بربّك ذَكّرهم عَسى تنفعُ الذِكرى
723 أبيات
|
680 مشاهدة
بــربّــك ذَكّــرهــم عَــســى تــنــفــعُ الذِكــرى
فَـــكَـــم نِـــعـــم أَجــدى وكَــم مِــنَــن أَجــرى
وَأَعــــظَـــمُهـــا ديـــنُ النـــبـــيّ مـــحـــمّـــدٍ
هـوَ النِـعـمـةُ العُـظـمـى هـو المنّةُ الكُبرى
فَـــــأَشـــــهـــــدُ أنّ اللَّه لا ربّ غـــــيــــره
تَــوحّــدَ فــي الدُنــيــا تـوحّـدَ فـي الأخـرى
وَقـــد كـــانَ مِــن قــبــل الحــوادث واحــداً
بِــــلا حـــاجـــةٍ للخـــلقِ أوجـــدَهـــم طـــرّا
تَـــــقـــــدَّس عـــــن كـــــلِّ الجــــهــــاتِ وإنّه
مــعَ الخــلقِ لكــنَّ الحــقــيــقــة لا تُــدرى
فَــــلا جِهــــةٌ تــــحــــويــــهِ لا جـــهـــةٌ له
تَـــنـــزّهَ ربّـــي عَـــنـــهـــمــا وَعــلا قــدرا
فَـــليـــسَ مِـــنَ الخـــلفِ الأمــامُ بــقــربــهِ
أحــقُّ ولا اليُــمــنــى أحــقّ مــن اليــســرى
وَلا الفـــوقُ مِـــن تــحــتٍ وإن كــان وارداً
لهُ الفـــوقُ لكـــن ليــس يــحــصــره حــصــرا
بـــهِ قـــامَ كـــلُّ الخـــلقِ لو كــان لحــظــةً
تَــخــلّى عــنِ الأكــوانِ لاِنــعــدمــت فــورا
له البــــصــــرُ الســــمـــعُ الإرادة قـــدرةٌ
حــيــاةٌ كــلامُ العــلمِ عــن ضــدّهــا يـعـرى
وَليــــسَ لهُ سُــــبــــحــــانـــهُ اِبـــنٌ ولا أبٌ
وَليـــــسَ له بـــــدءٌ ولا عـــــدمٌ يـــــطــــرا
وَلا مــــثـــلهُ خـــلقٌ ولا هـــوَ مـــثـــلهـــم
كَــمــالاتُهــم مــنــهُ وعَــن نَــقـصِهـم يَـبـرا
وَلو شـــاءَ أَرداهُـــم ولَم يـــخـــشَ ثَــأرهــم
وهَــل أَحــدٌ يَــخــشــى مــنَ العــدمِ الثَــأرا
وَســـوفَ إِلى بـــدءِ الفَـــنـــاء يُــعــيــدهــم
وَيَــبــقــى كَـمـا قَـد كـانَ فـي مـلكـهِ وِتـرا
وَيَـــبـــعـــثـــهُــم حــتّــى يُــثــيــبَ بــعــدلهِ
عَــلى الخــيــرِ خَـيـراً أو عـلى شـرّهـم شـرّا
أَعــــدَّ لَهُــــم دارَيـــنِ لِلســـخـــطِ وَالرِضـــا
وَأَعــطــى لكــلّ مِــنــهُــمــا مــنــهــمُ قــدرا
لِمَــــن آمَـــنـــوا دارُ الكـــرامـــةِ جـــنّـــةٌ
بِهــا رِزقــهُــم مِــن فــيــض إحــســانــه درّا
وَرُؤيَـــتـــهـــم للَّه خـــيـــرُ نَـــعـــيـــمــهــم
وُجــوهــهــمُ مِــن حُــســنِهــا نــضــرت نــضــرا
وَدارُ هــــوانِ الكــــافــــريــــن جــــهـــنّـــمٌ
بِهــا ســعــرَ النــيـران مِـن أجـلهـم سـعـرا
وَشــــرٌّ عــــذابٍ عــــذَّبــــوهُ حــــجــــابـــهـــم
عــنِ اللَّه مَــقــصــوريــن عَــن لُطـفـهِ قـصـرا
لأحـــبـــابـــهِ الجـــنّــاتُ مَــجــلى جــمــالهِ
وَفـي النـارِ للأعـداءِ قَـد أظـهـرَ القـهـرا
وَلَو شــاءَ عــكــسَ الأمــرِ لَم يــعُــد عــدله
وَلكــن بِــفــضــلٍ مــنــهُ لا يـعـكـسُ الأمـرا
وَيــفــعـلُ مـا يـخـتـارُ فـي الخـلقِ مُـطـلقـاً
وَلا حـــرَجٌ يـــأتـــي عـــليـــهِ ولا حـــجــرا
وَيـــغـــفِـــرُ دونَ الشـــركِ مــا شــاء مــنّــةً
وَلا يــجــدُ الكــفّــارُ مِــن فــضــلهِ غــفــرا
بَـــراهُـــم لهُ كَــي يَــعــبــدوهُ ويَــعــرفــوا
فَـبـاؤوا بِـسـخـطٍ مـنـهُ إذ عَـبـدوا الغـيرا
وَكَـــم نِـــعَـــمٍ أســـدى لهـــم غـــيــرَ أَنّهــم
لِخِــذلانــهــم قَــد أَبـدلوا شُـكـرهـا كـفـرا
وَكــــلُّ كَــــمــــالٍ فـــي الوجـــودِ كـــمـــالهُ
أَفــاضَ عــلى الداريــنِ مِــن بــحــرهِ قَـطـرا
وَمِــــن نــــورهِ كــــلُّ العــــوالمِ أَشـــرقـــت
وَلَو شــاءَ لَم تُــشــرق ولا فــجَــرَ الفـجـرا
وَمــا الشــمــسُ والزهــرُ الدراري وبـدرُهـا
سِــــــوى لمَـــــحـــــاتٍ نـــــورهُ ذرّهـــــا ذرّا
وَكـــلُّ البَـــرايــا نــفــحــةٌ مــن هــبــاتــهِ
فَـــسُـــبـــحـــانــهُ ربّــاً وســبــحــانــهُ بــرّا
وَلا فــــاعـــلٌ للخـــيـــرِ والشـــرّ غـــيـــره
وَمِـــن أدَبٍ لَســـنـــا له نـــنـــســـبُ الشــرّا
وَمــنــهُ القُــوى فــيــنــا وقــد يـسـتـردّهـا
وَكــــلُّ اِمــــرئٍ مــــنّـــا بـــحـــالتـــه أدرى
وَمِــن أيــنَ تَــأتــيـنـا الخـواطـرُ هـل لهـا
سَــحــابٌ عــلى الأفــكــارِ تـمـطـرُهـا مـطـرا
وَأكــثــرُهــا يَــبــقــى عَــقــيـمـاً وبـعـضـهـا
يُـرى مُـنـتـجـاً يـنـمـو كـمـا تـبـذرُ البذرا
وَمِــن أَيــن تــأتــي المــرءَ رُؤيـا مـنـامـه
وَلا عــقــلَ يُــبــديــهــا هـنـاك ولا فـكـرا
وَنَـــعـــلمُ أنّ الروحَ فــي الجــســم غــيــره
وَمــا الجــســمُ إلّا بــيـتـهُ فـيـه قـد قـرّا
فَـــمِـــن أيـــنَ يَـــأتــيــه وعــنــد فــراقــهِ
إِلى أيّ مـــأوىً فـــارقَ الجــســم مــضــطــرّا
فَـــــذلكَ أمـــــرٌ ظـــــاهـــــرٌ أنّ ربّـــــنـــــا
هـوَ الفـاعـلُ المـختارُ في الخلق ما أجرى
وَجــازى الوَرى عَـن كَـسـبـهـم بـاِخـتـيـارهـم
وَلا قُـــدرةٌ مِـــنـــهـــم تــؤثّــر لا جــبــرا
بِـــتَـــيـــســـيــره كــلٌّ أتــى مــا قــضــى له
وَليــــسَ بِــــمـــســـؤولٍ ويَـــســـألهُـــم طـــرّا
وَدونــكَ فــاِنــظُــر فــي الأمــامِ وعــكــســه
وَعُـــلواً وســـفـــلاً لليـــمــيــن ولِليــســرى
فَــمَهــمــا شــغــلتَ الفــكــرَ فـي كـلّ وجـهـةٍ
إِلى أبــــدِ الآبــــادِ لا غــــايـــةٌ تُـــدرى
وَذلكَ مَــــــخــــــلوقٌ لهُ فــــــهـــــو دونـــــهُ
تَـــعـــالى وجـــلَّ اللَّه عَـــن خــلقــهِ قــدرا
إِذا كــــانَ هــــذا كــــلّه بــــاِتّــــســـاعـــهِ
يَـــضـــيــقُ وَلا يَــقــوى عــلى ربِّهــ حَــصــرا
فَــكـيـفَ اِنـحَـشـى حـاشـاهُ فـي ضـيّـقِ الحـشـا
وَكــيــفَ ثَـوى فِـتـراً مـنَ البـطـنِ أو شـبـرا
فَـــمَـــن يَــعــتــقِــد أنَّ النــســاءَ يــلدنــهُ
فَــقــولوا لهُ مِــن أمّه يــمــصــصِ البــظــرا
تَـــقـــدّس عَـــن أن يـــقـــدرَ الخـــلقُ قــدره
وَأَن يَــبــلُغــوا فــي حـقّهِ النـفـعَ والضـرّا
تَـــقـــدّس عَــن أَن يــعــلمَ الخــلقُ كــنــهــهُ
وَأَن يُــدركــوا مــن عـلمـهِ غـيـر مـا أجـرى
وَلا العــــرشُ يــــدريــــهِ ولا هــــو حــــلّهُ
وَلَكــــن بــــراهُ مِــــثــــلمـــا بـــرأَ الذرّا
عَــليــهِ اِســتـوى كـيـفَ اِسـتَـوى ليـسَ عـرشـهُ
بِهـــذا دَرى فـــيـــهِ خـــليـــقـــتــهُ حَــيــرى
وَهـــل قـــطُّ مَـــصـــنـــوعٌ بـــصـــانـــعــهِ دَرى
لَقَـــد ضـــلّ عَـــبـــدٌ يـــدّعـــيــه ومــا بــرّا
وَسَــل إِن تَــشــأ عــن نــاســجٍ مــن نـسـيـجـهِ
وَعــمّــن بــنــى قَــصــراً فَـسـل ذلكَ القَـصـرا
إِذا كـــانَ كـــلٌّ حـــادثـــاً كـــصـــنـــيـــعــهِ
وَلم يَــــدرهِ فــــاللَّه أعــــظـــمُ أَن يُـــدرى
وَلِلعــــقــــلِ حــــدٌّ لا يــــجــــاوزهُ كَـــمـــا
لأبـــصـــارِنـــا حَـــدٌّ تُــرى بــعــده حــســرى
وَكَــم فَــوق طــورِ العــقــلِ طــوراً وفــوقــه
ســـواهُ وَزِد مـــا شــئتَ طــوراً عــلا طــورا
وَمـــا ثـــمَّ مَـــن يَـــدري حـــقـــيـــقـــةَ رَبّهِ
وَفـي العـجـزِ مـثـلُ العـقـلِ أرفـعُهـا قـدرا
بِــأســمــائهِ الحُــســنــى وَأوصــافـهِ العـلا
وَآثــــارهِ فــــي خــــلقــــهِ عـــرّفَ الأمـــرا
وَقَــــد نــــصَــــب الأكــــوانَ فـــي كـــلِّ ذرَّةٍ
بَـراهـيـن لا تُـحـصـى قَـراهـا مـنِ اِسـتَـقـرا
وَلَكــــــنّه يَهــــــدي لهُ مــــــن يـــــريـــــدهُ
وَإِن كــانَ أَغــبــى النــاسِ أَبـلدهُـم فِـكـرا
وَإِن شـــــاءَ إِضـــــلالاً لعـــــبـــــدٍ أضــــلّهُ
وَإِن كـــانَ ذا عـــلمٍ غــدا عــلمــهُ سِــتــرا
أَلَم تـــرَ كـــفّـــارَ الفـــرنــجِ وكــيــفَ هــم
مــعَ العــلمِ بِــالأكـوان شـرّ الورى كـفـرا
وَمَهــمــا زَوى الأفــكــارَ عَــن كــنـهِ ذاتـهِ
فَــأَنــوارهُ بــالعــلمِ قَــد ســفَــرت ســفــرا
فَـــلا عـــذرَ للكــفّــارِ فــي جــهــلِهــم بــه
وَهـــذي البَـــرايــا كــلُّهــا صُــحــفٌ تــقــرا
قَـــدِ اِخـــتـــارَ مِـــن كــلِّ الخَــلائقِ رســلهُ
لِتَــعــريــفِهـم مـا كـفَّ عَـن عـلمـهِ الفِـكـرا
وَمِــنــهــم قــدِ اِخــتــارَ الحـبـيـبَ مُـحـمّـداً
نَــبــيَّ الهُــدى روحَ الوجــودِ أبـا الزهـرا
نَـــبـــيُّ جــمــيــعِ الأنــبــيــاءِ مَــليــكُهــم
وَفــي قَــومِهـم عـن حـكـمـهِ نَـفّـذوا الأمـرا
وَلَو جـــاءَ فـــي أعــصــارِهــم آمــنــوا بــه
وَكــانــوا لهُ مِــن خــيــرِ أجــنــاده نـصـرا
مـــآثـــرهُ فـــي كُـــتــبــهــم يــأثــرونــهــا
وَلَو وجــدوا فــي عــصــرهِ تَـبِـعـوا الإثـرا
إِمــامُ جــمــيــعِ الرســلِ جــامــعُ فــضــلهــم
خَــطــيـبـهـمُ فـي الخَـطـبِ إن حُـشِـروا حـشـرا
وَيَــجــمــعــهُــم فــي الحــشــرِ تــحــت لوائهِ
وَكــلٌّ يــقــولُ اِشــفَــع فــأنــتَ بِهــا أَحــرى
لِكُـــــلِّ نَـــــبــــيٍّ إمــــرةٌ فــــوقَ قــــومــــهِ
وَهُـــم وَذووهـــم تــحــتَ إمــرتــهِ الكُــبــرى
مَـــلائكـــةُ الرَحـــمـــنِ مِــن خــيــر جــنــدهِ
كَــأصــحــابــهِ حــازوا بِــصُـحـبـتـهِ الفَـخـرا
وَجــبــريــلُ نــعــمَ العــونُ وَالصـاحـب الّذي
زِيــاراتــهُ بــالوحــيِ للمُــصــطــفــى تـتـرى
وَقَــــد كــــانَ مــــن قــــوّاده يـــوم بـــدرهِ
ولَم يــــتَــــجـــاوَز حـــدّه ليـــلة الإســـرا
وَكــانَ لدى الحــاجــاتِ يــدعــوه يــا أخــي
يُــــلاطــــفــــهُ إِن راحَ يــــســــأله أمــــرا
وَلو كــانَ أعــلى مــنــهُ جــبـريـل لم يـكـن
مُـــلاطـــفـــةً بـــل كـــانَ فـــي حــقِّهــ إزرا
وَســـاعـــدهُ مــيــكــالُ فــي حــمــل طــشــتــهِ
لَدى شــــقِّهـــم روحـــي فـــداهُ له الصـــدرا
وَقَــد كــانَ إِســرافــيــلُ فــي بــدءِ بــعـثـهِ
ثــــلاثَ ســــنـــيـــنٍ فـــي كـــلاءَتـــه ســـرّا
فَـــقُـــل هـــوَ عـــبـــدُ اللَّه ســـيّــد خــلقــهِ
وَدَع مــا طَـرا فـي حـقّ عـيـسـى مـن الإطـرا
وَقُـــل هـــوَ بــحــرُ اللَّه بــالفــضــلِ زاخــرٌ
وَفــي مـدحـهِ فـاِسـتـغـرقِ النـظـمَ والنـثـرا
فَـــقَـــد أطـــرَب الأرواحَ مُـــنــشــدُ مــدحــهِ
وَمـــادحـــهُ مَهـــمـــا أطـــالَ فَـــمــا أطــرا
تَــــنــــقّـــلَ نـــوراً فـــي جـــبـــاهِ جـــدودهِ
فَـــنـــالوا بـــهِ عـــزّاً وصــاروا بــهِ غُــرّا
عــــنِ البــــيــــتِ ردَّ اللَّهُ فــــيـــلَ عـــدوّه
وَأَرســلَ فــي تــدمــيــرِ أَصــحــابــهِ طَــيــرا
وَمِــــن أُمّه نــــورٌ بــــدا عـــنـــد وضـــعـــهِ
بــهِ عــيــنُهــا مــن مــكّــةٍ أبــصــرت بـصـرى
وَكَـــم شـــوهـــدَت مـــن آيـــةٍ فـــي رضــاعــهِ
فَـأحـيَـت شـيـاهَ الظـئرِ في المحلِ والظئرا
وَأَشــبــهَ مــنــهُ الشــهــرُ عــامــاً لغــيــرهِ
نُــمــوّاً ومـنـه اليـوم قـد أشـبـهَ الشـهـرا
وَمـــا زالَ يَـــرقــى فــي الكــمــالِ هــلالهُ
رُويــداً وعــنــدَ الأربــعــيــنَ غَــدا بــدرا
فَــــأَرســــلهُ بــــالحــــقِّ لِلخــــلقِ رحـــمـــةً
لِمُــؤمِــنــهــم كُــبــرى وكــافــرِهــم صــغــرى
جَــزى اللَّه عــنّــا خــيــرَ مـا كـانَ جـازيـاً
أَبـا القـاسـمِ المـخـتـار خـيـرَ الورى طرّا
فَـــلولاهُ لَم تَـــبـــرَح عـــقــائدُ ديــنــنــا
مــــلوّثــــةً شِــــركـــاً مـــلطّـــخـــةً كـــفـــرا
هَـــدانـــا بـــهِ وَالجـــاهــليّــةُ قــد طَــغــت
وَقَــد غــمَــر الأقــطــارَ طــوفـانُهـا غـمـرا
هَــدانــا بــهِ وَالنــاسُ فــي ليــلِ شِــركـهـم
فَــأَطــلعَ ديــنَ اللَّه مــا بــيــنُهــم فـجـرا
هَــدانــا بــهِ والنــاسُ مــا بــيــن عــابــدٍ
لِشــمــسٍ ومَــن دانــوا الكــواكـبَ والدهـرا
هَــدانــا بــهِ وَالســودُ كــالبــيــض كــلّهــم
وُحـوشٌ نـعـم والصـفـرُ قـد أشـبـهوا الحمرا
هَــدانــا بــهِ والعــربُ مــا بــيــن شــاعــرٍ
وَمَــن عــبــدَ الأصــنــامَ أو عَـبَـد الشِـعـرى
هَــدانــا بــهِ والفــرسُ بـالنـور قـد غـووا
لهُ نـــسَـــبــوا خــيــراً وللظــلمــةِ الشــرّا
وَكَــم عَــبــدوا كــالهــنــدِ نــاراً تــأجّـجـت
وَكَــم عَــبــدوا عِــجــلاً وكَـم عَـبـدوا ثـورا
هَــدانــا وَأحــبــارُ اليــهــودِ تَــلاعــبــوا
بِــمــلّةِ مــوســى أبــدَلوا شُــكــرَهــا كـفـرا
هَـــدانـــا بــهِ وَالرومُ مــا بــيــنَ عــابــدٍ
لِعــيــســى بــلا عــذرٍ ومَــن عَــبَـدَ العَـذرا
هَــــدانـــا بـــهِ المَـــولى لجـــنّـــة خـــلدهِ
ولولاهُ كـــنّـــا مِـــثـــلهــم للّظــى جَــمــرا
بــهِ اللَّه أَحـيـا الفـضـلَ والعـدل والهـدى
وَأَجــرى مـن التـوحـيـدِ بـيـن الورى بـحـرا
وَأَعـــطـــاهُ مِــن أســرارِ مــكــنــون عــلمــهِ
بِـــحـــارَ عـــلومٍ فـــيــهِ قَــد زَخــرت زخــرا
وَكَــم مُــعــجِــزاتٍ مــنــهُ شــاهــدَهــا الورى
بِــكَــثـتـرتِهـا قَـد جـازتِ الحـصـرَ والحِـزرا
قَــدِ اِنــتَــشــرت فـي الأرضِ عـمّـت جَـمـادهـا
وَإِنــســانَهــا والجــنَّ وَالوحــشَ والطــيــرا
وَمِـــن مُـــعـــجـــزاتِ الأفـــقِ مَـــولاه خــصّه
بِـــدَعـــوة حـــقٍّ ســـهــمُهــا شــقَّقــَ البــدرا
وَأَســـرى بـــهِ للقُـــدسِ فـــي بـــعـــض ليــلةٍ
وَمِـنـهـا إلى السـبـعِ العُـلا حبّذا المسرى
عَـــلا حـــيـــثُ لا عـــقـــلٌ هـــنــالك واصــلٌ
وَحــيــثُ العُـلا قـد صـدّتِ الوهـمَ والفـكـرا
وَحـــيـــثُ حَـــبـــا الرحــمــنُ ســرّاً لعــبــدهِ
جَــمــيــعُ الوَرى لم يُــمـنَـحـوا ذلكَ السـرّا
ولمّــا غَــدا فــي القــربِ وَالحــبِّ مُــفــرداً
رَأى ربَّهـــ لا كـــيـــفَ لا كـــمَّ لا حــصــرا
وَأولاهُ مِــــــن آلائهِ كـــــلّ نـــــعـــــمـــــةٍ
بِهــا خــصّهُ تــســتــغــرقُ الحـمـدَ وَالشـكـرا
وَعــــادَ إِلى مــــثــــواهُ بـــعـــد عـــروجـــهِ
بِــليــلةِ مَــســراهُ فَــسُــبــحــانَ مَــن أَســرى
وَأَولاهُ بِـــالقـــرآنِ مِـــن فـــيـــضِ فـــضــلهِ
بِـــحـــارَ عُـــلومٍ كـــلُّ لفـــظٍ حَـــوى بــحــرا
وَأَعـــجـــزَ كـــلَّ الخـــلقِ عَــن مــثــل ســورةٍ
فَــلَم يَــنــسُــجــوا طــرّاً بــمـنـواله سـطـرا
وَلَو أمـــكـــنَ الكــفّــارَ مــثــلٌ أتَــوا بــه
وَمَــن يــدّعــي للشــمــسِ بــيـنَ الورى أُخـرى
وَسُــــنّــــتــــهُ جــــاءَت بــــكـــلِّ فَـــضـــيـــلةٍ
مــنَ الوحـيِ لم يُـعـمـل بـأَحـكـامِهـا فـكـرا
بِـــبَـــحـــريـــنِ قَــد وافــى كــتــابٍ وســنّــةٍ
جَــرَت مِــنــهــمــا حــقّــاً شــريـعـتـه الغـرّا
بِــمَــجــمــعِ بــحــرَيــهـا أئمّـتـنـا اِلتـقَـوا
وَمـا خَـرجـوا عَـنـهـا بـل اِسـتَخرجوا الدرّا
وَفــاضَــت عَــلى الدُنــيـا فـأحـيَـت بـلادَهـا
فَــمــا تــرَكــت عَــصــراً ولا تــرَكــت مِـصـرا
لَقَــد عَــرّفــتــنــا اللَّهَ وَالبــعـثَ والجـزا
وَبِــاليـسـرِ فـي الأحـكـامِ أبـدلتِ العـسـرا
أَتَــت بــعــلومِ الرســلِ مــع أنــبــيــائهــم
فَـمـا تَـرَكـت مـوسـى الكـليـم ولا الخـضـرا
وَجــــاءَت بِــــتــــاريــــخِ الزمـــانِ وأهـــلهِ
وَمـا كـانَ في الغَبرا وما كانَ في الخضرا
وَأَحـــكـــامُهــا قــد ضــمّــنــت كــلّ حــكــمــةٍ
وَمــا اِحــتَــكـرت عـن طـالبٍ فـضـلهـا حـكـرا
وَأَجــــرَت عُــــلومــــاً كـــلُّ حـــبـــرٍ وراهـــبٍ
لو اجــتــمــعـوا لا يـحـسـنـون لهـا عـبـرا
وَلا عــــالِمٌ فــــي الكـــونِ يـــمـــكـــنُ أنّه
يُـــحـــيــطُ بِهــا مِــن كــلِّ أَطــرافِهــا دورا
بِهـــا قَـــد أَتـــى الأمّـــيُّ فــي جــاهــليّــةٍ
أقـــلِّ الوَرى عـــلمــاً وأكــثــرِهــم فــقــرا
بِـــأقـــربِ وَقـــتٍ أصـــبـــحـــت خـــيـــر أُمّــةٍ
فَــضــائلَ واِســتَــولت عــلى غــيــرهـا قَهـرا
وَكَـــــم عـــــاقــــلٍ لمّــــا أصــــاخَ لقــــولهِ
وَشـــامَ المُـــحـــيّـــا بــالســجــودِ له خــرّا
فَـــكـــافـــاهُ عـــن إِيـــمـــانــهِ بــأمــانــهِ
وَجـــازاهُ عَـــن فــعــلِ الســجــودِ له زجــرا
وَكَـــم ذا مـــنَ الأعـــرابِ وافـــاه جــاهــلٌ
كَـوحـشِ الفَـلا قـد أشـبـهَ الذئبَ والنِـمـرا
فَـــصـــارَ بــهِ فــي العــلم والحــلم قــدوةً
يُــرتّــلُ فــي المِـحـرابِ وَالمـنـبـرِ الذِكـرا
وَيـــا ربُّ عـــبــدٍ كــالبــهــيــمــةِ طــبــعــه
قَـضـى عـمـرهُ فـي الشـرِّ لا يـعـرف الخـيـرا
بــإِكــســيــرِ خــيــرِ الخــلقِ صــحّـت طـبـاعـه
فــصــارَت نُــضــاراً بــعـد أن طُـبـعـت صـفـرا
وَصـــارَ بـــهِ مِـــن ســـادةِ القـــومِ ســـيّــداً
فَــفــي جَــحــفــلٍ قــلبـاً وفـي مـحـفـلٍ صـدرا
فَـــقُـــل لي أغــيــر اللَّه يــفــعــل هــكــذا
وَهـــل أحـــدٌ يـــقـــضــي عــلى ربِّهــِ جــبــرا
فَــإِن لَم يَــكُــن خــيــرُ النـبـيّـيـنَ صـادقـاً
إِذن فـــإِله العـــرش قـــد شـــرع الكــفــرا
أَتــــى داعِــــيــــاً فـــي الأرضِ للَّه وحـــده
وَقَـــد مُـــلِئت شِــركــاً وَقــد طــفــحــت شــرّا
فَـــأيّـــده بــالنــصــرِ مَــع كــثــرةِ العــدا
وَقَــد ســجــروا نــيــرانَ بَـغـضـائهـم سـجـرا
وَعـــارضـــهُ فـــي الحـــقِّ كـــفّـــارُ قـــومـــهِ
وَحــثّــوا إِلى تــدمــيــرِ دعــوتــه السـيـرا
وَصــاحـوا بـهِ وهـوَ الهـزبـرُ فَـمـا اِنـثـنـى
وَهُــم بــقَــرٌ مِــن خــوفــهــم جــأَروا جــأرا
وَقَـــد عَـــرفـــوهُ صـــادقـــاً غـــيـــرَ أنّهـــم
أصـــرّوا عَـــلى أديـــان آبـــائِهــم كــبــرا
وَلَم يَـــبـــرحــوا فــي ظُــلمِهــم وَظــلامِهــم
إِلى أَن رأوا مــنــهُ بــأفــقِ الوغـا بـدرا
وَآمـــنَ مِـــنـــهـــم ســادةٌ ســبــقــوا الورى
بِـــصُـــحـــبـــتــهِ أكــرِم بــهِــم ســادةً غــرّا
أَجَـــلّ بَـــنــي الإســلامِ كــانــوا وإنّــمــا
أَبــو بــكـرٍ الصـدّيـقُ كـان اِبـنـهُ البـكـرا
فَــفــي حــلبــةِ الإيــمــان جــاء مُــجــلّيــاً
وَعُــثــمــان صــلّى خــلفـه مـع ذَوي البُـشـرى
بِــنــوريــهِ ذو النــوريــنِ ضــاءَت شــؤونــهُ
وَحــازَ عَــلى كــلِّ الوَرى بِهِــمــا الفَــخــرا
ولمّـــا دَعـــا الهـــادي لإعـــرازِ ديـــنـــهِ
أَتـــى عُـــمَــرٌ يَــســعــى لِحَــضــرتــه حــضــرا
وَســـمّـــاهُ بِـــالفـــاروقِ إذ فـــرَق الهُـــدى
مِــنَ الشــركِ والشــيــطــانُ مـن بـأسـهِ فـرّا
وَأمّـــا عـــليٌّ فـــهـــو عـــنـــد اِبـــنِ عـــمّهِ
تــربّــى صَــغــيـر السـنِّ لم يَـعـرفِ الكـفـرا
فَـــلا عَـــجـــبٌ أَن كـــان بـــابـــاً لعــلمــهِ
وَفــي الحــربِ ذِمـراً لَم نَـجِـد مـثـله ذمـرا
وَأَحــرزَ خــضــلَ الســبــقِ مـنـهـم عـتـيـقـهـم
وَلا عَــجــبٌ أن يَــســبــقَ القــارحُ المـهـرا
وَقَـــد سَـــبَـــقـــت كــلَّ الجــيــادِ خــديــجــةٌ
وَأَلحِــــق بِهــــا أولادهُ الســـادةَ الغـــرّا
وَمَهــمــا عــلَت كــلّ النــســاء بــفــضــلهــا
فَـقَـد فـضَـلَتـهـا فـي العـلا بنتُها الزهرا
وَآلُ أبــــي بــــكـــرٍ خـــيـــارٌ وخـــيـــرهـــم
حَــبــيــبــةُ خــيـرِ الخـلقِ عـائشـة الحـمـرا
كَــفــاهــا ســلامُ الروحِ فـي الديـن رفـعـةً
وَقــولُ رســولِ اللَّه عـنـهـا خُـذوا الشـطـرا
وَكَـــم فـــتـــيـــات ســـابـــقـــاتٍ وفـــتــيــةٍ
هـــداةٍ وكـــم عــبــدٍ أتــى ســابــقــاً حــرّا
وَفــاضَ عــليــهــم بــالأذى بــحــرُ فــتــنــةٍ
فَـــــــآونـــــــةً مــــــدّاً وآونــــــةً جــــــزرا
فَــكَــم عــذّبــوهــم كَــي يَــعـودوا لشِـركـهـم
فَــمـا رَجَـعـوا وَالبـعـضُ قَـد قُـتـلوا صـبـرا
وَكَــم ذا عـلى الرَمـضـاءِ ألقَـوا ضـعـافـهـم
عَـلى الظـهـرِ ظُهـراً واصـلَ الفـجر والعصرا
وَكَـــم أَلبَـــســوهــم مِــن حــديــدٍ مــدارعــاً
وألقَــوهــمُ فــي الشـمـسِ قـد صُهـروا صـهـرا
وَمـــا كـــانَ مِـــن صـــخـــرٍ عـــلاهــم فــإنّه
قـــلوبُ العـــدا لكــنّهــا مُــسِــخــت صــخــرا
وَمَهـمـا اِسـتـغـاثـوا لم يُـغـاثـوا ودمـعهم
حَـكـى الغـيـثَ مِـن سـقياه عشب الثرى أثرى
فَــلا يــمــكــنُ التــعـبـيـرُ عَـن عـبَـراتـهـم
وَلا عــيــنَ إلّا مِــن عــبــاراتــهــم عـبـرى
مَـــصـــائبُهــم لو قــطــرةٌ مــن ســحــابــهــا
تُــمــازجُ مــاءَ البــحــرِ أفــســدتِ البـحـرا
وَأثــــقـــالهُـــم لو ذرّةٌ مـــن جـــبـــالهـــا
عَــلى الدهــرِ قَــد خــرّت لأثــقـلتِ الدهـرا
وَمَــع هــذهِ الأهــوالِ طــابَــت نــفــوســهــم
بِــطــيّـبِ ديـن اللَّه فـاِسـتَـسـهـلوا الوعـرا
حَــــلاوةُ حــــبّ اللَّه حــــلّت قــــلوبــــهــــم
فَــحــلّت لَهُــم كَــربــاً وحــلّت لهــم صــبــرا
وَهـــاجـــرَ للأحـــبـــاشِ مــنــهــم جــمــاعــةٌ
وَقَـــد هَـــجـــروا للَّه أوطـــانَهـــم هـــجــرا
وَخـــافَـــت قُـــريـــشٌ مــن عــواقــبِ أمــرهــم
عَــلَيــهــا فــفـي أعـقـابـهـم عـقّـبـت عَـمـرا
وَكـــانَ النـــجـــاشـــي مِـــن أئمّـــة ديــنــهِ
وَكَـــم لرســـولِ اللَّه شـــاهـــدَ مِــن بــشــرى
فَــــفَــــازَ بــــإســــلامٍ وأرواهُ جــــعـــفـــرٌ
وَأَجــرى عــلى عــمــرٍو بــتــوبــيـخـه نـهـرا
قَــدِ اِمــتُــحــنــوا حــتّــى تــخــلَّص صــفـوُهـم
بِــتَــعــذيــبــهـم طـوراً وتـغـريـبـهـم طـورا
ليــظــهــرَ كــونُ الفـضـلِ فـي النـاس كـلّهـم
بِــنــســبـةِ جـزءِ الجـزءِ مـن فـضـلهـم نـزرا
وَلمّـــــا أرادَ اللَّه نُـــــصـــــرةَ ديـــــنــــهِ
أَتـــاحَ لهُ مِـــن نـــحـــوِ أنــصــاره نــصــرا
فَهـــاجـــرَ مــن أمّ القُــرى نــحــو طــيــبــةٍ
نـبـيُّ الهُـدى والصـحـبُ قـد هـجـروا الهُجرا
فَـــسُـــرّ بــهِ الأنــصــارُ حــتّــى نــســاؤُهــم
وَصِــبـيـانُهـم فـي مـدحـهِ أَنـشـدوا الشـعـرا
وَيـــا حـــبّـــذا مـــنــهــم ســعــودٌ ثــلاثــةٌ
وَمــثــلهــمُ البــاقــي فــأكــرِم بِهِــم طــرّا
فَـــسَـــعـــدُ مـــعـــاذٍ ســـيّــد الكــلّ مَــن له
قَــدِ اِهــتــزَّ عــرشُ اللَّهِ أَرفــعــهُــم قــدرا
وَسَــعــدٌ أبــو قــيــسٍ أخــو الجـودِ لم تـزل
تــدورُ مــعَ المــخــتــارِ جــفــنــتـهُ الغـرّا
وَكـــانَـــت لســـعـــد بــن الربــيــعِ وصــيّــةٌ
أَراهـــا لقَـــلبـــي كـــلَّمـــا ذُكِـــرت ذكــرى
فَــــفــــي أُحـــدٍ أَوصـــى يـــقـــول لقـــومـــهِ
عَــلى حــيــن وافــتــهُ شــهــادتــهُ الكُـبـرى
إِذا خَـــلصـــوا للمُـــصـــطـــفـــى وبـــواحـــدٍ
حَــيــاةٌ فــعــنــدَ اللَّه لن تــجــدوا عــذرا
وَلمّــا اِلتــقــى الصَــحــبـان واِشـتـدّ أمـرهُ
تَــلقّــى مــنَ المَــولى بـحـربِ العـدا أَمـرا
فَــــبــــاعــــوا لهُ للَّه أنــــفــــسَ أنـــفـــسٍ
وَلَم يَـــجـــعــلوا إلّا رِضــاه لهــا ســعــرا
وَلمّــا اِشــتَــرى الرحــمــنُ مــنــه ومــنـهـمُ
بِــجــنّــتــه هــاتــيــكــمُ الأنـفـسَ الطـهـرا
غَـــدا رِبـــحُهـــم أَعـــلى وَأغـــلى تـــجــارةٍ
فــأعــظِــم بــهِ رِبــحـاً وأكـرِم بـهـم تـجـرا
فَــكَــم جـاهَـدوا فـي نـصـرةِ الديـن كـافـراً
وَخــاضــوا إليــهِ الحــربَ والحــرّ والقــرّا
وَمــا نــفَــروا يــومَ الوَغــا مــن عــدوِّهــم
بَــلى فــي سـبـيـلِ اللَّه قـد نَـفَـروا نـفـرا
وَبـــرّوا بِـــغـــزوِ البـــرّ فــي كــلّ وجــهــةٍ
وَبالحربِ خاضوا البحرَ واِستغرقوا العُمرا
رَبـــيـــعٌ خـــريـــفٌ صــيــفُهــم كــشــتــائهــم
فَــلَم يَــرهــبـوا بَـرداً ولم يَـرهـبـوا حـرّا
وَكَـــم رمـــضـــانٍ جـــاءَهــم مــا تــســحّــروا
وَقَـد أطـعـمـوا سمرَ القَنا النحرَ والسحرا
وَصـامـوا وَمـا صـاموا عنِ الطعنِ في العِدا
وَلكِــن عَــلى أرواحــهِــم جَــعــلوا الفـطـرا
وَأصــبــحَ فــطــرُ الشــركِ عــيــداً لفــطـرهـم
سَــعــيــداً ونــحـرُ المُـشـركـيـنَ غـدا نـحـرا
وَقَـــد زَهِـــدوا فـــي مـــالِهــم وجــمــالهــم
فَــمـا عَـشِـقـوا بَـيـضـا ولا عـشـقـوا صـفـرا
أَحــــبُّ إِليــــهــــم لثــــم ســــيــــفٍ مــــورّدٍ
بِـحـمـرِ الدِمـا مـن لثـمِ وَجـنَـتـهـا الحمرا
ســلِ البــيــضَ والســمــرَ العــوالي عــنـهـمُ
وَســل عَــنـهُـمُ الحـمـرَ المـذاكـيَ والشـقـرا
فَــكَــم خَــفــضــوا بــالكــسـرِ رأسـاً لمـشـركٍ
وَكَـــم لِلعـــدا جـــرّوا كـــتــائبــهــم جــرّا
وَكَــم رَفــعــوا رُمــحــاً وضــمّــوا مــهــنّــداً
وَكَــم نَــصـبـوا حَـربـاً وكَـم فَـتـحـوا ثَـغـرا
وَمِــن بــعــدهِ فــي الرومِ والفــرس قــصّــرت
قــيــاصــرُ عــنـهـم حـيـنَـمـا كَـسَـروا كِـسـرى
وَقَـــد مَـــلكــوا الدُنــيــا بــأيــســرِ مــدّةٍ
فَــمــا فَــقَــدوا يُــسـرا ولا وجـدوا عـسـرا
حَــكــى ســفَــراً فــي السـلمِ سـيـرُ حـروبـهـم
كـــأنّهـــمُ كـــانـــوا عـــلى عَـــجَــلٍ سَــفــرا
لَقَــد أَثــبــتــوا بــالنــصِّ والنـصـرِ حـقّهـم
وَللديـنِ بـعـدَ النـشـءِ قَـد عـمّـموا النَشرا
بِــــقــــولٍ وفِــــعــــلٍ أيّــــد اللَّه ديـــنـــهُ
بِهــم حــيــنَـمـا أعـطـاهـمُ النـصَّ والنـصـرا
فَـــأَطـــلعـــهُ كـــالشـــمـــسِ فــي كــلِّ بــلدةٍ
وَبـــثَّ بـــكـــلِّ الأرضِ مِـــن نــشــرهِ عــطــرا
فَــأكــرِم بِـصـحـبِ المُـصـطـفـى مَـعـشـراً فـمـا
أُنــيــلَ الحــواريّــونَ مِــن فَــضـلهـم عـشـرا
بِــمَــدحــي لَهُــم كــالآلِ تــبــريــدُ غــلّتــي
وَلي كَـــبِـــدٌ مـــن حـــبـــهّـــم أبـــداً حـــرّى
جَـــعـــلتُ وَلائي للفـــريـــقـــيـــنِ حــجّــتــي
فَــمِــن بــعــدِ إيــمــانـي أرى كـنـزهُ ذخـرا
فَــأحــبــب بــهــم قــومـاً إذا ذكـرهُـم جَـرى
أُحــسُّ لجــريِ الحــبِّ فــي مــهــجــتــي مـجـرى
وَإِن عــــــابَهــــــم ذو ضِــــــلّةٍ فـــــكـــــأنّهُ
بــأَلفــاظــهِ أَلقــى عــلى مَــســمَـعـي صَـخـرا
فَـــخـــيــرُ الوَرى بــعــدَ النــبــيّــيــنَ آلهُ
وَلا ســيّــمــا أبــنــاءُ فــاطــمــةَ الزهــرا
فَـبـالحـقِّ فـاقـوا الخـلقَ إِذ كـانَ نـجـرُهـم
لِســـيّـــد خـــلقِ اللّه قـــاطـــبـــةً نـــجـــرا
هـــمُ الطـــيّـــبـــون الطــاهــرونَ فــربّــنــا
مَــحـا الرجـسَ عَـنـهـم حـيـن طـهّـرهـم طـهـرا
وَلَم يــســألِ المُــخــتــار مــن كــلّ مــؤمــنٍ
عــــلى الديــــنِ إلّا أَن يــــودّهـــمُ أجـــرا
وَأَصـــحـــابـــهُ لا يـــبــلغ النــاسُ مــدَّهــم
وَلا نِــصــفــهُ لو أنــفــقــوا أُحــداً تـبـرا
نُـجـومُ هـدىً مـن شـمـسـهِ اِقـتـبـسـوا الضـيا
وَقَــد نَــشــروا فــي النـاس أنـوارَه نـشـرا
وَإِن ذُكِـــــرَت بـــــيــــنَ الورى غــــزواتــــهُ
فَــقــدِّم عــليــهـا فـي سـمـاءِ العُـلا بـدرا
فــــللَّه مِــــنــــهــــا غـــزوةٌ كـــلُّ مـــؤمـــن
تَــحــمّــلَ مِــن نــعــمــاءِ أَصــحـابـهـا وِقـرا
وَكـــــانَ عـــــليٌّ حـــــمـــــزةٌ وعــــبــــيــــدةٌ
أَثــافــيَهــا إِن كــنــتَ شــبّهــتــهــا قــدرا
فَــسَــل عــن عُــتــاةٍ مــن قــريــشٍ قـليـبـهـم
فَـــقَـــد نـــجّـــسَــت أَشــلاؤُهــم ذلكَ الســرّا
وفـــي أُحُـــدٍ رُؤيـــا النـــبـــيِّ تـــعـــبّـــرت
رَأى بَـــقـــراً فــيــهــا فــعــبَّرَهــا بــقــرا
وَلَو ثـــبـــتَـــت فُـــرســـانـــهُ عــنــد أمــرهِ
لتـــمّـــت لهُ لكـــنّهـــم خــالَفــوا الأمــرا
وَيــا خــيــبــةَ الأحــزابِ حــيــنَ تَـشـتّـتـوا
وَكـــانَ عَـــليـــهـــم ريـــحُ نُـــصــرتــهِ صِــرّا
وَأَظـــهـــرَ ديـــنَ اللَّه فـــي فـــتـــحِ مــكّــةٍ
وَقــوّمَ مِــن يــومِ الحُــديــبــيــةِ الظــهــرا
وَكــــــانَ لهُ فـــــتـــــح الفـــــتـــــوحِ لأنّه
بـــهِ نـــصَــبَ الإســلامُ رايــتــهُ الكُــبــرى
قَـــدِ اِنـــكَـــسَـــرت فــيــهِ قُــريــشٌ وإنّــمــا
بــإِســلامــهــا فــيــهِ غَـدا كـسـرُهـا جَـبـرا
وَيـــومَ حُـــنــيــنٍ قَــد حَــبــاهــم بــفــضــلهِ
مَــواهــبَ مِــن غــورِ الحَــشــا سـلّتِ الوغـرا
وَصــاروا لهُ مِــن بــعــدُ مــن خــيــرِ جـنـدهِ
وَقَـــد عَـــثَــروا لكــن أقــالَ لهُــم عــثــرا
وَفـــي نُـــصـــرةِ الإســـلامِ لمّــا تَــصــدّروا
تَـــبـــوّأ كـــلٌّ مـــن مـــحـــافـــلهِ الصـــدرا
وَعــادَت ثَــقــيــفٌ أســلَمــت بــاِخــتــيـارهـا
وَمِــن قَــبــلِهــا عــادَت وقَــد حُـصِـرت حـصـرا
وَأطـــلقَ فـــي يـــومِ المُـــريــســيــعِ أُســرةً
أســـارى وقَـــد أَمـــســـى لســيّــدِهــم صِهــرا
وَكَـــم هـــمّ كـــفّـــارُ اليـــهـــودِ بـــغـــدرهِ
فَـخـابـوا وَمـا نـالوا مـنَ الظـفَـرِ الظُفرا
وَعـــامَـــلَهــم بــالرِفــقِ والحــلم صــابــرا
فَـمِـن لُؤمـهـم لم يـتـركوا الختلَ والخترا
وَمَهــــمــــا رَأوا مــــنـــه وفـــاءً بـــذمّـــةٍ
يَــرى كــلَّ يــومٍ مِــن خِــيــانَــتــهــم خـفـرا
فَــــلمّـــا رَآهـــم هَـــكـــذا شـــرَّ مَـــعـــشـــرٍ
رَأى الحـزمَ أَن يَـسـتـعـمـل الحرب والحذرا
فَــقــنّــعَ خِــزيــاً قــيــنــقــاعَ بــنــفــيـهـم
وَزوّدهـــم فَـــقـــراً وأســـلمـــهـــم قـــفـــرا
وَأَجــلى نَــضــيــراً بــعــدَ قــطــعِ نـخـيـلهـم
وَأَحــرَمــهــم مــن ليـنـهِ التـمـرَ والبُـسـرا
وَلمّــا اِعــتَــدَت بَــغــيــاً قُـريـظـةُ سـاقـهـا
إِلى حَــتــفــهــا للمــوتِ قَــد حُـشِـرَت حـشـرا
وَفــي نَــشــرهــا بــالســيـفِ نـالت جـزاءَهـا
فَـمـا حَـمِـدت مِـن كُـفـرهـا الحـشـرَ والنشرا
وَخَـــيـــبَــرُ قَــد أَلقَــت إِليــه حــصــونــهــا
ذَخـــائرَهـــا وَالنـــخـــلُ ســلّمــه التَــمــرا
وَشُــجــعــانُهــا دامــوا عَــبــيــداً له بـهـا
مَــســاحــيـهـمُ أنـسـتـهـمُ البـيـضَ والسـمـرا
وَكــــانــــوا ذَوي كــــرٍّ وفَـــرٍّ لدى الوغـــا
فـــعـــوّضَهـــم فـــي حــقــلهِ الكــرَّ والفــرّا
وَكــانــوا بِــأعــلى مَــنــعــةٍ مِـن حُـصـونِهـم
وَلَم يـرهَـبـوا مِـن حِـرزِهـا الليثَ والنَسرا
فَــلمّــا غَــزاهــم لَم تُــفِــدهــم وأَشــبـهـوا
أَرانـــبَ مِـــن خَـــوفٍ بـــهـــا لَزِمـــت وكــرا
وَســالَ عَــلى وادي القــرى ســيــلُ جــيــشــهِ
فَــأجــرى بِهــا مــا كـانَ فـي خـيـبـر أجـرى
وَســـــاقَ السَـــــرايــــا للأعــــاربِ حــــولهُ
فَــمــا تَــركــوا لِلشــركِ فــي أرضِهـم سـورا
وَأَرســـلَ مِـــن أصـــحـــابـــهِ يـــوم مـــؤتـــةٍ
أُســـوداً بـــأرضِ الشـــامِ قَـــد زَأَروا زأرا
فَـــجـــرّوا عَــلى الجــيــشِ العــرمــرمِ ثــلّةً
بِهـا قَـصـروا مـن قـيـصـرَ العـسـكـر المجرا
وَكَــم أَســلمَــت مِــن غــيــرِ حــربٍ قــبــيــلةٌ
وَمـــا سَـــمِـــعَـــت إلّا التــلاوة والذكــرا
بِــــدونِ قــــتــــالٍ آمــــنــــت يــــمــــنٌ وإذ
غَـــزا بـــتــبــوكَ الروم فــرّوا ومــا فــرّا
وَمـــا النَـــصـــرُ إلّا اللَّه مـــانـــحـــهُ له
ومِــن فــوقــهِ الأســبــابُ أَســبَـلَهـا سـتـرا
وَكَـــم غـــمَـــرت قَـــومــاً غــمــارُ هــبــاتــهِ
وَنـــالَت وفـــودُ العــربِ نــائلهُ الغــمــرا
وَحَـــجَّ بـــعـــامِ العـــشـــرِ أفـــضـــلَ حـــجّــةٍ
بِهــا ودّعَ الأصــحــابَ وَالبــيــتَ وَالحِـجـرا
وَعــــادَ كــــبــــدرِ التــــمِّ تــــمَّ كـــمـــالهُ
وَفــي طــيــبــةٍ صــارت ســحــابــتــهُ قَــبــرا
وَمــا حَــجَــبــت عَــن قــومــهِ غــيــر شــخـصـهِ
وَأَنـــوارهُ قَـــد عـــمّـــتِ البــرّ والبــحــرا
وَخــــلّفَ شَــــرعـــاً مـــثـــله ظـــلّ هـــاديـــاً
تَــبــوّأَ مِــنــهــم فــي مــكــانــتـهِ الصـدرا
وَمـــن قـــبـــرهِ خـــيــرِ القــبــورِ أمــدّهــم
بِــنــورٍ وطــيــبٍ أَخــجَــلا الزهـر والزهـرا
فَـــأعـــظِــم بــهِ أفــقــاً بــه خــيــر نــيّــرٍ
بــهِ ثــغــرُ ديــن اللَّه مــا زال مــفــتــرّا
أَيــا صــفــوةَ الرحــمــنِ يــا خــيــرَ خـلقـهِ
وَأَعـــظَـــمــهُــم فَــضــلاً وأرفــعــهــم قــدرا
لكَ الفــخــرُ كــلُّ الفــخــرِ إذ كـنـت عـبـدهُ
وَســـدتَ عَـــلى كـــلِّ الأنـــامِ ولا فـــخـــرا
وَكــــلُّ كَــــمــــالٍ فـــي الخـــلائقِ كـــلّهـــم
فَــــأنــــتَ لهُ أصــــلٌ وأنــــت بــــه أحــــرى
نَـــعَـــم أنـــتَ مـــخـــلوقٌ ولســـت بـــخـــالقٍ
ولكِـــن لكَ الرَحـــمـــنُ قَـــد وكّــل الأمــرا
وَســـوّاكَ شـــمـــسَ العـــالمـــيـــنَ مُــمــدّهــم
فــلَو فَــقَــدوا إِمــدادهــا أظــلَمـوا فـورا
وَإِنّــــك عــــبــــدُ اللَّه قــــاســــمُ فَـــضـــلهِ
عَــلى خــلقــهِ تُــعــطـيـهـمُ القُـلَّ والكـثـرا
أَقــــبــــحُ كــــلِّ العــــالمــــيــــنَ جَهــــالةً
جَهــولٌ لمَــن لَم يــلفِ مِــن غــيــرهِ خــيــرا
وَمَهــمــا يَــكُــن فــي جَهــلهِــم بــكَ مُــنـكـرٌ
فَــأعــظَــمُ مــنــهُ جــهــلُهــم ربّهــم نــكــرا
قَــريـبـاً يـزولُ الجـهـلُ عَـنـهـم مَـتـى رأوا
لِواءكَ تَـــتـــلوهُ شـــفـــاعـــتـــكَ الكــبــرى
عَــــليـــكَ صَـــلاةُ اللَّهِ مـــقـــدار فـــضـــلهِ
تَــدومُ تَــفــوقُ الكــمّ والكــيــف والحـصـرا
وَمِـــــن عَـــــجــــبٍ أنّ الخــــلائقَ كــــلّهــــم
وَقَــد ظــهــرَ الإِســلامُ لَم يُــســلِمـوا طـرّا
وَكــيــفَ اِخــتــيــارُ العــاقِــليــن لغــيــرهِ
وَلَو عَــلِمــوا أَســرارهُ رَفــضــوا الغــيــرا
فَـــمـــا عــاقِــلٌ مَــن لَم يُــصــدّق مُــحــمّــداً
وَبُــرهــانــهُ كــالشــمــسِ قَــد ظَهَــرت ظُهــرا
وَلا سِــيّــمــا أهــلُ الكــتــابِ فَــكَــم رأوا
بَــشــائرَ مِــنــهــا طـابـقَ الخـبـرُ الخُـبـرا
بــــهِ وَرَدت كــــتــــبُ المــــليــــكِ لرســــلهِ
عَــلامــةُ صــدقِ المُــصــطَــفــى فــوقَهـا طـرّا
بِـــخـــاتـــمِ رســـلِ اللَّه مَــخــتــومــةً أَتــت
فَـــمـــا تَـــرَكـــت لِلجـــاحِـــديــن له عُــذرا
لَقَـــد عَـــلِمـــوهُ خـــاتِـــمـــاً ذا جـــواهـــرٍ
وَلَكـــنّهـــا فــي كُــتــبِهــم طُــمِــرَت طــمــرا
بِهـــا هـــو أَغـــنـــى المُــرســليــنَ لأنّهــا
كُــنــوزٌ بــنَــت أســلافُهــم فــوقَهــا جــدرا
أَتــى بــعــضُهــا نــصّــاً صَــريــحـاً وبـعـضُهـا
أَتــى بــرمــوزٍ مِــثــلَمــا تــقــرأُ الجـفـرا
لَقَـــد عـــلِمـــوه صـــادقـــاً غـــيـــرَ أنّهـــم
لحــقــدٍ بــهــم مــدّوا له النــظـرَ الشـزرا
وَقَـــد درّبـــوا مِــن شــدّةِ الكــفــرِ وُلدَهَــم
عــلى بُــغــضــهِ مِــن حــيــنِ شُــربـهـمُ الدرّا
لِمــــا عَــــلِمــــوهُ مِــــن تـــبـــلُّجِ ديـــنـــهِ
فَــــلا أحــــدٌ إلّا يــــراهُ هــــو الأحــــرى
وَكَـــم عـــاقـــلٍ مـــنــهــم تــحــقّــق صــدقــهُ
ولكِــن قــضــاءُ اللَّه قَــد حــجَــرَ الحــجــرا
سَــــلاســــلُ أقــــدارٍ مـــنَ اللَّه حُـــكّـــمـــت
بِـــأعـــنــاقِهــم قــادَتــهــم للرَدى قَــســرا
عَــــداوَتـــهـــم مَـــوروثـــةٌ فَـــقُـــلوبـــهـــم
حــيــاضٌ مــنَ النــيــرانِ قــد مُــلِئت جـمـرا
وَكَـــم مِـــن فَـــتـــىً يَــدري بــفــضــلِ عــدوّهِ
وَيُـــبـــعــدهُ الضــغــنُ الّذي مــلأ الصــدرا
وَيَــصــعــبُ تــغــيــيــرُ العــقــيـدةِ بـعـدمـا
يَــعــيـشُ عَـليـهـا المـرءُ فـي قـومـهِ عـمـرا
وَكَــم ذا رَأيــنــا عــاقــلاً مــنــهــمُ صـحـا
وَكــانَ بــخــمــرِ الكُــفــرِ مُــمـتـلئاً سـكـرا
تَــشــرّفَ بِــالديــنِ الحــنــيــفــيِّ مُــســلمــاً
وَعـــاشَ بِـــفــضــل اللَّه مُــمــتــلئاً شــكــرا
وَيـــا قـــاتـــلَ اللَّهُ اليـــهـــودَ فَـــإنّهــم
أَشـــدُّ الوَرى كُـــفــراً وَأَخــبــثُهــم مَــكــرا
عَـــقـــيـــدَتُهـــم فـــي اللَّه شـــرُّ عَــقــيــدةٍ
تَـــنـــزّهَ عَـــنـــهـــا ربّـــنــا وعــلا قــدرا
وَقَــد حــرّفــوا مــثــلَ النَـصـارى كِـتـابـهـم
وَزادوا حُــروفــاً حِــبــرُهــا لعــنَ الحـبـرا
وَأَفــــحــــشُهــــا يــــعــــقــــوبُ صــــارعَ ربّه
فَــيــا بِـئسَ هَـذا القـول مِـن فـريـةٍ تُـفـرى
عَــقــيــدتُهــم تَــجــســيــمُ مــا يــعــبـدونـهُ
فَــكَــم عَـبـدوا جِـسـمـاً وَكَـم كَـفـروا كـفـرا
سَــجــيّــتــهــم فــعــلُ الخــنــاءِ وَديــنــهــم
كَــأنــفــسِهــم خُـبـثـاً حَـوى العـارَ والعُـرّا
فَــلا تَــعــجَــبَــن مِـن قـرفـهـم أنـبـيـاءَهـم
وَهُــم خــيــرُهــم نَــفــســاً وأطــهـرهـم أزرا
فَــفــي طَــبــعــهــم بــغــضُ الخــيـارِ لأنّهـم
عــلى الشــرِّ والشــنّـار قـد فُـطِـروا فـطـرا
وَلا عــــجَــــبٌ إِنــــكــــارهــــم لمــــحـــمّـــدٍ
وَقَـد فَـعـلوا مـن قبلُ في الأنبيا النُكرا
وَكَــم أَســفَــرت فــيــهِ بــأســفــارِ ديــنـهـم
بَــشــائرُ لَكــن لَم تــجِــد عــنــدَهــم بِـشـرا
وَكَـــم شـــاهَـــدوا مـــنـــهُ شـــواهــدَ جــمّــةً
زَواهــرَ يَــعــلو نــورُهـا الأنـجـمُ الزُهـرا
وَمَهـــمـــا يَــزِدهُــم مِــن مــحــاســنِ خــيــرهِ
يــزيــدونــهُ مِــن قُــبــح إِنــكــارِهــم شــرّا
وَكَــم أَظــهَــروا بِــالجــهــرِ حــفــظَ عـهـودهِ
مــنَ الخَــوفِ واِخــتــاروا خــيــانــتـهُ سـرّا
فَــأَفــنــاهُــمُ بِــالقــتــلِ والنــفــيِ آخِــذاً
لِعـيـسـى وبـاقـي الأنـبـيـا مـنـهم الثأرا
فَــكَــم مِــن نَــبــيٍّ مــنــهــمُ فَــتــكــوا بــهِ
فَــكــانــوا وَمـا زالوا أشـدَّ الورى خـسـرا
وَمِـــن ســـادةِ الأحـــبـــارِ قـــد حـــلّ حــبُّهُ
قُــلوبــاً بــنــورِ العـلمِ قَـد عُـمِـرَت عـمـرا
فَـــجـــاؤوا إِليــهِ مُــســلمــيــنَ لمَــا رأوا
بَـــشـــائرهُ فـــي كُـــتــبِهــم بــهَــرَت بَهــرا
مُــخــيــريـقُ بـحـرِ الجـودِ مِـنـهـم وَحـبـرُهـم
فَــتـى العـلمِ عـبـدُ اللَّه أكـرِم بـه حـبـرا
وَكَـــم مِـــن يَهـــودٍ صـــدّقــوا ســيّــدَ الورى
وَلكــنّهــم كــانــوا بِــنــســبــتــهــم نــزرا
وَمُـــؤمـــنـــهُـــم إِيـــمـــانــهُ ضــدّ طــبــعــهِ
وَكــافِــرُهــم بـالطـبـعِ قـد نـاسـبَ الكـفـرا
خَــبــائثُهــم لا يَــنــتَهــي وصــفُ رِجــســهــا
فَــكــم لوّثــوا عَــصــراً وكـم لوّثـوا مِـصـرا
وَقَــد مُــسِــخَــت مِــنــهــم خــنــازيــرُ جــمّــةٌ
وَبَـــعـــضٌ غــدا قــرداً وبــعــضٌ غــدا فــأرا
لَقَـــد شَـــمِــلتــهــم لعــنــةٌ بــعــد لعــنــةٍ
مــنَ اللَّه مَــغــضــوبــيـن قَـد دُحِـروا دحـرا
فَــدَعــهــم فــإنَّ اللعــنَ أَعــمــى قــلوبـهـم
بــهِ عَــن شــهــودِ الحـقِّ قَـد قُـصِـروا قـصـرا
وَقُــل للنَــصــارى مــا لكــم مــع عُــقـولكـم
وَقَـــد ظـــهــرَ الإســلامُ ولّيــتــمُ الظَهــرا
فَــأَنــتُــم إذاً مــثــلُ اليــهــودِ بِـجَـحـدكـم
كِــلاكُــم عــنِ الحــقِّ المُــبــيـنِ قـد اِزورّا
أَمـــا عـــجَـــبٌ مـــنـــكُـــم جــحــودُ مــحــمّــدٍ
وَقَـــد بَهَـــرت آيــاتــهُ الشــمــسَ والبــدرا
وَقَـــد قـــالَ إنّـــي مُـــرســـلٌ مِـــن إِلهــكــم
فَــــصــــدّقــــه لمّـــا أتـــاحَ له النـــصـــرا
وَأَنـــتُـــم رَأيـــتُـــم نـــصـــرهُ وســمــعــتــمُ
وَآثـــارهُ قـــد عـــمّـــتِ البـــحـــرَ والبــرّا
أَتــى الخــلقُ بــالديــنِ القــويــمِ مُهـذّبـاً
مـــنَ اللَّه إنّ اللَّه لا يـــشـــرعُ الهـــذرا
وَليـــسَ لَكُـــم عـــذرٌ بـــتـــركِ اِتّـــبـــاعـــهِ
فَــإِنــجــيــلُ عــيـسـى عـنـه صـرّحَ بـالبـشـرى
وَتـــوراةُ مـــوســـى قَـــد تـــحـــلّت بــذكــرهِ
فَـــكَـــم زيّــنــت رُؤيــا له عُــبــرت عــبــرا
وَدَعــــوةُ ديــــنٍ ليــــس تـــبـــقـــى لكـــاذبٍ
ثــلاثــيــنَ عــامــاً قَـد جـرى ذلك المـجـرى
وَدَعـــوتـــهُ دامَـــت وَعـــمّ اِنـــتِـــشـــارهـــا
ســنــيــنَ مــئاتٍ أربــعــاً تــتـبـع العـشـرا
وَبــــشّــــرَ نَــــســـطـــوراً بـــهِ ونـــظـــيـــرهُ
بَــحــيــرا وكــلٌّ كــان فــي عــلمــه بــحــرا
وَمِــــن بـــيّـــنـــاتِ الصـــدق أَعـــطـــاهُ ربّهُ
دَلائلَ يَــعــلو نــورُهــا الأنــجـمَ الزهـرا
وَكَـــم مِـــن نَـــبـــيٍّ تُــؤمــنــون بــبــعــثــهِ
وَمــا نــالَ مِــن مِــعـشـارِ آيـاتـهِ العُـشـرا
وَمــلّتــهُ كــالشــمــسِ فــي الكــونِ أَشــرَقــت
وَقَــد نَــسَــخــت أنــوارُهــا المـللَ الأخـرى
بِهـــا جـــمـــعَ اللَّه المَـــحـــاســـنَ كــلّهــا
وَقـــدّسَهـــا القـــدّوسُ عَـــن كـــلّ مـــا أزرى
وَهـــا أَنـــا قَــد أَوضــحــتُ مــا هــو واضــحٌ
لَكُــم مِــن هُــدى الهــادي ومــلّتــه الغــرّا
وَبـــيّـــنـــتُ مِـــن آفـــاتِ مـــلّتـــكـــم لكــم
عــجــائبَ لا تُــبــقــي لِتــابــعــهــا عــذرا
بَـــذلتُ لكُـــم مـــنّـــي نَــصــيــحــةَ مُــشــفــقٍ
وَلا أَبــتَــغــي شُــكــراً لديــكـم ولا أجـرا
وَلَكـــــن بـــــودّي أنّ ديـــــن مـــــحـــــمّـــــدٍ
تــعــمُّ جــمــيــعَ النــاسِ نـعـمـتـهُ الكُـبـرا
أَجـــيـــرانـــنـــا واللَّه إنّـــي لَخـــيــركــم
مُــحــبٌّ كــنــفــســي إِذ أُحــبُّ لَهــا الخـيـرا
أَلا اِنــتــبِهــوا مِــن قـبـل أن تَـتَـنـبّهـوا
بِـــمـــوتٍ تــرَونَ الأمــرَ مِــن بــعــدهِ مــرّا
نَـــراكُـــم أدقّ النــاسِ فِــكــراً بــصــنــعــةٍ
وَأبـــلدَ خـــلقِ اللَّه فـــي ربّـــكــم فــكــرا
نَـــرى لكـــمُ عَــقــليــن عَــقــلاً لديــنــكــم
وَعَـــقـــلاً لِدُنــيــاكــم بــهــا زنــدهُ أورى
وَأمّـــا الّذي لِلديـــن فـــهـــوَ عِـــقـــالكــم
عَــنِ الحــقِّ مَــأســوريــن فــي قــيـدهِ أسـرا
وَقَــد كــنــتــمُ مِــن قـبـل تـخـفـونَ ديـنـكـم
حَــيــاءً فــلا أدرى لمَ اِخــتـرتـمُ النَـشـرا
وَيــا لَيــتَــكُــم أبــقــيــتــمــوهُ مُــحــجّـبـاً
فَــمِـن فـطـنـةِ الشـوهـاءِ أَن تـلزمَ الخِـدرا
وَواللَّه لَولا أنّــــكــــم تَــــنــــشــــورنــــهُ
لَنــا وَكَــشــفــتُــم عَــن مَـعـايِـبـه السِـتـرا
لَمـــا كـــانَ ذو عـــقـــلٍ يَــرى أنّ عــاقــلاً
يَـــديـــنُ بــهِ مَهــمــا غَــدا عــقــلهُ نــزرا
إِذا كــانَ فــضــلُ الســبــقِ يَــحـمِـلكـم عـلى
بَــقــاءٍ عــلى الديــن القــديــم وإن أزرى
فَــكـونـوا يَهـوداً واِعـمـلوا بـاِعـتـقـادهـم
بِــعــيـسـى وإلّا فـاِتـبـعـوا المـلّة الغـرّا
أَلَم تَـــنـــظــروا يــا قــوم ديــنَ مــحــمّــدٍ
وَفــي أُفــقــهِ شــمــسُ الهُــدى سـفَـرت سـفـرا
جَـــعَـــلتُـــم إلهَ العـــالمـــيـــنَ ثـــلاثـــةً
غَــلِطــتُــم فــإنّ اللَّه لا يــقـبـلُ الكُـثـرا
وَإِذ قــلتــم كَــي تُــصــلِحــوا فــحـشَ غـيّـكـم
ثَـــلاثَـــتــهــا فــردٌ غــدا أمــركــم إمــرا
ثَــــلاثــــتُهــــا فــــردٌ وفــــردٌ ثــــلاثــــةٌ
فَـــيـــا لك زوراً صـــيّـــر العــقــلَ مُــزورّا
وَلا عـــذرَ عـــنــدَ اللَّه والعــقــلِ لاِمــرئٍ
يَــديــنُ بــأنّ اللَّه قَــد حــلّ فــي العــذرا
وَلكـــنّ روحَ القـــدسِ إذ جـــاء نـــافـــخـــاً
بِهــا حَــمَــلت عــيــســى ومــا بَـرِحـت بـكـرا
وَأَلقـــتـــهُ طِـــفـــلاً مـــثـــل أبــنــاء آدمٍ
وَمــا زادَ شَــيــئاً عــن ســواه ولا ظــفــرا
وَبــــــــالدرِّ غــــــــذّتــــــــهُ فــــــــللَّه درّهُ
نَـــبـــيّــاً كَــريــمــاً كــان فــي أمِّهــِ بــرّا
وَقَــد كــانَ مــثــلَ النــاسِ فــي كــلِّ حـاجـةٍ
فَـــيـــأكـــلُ مُـــضــطــرّاً ويــخــرجُ مُــضــطــرّا
وَإِن كـــــــانَ مِـــــــن أمٍّ أَتــــــى دون والدٍ
فَــــآدمُ مـــن فـــخّـــارةٍ أحـــرزَ الفـــخـــرا
وَحـــوّاءُ فـــي عــكــسِ المــســيــحِ تــخــلّقــت
فَــلا أمَّ بَــل مــن ضــلعِ آدَمــهــا اليُـسـرى
ثَــــلاثــــةُ أَقــــســــامٍ ورابــــعُهــــا الّذي
بَـــرا اللَّه مِـــن أبــنــاءِ آدمَ أو يــبــرا
وَلَو لَم يَــكُــن عــيــســى بَــرا اللَّه غـيـرهُ
لِتـــكـــمـــلةِ الأقـــســامِ أربــعــةً حــصــرا
وَذاك دليــــــــــلٌ أنّه قـــــــــادرٌ عـــــــــلى
خـــــلافِ الّذي فـــــيــــه عــــوائدَهُ أجــــرى
ولمّــــا حــــبــــاهُ اللَّه مــــنــــه نـــبـــوّةً
بِهــا فــاقَ كــلَّ الخــلقِ فــي عـصـره خـيـرا
أَرادتـــهُ لِلقـــتــلِ اليــهــودُ فــحــافــهــم
عَــلى نــفــســهِ تــلكَ النــفـيـسـة أن تُـزرى
فَـــصـــارَ يُـــنـــادي مُــســتَــغــيــثــاً بِــربّه
وَقـــادوهُ رَغـــمـــاً عَـــن إِرادتـــهِ جَـــبــرا
وَقَـــد وَضـــعـــوا إِكـــليـــل شَـــوكٍ بــرأســهِ
شــرارُ الوَرى حــتّــى بــهِ سَــخــروا ســخــرا
وكـــانَ له حـــزبٌ ضـــعـــيـــفٌ فـــعـــنـــدمــا
أَحــــــاطَ بــــــهِ أعــــــداؤهُ للرَدى فــــــرّا
وَســـاقـــوهُ مَــكــتــوفــاً عــليــه صــليــبــهُ
إِلى أَن عــلا فــي زَعــمــهــم فــوقَهُ قَـسـرا
وَقَــد حــاوَلت فــيــهِ النَــصــارى عــقــيــدةً
لأن يَــجــعَــلوا فــوقَ الهــوانِ له سِــتــرا
فَــقــالوا جَــرى مــا قـد جـرى بـاِخـتـيـارهِ
لَقَــد أَخــجــلوا وجـهَ الحـقـيـقـة فـاِحـمـرّا
فَــإن كــانَ حــقّــاً مــا جَــرى بــاِخــتـيـارهِ
فَــمــا بــالهُ قــد أظـهـرَ الخـوفَ والذُعـرا
وَإِن كــــانَ مَــــســــروراً بـــقـــهـــر عـــدوّهِ
لهُ فَــلِمــاذا لم يــكُــن يــظــهــرُ البِـشـرا
وَقَــد كــانَ فــي حــزنٍ عــظــيــمٍ فــمـا لنـا
نَـــرى حـــزبـــهُ هـــذا بـــنـــكــبــتــهِ سُــرّا
وَهـــبـــهُ عَـــلى نـــاســـوتِهِ كـــان جــاريــاً
فَــكــيــفَ مــنَ اللاهــوت لم يـجـدِ النَـصـرا
وَمَـــع كـــونِ كـــلِّ شَـــطـــر كـــلّ بـــمـــزجــهِ
فَــكــيــفَ بـهِ مـا حـازَ مـن صـلبـهِ الشـطـرا
وَإِن كــــانَ هـــذا كـــلّه كـــانَ بـــاِبـــنـــهِ
فَــكــيــفَ تــخــلّى عــنــه أو وجــدَ الصـبـرا
أَمـــا يَـــســـتـــحـــقُّ الذمَّ يـــا قــوم والدٌ
أَعــــزُّ بــــنــــيــــهِ لا يــــشـــدُّ بـــه أزرا
عَـــجـــائِبــهــم لا تَــنــقــضــي فــبــحــزنــهِ
لهُـــم فَـــرحٌ والكــســرُ كــان لهــم جــبــرا
وَقَــد جَــعــلوا عــيــداً لهــم يــوم صــلبــهِ
فَــكــم طَــبــلوا طــبـلاً وكـم زمـروا زمـرا
فَــيــا قــومِ هــذا يــومُ أحــزانِــكــم أمــا
لَديــكــم عــقــولٌ تــفــرقُ الخــيـر والشـرّا
لَعَـــمـــري وعـــمـــر الحـــقِّ إنّ فـــعــالكــم
دَلائلُ قَـــطـــعٍ أنّ فـــي عـــقــلكــم عــقــرا
فَـــحـــظّـــكـــم حـــظـــرٌ لمـــا جـــوّزَ النُهــى
وَجــوّزتــمُ مــا كــانَ عــنــدَ النـهـى حـضـرا
تَــــقــــولونَ ربٌّ ثـــمّ قـــلتـــم عـــبـــيـــدهُ
شــرار الوَرى جــاروا عـلى صـنـعـتـه جـورا
وَمـــا يَـــســتــحــقُّ اِســم الإله سِــوى الّذي
تَــعــالى اِقــتــداراً أن يُهــان وأن يُــزرى
أَلا أَخــبــرونــا هــل سَــمِــعــتــم بـمـعـشـرٍ
سِـــواكُـــم رَأوا فـــي صـــلبِ ربّهــمُ فــخــرا
فَهـــذا اِعـــتـــقـــادُ القـــومِ والحـــقُّ أنّه
دَعـــــا ربّهُ فَـــــوراً فــــخــــلّصــــهُ فَــــورا
وَأَلقـــى عَـــلى مـــن خـــانــهُ شَــبــهــاً بــه
فَـــكـــانَ هــو المــصــلوبَ إذ دلّهــم غــدرا
وَأمّـــا المـــســـيـــحُ الحـــقُّ فـــاللَّه خــصّه
بِــرفــعٍ إليــهِ حــيــثُ بــالمُــصـطـفـى أسـرى
هَـــنـــيـــئاً لهُ مِـــن مُـــرســـلٍ عـــنـــد ربّهِ
بِـــأهـــنــأِ عَــيــشٍ لا يــجــوع ولا يــعــرى
وَأكـــرمـــهُ أحـــلى الكـــرامـــة بَـــعــدمــا
قَـــضـــى مـــرَّ عـــيــشٍ بــيــن أعــدائهِ مــرّا
وَكَــــم مِــــن دَعــــاوٍ يــــدّعــــونَ لصـــلبـــهِ
تـــودُّ لَهـــا الأســـمـــاعُ أَنّ بِهـــا وقـــرا
يَـــقـــولونَ كـــلُّ النـــاسِ مِـــن نـــســل آدمٍ
بِـــزلّتـــه فـــي ســـجــنِ إبــليــسَ قــد قــرّا
إِلى أَن أَتــى عــيــســى فَــداهُــم بِــنــفـسـهِ
وَأَبــدَلهــم بــالعــسـرِ مِـن سِـجـنـهـم يُـسـرا
وَمـــا ذَنـــبُهـــم إِن كـــانَ آدمُ قَــد جــنــى
نَــعَــم قَـد جَـنـى واللَّهُ قَـد جـبـرَ الكـسـرا
وَيَــــحــــمـــلُ إِن لم يـــنـــف مَـــولاهُ وزرهُ
فَــمــا بــالُهـم قَـد حـمّـلوا غـيـرهُ الوِزرا
وَيُـــمـــكـــنُ عـــفــوُ اللَّه عَــن كــلِّ مُــذنــبٍ
وَمـا يَـقـتَـضـي أَن يـركـب المـركـبَ الوعـرا
رَمـــى نـــفــسَهُ بــالصــلبِ والضــربِ والأذى
وَمــا أذنَــبــت يــا بـئسَ مـا مَـعـهـا أجـرى
وَأَظــــلم كــــلّ النــــاسِ ظـــالم نـــفـــســـهِ
بـإهـلاكـهـا حـتّـى بـهـا قـد وَقـى الغـيـرا
فَـــإن لَم يَـــكُـــن خـــيــرٌ لديــه لنــفــســهِ
فَهــل أحَــدٌ مــنــه يَــرى بَــعــدهــا خــيــرا
وَإِن كـــانَ شـــرّ العـــالمـــيـــن لنـــفــســهِ
فَــمَــن ذا الّذي مِــن نــحـوهِ يـأمـنُ الشـرّا
وَلَو صــــحَّ هَـــذا لاِقـــتـــضـــى فـــيـــهِ أنّهُ
أَقـــلُّ الوَرى عَـــقــلاً وأضــعــفُهــم فــكــرا
وَأَفــعــالهُ مــثــلُ المَــجــانــيــن مـا لهـا
لَدى عــقــلاءِ النــاس مــن حــكــمــة تــدرى
فَــمــا لِلنَــصــارى يــثــبــتــونَ اِحــتـقـارهُ
وَقَــد زَعــمــوا أَيــضــاً ألوهــتــهُ الكُـبـرى
وَحــــاشــــاهُ مِــــن هــــذا وذاكَ وكـــلّ مـــا
عَــلا عــنــهُ مِــن وصــف الألوهــةِ أو أزرى
كِــــلا طــــرفَـــي حـــقِّ النـــبـــوّة بـــاطـــلٌ
فَـــمَـــن زادهُ قَـــدراً كـــمــن زادهُ حــقــرا
أَليــــسَ إِذا مـــا قـــلتَ للعـــبـــدِ ســـيّـــدٌ
تَـــكـــونُ بـــهِ فـــي حــقّهِ ســاخِــراً ســخــرا
إِلى اللَّه مِـــن خـــفـــضِ اليـــهــودِ لقــدرهِ
بَـــرئتُ وَمِـــن رفـــعِ النَـــصــارى له أَبــرا
وَلكـــــنّهُ مِـــــن ســــادةِ الرســــلِ ســــيّــــدٌ
وَأَرفـــعُ خـــلقِ اللَّه فـــي عـــصـــره قـــدرا
نَـــبـــيٌّ رســـولٌ مِـــن أُولي العــزمِ كــلّنــا
نُـــواليـــهِ والأَولى بــه صــاحــبُ الإســرا
عَــــليـــهِ مِـــن اللَّه الســـلام يـــحـــوطـــهُ
وَيـــــدفـــــعُ عــــنــــهُ ذلكَ الزورَ والإزرا
وَواللَّه إنّــــي فــــي المـــنـــامِ رأيـــتـــهُ
كَــمــا وصــفَ المُــخــتــارُ ذا طـلعـةٍ حـمـرا
وَخـــاطـــبــتــهُ فــي بــعــضِ شــأنٍ قــصــدتــهُ
لَهُ خــــدمـــةً مـــنّـــي له فـــليَ البـــشـــرى
وَقَـــد عـــبَـــدوا شـــكـــلَ الصـــليــبِ كــأنّه
إِلهٌ وأنّ اللَّه ســــــــلّمــــــــه الأمــــــــرا
وَمـــا هـــوَ إلّا قِـــطـــعـــتـــا خــشــبٍ عــلت
بِــعــرضٍ عـلى إحـداهُـمـا القـطـعـةُ الأخـرى
بِـــــصـــــورةِ إنـــــســـــانٍ ولكـــــنّ رأســـــهُ
وَكــفّــيــهِ وَالرجــليــن قــد بُــتِــرَت بـتـرا
قَـــدِ اِلتَـــصَــقــت فَــخــذاه والســاقُ واحــدٌ
وَمـــدَّ يـــديــهِ بــاليــمــيــنِ وَبــاليُــســرى
فَــلا قَــدمٌ يَــســعــى بِهــا فــهــو مُــقــعــدٌ
وَأقـــطـــع لا شـــبـــراً حــواه ولا فــتــرا
وَإِنّـــا نـــراكُـــم تـــنـــظـــرونَ عـــيـــوبــهُ
مَــحــاســنَ مــســحــوريــنَ فــي شـكـلهِ سـحـرا
وَهَــــب أنّ أوصــــافَ الألوهــــة قـــد ســـرت
بِـــعـــودٍ عـــليـــه ذلكَ الجــســمُ قــد قــرّا
فَـــمِـــن أيـــنَ جـــاءَت كـــلّ شـــيــءٍ مــصــلّبٍ
وَمِــن ذاتــهِ مــا مــسّ بــطــنــاً ولا ظـهـرا
وَمِـــن أيـــنَ حـــلّت فـــي إِشـــارَتـــكــم بــهِ
عَــلى جِــســمِــكــم تــسـتـدفـعـونَ بـهِ الشـرّا
أَفــي كــلِّ شَــيــءٍ نــاقــضَ العــقـلَ ديـنـكـم
كــأنَّ عــليــكــم فــي وِفــاقِ النُهــى حـجـرا
مَـــتـــى أحَـــدٌ مِـــنـــكـــم رأى قــطّ واحــداً
رَأى مِـــن صـــليـــبٍ قَـــد تـــقـــلّدهُ خــيــرا
فُــتِــنــتُــم بــهِ مِــن غــيـرِ أسـبـابِ فـتـنـةٍ
يُـــقـــالُ لأهـــليـــهـــا لعـــلَّ لَهُــم عُــذرا
هــــوَ الوثــــنُ الأعــــلى الّذي عـــمّ شـــرّهُ
فَـــمـــا اللات وَالعـــزّى وثـــالثــةٌ أخــرى
فَــلَم يُــرَ فــي الأكــوانِ شــكــلٌ كــشــكــلهِ
بِــفــتــنـتـهِ الشـيـطـانُ قَـد نَـشـرَ الكـفـرا
وَلَم يُـــر فـــي الأوثـــان فـــي كــلّ بــلدةٍ
بِهــا عُــبِــدت مــا حــازَ مـن شـرّه العـشـرا
فَــلا غــروَ أنّ المُــصــطــفــى كـانَ عـنـدَمـا
يَــرى شــكــلَهُ فــي الشــيــءِ حــوّله غَــيــرا
لَقَــد كـانَ يَـشـكـو الجـورَ لو كـانَ عـاقـلاً
فَـــقَـــد حـــمّـــلوهُ مِــن غَــرائِبــهــم إِصــرا
فَـــطَـــوراً تـــرى مـــثــواهُ فــوقَ رؤوســهــم
وَطَـــوراً تـــراهُ تــحــتَ أَقــدامِهــم خَــصــرا
وَكَـــم عَـــبـــدوا وســـطَ الكــنــائسِ شــكــلهُ
كَــصــورةِ عــيــســى وَالحَــواريــن والعــذرا
فَهَـــذي هـــيَ الأوثـــانُ وهـــيَ بــيــوتــهــا
وَكَــم أَنــفــقـوا تِـبـراً وكـم نَـذروا نـذرا
فَــمــا بــالُهــم قَــد أَلحــقــوا الذمّ كــلّه
بِـمَـن عَـبـدوا الأصـنـامَ والعـجـلَ والثورا
أَمــا يُــنــصِــفــونَ القــومَ فــالأمـر واحـدٌ
كِــلاهــم عــنِ الديــنِ القــويـم قـد اِزورّا
وَســــيّــــدنــــا عــــيــــســــى بَـــريـــءٌ وأمّه
مـنَ الشـركِ أو أن يَـمـنـحـا مُـشـركـاً شـكرا
وَكَــــم فَـــتـــيـــاتٍ راهـــبـــاتٍ وفـــتـــيـــةٍ
رَهــابــيــن مــن زهــدٍ بِهــم سَـكـنـوا دَيـرا
وَيـــا حـــبّـــذا تـــلكَ الفــعــالُ لو اِنّهــا
تَــكــونُ مــعَ الإســلامِ نـالوا بـهـا أجـرا
وَلَكــــنّهـــم مَـــع شِـــركـــهـــم بـــإِلهـــهـــم
وَلَم يُـؤمِـنـوا بـالمُـصـطـفـى ضيّعوا العُمرا
فَــوا أســفــا مــن حَــبــســهــم لنــفــوسـهـم
لَقَـد خَـسـروا الدُنـيـا ومـا ربحوا الأخرى
وَلكـــنّهـــم كـــفّـــوا عـــنِ الخـــلقِ شــرّهــم
وَمــا أَوصَــلوا للنــاسِ نــفــعــاً ولا ضــرّا
فَــلَو كــانَ تــركُ الشــرِّ يَــقـضـي بـشـكـرهـم
عَــلى مــا بِهــم أكــثـرتُ فـي حـقّهـم شُـكـرا
وَشــبّه إِذا مــا شــئتَ بــالضــبِّ بــعــضــهــم
ثَـــوى لِخـــداعِ النــاس مــن ديــره جــحــرا
وَمِــنــهــم قــســوسٌ خــالَفـوا النـاس للأذى
وَجــرّوا عــلَيــهــم مِــن لَظــى غـيّهـم جـمـرا
رَمــوا بِــســهــامِ الخــبــثِ فــي كــلّ بــلدةٍ
كَـسـلحِ الحَـبـارى حـيـنَ تـرمـي بـه الصَـقرا
وَقَــد زَعَــمــوا التــبــشــيــرَ لكــنَّ ربّــنــا
يُــكــذِّبُهــم إِذ قــالَ فـي الذكـر لا بُـشـرى
فَــيــا بــئسَ هُــم مِــن مُــجــرمـيـنَ جَـزاؤُهـم
سُــجــونٌ مــن النــيــرانِ تــحــجـرهـم حـجـرا
أَضــــرّت بِهــــم أنــــوارُ ديــــن مــــحـــمّـــدٍ
فَهـــرّت مـــنَ الأنـــوارِ أكـــلبـــهـــم هــرّا
وَكَـــم نَـــبــحــوهُ وَهــو فــي الأفــق طــالعٌ
وَلكـــنَّ نـــبــحَ الكــلبِ لا يــصــل البــدرا
وَمـــا ســـاءَنـــي إِغـــواؤهـــم لمـــعـــاشـــرٍ
مــنَ النـاسِ ضـلّوا أبـدلوا كـفـرَهـم كـفـرا
وَلكـــنّهـــم عـــاثـــوا وَلاثــوا وأفــســدوا
وَشــنّــوا عــلى الإسـلامِ مـن شـركـهـم شـرّا
أُولئكَ أقــــــــوامٌ إذا قــــــــال قــــــــائلٌ
هــــمُ شــــرُّ خـــلقِ اللَّه قـــلتُ له جـــيـــرا
وَمِـــن أعـــجــبِ الأشــيــاء خــبــزٌ وخــمــرةٌ
إِذا طــفــقَ القــسّــيــسُ فــوقــهــمــا يـقـرا
يَــــصــــيــــرانِ حـــالاً لحـــمـــه ودمـــاً له
فَــأعــجِــب بــهِ خُـبـزاً وأعـجـب بـهـا خـمـرا
أَمـا يَـسـتـحـيـلُ اللَحـمُ والدمُ فـي الحـشـا
إِلى قَـــــذرٍ لا أَســـــتـــــحـــــبُّ لَه ذكــــرا
فَهَــل أحَــدٌ فــي الكــونِ يــرضــى لنــفــســهِ
بِهـــذا فَـــيــرضــى الربُّ سُــبــحــانــهُ بــرّا
وَكَــم قَــد أتــى فــي الأرضِ مـنـهـم طـوائفٌ
إِلى عــصــرهِ عــصــرٌ قَــفــا قــبــلهُ عــصــرا
فَــــلَو أَكـــلوا عـــيـــســـى وَآلافَ مـــثـــله
لَمــا كــانَ يَــكــفــيـهـم عـشـاءً ولا فـطـرا
وَلَو شَــرِبــوا أَضــعــافَ مــا فــيــه مــن دمٍ
لَمــا كــانَ يــرويــهِـم وَلو قَـد جَـرى نَهـرا
رَوى لهـــــمُ الراوونَ عـــــنــــه مــــقــــالةً
كُـلوا واِشـربوا لَحمي دمي الخبزَ والخمرا
فَــــإن قــــالَ ذو عـــقـــلٍ لهـــم إنّ قـــولهُ
مَــجــازٌ بِـمَـعـنـى أَن يُـديـمـوا له الذِكـرى
وَخَـــصّـــص قـــوتـــاً ليــسَ يُــنــســى بــحــالةٍ
لِذكـــراهُ كـــلُّ النـــاسِ لا زال مـــضــطــرّا
يَــقــولونَ بَــل هــذا الحــقــيــقـةُ عـيـنُهـا
دَمــاً شَــرِبــوا مــنــه وقــد أكَــلوا هـبـرا
وَمَـــن لَم يُـــكـــذّب حـــسّه بـــاِعـــتـــقـــادهِ
وَيَــرضــى بِهــذا يــنــســبــونَ لهُ الكُــفــرا
فَــلَم يــبــقَ مِــنــهــم عــاقــلٌ غـيـر كـافـرٍ
وَأصــبــحَ زِنــديــقـاً إذ اِسـتـقـبَـح الأمـرا
مَـــتـــى كـــانَ شـــرطُ الديــن جــنّــة أهــلهِ
وَإِن أعــمَــلوا فِــكــراً بــه عـمـلوا كُـفـرا
مَــتــى كــانَ شــرطُ الديــن إن قــالَ قِـسُّهـم
لِزنــجــيّــةٍ شَــقــرا يــقــالُ نــعَــم شــقــرا
فَــلا تــلمِ الدهــريــن إِن سَــخِــروا بــهــم
وَإِن خَــسِــروا أيــضــاً فــمــن جــهــةٍ أخــرى
وَلا تَــنــسَ خــنــقَ القـسِّ مَـن كـان مُـشـرفـاً
عَــلى مــوتــهِ إِن كــان بــالظــنِّ لا يـبـرا
يـــمـــدُّ يـــديـــهِ قـــابـــضــاً فــوق حــلقــهِ
لِيـــقـــبــضَ تــلكَ الروح يــعــصــرهُ عــصــرا
يَـــقـــولونَ إِن لم يـــقـــبــضِ القــسُّ روحــه
يُــبــاشِــرُهــا الشــيــطـانُ يَـأخـذُهـا قـهـرا
وَيَــبــقــى بــنــيــرانِ الجــحــيــم مــخــلّداً
وَإِن كـــانَ أَتـــقـــاهـــم وأكــثــرهــم بــرّا
وَأَخــبَــرنــي مــنــهــم فــتــىً فــرّ هــاربــاً
فَــعــاشَ زَمــانــاً طــال مــن بــعـد أن فـرّا
وَيـــا ليـــتَ شــعــري كَــم قــتــيــلٍ مــعــلّقٍ
بِــــرقـــبـــةِ ذاكَ القـــسِّ قَـــد جـــرّهُ جـــرّا
وَهــــل يُــــعــــجِــــزُ اللَّهَ الشـــفـــاءُ وإنّه
لَيُــحــيــي الّذي مــن ألف عـامٍ ثـوى قـبـرا
وَكَـــم مِـــن مَـــريـــضٍ آيـــسٍ مـــن حــيــاتــهِ
وَبـــتّ كـــثـــيـــرٌ مــن أطــبّــائه العُــمــرا
شَــفــى سُــقــمــه الرحــمـنُ مِـن مَـحـضِ لطـفـهِ
وَعـــمَّره مـــن بـــعـــدِ أَن يَـــئِســـوا دَهــرا
وَإِذ عـــجَـــزت عـــنـــهُ صـــنـــاعـــةُ طـــبّهــم
أَجــابـوا نَـعـم فـوقَ الصـنـاعـةِ قَـد يَـبـرا
وَمِــن أَقــبــحِ الأشــيــاءِ حــســنــاء غــداةٌ
كــأنَّ بِــعَــيــنــيــهــا إِذا نَــظــرت ســحــرا
مَــــحــــاسِـــنُهـــا تـــزري بـــأحـــورَ مـــائسٍ
رَنـا واِنـثَـنـى كـالسـيـفِ وَالصـعدةِ السَمرا
سَــبــى النــاسَ مِــنــهــا رِدفُهــا وَقَـوامُهـا
وَوَجــنَــتُهــا الحَــمـرا وَمُـقـلتـهـا الحـورا
تَــجــيــءُ عَــليـهـا الحـليُ والحـللُ اِنـجـلت
مُـــعـــطّـــرةً مـــصـــقـــولةً صــفّــتِ الشــعــرا
بِهـــا يَـــخــتــلي قِــسّــيــسُهــا وهــوَ أعــزبٌ
شَـــقـــاشـــقـــهُ مِـــن تـــوقــهِ هــدَرت هــدرا
فَـــتَـــعـــتـــرفُ الأُنــثــى له بــذنــوبــهــا
ولَو بِــالزِنــا ســرّاً ليــمـنَـحـهـا الغـفـرا
وَلا جـــائزٌ مـــنــهــم هــجــومٌ عــليــهــمــا
وَلَو بَــقِــيــا فــي الســرِّ وَحــدهـمـا شـهـرا
وَربَّ اِمـــرئٍ مـــن غــيــر قــصــدٍ عــراهــمــا
فَــشــاهــدَ مَــدهــوشــاً بــعــروتــهــا الزرّا
وَمَــن لَم يَــكُــن يُــجــري اِعــتـرافـاً كـهـذه
فَـــذلكَ أَشـــقــى القــومِ أعــظــمــهُــم وزرا
فَـــأفٍّ لديـــنٍ يـــهـــتــكُ العــرضَ بــالرِضــا
وَيــــــوهــــــمُ ربَّ العـــــرض أنّ لهُ أجـــــرا
مَـسـاكـيـنُ أهـل العـقـلِ مـنـهُـم فـكَـم رَأوا
مَـنـاكـيـر لكـن مـا اِسـتَـطـاعـوا لها نُكرا
وَلَو تُــرِكــوا فــيــمــا أرادوا وَعَــقــلهــم
لَمــالَ إِلى الإســلامِ جُــمــهــورُهــم جـهـرا
وَلَكـــن بـــحُـــكـــمِ الإرثِ للديـــنِ قـــلّدوا
رَهــابــيــنَهــم مَهــمــا رَأوا طــعــمـهُ مـرّا
فَــعــاشــوا نَــصــارى ظــاهــريــنَ بِـديـنـهـم
وَليـــسَ لَهُـــم ديـــنٌ إذا كـــوشِــفــوا ســرّا
وَمِـــنـــهــم نَــرى فــي كــلِّ وَقــتٍ جــمــاعــةً
بِــإِســلامِهــم نــالوا السـعـادةَ والفـخـرا
وَكَــم بَــيــنَــنــا مِــن مُــســلِمـيـن جُـدودُهـم
نَـصـارى عـلى الشـيطانِ قَد أَحرزوا النصرا
وَقــــامَ بِهــــم قَــــومٌ غَــــدا كــــلّ واحــــدٍ
عَــلى نــفــســهِ فــي حــكــمِ مَــذهـبـهِ حـبـرا
وَقَــد قَــطــعــوا مــا بــيــنَهــم مـن عـلائقٍ
وَبـيـنَ رَهـابـيـن بـهـا اِسـتَـعـبَـدوا الحُـرّا
وَقَـــد نَـــبـــذوا مـــا أظــهَــرَت مــن زوائدٍ
مَــجــامِــعُهــم مــمّــا بـهِ أثـقَـلوا الظَهـرا
وَضــمّــوا إلى التــوراةِ إِنــجــيـلَهُـم فـقـط
بِهـــا وبـــهِ أحـــكـــامُهــم حُــصِــرَت حَــصــرا
وَتَــحــريــفُ هــذي الكــتــبِ أيــضــاً مــحـقّـقٌ
فَـقَـد نَـسـبـت للأنـبـيـا الفـسـقَ والكُـفـرا
فَـــيـــلزمُهـــم أَن يَـــحــذِفــوا كــلّ شــرّهــا
وَأَن يَـقـصُـروا فـي الخـيـرِ مـضـمونها قصرا
وَلَو فَـــعـــلوا هــذا لمــا كــانَ كــافــيــاً
إِذا لَم يــكُ الرحــمــنُ فــي ديــنِهـم وِتـرا
وَلَو فَـــعَـــلوا هَـــذا وذاكَ لَمـــا نـــجَـــوا
إِذا لَم يَــديــنــوا ديــنَ مــلّتــنـا الغـرّا
فَـــمـــا بـــرحَ التـــثــليــث للَّه ديــنــهــم
وَصــــلب الّذي يــــدعــــون ربّهــــم قـــهـــرا
وَيــا حــبّــذا لو هُــم أتــمّــوا فــأَلحـقـوا
بِـــمـــا قَـــطـــعـــوهُ مِـــن زوائدهِ الخــدرا
فَــــكــــلُّ بــــلاءِ الديـــن بـــاقٍ بـــحـــالهِ
وَمــــا حَــــذفـــوهُ مـــنـــه أيـــســـره شـــرّا
فَــمــا بــرحَ الإصـلاحُ فـي الديـن نـاقـصـاً
كـــأنّهـــم لَم يَـــفـــعـــلوا ذلك الخـــيــرا
وَمــــا ثـــمّ إِصـــلاح سِـــوى ديـــن أحـــمـــدٍ
وَقَــد عَــزفــوا لكــنّهــم كــابــروا كــبــرا
تَـــقـــولونَ فــوقَ العــقــلِ أسّــس ديــنــكــم
صَــدقـتُـم فـمـاتَ العـقـلُ مـن تـحـتـه حَـصـرا
فَــعِــشــتُــم بِــلا عــقــلٍ تــديــنــون ربّـكـم
بــهِ وعــليــهِ ديــنــكــم قَــد غَــدا قَــبــرا
وَهَـــــذا كـــــلامٌ ديّـــــروهُ لديـــــنــــهــــم
يــقــيــهِ لأنّ العــقــلَ يــرمــي بــه دبــرا
وَلَو كــانَ فــوقَ العــقــل لم تــك مــدركــاً
وقَــد أَدركــت مــنــهُ النُهــى كـلّ مـا أزرى
نَــعَــم هــوَ ضــدُّ العــقــلِ مــا هــو فــوقــه
وَأَحــكــامــهُ فــي اللَّه أعــظــمــهــا نـكـرا
وَأَشــــكــــل مـــعـــنـــاهُ لدى كـــلّ عـــاقـــلٍ
وَشـــاكـــلَ فـــي آفـــاتـــهِ لبُّهـــُ القــشــرا
وَمــا خــيــرُ ديــن ليــسَ تُــدركــه النــهــى
تَــــغــــورُ عَـــلى أَغـــوارِ أســـراره غـــورا
وَلَكـــنّ فـــضـــلَ الديـــنِ يــبــدو إذا أتــت
عــليــهِ عُــقــول النــاس تــســتــرهُ ســتــرا
كَــــمــــا أنَّ ديــــنَ اللَّه ديـــن مـــحـــمّـــدٍ
لَهُ يــــسّــــرَ المَــــولى أئمّــــتـــه الغـــرّا
لَهُ صــنّــفــوا فِــقــهــاً حَــديــثــاً تــصـوّفـاً
عَــقــائد تــفــســيــراً بــإِســنــادهـا تُـدرى
وَقَــد شَــغــلوا الأعــمــارَ فــي درسـهـم له
بِــآلاتــهِ حــتّــى بـهِ اِسـتـغـرَقـوا الدهـرا
وَقَــد ضَــبــطــوا بــالنـقـلِ والعـقـل شـرعـهُ
فَـــدامَ عَـــلى أوصـــافـــهِ ذهـــبـــاً نــضــرا
وَكــــيـــفَ بِـــلا عـــقـــلٍ يـــكـــون تـــديّـــنٌ
إِذاً كـلّفـوا المـجـنـون والطـفـل والعـيرا
أَليـــسَ مـــدارُ الديـــن عـــقــلاً مــكــمّــلاً
لِيُـــدركَ حـــكــمَ اللَّه والنــهــيَ والأمــرا
عِـــبـــارة فـــوقَ العـــقــل ســجــنٌ مــضــيّــقٌ
لَقَــد حَــصــروهُــم فــي مــضــايــقــهِ حــصــرا
نَـــعَـــم ربّـــنـــا فــوقَ العــقــول بــذاتــهِ
حَــقــيــقــتــهُ غَــيــبٌ عــن الخـلقِ لا تُـدرى
وَكـــلُّ الوَرى فـــي كـــنـــهـــهِ ذو جـــهــالةٍ
حَــــيـــارى فـــإنّ اللَّه يَـــدري ولا يُـــدرى
وَلكـــنّـــنـــا نَـــدري بـــتـــعــريــفــهِ لنــا
كَــمــالاتــهِ والكــونُ عــن نــورهِ اِفــتــرّا
وَأَنـــتُـــم وَصـــفـــتــم ربّــكــم بــمــعــايــبٍ
تُــلامــونَ لو كُــنــتــم وصـفـتـم بـهـا هـرّا
وَهـــل جـــائِزٌ أَن يـــجـــعـــلَ اللَّه ديـــنــه
يَـــعـــودُ عـــليـــهِ بـــالحـــقــارةِ والإزرا
فَــــشــــتّـــان ديـــنُ اللَّه ديـــن مـــحـــمّـــدٍ
وَمــا شــاركَ القـسّـيـسُ فـي وضـعـهِ الحـبـرا
لَقَـــد غـــلبَ الأديـــانَ بـــالحـــقِّ ديـــنــهُ
كَــمــا غــلبَ الليــثُ الغــضــنــفــرُ سـنّـورا
وَلمّـــــــا بَـــــــدا للكــــــونِ ذلّت لعــــــزّه
كَــعُــصــفـورةٍ فـي الجـوّ قـد شـاهَـدت صـقـرا
وَإِن يـــكُ فـــي شـــيـــءٍ بـــهِ شـــبــهٌ بــهــا
فَــذاكَ كَــمــا قــد أشــبـهَ الذهـبُ الصـفـرا
أَيـــا عُـــقـــلاء النـــاسِ هــل ثــمّ عــاقــلٌ
عَــلى أنــفـسِ اليـاقـوت قـد فـضّـلَ الصـخـرا
وَهَــل كــانَ أو هــل قَــد يــكـون أخـو حـجـىً
إِذا خـــيّـــروهُ اِخـــتـــار عَــن درّةٍ بــعــرا
وَهَــــل أحَــــدٌ فــــيــــه أقــــلُّ بــــصـــيـــرةٍ
يَــقــولُ بِــأنَّ التـبـنَ قَـد يـفـضـلُ التـبـرا
وَمَـــن ذا الّذي يـــخــتــارُ أرضــاً وبــيــئةً
عَـــلى روضـــةٍ صــحّ الهــواء بــهــا خــضــرا
أَمـــا ثـــمّ فَــرقٌ بــيــن عــيــنٍ وأخــتــهــا
فَــــــواحـــــدةٌ حـــــورا وواحـــــدةٌ عـــــورا
فَــأَديــانُهــم مــع ديــنــنـا قـد تَـبـايـنـت
لهُ المــثــلُ الأعـلى لهـا المـثـلُ الأزرى
وَلمّــا بَــدا عــجــزُ النَــصــارى بــديــنـهـم
أَتَــــوا بـــدليـــلٍ يـــهـــذرونَ بـــهِ هـــذرا
فَـــقَـــد زَعَــمــوا أنّ الفــرنــجَ نــجــاحُهــم
بِــدُنــيــاهــمُ يُــعــطـي إلى ديـنـهـم فَـخـرا
لَقــد أخــطــأَوا فــالقــومُ صـاروا لسـقـمـهِ
زَنــادقــةً دانــوا الطــبــيــعــة والدهــرا
وَقَــد طَــلبــوا الدُنــيــا بِـغـايـةِ جـهـدهـم
كَــمــا جَــعــلوا فــي حـيّـزِ العـدمِ الأُخـرى
وَمَــن جــدَّ فــي قــطــعِ البــحــار بــعــزمــهِ
غَـــدا عـــزمــهُ فــوقَ البــحــارِ لهُ جِــســرا
عَـــلى يـــدِهــم أَبــدى القــديــرُ بــفــضــلهِ
إِلى الخـــلقِ مِـــن آثـــارِ قُـــدرتــهِ قــدرا
كَـــقـــطــرةِ بــحــرٍ مــن بــحــارِ اِقــتــدارهِ
إِلى النـاسِ أَجـراهـا فَـكـانـوا لهـا مـجرى
بِهـا اِفـتُـتـنـوا كـالخـمـرِ طـاشَـت عُـقـولهم
بِهــا وَبِهــا زادوا عَــلى سُــكــرِهــم سـكـرا
عَـــلى أنّهـــا فــي الكــونِ لا فــي مــكــوّنٍ
وَمـــا وَصـــلت للبّ بَـــل خـــصّـــتِ القِـــشــرا
بِهــا كَــشــفــوا عَــن بــعــضِ مـا هـو كـامـنٌ
مــنَ الســرِّ ســرِّ اللَّه فــي خــلقــه ســتــرا
وَأَســــرارهُ فــــي كـــلّ شـــيـــءٍ كـــثـــيـــرةٌ
وَقَــد تَــنــجــلي طــوراً ولا تـنـجـلي طـورا
وَإِن أَنـــكـــروا مِــن غــيّهــم خــلقَ ربّــنــا
جَــمــيــعَ الّذي فـيـهـم وفـي غـيـرهـم أجـرى
فَــقــولوا لَهــم فَــليَــخــلقــوا لِشــعــيــرةٍ
وَمِــنــهُــم أصـولُ الخـلقِ أو يـخـلقـوا بُـرّا
وَلَن يَــقــدِروا لَو أفــرغــوا كــلّ وســعـهـم
مَـدى الدهـرِ في التخليقِ أَن يخلقوا شَعرا
وَكـــلُّ اِخـــتـــراعٍ جـــاءَ مــنــهــم فــأصــلهُ
مــنَ اللَّه مــخــلوقٌ فــمــا صــنـعـوا غـيـرا
وَلَكـــــنّه أوصـــــافـــــهُ قـــــد تـــــبـــــدّلت
وَخــــالقُ أصـــلٍ خـــالقٌ كـــلّ مـــا يـــطـــرا
وَمَــع كــونِهــم فـي الطـبِّ فـاقـوا وخـيّـلوا
بِـــتـــصـــويـــرِ أمــرٍ كــونــه ذلك الأمــرا
لو اِجــتَــمــعــوا مــن أوّل الدهــرِ جــمــلةً
لَمــا اِخــتَــرعــوا روحــاً إذا صــوّروا ذرّا
وَقَـــد صـــوّروا عَــيــنــاً لفــاقــدِ نــورهــا
وَمــا صــوّروا نــوراً فــمــا بَــرِحَــت عــورا
وَكَـــم مِـــن صــحــيــحٍ مــاتَ إِذ تــمّ عــمــرهُ
وَقَــد حَــكــمــوا أَن لا يُــرى مـيّـتـاً دهـرا
وَكَــم مِــن سَــقــيــمٍ قــرّروا حــتــمَ مــوتــهِ
فَـــعـــاشَ بــرغــمٍ مــن قــواعِــدهــم عــمــرا
عَـــجـــائبُهــم مَهــمــا تــعــاظــمَ شــأنــهــا
أقـــلُّ شـــؤونِ الحـــقِّ يَـــجــعــلهــا صــغــرى
وَمِــن رقّــةٍ فــي الديــنِ وَالعـرضِ أَصـبـحـوا
بِـــأَنـــفُــســهــم كــلٌّ غَــدا حــاكــمــاً حــرّا
فَـــمـــا غـــيّـــرَت أَخــلاقــهُــم قــطُّ غــيــرةٌ
وَإِن شــاهَــدوا زَوجـاتـهـم تـصـحـبُ الغَـيـرا
وَلَيـــس بـــإزراءٍ بـــهـــم مـــسُّ عِـــرضـــهـــم
فَـــأَعـــراضُهــم ليــسَــت تــشــدُّ بــهــم أزرا
فَــقَــد جَــعَــلوا للرَقــصِ فــي وقــتِ لَهـوهـم
لَيـــاليَ أُنـــسٍ كَـــم لَهُـــم أطــلعــت بــدرا
فَـــزَوجـــةُ ذا فـــي حـــضــنِ هــذا وَزوجــهــا
بِـــزوجـــتـــهِ أَجـــرى الّذي مــعــهــا أجــرى
فَــــضــــائِحُهــــم لِلصـــلحِ صـــارَت ذريـــعـــةً
فَـــلا أَحـــدٌ يُـــبـــدي عـــلى أحـــدٍ فــخــرا
نِـــســـاءٌ رِجـــالٌ كـــالعــراةِ تَــعــانَــقــوا
بــأحــســنِ أَشــكــالٍ تُــثــيـر الهـوى قـهـرا
فَـــلَو نـــظــرَ العــنّــيــن فــيــهــنّ نــظــرةً
لَمــا اِحــتــاجَ فــي تَــقــويـمِ قـوّتـهِ أخـرى
وَأَتـــقـــى عـــبـــاد اللَّه ليــسَ بــمــمــكــنٍ
هُـــنـــالكَ تَــقــواهُ إِذا لم يــكُــن صَــخــرا
مَـــعـــاركُ أحــبــابٍ بــهــا جــيــشُ أُنــسِهــم
بِـــفـــوزٍ عــلى عــذّالهــم أحــرز النــصــرا
فَـــلا تـــلم اِبــنــاً قــد تــولّدَ بــعــدهــا
إِذا لَم يــــكُــــن طــــوعــــاً لوالدهِ بــــرّا
فَــــإِن لَم يَــــكُــــن هــــذا زنــــاءً فــــإنّه
أَخــــوهُ سِــــوى أنّ الزِنـــا فـــعـــلهُ ســـرّا
وَمِــن قــبــلِ هــذا مــا سَــمِــعــنــا بــأمّــةٍ
قَــدِ اِســتَــحــســنَــتــه هـكَـذا عـلنـاً جـهـرا
وَلَو خـــيّـــروا فـــي فـــعــلِ ذلكَ مُــســلمــاً
وَأُنــثــاهُ لاِخــتـارا عـلى فـعـلهِ القَـبـرا
حَــيــاؤُهــمــا قــد نــاسـبَ الديـنَ مِـنـهـمـا
كَـمـا أنّ هـتـكَ العـرض قـد نـاسـبَ الكـفـرا
فَـــنَـــحـــمـــدُ ربَّ العـــالمـــيـــنَ لشـــرعــهِ
حِــجــابـاً عـنِ الإسـلام قَـد حَـجَـبَ العـهـرا
وَكَـــم زوجـــةٍ مـــنـــهــم وزوجٍ تــبــاغَــضــا
وكــلٌّ قــدِ اِســتَــغــنــى بــأحــبــابـهِ دهـرا
وَللزوجِ مـــا تَـــأتــي بــهِ مــن خــليــلهــا
مــن الولدِ مَــنــســوبٌ وإن زَنَــيــا جــهــرا
وَلَو شُــرعَ التــطــليــقُ فــيــهــم لطــلّقــوا
وَعُــــوّض كُــــلٌّ مـــن بـــغـــيـــضٍ له خـــيـــرا
وَكَـــم زَوجـــةٍ حـــســـنـــاءَ لكـــنَّ زَوجـــهـــا
تَــضــرّر مِــنــهــا حــيــنَــمــا عـقـرت عـقـرا
قَــضــى العــمــرَ لا نَـسـلٌ ولو حـلّ عـنـدَهـم
تَـــعـــدُّدُ زَوجـــاتٍ لمـــا ضـــيّـــع العُــمــرا
وَليــــسَ لهُ عــــذرٌ بــــحــــيــــضٍ ونــــحــــوهِ
وَأَعـــذارُهـــا ليـــسَـــت تُــفــارقُهــا شَهــرا
فَـــإِن طـــلبَ الطــبــعُ الحــلالَ ولم يــجــد
يُـــخـــافُ عـــليـــهِ أن يـــزيـــن له الشــرّا
وقَـــد حـــظـــرَ اللَّهُ الزنـــاءَ وإن تـــكـــن
قَـوانـيـنُهـم قَـد لا تَـرى فـي الزِنـا حظرا
وَإذ جَـــحَـــدوا الأديــانَ لم يــتــقــيّــدوا
وَقَـــد زوّجـــوا مَــن شــاءَ مِــن مــلّةٍ أخــرى
فَــديــنَ النَــصــارى ليــسَ يــحــسـبُ ديـنـهـم
فَــقَــد خَــرَجــوا مــنــهُ ومـا دخـلوا غـيـرا
وَعُـــذرهـــمُ كـــالشَـــمـــسِ فـــي تَــركِهــم له
وَمِــن جَهــلِهـم بـاللَّه قَـد عَـبَـدوا الدَهـرا
وَمِـــن جـــودهِ تَـــعـــجـــيـــلهُ فــضــلهُ لهــم
وَتَــأجــيــلهُ التــأديــبَ لِلنَــشـأةِ الأُخـرى
وَحَـــكّـــمَهــم فــي المُــؤمــنــيــنَ لِحــكــمــةٍ
بِــبــعــضِ النَــواحــي وهـوَ فـي مـلكـهِ أدرى
وَكَـــم كـــانَ حــكّــامُ المــمــالكِ قــبــلنــا
فـــراعـــنــةً جــاروا عــلى رُســلِهــم جــورا
تَـــذكّـــر خَـــليـــل اللَّه واِذكُــر كــليــمــهُ
وَأَســبــاطَ إِســرائيــل إِذ سَــكــنــوا مـصـرا
تَـــذكّـــر حـــبـــيـــبَ اللَّه قـــبــلُ بــمــكّــةٍ
وَلا تَــنــسَ عــيــسـى والحـواريـنَ والعَـذرا
فَـــيـــمـــتـــحـــنُ الأحـــبـــابَ جـــلّ جــلالهُ
وَيــســتــدرجُ الأعــداءَ يُــمـلي لهـم مـكـرا
لهُ المـــلكُ يُـــؤتـــيـــهِ إِلى مــن يــشــاؤهُ
إِلى مُـــؤمـــنٍ طَـــوراً إلى كـــافـــرٍ طـــورا
وَلكِـــنّ عُـــقـــبـــى الأمـــرِ للمـــتّــقــي له
بِــدُنــيـاهُ والأُخـرى له فـيـهِـمـا البُـشـرى
لهُ الخـــــلقُ للأكـــــوانِ وَالأمــــرُ كــــلُّهُ
لهُ الديــنُ والدُنــيــا فــمــا شـاءَه أجـرى
فَـــكَـــم مــن غــبــيٍّ كــانَ أَغــنــى زمــانــهِ
وَكَــم مِــن ذكــيٍّ مــاتَ مــن فــقــرهِ قــهــرا
وَكَــم مِــن تــقــيٍّ عـاشَ فـي الفـقـرِ راضـيـاً
وكَــم مِــن شَــقــيٍّ كــانَ أَغــنـى الورى طـرّا
فَــقــارونُ أَغــنـى النـاس قَـد كـان كـافـراً
وَآجـــرَ مـــوســى نــفــســهُ حِــجــجــاً عَــشــرا
وَأَزهـــدُ خـــلقِ اللَّه عـــيـــســـى بـــعــصــرهِ
وَمــا قـطُّ أَغـوى النـاسَ بـالمـالِ أو أغـرى
فَــلَو عَــمِــلوا بِــالديــنِ كـانـوا بِـحـكـمـهِ
أَشـــدَّ الوَرى زُهـــداً وأكـــثـــرهــم فــقــرا
هُــمــا الديــنُ والدُنــيـا كـمـيـزانِ تـاجـرٍ
إِذا اِنـــحـــطّ مــنــهُ كــفّــةٌ عَــلتِ الأخــرى
وَقَــد يَــجــمــعُ اللَّهُ الســعــادة فــيــهـمـا
لِعــبــدٍ ويُــعــطــي آخــرَ الفـقـر والكـفـرا
وَأَكــرِم بــمَــن قَــد حـازَ فـي النـاس ثـروةً
بِــســعــيٍ جَــمــيــلٍ فــي الحــلالِ بـه أثـرى
وَلا ســـيّـــمـــا مَـــن كــانَ يُــنــفــقُ مــالهُ
لِتـــأيـــيــدِ ديــن اللَّه يــنــصــرُهُ نَــصــرا
كَــعُـثـمـانَ أَغـنـى الجـيـشَ والجـيـشُ مـعـسـرٌ
وَجـــــهّـــــزهُ إبــــلاً وجــــهّــــزهُ تِــــبــــرا
فَــــلو كـــانَ عـــنـــدي ألفُ قـــلبٍ يـــحـــبّهُ
وَألفُ لســــانٍ مــــا وفــــيــــتُ له شـــكـــرا
وَحــســبُــكَ أنَّ المُــصــطــفــى قــال عــنـدمـا
أَتــاهُ بِهــا مــا ضــرَّ عــثــمــان مــا ضــرّا
فَــيــا أمّــةَ الإسـلامِ فـي الديـن مـجـدُكـم
وَقَــــد أدركَــــت أعــــداؤُكـــم ذلكَ الســـرّا
عَـــقـــارِبُهـــم دبّـــت لَكـــم فـــتــحــفّــظــوا
وَلا تَــحــســبـوا جَـمـراً أتَـوكـم بـه تَـمـرا
وَقَــد زَعــمــوا مَــع ليــنــهــم حـبَّ خَـيـركـم
فَـلا تُـخـدَعـوا مَـن فـي الأفاعي رأى خيرا
أَلا اِنــتَــبِهــوا فـالقـومُ دسّـوا لِديـنـكـم
دَســـائسَ كُـــفـــرٍ قَـــد تَــغــرُّ اِمــرءاً غــرّا
وَأَعـــظـــمُهـــا شَـــرّاً مـــدارسُ فـــي القــرى
وَفــي البـدوِ والأمـصـارِ قـد نُـشِـرت نـشـرا
تُــربّــي لَكُــم أَطــفــالكــم فــي حــجــورهــا
وَقَــــد جَــــعــــلَت درسَ الضـــلالِ لهـــم درّا
فَــصــارَ كــثــيــرٌ مــنــهــم مــثــلَ أَهــلهــا
سِــوى الزيِّ وَالأســمــاء واِتّــحــدوا كـفـرا
أَلا فــاِنــظُــروا كـم أخـرجَـت مِـن بـنـيـكـمُ
زَنــادِقــةً بــالكــفـرِ قَـد رَبِـحـوا الخُـسـرا
وَصــاروا مــنَ الأعــداءِ لا فــرقَ بَـيـنـهـم
سِــوى أنّهــم فــي الديــنِ أعــظــمُهــم ضــرّا
وَهُـــم كـــلَّ يـــومٍ بـــاِزديـــادٍ وديـــنــكــم
يــزيــدُ بِهــم نَــقــصــاً وربــحــكــمُ خُــســرا
فَــكــيــفَ بــمَــن يـأتـونَ مِـن بـعـدِ عـصـركـم
إِذا دامَ هــذا فــاِلعــنــوا ذلكَ العــصــرا
وَكَــــم نــــادمٍ مـــن وضـــعِ أولاده بـــهـــا
وَقَــد سَــبَــقـت أسـيـافُهـا العـذلَ والعـذرا
أَلا اِنــتـبـهـوا مـا قـد مـضـى غـيـرُ عـائدٍ
وَبِـالحـزمِ بـعـدَ اليوم فاِستقبِلوا الأمرا
وَمَـــن يـــدّعـــي الإســـلامَ وهــو مُــثــابــرٌ
عَـلى الغـيِّ لم يـبـرَح بـه الشـهرَ والدهرا
وَليـــــسَ لهُ أعـــــمــــال خــــيــــرٍ فــــؤادهُ
بِــأنــوارِهــا يــبـيـضُّ مِـن بـعـدِمـا اِغـبـرّا
فَـــــلا صـــــامَ لا صــــلّى ولا حــــجّ لا له
زَكــــاةٌ ولا أعـــمـــالُ بـــرٍّ بـــهـــا بـــرّا
كَـــمَـــن قَـــد تـــربّــي فــي مــدارسَ شُــيّــدت
لِتَــخــريــبِ ديــنِ اللَّه عــاشَ بــهــا عـمـرا
فَـــصـــارَ يُــحــبُّ الكــافــريــنَ وشــبــهــهــم
يَـــرى لذّةً فـــي قُـــربِهـــم ويَـــرى فـــخــرا
مُـــنـــاسَـــبـــةٌ قــد أَلَّفــت بــيــنَ أهــلهــا
تَـــجـــرُّ إِلى الأشــكــالِ أشــكــالَهــم جــرّا
وَيـــكـــرهُ أهـــلَ الديـــنِ حــتّــى قــريــبــهُ
وَلا ســيّــمــا مَــن كــانَ أشــعــثَ مُــغــبــرّا
وَمــــا ذَنــــبُهــــم إلّا تــــمــــدّنـــهُ وهُـــم
عَــلى فــطــرةِ الإسـلامِ قَـد فُـطِـروا فَـطـرا
فَــــإِســــلامُ هَــــذا مــــثــــل ثـــوبٍ مـــزوّرٍ
رَقــيـقٍ فـمَـن يُـكـسـاهُ فـي حـكـمِ مَـن يَـعـرى
فَــــذلكَ عــــريــــانٌ وإن كـــان كـــاســـيـــاً
وَأَفـــضـــلُ مـــنـــهُ مــؤمــنٌ لبــسَ الطِــمــرا
وَكَـــم هـــالكٍ فـــي الكـــافـــريـــن عــدادهُ
وَإِن كــانَ بــيــنَ المـسـلمـيـنَ حَـمـى قَـبـرا
نَـــعَـــم عـــلّمـــوا أولادَكـــم كـــلّ نــافــعٍ
مــنَ العــلمِ إنَّ العــلمَ أعــظــمُ أَن يُــزرى
وَلا ســيّــمــا مــا فــيــهِ تـأيـيـدُ ديـنـكـم
فَــأَعـداؤُكـم بـالعـلمِ قَـد مَـلَكـوا الأمـرا
أَعــدّوا لهُــم مــن قــوّةٍ مــا اِســتــطــعـتـمُ
فَــلا يــقــبــلُ المَــولى لإِهـمـالكـم عُـذرا
وَمِـــن دونِ عـــلمٍ كـــيـــفَ تـــحـــصـــلُ قـــوّةٌ
نَــكــفُّ بِهــا عــنّــا مــنَ المُـعـتـدي الضـرّا
فَــيَــلزَمُــنــا بِــالمــال والحــالِ كــسـبُهـا
وَبِـــالعـــلمِ إنَّ العــلمَ آلتُهــا الكُــبــرى
وَلكــــنَّ حــــفـــظَ الديـــنِ شَـــرطٌ مـــحـــتّـــمٌ
فَـلا خـيـرَ فـي الدُنـيـا إذا ضاعتِ الأخرى
وَلا تَــيــأَســوا مــن رحــمــةِ اللَّه إنّــكــم
مَــتــى مــا أطــعـتُـم ربّـكـم جـبَـرَ الكَـسـرا
وَهـــذا الّذي مِـــن ســـخـــطــهِ تــشــهــدونــهُ
جَــــرائرُكـــم رُدّت فـــجـــرّت لَكُـــم جـــمـــرا
وَكَـــم صـــالحٍ فـــيـــكُـــم ولكـــنَّ فِـــتـــنــةً
بِهـــا كَـــثُــرَ الأخــبــاثُ عــمّــمــتِ الشــرّا
وَيَـــنـــصُـــركـــم إِن تَـــنـــصــروهُ بــطــاعــةٍ
بِـأن تَـتـبَـعـوا مِـن شـرعـهِ النهيَ والأمرا
أَلَم تَــعــهــدوهُ نــاصــراً عــنــد نــصــركــم
لَهُ فَــبِــتــركِ النــصــرِ قــد تَــرك النَـصـرا
فَـــعـــودوا يَـــعُـــد فــهــوَ الكــريــمُ وإنّه
إِذا اِعــتــذرَ الجـانـي لهُ يـقـبـلُ العُـذرا
عَـــســـى ولعـــلَّ اللَّه يـــأتـــي بـــفــتــحــهِ
وَيُـــحـــدثَ للإســـلامِ مِـــن لُطـــفـــهِ أمــرا
أَلَم يَـــشـــرحِ الرحـــمـــنُ صـــدرَ مُـــحـــمّـــدٍ
وَأَكّــد أنّ العــســرَ يَــســتــصــحــبُ اليُـسـرا
هَــنــيــئاً لعـبـدٍ عـاش فـي النـاس مـسـلمـاً
وَلَم يَــعــتـقـد شـركـاً ولم يَـعـتـنـق كـفـرا
فَــذاكَ مــليــكُ العــصــرِ لَو بــاتَ طــاويــاً
وَأَمــضـى جـمـيـعَ العـمـرِ فـي عـيـشـةٍ غـبـرا
فَـــعُـــقـــبـــاه عــنــدَ اللَّه جــنّــةُ عــدنــهِ
وَيَــنــســى بِــحــلوِ الفــوزِ كــلّ الّذي مــرّا
وَأَخـــســـرُ خـــلقِ اللَّه مَـــن كــانَ كــافــراً
وَإِن مَـــلَكَ الدُنـــيـــا وَعـــاشَ بِهــا دَهــرا
فَـــعُـــقـــبـــاهُ فـــي أُخـــراه أســوأُ حــالةٍ
وَمَـــثـــواهُ نـــارُ اللَّه قَـــد زَفَــرت زفــرا
فَــيــا مَــعــشــرَ الإســلامِ فُـزتُـم بِـحـظّـكـم
فَــحــمــداً لِمــولاكــم وشَــكــراً له شــكــرا
وَيــا مــعــشـرَ الكـفّـار مـوتـوا بِـغَـيـظـكـم
فَــمــا نَــفَــعَــتــكـم حـيـنَ ذُكّـرتـمُ الذِكـرى
لَعَــــمــــري لئن فـــضّـــلتُ ديـــنَ مـــحـــمّـــدٍ
وَمــــلّتــــهُ لَم آتِ بــــدعــــاً ولا نـــكـــرا
وَإِن هــامَ قَــلبــي فــي مــحــبّــتــهــا فـكـم
بِهــا مِــن كــرامِ النـاسِ ِمـن مُـغـرمٍ مُـغـرى
وَإِنّـــيَ لَم أُخـــدَع بِـــظـــاهـــرِ حُـــســنــهــا
وَمــا دونَ تَــحــقــيـقٍ فُـؤادي بـهـا اِغـتـرّا
وَلَكــــن عَــــلى عـــلمٍ بـــســـرِّ جـــمـــالهـــا
تَــعــشّــقــتُهــا قِــدمــاً وكــنــتُ بـهـا أدرى
فَــفــي كــلِّ مَــعــنــىً قَـد حَـوت حُـسـنَ يـوسـفٍ
وَقَـــد زَهَـــرت أَنــوارُهــا بــأبــي الزهــرا
وَكـــلُّ فـــتـــىً مـــنّــا غَــدا فــي غــرامِهــا
زُليــخــا وكــلُّ الأرضِ قــد أَصــبـحـت مِـصـرا
وَقَــد أَشــرَقــت بــيــنَ البَـرايـا شُـمـوسـهـا
كَــمــا أَطــلَعــت فــي كــلِّ أفــقٍ لهـا بـدرا
وَمُـــذ نَـــشَـــأَت طـــابَ الزمـــانُ كـــأنّــمــا
بـــهِ نَـــشَـــرت فـــي كــلِّ نــاحــيــةٍ عــطــرا
وَجـــمّـــلَ أقـــطـــارَ البـــلادِ جـــمـــالُهـــا
وَمــا حَــرَمــت مِــن حــســنِ طـلعـتـهـا قُـطـرا
وَمِــــن عَــــجــــبٍ أنّــــي أحـــنُّ لِقـــربـــهـــا
وَلَم أُخــلِ مِــن قَــلبــي وقــولي لهـا ذِكـرا
وَمــا فــارَقــتــنــي لَحــظــةً مــنـذُ نَـشـأتـي
وَمــا ذُقــتُ فــي عُــمـري بـوقـتٍ لَهـا هَـجـرا
وَلو فـــارَقـــتـــنـــي لَحــظــةً ذبــتُ حــســرةً
وَلَم أُلف فــي وُســعــي عـلى بُـعـدِهـا صَـبـرا
وَمِـــن لُطـــفِهـــا تَـــدنــو ذِراعــاً لعــاشــقٍ
إِذا مــا دَنــا بــالحــبِّ مِــن حـيِّهـا شِـبـرا
وَمَــن جــاءَهــا يَــمــشــي لهــا مُــتــقــرّبــاً
فَــمِــن فَــضــلهــا تَــأتــيــهِ هَــرولةً طـفـرا
فَـــللّهِ مِـــن مَـــحـــبـــوبـــةٍ كـــلُّ وَصـــفِهــا
جَــمــيــلٌ فــدَع فـي الحـبِّ عـمـرَة أو عـمـرا
حَـــبَـــت لِمُــحــبّــيــهــا المــكــارمَ كــلّهــا
بِــكــلّ اِرتــيــاحٍ وهــيَ تُــبـدي لهُـم شـكـرا
وَمَـــن جـــاءَهـــا مِـــن هــفــوةٍ مــتــنــصّــلاً
وَمُــعــتــذراً مــمّــا جــنــى تـقـبـلُ العُـذرا
وَمــــا رَضِــــيــــت إلّا أغــــرّ مــــهــــذّبــــاً
جَــواداً ولَم تــقــبَــل لِصُــحــبــتـهـا عـيـرا
وَلَم تــــرضَ إلّا عــــالِمــــاً بِـــمـــحـــاســـنٍ
بِهـا اِنـفـرَدت فـي الكـونِ لا جـاهلاً غمرا
وَمـــا عـــنــدَهــا كُــفــؤٌ ســوى كــلِّ عــاقــلٍ
وَلَم تَــشــتَــرِط إلّا كــمــالَ النُهــى مـهـرا
حَـــبـــيـــبـــةَ قَــلبــي وَالمــحــبّــةُ شِــرعــةٌ
نَــديــنُ بِهــا وَالصــدقُ آيــتُهــا الكــبــرى
أَســـــرتِ فُـــــؤادي وهـــــوَ راضٍ بـــــأســــرهِ
وَلَم أرَ مَــأســوراً ســواهُ اِرتَــضـى الأسـرا
تَـــمـــلّكــتــهِ عَــبــداً لك الدهــرَ طــائعــاً
وَأَبـــغـــضُ شـــيـــءٍ عـــنـــدهُ أن يُــرى حــرّا
وَلَيــــس لديّ العــــتــــقُ حــــلواً مـــذاقـــهُ
وَلَو ذقــتُ فــي حــبّــي لكِ الحـنـظـلَ المـرّا
وَلَم أدَّخــــر كَــــنــــزاً ســــواكِ وإنّــــمــــا
جَــعــلتُ ثَــبــاتــي فــي مــحــبّــتـكِ الذخـرا
فَــأنــتِ مُــنــى نَــفــســي وغــايــةُ مــقـصـدي
وَلولاكِ لَم أحـــفَـــل بِــدُنــيــا ولا أخــرى
وَلَو خُــيّــرَت نَــفــســي بــهــجــركِ والغِــنــى
لَكـان اِخـتـيـاري فـيـكِ أَن أصـحـبَ الفـقـرا
وَلَو عـــنـــكِ عـــوّضـــتُ المَـــمـــالك كــلّهــا
لَكــانَ بِــعــيــنــي كــلُّ أَعــدادِهــا صــفــرا
عَـــــدُوّي مَـــــن عــــاداكِ مِــــن كــــلِّ مــــلّةٍ
وَإِن عــمّــرَ الإحــســانُ مــنــهُ ليَ العُـمـرا
وَمَــــولايَ مَــــن ولاكِ مِــــن كــــلّ فـــرقـــةٍ
وَإِن هــوَ قَــد أولانــيَ الضــيــمَ والضـيـرا
وَأَحـــمـــلُ كـــلَّ الهـــجــرِ مــن كــلِّ هــاجــر
سِــواكِ وإنّــي مــنــكِ لا أحــمــلُ الهــجــرا
وَوَاللَّه لا أَرضـــــى فـــــراقــــكِ لحــــظــــةً
وَلَو عــوّضــونــي مــلكَ كــلّ الورى الدهــرا
إِذا قــــلتُ أخــــتُ الروح أنــــتِ فـــصـــادقٌ
سِــوى أنّــكِ الكــبــرى وَروحـي هـي الصـغـرى
فَـــدتـــكِ نـــفـــوسُ العــالمــيــنَ مــليــكــةً
وَأســــألُ ربّــــي أَن يُــــديـــمَ لك الأمـــرا
وَلَســــتِ كَهــــاتــــيـــكَ الضـــرائرِ كـــلّهـــا
عَــواهــرُ بــيــنَ النــاسِ أسّــســتِ العــهــرا
وَعَـنـهـا اِنـتَهى في العاشقينَ أولو النهى
وَلَم تــغــرُرِ اللخــنــاءُ إلّا اِمــرءاً غــرّا
وَكـــلُّ جَـــمـــالٍ أنـــتِ فـــي الكـــون أصــلهُ
وَأصــلُ جــمــيــعِ القــبــحِ ضــرّاتـك الأخـرى
وَعَــمّــمــتِ نــشــرَ الخـيـرِ فـي سـائرِ الورى
كَــمـا أنّهـا قَـد عـمّـمـت فـي الورى الشـرّا
فَــمِــن أجــلِهــا وجــهُ الخــليــقــةِ عــابــسٌ
وَثــغــرُ جــمــيــعِ الكــائنــاتِ بــكِ اِفـتـرّا
وَلَو كـــانَ كـــلُّ الخـــلقِ مـــثــليَ شــاعــرا
وَفــيـكِ وَفـيـهـا نـوّعـوا النـظـم والنـثـرا
لَمــا بَــلَغــوا فـي قُـبـحـهـا عُـشـر وَصـفـهـا
وَمــا بَــلغـوا مِـن حـسـنِ أوصـافـك العـشـرا
فَهـــاكِ أَيـــا خـــيـــرَ الحِــســان قــصــيــدةً
تُــجــدّدُ مِــن حــسّــان فــي عَــصــرنــا ذكــرا
تُـــنـــافـــحُ عَـــن خــيــرِ الأنــام وديــنــهِ
وَتَــكــشــفُ عَــن أديــانِ أعــدائهِ الســتــرا
حَــــقــــائق حَــــقٍّ لا خــــيــــالات شـــاعـــرٍ
وَلَكـــنّهـــا ســـحّـــارةٌ تـــســـحــرُ السِــحــرا
عَــروسُ المَــعــانــي فــي بــديــعِ بـيـانـهـا
تُــزفُّ عــلى أســمــاعِ أهــلِ النُهــى بِــكــرا
تَــكــادُ لِحُــســنِ الســبــكِ لَو فــاه مُــنـشـدٌ
بِــشَــطــرٍ أَتــمَّ الســامِــعــونَ له الشــطــرا
إِذا مـــا رَواهـــا راهـــبٌ صـــارَ راغـــبـــاً
بِــحــســنــكِ يــا حـسـنـاءُ مـهـمـا غَـدا غـرّا
تَـــحـــلّى بِهـــا جـــيـــدُ الزمـــانِ لأنّــنــي
نَــظــمــتُ بــهــا بِــالدرِّ أوصــافــكِ الغــرّا
وإِن كــنــتِ عــنّــي قــد رضــيــتِ فـقـد كـفـى
وَحَــســبــي بــهِ لا أَبــتــغــي فــوقـهُ أَجـرا
بِــمَــدحــكِ قَــد شــرّفــت نَــفــســي وَمــدحـتـي
وَســامِــعــهــا والطــرسَ والخــطَّ والحِــبــرا
وَعَـــفـــواً أَيـــا ذات المـــحــاســنِ إنّــنــي
حَــصِــرتُ ولَم أبــلُغ بِــمــدحــي لكِ الحـصـرا
وَقـــصّـــرَ شِــعــري عَــن مَــحــاســنــكِ العــلا
وَإن عَــبــر البـحـرَ الطـويـلَ إلى الشِـعـرى
وَلســـتُ عـــلى الأقـــرانِ مُـــفــتــخــراً بــهِ
وَلَكِــنّ لي فــي خـدمـةِ المُـصـطـفـى الفـخـرا
أُنـــافـــحُ عَـــن خـــيـــرِ الأنـــام وديــنــهِ
وَأمَّتـــهِ والنـــاسُ قَــد رَهِــبــوا الكُــفــرا
وَليــــسَ لِخـــيـــرِ الخـــلقِ حـــسّـــان واحـــدٌ
يُــدافــعَ عــنــهُ الإفــكَ وَالشــركَ والشــرّا
وَلَكــــن لهُ فــــي كـــلّ عـــصـــرٍ جـــمـــاعـــةٌ
وَإِنّــي بــهَــذا العــصـرِ مـنـهُـم ولا فـخـرا
يَــــمــــدُّهُــــم القـــدّوسُ مـــن روح قـــدســـهِ
فَـــيـــنـــفـــخُ فــيــهــم ذلكَ الولدَ البــرّا
وَإِمـــدادُ كـــلِّ الخـــلقِ مِـــن ســيّــد الوَرى
فَــلَولاهُ لَم نـحـسِـن بـهِ النـظـمَ وَالنـثـرا
فَــكَــم مــم قُــصــوري صــغــتُ فــيـهِ قـصـيـدةً
بِهــا كــلُّ بــيــتٍ فــاقَ مِــن جــوهــرٍ قـصـرا
وَكَـــم مِـــن كـــتـــابٍ لو أتــى بــنــظــيــرهِ
إِمـــامٌ كـــبــيــرٌ كــانَ مَــنــقــبــةً كُــبــرى
بِـــنـــثــرٍ يــفــوقُ العــقــدَ حُــلّ نــظــامــهُ
فَــيُــزري بــه نَــظــمــاً ويُــزري بــه نـثـرا
جَـــواهـــرُهـــا بـــعـــضٌ كـــبــارٌ وبــعــضُهــا
صِــغــارٌ وأكــرِم بــالكــبــيــرةِ والصــغــرى
فَـــلا تَـــتــعــجّــب مِــن كــمــالِ جَــمــالهــا
وَنَــقــصــي فَــكــم ذا أخــرجَ الصــدَفُ الدرّا
وَســـارَت بِهـــا الرُكــبــانُ فــي كــلّ بــلدةٍ
فَــمــا تَــرَكــت بــرّاً وَمــا تَــركَــت بَــحــرا
يَـــكـــادُ أَخـــو الذوقِ الســـليــمِ لســكــرهِ
بِهــا طَــربــاً يــا صــاحِ يَــحــسـبُهـا خَـمـرا
وَيُـــلفـــي بِهــا الذوق الســقــيــم مــرارةً
كَـمـا ذاقَ حـلوَ الشـهـدِ ذو المِـرّةِ الصفرا
فَـــكَـــم مـــن إمـــامٍ فــي الزمــان وعــارفٍ
كَــبــيــرٍ أرى لي خــدمــتــي نَــعــلهُ ذُخــرا
رَآهـــا كـــعـــقـــدٍ زيّــن العــصــرَ حــســنــهُ
فَــيــا حُـسـنـهـا عـقـداً ويـا قـبـحـهُ عَـصـرا
تَــمــتّــع بِهــا إِن كــنــتَ تَهــوى مــحــمّــداً
وَإلّا لأهـــليـــهـــا فَـــدَعــهــا فَهُــم أدرى
بِــــنــــعـــمـــةِ ربّـــي إنّـــنـــي مُـــتـــحـــدّثٌ
وَمـا قَـصَـدت نَـفـسـي بـهـا الفـخـرَ وَالكِبرا
نَـــعَـــم أَنــا فــخــري بــالنــبــيِّ مــحــمّــدٍ
وَأنّــــيَ مِــــن أبــــنـــاءِ مـــلّتـــهِ الغـــرّا
وَذلكَ فَــــخــــرٌ لو يــــفــــاخــــرُ مــــســــلمٌ
بـــهِ الدهـــرَ فـــي أدوارِهِ غَـــلَبَ الدَهــرا
فَـــلا عَـــجــبٌ إن قــلتُ هــل مــن مــفــاخــرٍ
وَأَحـــجـــمَ عـــنّـــي ســائرُ المــلل الأخــرى
أُفــاخــرُهــم مــهــمــا حــيــيــتُ فــإِن أَمُــت
أُفـــاخـــرُ مَـــوتـــاهــم فَــأَغــلبــهــم طُــرّا
وَأمّـــا كَـــلامـــي بـــالنـــبـــيّ فَـــجـــوهــرٌ
وَمـــا أَنـــا غـــوّاصٌ ولَم أَخُـــضِ البَـــحـــرا
وَلَولا رســــــولُ اللَّه قــــــلّدنــــــي بــــــهِ
لَمــــا وجَــــدت عِــــنــــدي قـــلائدهُ صـــدرا
فَـــمِـــنـــه إليـــهِ راجـــعٌ فـــهـــوَ بـــحــرهُ
أَمــــدّ بــــهِ فِــــكــــري فــــأمــــطــــره درّا
وَإِلّا فَـــمـــا مِـــثـــلي يــجــيــءُ بــمــثــلهِ
وَلكــنَّ عَــزمَ المُــصــطــفـى يـفـجـرُ الصَـخـرا
عـــليـــهِ مِـــنَ الرَحـــمــن أَســنــى صــلاتــهِ
وَأكـــثـــرُهـــا عـــدّاً وأَعـــظـــمُهـــا قَـــدرا
بِــــأعــــدادِ ذرّاتِ الوجــــودِ وعــــظــــمــــهِ
تَـــدومُ دوامَ اللَّه لا تـــقــبــلُ الحَــصــرا
وَللَّه كــــلُّ الحــــمــــدِ فـــي كـــلِّ لَحـــظـــةٍ
يُــضــاعَــفُ لا يَــفــنــى بـدُنـيـا ولا أخـرى
مشاركات الزوار
0أضف تعليقك أو تحليلك