قصيدة الطفل فوق سريره رقدا للشاعر إبراهيم المنذر

البيت العربي

الطفل فوق سريره رقدا


عدد ابيات القصيدة:62


الطفل فوق سريره رقدا
الطــفــل فــوق ســريــره رقــدا
والنّـار فـيـه تـحـرق الكـبدا
نـزلت بـه الحّـمـى فـمـا تـركـت
إلا فـــؤاداً بـــات مــتــقّــدا
والمــوت أرســل فــوقــه مـلكـاً
بـسـط الجـنـاح ليـخـطف الولدا
والأمّ جــاثــيــة ومــقــلتــهــا
يـنـهـل مـنـهـا دمـعـهـا بـردا
لا صـوت يـسمع في الدّيار سوى
زفـراتـهـا والأنـس قـد فـقدا
وإذا شـقـيـقـتـه الفـتـاة وقـد
كـانـت تعاني الدّرس والجهدا
هـي مـثـل عـمـر البـدر مكتملاً
نـوراً تـمـايـل عـطـفـهـا ميدا
جـاءت فـشـاهـدت الصّـغـيـر عـلى
ذاك السّـريـر وليـس فـيه جدا
صـرخـت أخـي روحـي حـبـيـبـي ما
ذا نـابـك انطق وادفع النّكدا
قـد كـنـت عـنـد الصّـبح سلوتنا
والآن لا ســـلوى ولا رغـــدا
ورنــت إلى العـليـاء ضـارعـةً
فـرأت مـلاك المـوت قـد رصدا
مــاذا تـريـد أخـي وحـيـد أبـي
دعـه يـعـش فـالأنـس فـيه غدا
أمّــا إذا مــا شــئت تـضـحـيـةً
فـأنـا أكـون عـن الشّقيق فدى
أحــنـى مـلاك المـوت هـامـتـه
قـال اتـبعيني واقطعي الأمدا
فــمــشـت ومـرّ عـلى حـديـقـتـهـا
حـيـث الجـمـال يـمـوج مـتّـحدا
ورأت رفـيـقات الدّروس كما ال
غــزلان تــقـفـز والسـرور شـدا
وبـدت ضـمـامـات الزهـور عـلى
أعــنــاقــهـن صـفـفـنـهـا عـقـدا
وتــمــثــلت قــبــراً يــغـيّـبـهـا
ويــضــمّ مــنـهـا ذلك الجـسـدا
فـبـكـت وقـد رجـفـت جـوانـحـهـا
لا تـبـتـغـي أن تـتـرك البلدا
أنــا لي أبٌ يــحــنـو عـليّ ولي
أمٌ تــذوب لفــرقــتــي كــمــدا
أنــا لي حــبـيـب مـدّ لي يـده
أأمــد طــوعــاً للمــنـون يـدا
خــارت قــواي ومــتّ مــن جـزعـي
فـاشـفـق عـليّ بـحـقّ مـن عـبدا
قـال ارجـعـي فـمـضـت إليه وقد
عــاد المــلاك يـظـلّ مـن رقـدا
وإذا أبو الطّفل انثنى عجلاً
مــن شـغـله للبـيـت مـفـتـقـدا
فـرأى ابـنـه دنـفـاً يـذوب وطر
ف الأمّ مــن آلامــهــا ســهــدا
كــفّ تــجــسّ بــهـا يـديـه وبـال
أخــرى تــهــدئ قــلبــهـا جـلدا
وبـدا مـلاك المـوت فـوقـهـما
ظــلاً رهـيـبـاً يـرعـب الأسـدا
هــذا وحــيــدي يـا مـلاك ولا
أرجـو سـواه فـي الورى عـضدا
دعـه يـعـش فـي الدار فهو بها
كــالبـدر زيـن نـوره الجـلدا
أمــا إذا مــا شــئت تـضـحـيـةً
فـأنـا أكـون عـن الوليد فدى
قــال اتـبـعـنـي للردى ومـشـى
فـمـشى الأب المسكين مرتعدا
مـرَّا عـلى الأسـواق يـعـمـل في
سـاحـاتـهـا الإنـسـان مجتهدا
هـذا يـبـيـع وذاك يـقـبـض مـا
ربـحـت بـضـاعـتـه كـمـا قـصـدا
وأفــاء إخــوان الصــفــاء إلى
نـادٍ بـفـتـيان الندى احتشدا
الروض زاهٍ فــــي حــــدائقــــه
والمـاء يـعقد حوله الزبدا
لمــا رأى مــا قــد رآه بـكـى
وتــقــطــعــت أحــشــاؤه كـمـدا
أنـا بـعـد فـي سن الشباب ولي
مــســتــقـبـلٌ أرقـى بـه صـعـدا
إن الحــيــاة عــزيــزةٌ وجــهــو
لٌ مـن يـريـد المـوت مـعـتـمـدا
فـأجـابـه عُـد واحي يا رجل ال
دنــيــا وأعــدِد للصــفـا عُـدَدا
بسط الجناحين الملاك على ال
طــفـل المـريـض وحـوط الجـسـدا
والطـفـل يـلفـظ من جوانحه ال
رمــق الأخــيـر وجـسـمـه هـمـدا
ذهــبــت نــضـارة وجـهـه سـقـمـاً
وسـواد بـاصـرتـيـه قـد جـمـدا
والأمّ جـــاثـــيــةٌ بــلا أمــلٍ
فـي حـزنـهـا تـتـنـفّـس الصّعدا
صــاحــت إلهــي أيــن أنـت أمـا
بــك للحــزانــى رحــمـةٌ ونـدى
أأرى وحـيـدي الآن يـؤنـسـنـي
وغــداً أفـيـق فـلا أرى أحـدا
وإذا بـهـا كـاللّبـوة انـتـفضت
فـرأت مـلاك المـوت مـفـتـقدا
سـر يـا ملاك إلى الرّدى فمشى
مـتـعـجـبـاً بـالأمـر مـنـتـقدا
عـبـثـاً أراهـا الغـيـد سـارحـةً
وقـد ارتـدت زهر الرّبى بردا
عـبـثـاً أراهـا الأرض مـفـعمةً
خـيـراً وأهـلوهـا ارتقت عددا
هــتــفــت بـه أسـرع فـإنّـي لن
أحـيـا لأن ّ الكون قد فسدا
كــم حـرّفـوا آيـاً وكـم كـذبـوا
عــن ربـهـم والقـول مـا وردا
كـــم مـــاكــرٍ واشٍ يــنــمّ عــلى
حـرّ ويـظـهـر غـيـر مـا اعـتقدا
والسّــيــف يـهـلك كـلّ نـابـغـةٍ
والســجـن يـدفـن كـلّ مـن رشـدا
لا الأذن تسمع ما تريد ولا
عـيـنـي تـرى أوهـامـك الجددا
كـــلّي فـــؤاد وهــو مــع ولدي
فـاصـرم حياتي واحفظ الولدا
وتــقــدّمــتــه للمــنــون فـقـال
لهـا قـفـي واسـترجعي الرّشدا
أنـت الجـديـرة بـالحياة وهذا
العـبـد بـيـن يـديـك قـد سـجدا
عـودي إلى ابـنك فهو يبحث عن
أمٌ تــفـوق بـفـضـلهـا الشّهـدا
إنّ المــحّــبــة فــيــك خــالدةٌ
وســوى حـنـان الأمّ مـا خـلدا
رجـعـت فـألفـت نـجـلهـا يـقظاً
يــفــتـر عـن ثـغـرٍ حـوى بـردا
أمــاه روحــي جــاوبــتــه وقــد
بــســطـت ذراعـيـهـا له سـنـدا
وتــعـانـقـا مـلكـيـن مـا وجـدت
عـيـنـاي مـثـلهـمـا ولن تـجدا
شاركها مع اصدقائك

مشاركات الزوار

شاركنا بتعليق مفيد

الشاعر:

إبراهيم بن ميخائيل بن منذر بن كمال أبي راجع، من بني المعلوف المتصل نسبهم بالغساسنة: أديب لغوي، من أعضاء المجمع العلمي العربي. ولد وتعلم في قرية المحيدثة (بلبنان) وأنشأ مدرسة داخلية سنة 1910 م في (بكفيا) بلبنان، استمرت خمسة أعوام. واشتغل بتدريس العربية. ودرس الحقوق فتولى رئاسة بعض المحاكم. وانتخب نائبا عن بيروت في مجلس لبنان الني أبي سنة 1922 وظل 20 سنة. وعمل في الصحافة. وترأس جمعيات. وكان من المناضلين في سبيل العروبة.ونشر في الصحف والمجلات مقالات كثيرة.وله (كتاب المنذر - ط) في نقد أغلاط الكتاب، و (حديث نائب - ط) استعراض لسياسة البلاد من الاحتلال الفرنسي حتى سنة 1943 و (الدنيا وما فيها - ط) في موضوعات مختلفة، و (رواية - ط) في حرب طرابلس الغرب، وخمس (روايات - خ) تمثيلية، و (ديوان - ط) الجزء الاول منه. وتوفي ببيروت. (عن الأعلام للزركلي)
ولد إبراهيم المنذر يوم 7/ تموز/ 1875 وفي عام 1910 أسس مدرسة «البستان» الداخلية في «بكفيا» التي استمرت خمسة أعوام، ثم أقفلها بسبب نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914.
وتوفي يوم 25 - 8 - 1950