الكونُ أظلمَ والعبادُ على خطر

75 أبيات | 144 مشاهدة

الكــونُ أظــلمَ والعــبــادُ عــلى خـطـر
وغـدا الزمـانُ كـمـا الزمين بلا خطر
كُـسِـفَـت شـمـوسُ المـجـد فـي راد الضحى
وتــغــشَّتــ الآفــاقُ وانــشــقَّ القــمــر
والأفـــق أصـــبــحَ مــثــل رمــسٍ دامــسٍ
والشـمـسُ بـان النـور مـنـهـا والأَفَـر
والشــامــخــات الشــمُّ طــأطــأَ رأسـهـا
كــالغــور أضـحـت مـوطـئاً دون الحِـفَـر
غـــدت المـــعـــالي مـــثــل رســمٍ دارسٍ
وكـذا المـفـاخـر أصـبـحـت لا مـفـتـخر
بـكـت المـكـارم عـنـد فـقـد مـليـكـهـا
وغــدت جــحــافــل فــخـرهـا شـذَراً مَـذَر
وانـحـطَّ قـدر الفـخـر والنـورُ انـطـفى
وانــدكَّتــ العــليـاءُ وانـدثـر الأَثـر
هـطـلت غـيـاث الدمـع مـن كـبـد السَما
هـل تـهـطـل الأكباد في الحزنِ العبر
ثــوب المــآتــم قـد أثـقـيـم سـرادقـاً
فــي أفـق ذي الأقـطـار أمـرٌ مـبـتـكـر
نــاحــت جــمــادات البــســيــطــة جــمَّةً
أنّـى القـلوب المـشـعـراتُ بـذا الضرَر
والخــطــب جــرَّد كــل أشــجــار النَــدا
فـتـلاشـت الأفـنـان والقـنـسُ انـهـصَـر
وغـــيـــاض ذاك العِــزِّ مــجــدبــةً تُــرى
أيــن الغــصــونُ وأيـن هـتـيـك الشـجـر
وســـواجـــع الأطـــيـــار آنِــفَــةً غــدت
وأتـــى عـــن الورقـــاءِ نـــعّــابٌ هَــدَر
وريــاض تــلك المــكــرمــات تـقـهـقـرت
غــابــت أزاهــرهــا وقـد قُـشِـعَ الزَهَـر
ومــــيــــاه زيّــــاك الزلال تـــكـــدَّرت
كـــدَر النـــجــيــع وايّ ذيّــاك الكــدر
وعـــذوبـــة الشــهــد الشَهــيِّ تــمــقَّرَت
وأتــت لذاذتــهــا كــعــلقـمـة المَـقَـر
ريــح الصَـبـا سـكـنـت وقـام مـقـامـهـا
ريــح السـمـوم ولم يـكـن مـنـهـا حـذَر
والأمـــن أصـــبــح آبــقــاً لمــا بــدت
قـوم الخـيـانـة والبـغـيُّ قـد انـتـصـر
بــأن الحــبـور مـع المـسـرَّة والهـنـا
دنـت الشـرور كـذا الغـرور لقـد ظـهر
والنـــور أمـــســى فــي قــتــامٍ حــالكٍ
والكـون قـد فـقـد البـصـيـرة والبـصر
والأرض طــــــــرّاً زُلزلت زلزالهــــــــا
فــعـلت أسـافـلهـا وعـاليـهـا انـغـمـر
ســـأل الخـــليُّ تــفــحُّصــاً عــمّــا جــرى
فــأجــبـتـهُ أيـن البـشـيـرُ المـنـتـظـر
أيــن المــليـكُ المـبـدع الشـرف الذي
شـرف العـلى فـي ذات جـبـلتـهِ انـحـصر
أيــن الذي قــهـر الجـبـابـرة الأولى
قـهـروا الورى وهو الموحَّدُ في الظفر
أيــن الذي أحــيــى الورى فــي عــدلهِ
وذوي المــظـالم والبـغـاة لقـد قـهـر
أعــنـي البـشـيـر أمـيـر لبـنـان الذي
كـالشـمـس أشـرق فـي الأعـالي واشتهر
بــســمـا العـدالة قـد أشـاد قـواعـداً
وبــنــي عــليــهــا كــل حـصـنٍ مـعـتـبـر
جـعـل الظـبـا والأجـوف الضـاري مـعـاً
تـرعـى كَـلا الأيـلاف فـي روض الحـضر
ودعــى العــمــلَّس للخــيــانــة نـابـذاً
وقــد اصــطــفـى ثـوب الوداعـة وأتـزر
وأشــاد شــرع الحــق مــا بـيـن الورى
وأبـاد أهـل الجـور والبـغـي أحـتـقـر
وعـــلت عـــلى الأطــواد مــنــهُ رآفــةٌ
وســرادقــاً بــالأمــن أعــلاهــا نـشـر
إن فــــــاه راضٍ كــــــان ربَّ وداعــــــةٍ
أو صــاح غــضــبــانــاً فــقـل أسـدٌ زأر
لو هــزَّ أثــنــاءَ الكــريــهــة صـارمـاً
وأشـــار إيـــمــاءً لطــال وقــد بَــتــر
نـــاغـــت بـــلابـــل روض لبــنــانٍ بــهِ
طــربــاً وتــصـدح بـالليـالي كـالسـحـر
ذاك الذي فـــاق المـــلوك مــكــارمــاً
أنّـــا نـــراهـــا عـــنــده لا تُــذدَكَــر
شـــرفَ البـــريــة كــلهــا بــمــحــامــدٍ
وهـو الشـريـف ابـن الشريف من اشتهَر
ســـارت فـــضـــائلهُ وســـاد بــحــكــمــةٍ
فــاقــت سـليـمـانـاً بـمـا لا يُـخـتـبَـر
كــــــم مــــــن خـــــطـــــوبٍ ذلَّلت آراؤُهُ
حَـــكـــمٌ يُـــزَيّـــنُ كــلَّ أمــرٍ بــالأمــر
عـــــلمٌ عـــــليــــمٌ عــــلَّلت آيــــاتــــهُ
حِـكَـم العـقـول وقـد رمـتـهـا بـالحـيَر
قــد فــاق يــوســف بـالعـفـاف تـجـمُّلـاً
وهـو الطـهـور الفـاضـل الحـسنُ السير
وهـو الشـفـوق المـرتجى العمِدُ الثَرى
وهــو الصــدوق ولم يــقــل إلّا الدُرَر
مــن قــال إن الدهــر جــاد بــمــثــلهِ
قـد ضـلَّ رشـداً ليـس يـدري مـا الخـبـر
ذاك الذي يــــهـــب الألوف ولن تَـــرى
مــن أمَّ ســاحــتــهُ السـنـيـة وافـتـقـر
يــهــب المــؤمــل قــبــل بــسـطـة كـفـهِ
ويــخــال عــيــبــا إن لتــســآلٍ صــبــر
دع ذكــر حــاتـم والبـرامـكـة الأولى
حـازوا الثـنـا بـين البداوة والحضر
أغــنـى العـفـاة مـدى الزمـان نـوالهُ
كــالصَـيِّبـِ الهـطـال بـالتـبـر انـفـجـر
ســــلطــــان بـــرٍّ لقـــبـــوه غـــيـــبـــةً
وهــو الجـوادُ البـرُّ قـد صـدق الخـبـر
لو عــايــنــوا يـومـاً نـعـيـم جـنـابـه
لتـــأكَّدوا أن المـــلوك لفـــي خَـــفَــر
مـــلكٌ تـــفــرَّد فــي الورى بــفــضــائلٍ
شــرفَ المــحــامــد ربُّنــا فــيــه حـصَـر
قـــالوا مـــليــكٌ قــلتُ ذا مــلكٌ فــلا
تـــزروا بـــهِ مــا حــازهُ زمــنٌ عــبــر
مــــلكٌ أتــــى فــــي صــــورة إنـــســـيَّةٍ
حــاشــا وكــلّا أن يــكـون مـن البـشـر
واليــوم راشــتــهُ المــنــون بــاسـهـمٍ
فــأصــابـت الأكـبـاد والقـلبُ انـدسـر
وفــلَتــهُ فـي صَـقِـلِ الفِـرنـد بـغـدرهـا
يــا ليــتــه عـمـر المـنـيَّةـ قـد هـصـر
بــكــت المـحـاجـر عـنـدَمـا عـمـيـت بـهِ
مـقـل الورى وبـكـى النبات مع الحجر
يــا أيــهـا المـلِكُ المُـفَـدّى لو مـضـت
لفـدائِكَ الدنـيـا لمـا القـلب انـكسر
غــادرتَ لبــنــانــاً كــأعــشـى خـابـطـاً
حـبـطـت بـهِ الأعـمـال والظـلم انـتشر
شــمــس العــدالة مــذ نـأت مـن أفـقـه
فــتــفــرَّق العــشــاق وانـقـطـع الوتـر
لبــنــان كــان كــمـا الجـنـان وروضـهُ
يـــزهـــو بـــايـــنـــاعٍ وأزهـــارٍ غــرر
والآن أمــســى مــجــدبــاً قـفـراً كـمـا
أضــحـت بـهِ الأرزاءُ تـحـكـى كـالسُـمـر
قـــد ظـــل فــي أســفٍ وفــي نــدمٍ ســدى
وغــدا بــشــومٍ عــبــرةً لمــن اعــتـبـر
لكــن هــو الجــانــي وفــي بـغـيٍ سـعـى
والبـغـي يُـجـدي في الجنا بئس الثمر
كـرهَ الصـفـا وإلى الحـمـاقـيس اصطفى
ولحــتــفــهِ فــي ظــلفــهِ عــمــداً حـفـر
أخــذ الغــرور مــطــيــةً فــكــبــت بــهِ
هـل قـيـل فـي راقي الغرور قد اقتدر
دُرِســــت مــــعـــاليـــه وزال فـــخـــارهُ
دُكَّتـــ شـــوامــخــهُ لقــعــرٍ مــن ســقــر
هـــذه مـــجــازاة البــغــيِّ بــلا مــرا
أيــصــيــبُ خــيــراً مـن بـإنـعـامٍ كـفـر
حــلَّت بــأهــليــهِ التــعــاســة طـالمـا
قـد غـاب ذا المـولى ليـتخذوا العبر
لمــا اســتــحــقَّ النــار لبـنـانٌ سـمـت
شـهـبُ الرضـى وإليـهِ ذا السخط انحدر
واها على مولى الولا السامي الذرى
فــلتـبـكـهِ الأمـصـار دمـعـاً كـالمـطـر
تــــرك العــــلا بــــتــــحـــرّقٍ وتـــأرُّقٍ
ذابــت جــوارحــهـا واضـنـاهـا السـهـر
ذهــب الولا والمــجــد فــي تــرحــالهِ
ســفــراً طــويــلاً ليــس يــعـقـبـه صَـدر
راح الفــخــار مــن الديــار وسـافـرت
آلُ النـدا ونـأى الرخـاءُ بـذا السفر
وأتـى الخـؤون إلى المـصـون مـطـارداً
والضــرُّ أقــبــل والأمــان لقــد غـبـر
غــاب المــليــك الدهـر نـبـكـيـهِ دمـاً
مـا الشـمـسُ ذرَّت والهـلال قـد اسـتتر
قـــل للذي قـــد قــال مــات مــغــرَّبــا
خــلِّ الشــمـاتـة ذاك فـي حـكـم القـدر
كــل الورى قــد قــال حــيــن وفــاتــهِ
الكــون أظــلم والعــبــاد عــلى خـطـر

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك