إِن كانَ غيّبك الترابُ الأحمرُ

51 أبيات | 267 مشاهدة

إِن كــانَ غـيّـبـك التـرابُ الأحـمـرُ
وحَـــلَلْتَ مَـــرْتـــاً لا يـــزورك زُوَّرُ
فـلقـد جَـزِعـتُ عـلى فـراقـك بـعدما
ظــنّــوا بـأنّـي عـنـك جـهـلاً أصـبِـرُ
فـالنّـارُ فـي جَـنْبَيَّ يوقدها الأسى
والمـاءُ مـن عـيـنـيَّ حُـزنـاً يـقـطـرُ
كـم فـي التّـرابِ لنـا مـحـيّاً مشرقٌ
بــيــد المـواحِـي أو جـبـيـنٌ أزهـرُ
ومـــرفّـــعٌ فـــوق الرّجـــال جــلالةً
ومــــتــــوّجٌ ومــــطــــوّقٌ ومــــســــوّرُ
أَعـيَـتْ على طلبِ الرّدى نُجُبُ السُّرى
وخُـطـا المَهـارى والجـيـادُ الضُّمـَّرُ
وَمَــضــى الأنـامُ تـكـنّهـمْ آجـالهـمْ
فـــمـــغـــصّـــصٌ ومــنــغّــصٌ ومُــحَــسّــرُ
ومُــخــالَسٌ مــا كــان يُــحـذر هُـلْكُه
ومــــتــــارَكٌ ومُــــقــــدّمٌ ومـــؤخّـــرُ
وكــأنّهــمْ بــيــد الحِـمـامِ يـلفُّهـمْ
عَـــصْـــفٌ تــصــفِّقــُهُ خَــريــقٌ صَــرْصَــرُ
وَمــــواطـــنٌ لِتـــرنّـــمٍ وتـــنـــعّـــمٍ
ومــواطــنٌ فـيـهـا الزّوافـر تـزفِـرُ
لو كــان فــي خُــلدٍ لحــيٍّ مَــطــمــعٌ
فــيــهــا وروّادِ المــنــيّــةِ مَـزْجَـرُ
لنـجـا المـنـونَ مـغـامـرٌ فـي حومةٍ
وخـطـا المنيّةَ في العرين القَسْوَرُ
ولَسَــدّ طُــرْق المــوتِ عــن أبـوابـه
كِـسـرى وحـاد عـن المـنـيّـةِ قـيـصـرُ
وَلكــانَ مَــن ولدتْ نِـزَارٌ فـي حـمـىً
مــنــه ودفّــاعُ العــظـيـمـةِ حِـمـيَـرُ
ولمــا مــضـى طـوعَ الرّدى مـتـكـبّـرٌ
ســكـن القـلاعَ ولا مـضـى مـتـجـبّـرُ
ولمـــا خـــلا عــن أهــله ووفــودِه
وضــيــوفِه فــيــنــا مــكـانٌ مُـقـفِـرُ
فَـاُنـظُـرْ بِـعينك هل ترى فيما مضى
عــنّــا وصــار إلى التّـرابِ مـخـبّـرُ
ولقــد فـقـدتُ مـعـاشـراً ومـعـاشـراً
ويــســرّنـي أنْ لم يـكـن لِيَ مـعـشَـرُ
وَاِشــتَــطّ روّادُ الحــمــامِ عـليَّ فـي
أهـلي وقـومـي فـاِنـتـقَوْا وتخيَّروا
فــمــجــدّلٌ وسْـطَ الأسـنّـةِ بـالقـنـا
مــا كــان يــومـاً للّبـاسِ يُـعَـصـفِـرُ
وَمُــعَــصـفـرٌ أَثـوابـهُ طـعـن القَـنـا
مــا كــان يــومـاً للّبـاس يُـعَـصـفـرُ
وَمُــقــطّــرٌ لولا القــضـاءُ تـقـطّـرتْ
فـيـنـا النـجـومُ ولم يـكـن يـتقطّرُ
ومُــعــفّــرٌ دخــل السّــنــانُ فــؤادَه
مـا كـان يـألفـه التـرابُ الأحـمرُ
والذّاهــبــون مـن الّذيـن تـرحّـلوا
مــمَّنــْ أقــام ولم يـفـتـنِـي أكـثـرُ
خـذ بـالبـنـانِ مـن الحـياة فإنّما
هــو عــارضٌ مــتــكــشّــفٌ مُــتــحــسّــرُ
وَدعِ الكــثــيــرَ فــإنَّمــا لِهـمـومِه
جـمـع النُّضـارِ إلى النُّضـارِ مُـبَـدَّرُ
وكـأنّـمـا ظـلُّ الحـيـاةِ على الفتى
ظــلٌّ أتــاهُ فــي الهــجــيــر مُهـجّـرُ
مـا لِلفَـتـى فـي الدّهـرِ يـومٌ أبيضٌ
ووراءَه بـــالرّغـــم مـــوتٌ أحـــمــرُ
ولِمــنْ تــراهُ ســاكــنـاً فـي قـصـره
مُــتـنـعّـمـاً هـذِي الحـفـائرُ تُـحـفـرُ
وعلى أبي الفتح الّذي قنص الرّدى
مــاءُ الأسـى مـن مـقـلتـي يـتـحـدّرُ
قــد كــان لِي مــنـه أنـيـسٌ مُـبـهِـجٌ
فـــالآن لِي مـــنــه وَعــوظٌ مُــذكِــرُ
إن لم يـكـن مـن عُـنـصـري وأرومتِي
فــلحُــرمــةِ الآدابِ فـيـنـا عـنـصـرُ
أو لم تــكــن للعُــربِ فـيـك ولادَةٌ
فـالمـعـربـون كـلامـهـمْ بـك بُصِّرُوا
مــا ضَـرّ شَـيـئاً مَـن نَـمَـتْه أعـاجـمٌ
وَلَديـــهِ آدابُ الأعـــاربِ تُــســطَــرُ
وَلَكَــمْ لَنــا عُـربُ الأصـولِ تـراهُـمُ
عُـمْـيـاً عَـنِ الإِعرابِ لم يَستَبصِروا
وَلَقـد حـذرتُ مـن التـفـرّق بـيـنـنا
شُــحّــاً عَــليـك فَـجـاءنـي مـا أحـذرُ
وَذخـرتُ مـنـكَ عـلى الزّمـانِ نـفيسةً
لَو كـانَ يَـبـقـى لِلفَـتـى مـا يـذخرُ
وَنَـفـضـتُ بـعـدك راحـتـي مـن مـعـشرٍ
لو سـابـقـوك إلى الفـضيلةِ قصّرُوا
فَـمَـتى حَزِنتُ عُذِرتُ فيك على الأسى
وإذا ســـلوتُ فـــإِنّــنــي لا أُعــذَرُ
وَالغَــدرُ سُـلوانُ الفَـتـى لِحَـمـيـمِه
بـعـد الحِـمـامِ وليـس مِـثـلِي يـغدُرُ
وَلَقـد رَأيـتـك مـطـفـئاً مـن لوعـتِي
والحـزن يُـمـلي مـنه ما أنا أسطُرُ
فَـاِفـخَـرْ بـهـا مـيـتـاً فكم لمعاشرٍ
مـن بـعـد أن قـبـروا بـقـبـر مَفخرُ
كَـلِمـاً يُـعِـرْن الشِّيبَ أرديةَ الصِّبا
فـكـأنّهـمْ طـربـاً بـهـا لم يـكْبَرُوا
وَتـــراهُ طـــلّاعـــاً لكـــلِّ ثــنــيّــةٍ
يــســري بــأفــواه الورى ويُــســيَّرُ
يَــصــفـو بِـلا كـدرٍ يـشـيـن صـفـاءَه
والشّــعــر يــصــفــو تــارةً ويُـكـدَّرُ
وكـــأنّه فـــي ليــلِ أقــوالٍ مــضــتْ
قــمــرٌ بــدا وسْــطَ الدُّجُــنَّةـِ أنـورُ
فَــإِليــهِ مِــنّــا كــلُّ طَــرفٍ نــاظــرٌ
وعــليــه مِــنّــا كــلُّ جِــيــدٍ أَصْــوَرُ
وَسَــقــاكَ ربّــك مــاءَ كــلّ ســحـابـةٍ
تـهـمـي إذا وَنَـت الغـيـوم وَتـمـطُرُ
وإذا طَـوَتْ عـنـك العُـداةُ كَـنَهْـوَراً
وافــى تــرابَــك بــالعـشـيّ كـنَهْـوَرُ
وكـــأنّه والبـــرقُ مـــلتـــمــعٌ بــه
بُــرْدٌ عــلى أيــدي الرّيــاحِ مُـحـبَّرُ
وَمَــتــى ذهــبــتَ بـزلّةٍ فـإلى الّذي
يـمـحـو جـرائر مَـن يـشـاء ويـغـفِـرُ

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك