـــامٌ يـــســـمـــو وقـــدرٌ مــبــجــلى
106
فــإن صــادفـت الداعـي مـحـقّـاً فـي زعـمـهِ
مـشـيـراً إلى التـحـقـيق والمقام الأعلى
107
فــإيــاك الاهــمــال مــا فـحـص عـن قـولهِ
وســلهُ عــن الوصــول هــل يـعـكـس الوصـلا
108
فـــإن أشـــارَ بـــالبـــعـــد ذاك لبُـــعــده
وإن أشــار بــالقــرب فــاعــتــبـرهُ أهـلا
109
يـــوضـــح لك الســـبـــيــل للحــقِّ قــاصــداً
بـــــذلك وجـــــهَ اللَهِ جـــــلّ وتـــــعــــالى
110
ويــنــهــض بــك فــي الحــال عــنـد لقـائه
ويـضـع لك قـدمـاً فـي السـير إلى المولى
111
فــبــتــشــخــيــص الحــروف تـحـظـى بـفـضـله
إلى أن تـرى الحـروف فـي الأفـاق تـجـلى
112
وليـــس لهـــا ظــهــورٌ إلّا فــي قــلبــكــا
وبــتــمَــكُّنــِ الإســمِ تــرتــحِــلُ الغَــفــلا
113
فـــعـــظِّمـــَنِّ الحـــروف بـــقـــدر وســعــكــا
وارسـمـهـا عـلى الجـمـيـع عـلويّـاً وسُـفلا
114
وبــعــد تــشــخــيـص الإسـم تـرقـى بـنـورهِ
إلى أن تــفــنــى الأكـوان عـنـكَ وتـزولا
115
لكــنِّ بــأمــر الشــيــخ تـفـنـى فـلا بـكـا
فـــهـــوَ دليـــلٌ اللَهِ فـــاتــخــذهُ كــفــلا
116
يُــخــرجـك مـن ضـيـق السـجـون إلى الفـضـا
إلى فـــضـــاءِ الفـــضـــا إلى أوَّلِ الأولى
117
إلى أن تـرى العـالم لا شـيـء فـي ذاتـه
أقــلَّ مــنَ القـليـل فـي تـعـظـيـم المـولى
118
فـإن بـرزَ التـعـظـيـمُ تـفـنـى فـي عـيـنَيهِ
لأنــك لم تــكــن شــيــء مـن أوَّل الوهـلا
119
فــلم تــدرِ مــن أنــتَ فــكُـنـت ولا أنـتـا
فــتــبــقــى بـلا أنـتَ لا قـوى ولا حـولا
120
بـــعـــدَ فــنــائكَ تــرتــقــي إلى البــقــا
إلى بــقـاءِ البـقـا إلى مـنـتـهـى العُـلا
121
لا فــي شــهــودِ الحــق تــنــزل ركــابُـنـا
فــيــا خــيــبــةَ الذي عــن هــذا يــتـسـلّى
122
ضــيــع عــمــراً عــزيــزاً مــن غــيــر عــلّة
وقــــف دون عــــزِّهِ كــــأن بــــه نــــكــــلا
123
مــا ذاك إلّا الوَهــم يــخــشـى مـن دفـعـهِ
ولو كـــان ذاحـــزم يــعــوج عــن النــدلا
124
وليَــنــهــض فــي طـلب الحـق قـبـلَ فـواتـهِ
وهــل طــالبُ الإله يــعــتــمــدُ الكــســلا
125
فــمــن حــقّــق المــقــصــود جـدّ فـي طـلبـهِ
ولو كــان مــن أجــله يــقــتـحـمُ القـتـلا
126
فـمـا أحـلى شـربَ القـوم نـخـبـر بـطـعـمـهِ
فــلسـتُ أعـنـي خـمـراً ولسـت أعـنـي عـسـلا
127
شــرابٌ قــديــمٌ النـعـت نـعـجـزٌ عـن وصـفـه
وكـــلُّ واصـــف الحــســن عــن وصــفــهِ كــلا
128
كــأســهُ مــن جــنــســهِ يـسـاعـدُ فـي شـربـه
وهــل كــأســهُ يــكــفــي دونــهُ قــلتُ بــلى
129
عــجــبــتُ لهــذا الكــأس يــسـقـى بـنـفـسـهِ
يــطــوفُ عــلى العُــشّـاق هـذا فـيـه خـصـلا
130
ومـــن نـــعــتــه ســحــرٌ رســم فــي طــرفــهِ
مــن نــظــر خــتــمــهُ تــخــلّى عـن الصـولا
131
ومـــن عـــجـــب إنّـــي مـــا بـــحــتُ بــســرِّهِ
ولو ســـقـــيَ غــيــري مــا صــامَ ولا صــلا
132
ولو نــــظــــرَ الإمــــام نــــورَ جـــمـــالهِ
لســــجـــدَ إليـــه بـــدلا عـــن القِـــبـــلا
133
ولو شـــمَّتـــ العــلّامُ فــي الدرس نــشــرهُ
لطــاشَـت عـن التـدريـس حـالاً بـلا مـهـلا
134
ولو شــاهــد الســاعــي ســنـاؤُ لمـا سـعـى
ولا طــاف بــالعــتـيـق ولا قـبِّلـا قـبـلا
135
نــعــم يــأمــر بـالتـقـبـيـل كـلّاً لرُكـنـهِ
حـيـثُ يـرى مـعـن القـصـد مـن نـفـسهِ يجلى
136
وكــيــفَ يــطــيــقُ الصــبــر مــن كـان ظـنُّه
أنـــهُ خـــســـيـــسُ القــدرِ صــارَ مــبــجَّلــا
137
نــعــم يــبــوحُ فــخــراً وتــيــهــا وطـربـاً
وعـــزّاً وغـــرامــاً فــرحــاً أعــنــى جــذلا
138
وليــــسَ فــــيــــه حــــرٌّ ولا هــــوَ بــــاردٌ
وليـسَ فـيـه نـزفٌ بـالمـعـنـى نـعـني فشلا
139
رقــيــقٌ دقـيـق النـعـت نـعـجـزُ عـن وصـفـهِ
وليـــسَ واصـــفِ الحــســنِ عــن وصــفِه كــلّا
140
نـقـطـةٌ مـنـه نـكـفـي مـن كـان تحت الثرى
ومـا كـان فـوق الفـوق إلى منتهى العلا
141
لهـــم نـــقـــطـــةٌ مــالَت مــن رقِّ زجــاجــةٍ
خـــمـــس عـــقـــول الخـــلق حـــالت بـــهـــم
142
تــراهُــم مــا تــرى ســكــارى فــي حــبِّهــِم
وكــلٌّ له مــعــشــوق ولا كــنــزا مــعـطـلا
143
ولولا جـــمـــال الحـــق فـــي كـــل صـــورة
لمـــا بـــليَ قــيــسٌ بــالشــوق إلى ليــلى
144
ولا عـــشـــقَ العـــشّـــاقُ حــســنَ مــليــحــةٍ
ولا مــــالتِ الحــــســــان جـــرَّت الذبـــلا
145
ولولا جــمــالُ الحــقِّ يــظـهـر فـي صُـنـعـهِ
رأيـــت جـــمـــل الحـــســـنِ كـــأنــهُ دُمــلا
146
وفــي الدمــل جــمــال بــديــهٌ لغــيــركــا
فــذلك مــعــشــوقُ الذبــابِ كــذا النـمـلا
147
فـــلا مـــظـــهـــرٌ فــي الكــون إلّا وســرُّهُ
مـــعـــشــوقٌ لغــيــره ولو حــبِّةــُ الرُمــلا
148
فـــلا غـــرو أنـــهُـــم ســكــارى فــي حُــبِّهِ
قــــصـــدُّهُـــم قـــصـــدٌ وفـــصـــلهُـــم وصـــلا
149
خـــمـــرهُــم كــأس الحــبِّ قــبــل وجــودهــم
فــــهــــذا بــــه جــــدُّ وذاك هـــوى هـــزلا
150
وهــــذا بــــه عـــشـــقٌ وليـــس بـــعـــاشـــقٍ
وهــذا يــروم الســيــروالرجــل مـحـتـجـلا
151
وهــذا ضــعــيــفُ النــفــسِ يــرثــى لحــالهِ
والآخر باكي العين ينعنى نعيي الثكلى
152
والآخــر عــظــيــمُ القـدر يـعـجَـب بـحـالهِ
وهـــذا جـــمــيــدُ الفــكــر كــأنــهُ حــزلا
153
وهـــذا مـــالكُ القـــوم تـــاه بـــنـــصــرهِ
والنــاسُ لهُ طــوعٌ بــقُــربــه مــحــتــفــلا
154
وهـــذا وهـــيُّ الحـــزك كـــل بــشــر بــهــا
والأخــر قــويُّ البــطــش له فـيـهـا صـولا
155
وهـــذا شـــهــيُّ القــرب غــاب عــن قــربــه
كـــأنَّ بـــه فــصــلا والحــالةُ لا فــصــلا
156
فــكــلُّ عــبــيــد اللَهِ غــابــوا فــي حــبِّه
فـــليـــس لهُــم قــصــدٌ ســواهُ ولا مــيــلا
157
إلا مــن حــيــثُ الظــروف ضــاق نـطـاقـهُـم
لمّـا لاحـظـوا فـي الكـون لطـفـاً تـشـكّـلا
158
تـــأوّهـــوا أســفــاً عــلى مــا كــان لهُــم
قـبـل دخـول الأرواح أعـنـي ذا الهـيكلا
159
نـــاداهُـــم داعــي القــربِ إنــيَ مــعــكُــم
فــأيــنــمــا تــولّوا فــثــمَّ نــوري يـجـلى
160
فــإنــي واحــدُ الذاتِ فــي الكــل ظــاهــرُ
وهـــل ظـــهـــر غـــيــري فــكــلا ثــمّ كــلا
161
جـــعـــلت حــجــاب الخــلق للحــق ســاتــراً
وفــي الخــلق أســرارٌ بــديــهَــةٌ مــنـهـلا
162
فـمـن جـهـل عـيـنـي فـي غـيـنـي قـل أيـنـي
وإنــي ولا أيــنـي والبـيـنـونـه لا فـلا
163
تــقــل نــقــطــة الزيـن للرّيـنِ وانـظـروا
فـمـا الشـيـن إلّا الزينُ بالنقطة يُكملّا
164
فـــحـــيّ عــلى جــمــع القــديــم فــهــلَ لهُ
نــقــيــضٌ فــحــاشــاهُ قــد كــان ولا زالا
165
فـــكُـــنـــتُ مـــطــلقَ الذاتِ غــيــرَ مــحــيَّزٍ
مــكــانــي إنــي مـنـيِّ والعـلم بـه جـهـلا
166
وليـــسَ لفـــوقِ الفــوقِ فــوقٌ ولا غــايَــة
وليــسَ لنــحــت التــحــت تـحـتٌ ولا سُـفـلا
167
وإنّــي غــمــيــضُ الكُــنــهِ كــنــزٌ مــطـلسَـمٌ
ولا مــنـتـهـى عـرضـاً ولا مـنـتـهـى طـولا
168
ظــهــرت فــي ذا البــطــون قــبــل ظـهـورهِ
ســألتُ عــن نــفــســيَ بــنــفـسـي قـال بـلى
169
فــهــل للســوى ظــهــورٌ يــمــكــنُ فـي حـقِّه
فــــهـــال ثـــم مـــالَ وصـــال ثـــمّ قـــالا
170
فــــإنّـــي واحـــدُ الذاتِ شـــيـــءٌ مـــفـــرّدٌ
فــلا يــمــكـن تـحـيـيـزي لشـيـءٍ وإن قـلّا
171
وهـــل لي فـــســـحـــةٌ تــكــونُ إلى غــيــري
وهــــل يـــكـــونُ الفـــراغُ كـــلّا ولا ولا
172
فــإنّــي بــاطــنُ الكـنـه مـن حـيـثُ عـيـنـهِ
وإنّــي ظــاهــرُ النــعــت جــمــله مــفـصّـلا
173
ولا وجــــهــــةٌ إلا وإنّــــي مــــولّيـــهـــا
وهــل للسـوى وجـودو هـل مـن نـعـتـي خـلا
174
فــذاتــي ذاتُ الوجــود كــانـت كـمـا تـرى
تــعـظـيـمـي غـيـر مـحـدود بـكـقـدر خـردَلا
175
فـــأيـــن يــظــهــرُ الخــلقُ والحــقُّ واســعٌ
وأيــنَ يــكــونُ الغــيــر والكــلُّ مــمـتـلا
176
فـالجـمـعُ عـيـنُ التـفـريـق مـن حـيثُ أصلهُ
والخــلقُ عــيــنُ التــحــقــيــق حـقٌّ مـؤولا
177
فــأوّل تــأويــلَ القــربِ تــحــظـى بـقـربـه
فــمــا ثــمّ مــن حــلول مــحــالٌ ومـا حـلّا
178
فـــنـــزّه ذات الإله عـــن مـــس غــيــرهــا
فــليــس لهــا حــامـل ولا عـليـهـا حـمـلا
179
بــطَـنـت فـي ذا الظـهـور بـدت فـي عـيـنـهِ
جـــعـــلَت لعـــزِّهـــا حـــجـــبـــاً تـــتــوالى
180
وإيّـــاكَ والحـــجـــابَ تـــرضــى بــهــتــكــه
فــتــلك حــدود اللَهِ حــصــنــاً واقــفــالا
181
ومـــن فـــشــى ســر اللَهِ بــاء بــغــضــبــه
ومـــن كـــتـــم الأســـرار كــان مــبــجّــلا
182
ألا فــي كــتــمــان الســر فــضـلٌ وهـيـبـةٌ
وفـــخـــرٌ وتــعــظــيــمٌ وعــزٌّ بــيــن الولا
183
وكــفــي بــخــيــر الخــلق حــيــث أتـى بـه
مــن اللَه مــكــتــومــاً وكــنــزاً مــعـطّـلا
184
يـــكـــفـــيـــكُـــم فـــخــراً وعــزاً وشــرفــاً
سُــقــيــتُــم مــن الرسـول عـذبـا ومـنـهـلا
185
رمـــوا بـــديــن الحــقِّ وانــصــروا شــرعَهُ
وكــونــوا كــمــا يـهـواهُ قـولاَ ومـفـعـلا
186
هـــل لهـــذا الرســـول قـــدرٌ يُـــســـاويــهِ
وهَــل له مــن شــبــيــهِ حــاشــا فـلا فـلا
187
فـــريـــدُ الحـــســـنِ حـــوى فـــي نـــفـــســه
مــا حــوت عــبــاد اللَه نــبــيٌّ ومــرســلا
188
بـــــحـــــرٌ جـــــامـــــعٌ كــــلٌّ كــــمــــوجــــهِ
وهـــو نـــورٌ لامــعٌ مــن حــضــرةِ المــولى
189
يـــا هـــذا الرســـول جـــاوزت مـــدحـــنــا
فـكـلُّ مـا يـحـوي الوصـفُ أنـت مـنـهُ اغـلا
190
أن نـــــور الحـــــق أنـــــت مـــــظــــهــــره
مــــا ودعــــك الإله كــــلا ومــــا قــــلى
191
رب ســــــلِّم ثــــــمَّ بــــــارك وعــــــظِّمــــــا
ومــــجِّد ثـــمَّ فـــخِّمـــ وصـــل كـــل الصـــلا
192
أعـــلم ربـــي بـــمـــا حـــل فـــي الحــشــا
لك الأمــر تـصـريـفـاً وحـكـمـا ثـم نـصـلا
193
تـــحـــفـــظـــه حـــفـــظــا يــليــقُ بــحــالهِ
وتــقــبَــل مــنــه عــذراً فــأنـتَ بـه أولا
194
مــــن بــــاهــــى الإله بــــهِ كــــلّ الورى
مــــا غــــرَّد طــــائرٌ وصــــال وصــــلصــــلا
تعليقات القراء 0