أَيَا دَارُ في جناتِ عَدنٍ لَهُ دَارُ

67 أبيات | 590 مشاهدة

أَيَــا دَارُ فــي جــنــاتِ عَــدنٍ لَهُ دَارُ
ويــا جَــارُ إِنَّ اللهَ فـيـهـا لَهُ جَـارُ
ومـا دَارُه قَـلْبـي ولا جَـارُهُ الحَـشَـا
لأَنَّ الحَـشَـا والقَلبَ حَشْواهما النَّارُ
أَبــي يــا أَبـي أَنْـتَ الَّذي جـلَّ قَـدرُه
وإِنْ حُـكِّمـَتْ فِـيـه عـلى الرَّغْـمِ أَقْدَارُ
وأَنـــت هـــو البَـــرُّ الَّذي شَهِـــدَتْ لَهُ
بِـــذَلك أَبـــرَارٌ لَعَـــمـــري وفـــجَّاـــرُ
وأَنـت الذي أُبـصِرتَ في الخُلْد سَاكِناً
ولا تُـنْـكِـرَنْ بَـعـضُ البـصـائر أَبـصَارُ
وأَنْــتَ الذي لَمَّاــ نــأَيــتَ تَــفـاوَحَـتْ
ريــاضٌ وقــالوا إِنَّهــا عِـنْـكَ أَخْـبَـارُ
وأَنـت الَّذي لَو يـقْـبَـلُ المـوتُ فِـديةً
فَــدَى عُــمُـراً مـنْه الكَـواكِـبُ أَعـمَـارُ
وأَنْــــتَ الذي آثَــــارُه مَــــأْثُــــرَاتُه
فــأَنْــتَ الَّذي لا تَــمَّحـِي مـنـه آثَـارُ
وهــل تـمَّحـي الآثَـارُ مِـنْـك وبَـعـضُهـا
مـن الْغَـيث أَنواءٌ وفي الصبحِ أَنْوَارُ
لقـد كـنـت نـهَّاـءً عـلى الدهـر آمـراً
فـــللشَّرِّ نـــهـــاءٌ وللْخَـــيـــر أَمَّاـــرُ
وقــد كــنــت صَــبَّاــراً لكــلِّ عَـظـيـمـة
إِذا قـيـل فـيـهـا لَيـسَ للدَّهْـرِ صـبَّارُ
وقـد كـنْـتَ عْـند النفع والضُّرِّ حازماً
فــــللخِــــلّ نــــفَّاــــعٌ وللضِّدِّ ضــــرَّارُ
وقـد كـنـتَ تـعـفـو عـن ذنـوبٍ كـثـيرةٍ
فــللحــقــد نــسَّاــءٌ وللعَــفْــوِ ذكَّاــر
وقـد كـنـتَ صـدراً تـمـلأُ الصدْرَ بهْجَةً
وتُــرخــي عــليــه للمــهَـابـةِ أَسـتـارُ
وقــد كــنــت حــرّاً مــن أَمـانٍ كـواذب
إِذا اسـتُـعبِدَتْ من جلِّةِ الناسِ أَحرارُ
وقـد كـنـت تـعطي المقترين ولم تبل
إِذا أَعـقـبَ الإِكـثـارَ للبـذل إِقْـتَارُ
فــلا طــلعـت مـن بـعـد وجـهـك أَنـجـم
ولا هَــطَــلت مــن بَـعـدِ كـفِّكـ أَمـطَـارُ
خـرجـت مـن الدنـيـا لغـيـرك مـكـرهـاً
كــأَنَّكــَ بــالإِخْــبَــاتِ لله مُــخْــتَــارُ
وعـــشـــت ولا إِثــم وقــلت ولا هــوى
وغـــبـــتَ ولا عَــيــبٌ ومِــتَّ ولا عَــارُ
وأَصـبـحت بل أَمسيت في القبر ثَاوِياً
مـقـيـمـاً وحُـسـنُ الذِّكْـرِ بَـعـدَك سـيَّارُ
وأَعـديـت مـنـك الطيف صدقاً فلم يزر
فـلا الطـيـفُ طـوَّافٌ ولا الزِّورُ زوَّارُ
بـــدارك أَقـــوام كـــثـــيــر رأَيــتــم
فـأَعـلمـتُهـم أَنْ لَيسَ في الدَّار ديَّارُ
فـتـسـويـدهـا حـيـطـانـهـا وهـو هـمها
وإِيـقـادُهـا نـيـرانـهـا وهـو تَـذْكَـارُ
قــضـى وطـراً هـذا المـمـات مـن الذي
بــه قُــضِـيـتْ للنـاسِ مـذ كَـانَ أَوطَـارُ
ومـن كـان هـذا الدهـر من تحت حجره
غـدا فَـوقَه في المهمهِ القفر أَحجَارُ
ومــا خــصَّ مــصـراً وحـدهـا رزؤُهـا بِه
لقــد رُزِئَتْه فــي البَـسـيـطَـةِ أَمـصَـارُ
فـلا تـعـذلوا قـومـاً تـفانت نفوسهم
عــليـه أَسـىً للقـومِ يـا قـومُ إِعـذَارُ
مـضـى طـاهـرَ الأَثـوابِ مـن كـل ريـبةٍ
وأَثــواب أَطــهــار البــريــة أَطـهـار
طـــرائقـــه بــيــن الأَنــام مــراشــد
وأَخــبــارُه بــيــن المــلائِكِ أَسـمَـارُ
وقــد شَــكَــرَتْ مِــنـه الصـيـامَ أَصـائلٌ
وأَثْــنَــتْ عــليــه بــالتـهـجُّد أَسـحـارُ
رأَت أَنْــفُــسٌ أَكــفــانَه وهْــي سُــنْــدُسٌ
وإِن أَبــصــرتْهـا أَعـيـنٌ وهْـي أَطْـمَـارُ
وشــيّــعــهُ التـكـبـيـر حـتَّى إِذا ثَـوَى
تـــلقَّاـــهُ إِجــلالٌ هــنــاكَ وإِكــبــارُ
فـيـا نـفـسـه فـيـك السـكينة والهدى
وفَـــوقَـــكِ ســـرٌّ فـــيـــهِ للهِ أَســـرارُ
ويــا حــامـليـه قـد حَـمَـلْتـم أَمـانَـةً
تَــخــرُّ لهــا شُــمُّ الجــبــالِ وَتَـنْهَـارُ
ويـــا قـــبـــره لا شـــكَّ أَنـــك جَـــنَّةٌ
ولكِـنْ بِهـا مِـن أَدمـعِ الخـلقِ أَنْهَـارُ
ويـا تـربَه قـد صـرت مِـسـكـاً بـطـيـبِهِ
فــلا زائر إِلاَّ بــمــســكــك مــعْـطَـارُ
ويــا أَرضــه إِن يــنــكـسـف بـك بـدره
فـمـا بـرحـت فـي الأَرض تـكْسَفُ أَقْمَارُ
غــدا ابـنـك حـيـرانـاً يـروم هـدايـة
فـصـادف أَربابَ الهدى فيك قد حَارُوا
كــئيــبـاً يـوفـي بـعـدك الحـزن حـقـه
فــلا الدمـعُ خـوَّانٌ ولا الهـمُّ خـوَّارُ
مــجـدّاً عـلى أَن يـدرك الثـأر بـعـده
وهـيـهات من صَرف الردى يُدركُ الثار
فَــقــدتُــك فَـقْـدَ الأَرضِ وَهْـيَ جـديـبـةٌ
لغــيــث تــولَّى مُــعـرِضـاً وهْـوَ مِـدرَارُ
وأَعـشَـارُ قَـلْبـي لاَ انْـشِـعَاب لصدعِها
وقــد تُـلِيـت مـن حـول قـبـرك أَعـشـار
وقـد كـنـت لمـا كـنـت لي فـي فـوائد
تُــفَـادُ وخَـيـرٍ كـان لي مـنـك أَخْـيـارُ
وفـي نـعـم فـي الحسن كالبدر يجتلي
وإِنْ شِـئْتَ طَـعـمـاً فهو كالشُّهِدِ يُشَتَارُ
ولا كـــوكـــب إِلا بـــســـعــدي طــالع
ولا فَـــــلَكٌ إِلاَّ بِـــــقَــــصــــدِيَ دَوَّار
فــأَصــبــحــت لمــا مــت حــيـاً كـمـيـت
وإِن كــنـتُ أَمـتـاحُ الدُّمـوعَ وأَمـتـارُ
وحــيــداً فـمـا لي فـي ديـاري مـؤنـس
غَـريـبـاً فـمـا لِي فـي هـمـوميَ أَنصارُ
وإِنــي عــلى ديــن الوفــاءِ لثــابــت
وإِنـــي مـــن حــســن العــزاء لفَــرَّارُ
وإِن اعــــتـــزازي بـــعـــد وتِـــك ذَلةٌ
وإِنَّ يَــســاري بــعــدَ فــقْــدِك إِعْـسَـارُ
وَبــرْقُ بَــقــائي بــعــد بــيــنـك خُـلَّبٌ
ونَــجــمُ حــيــاتـي بـعـدَ بُـعـدِك غـوَّارُ
فــهــنِّئــْت قــبــراً أَنـت فـيـه بـجـنَـة
تُــفــدِّيــك زُهْــرٌ أَو تُــجــنِّيـك أَزْهَـارُ
فـمـا أَنـت كـالأَمـواتِ بـل أَنت نَاظِرٌ
إِلى ربِّه ما الناسُ في الموتِ أنظار
حـسـدت عـلى المـوت الذي عـشـت بعده
فـجـاء من الإكراه في الموت إيثار
وقـــلبـــك مـــســـرور وقــبــرك روضــة
ووجــــهُـــكَ بـــسَّاـــمٌ وربُّكـــ غـــفـــار
عفاءً على الدنيا التي قد عفا بها
وأُفٌ لعَـــصـــر ريــحُه فــيــكَ إِعــصَــارُ
لزهّـــدنـــي فــي هــذه الدار مــوتــه
فـــســـيَّاـــنَ إِقـــلالٌ لديَّ وإِكْـــثَـــارُ
وأَيــقــنــت أَنــي مــيــت وابــن مـيـت
فــلِلْمَــوتِ تَــردَادٌ إِليــنــا وتـكْـرَارُ
وكــيـف بـقـائي والأَخـلاء قـد ثـووا
وكـيـفَ مُـقَـامِـي والأَحـبّـةُ قـد سَارُوا
ويـا ليـتـهـم سـاروا كـسـيـر قـوافـل
ولكـنَّهـم تَـحـتَ الجَـنـادِلِ قَـد صَـارُوا
يـرى المـرء أَن العـيـش خـلو جـهالة
وأَضعافُ ذاك الحلْوِ في العيش إِمرارُ
أَلم تـرهـم لم يـجـمـعـوا الصفو قلة
وفــي كَــدَرٍ مــن كَـثْـرَة قـيـلَ إِكْـثَـارُ
ونــرجــو بــقـاء عـنـد مـن هـو هـالك
ونَــرجُــو وفــاءً عــنـد مَـنْ هُـوَ غـدَّارُ
ويــصــبــح فــخّـاراً عـلى أَهـل جِـنـسـه
ويـنـسـى بـأَنّ الأَصـل مـن قـبـل فخّارُ
وكــلٌّ نــحــاريــر فــإِن عــرضَــت لهــم
زَخَــارِفُ هــذِي الدارِ فـالكُـلُّ أَغْـمَـارُ
سـأَبـكـي أَبـي بـل أَلبـس الدمعَ بعده
وإِنِّيــ لذيــلِ الدَّمــعِ فِــيــه لجــرَّارُ
وإِن فَــنِـيَـتْ مـن نـاظِـرِي فـيـه أَدمُـعٌ
لمـا فَـنِـيَـتْ مِـن مَـقـوْلِي فِـيهِ أَشْعَارُ
لعــلِّيَ بــعـد المـوت أَلقـاه شـافـعـاً
إِذا أَثْـقـلتْـنـي فـي القِـيَامةِ أَوزارُ

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك