ترحّل صاحبُ الملك العَظيمِ

56 أبيات | 165 مشاهدة

تــرحّــل صـاحـبُ المـلك العَـظـيـمِ
فــغــبَّر نـضـرةَ العـيـش الوَسـيـمِ
فــمــادت راســيـاتُ الأَرض رَوعـاً
وَنــثَّرت السَــمــا زُهــرَ النُـجـوم
وَخـاضـت فـي الشُـؤون عُـيـونُ باكٍ
وَأَضـحـى فـي اللظـى قَلبُ اللَّطيم
وَعُـــزِّي بـــالتـــرحـــل كُـــلُّ حـــيٍّ
وَبُـــشِّر كُـــلُّ مـــيـــتٍ بــالقــدوم
كَـأَن الصُـور نـادى فـي البَرايا
فـأرعـد في الرجام حشا الرَميم
تــنــادى الخـلق مـن عـرش لفـرش
بـمـا قـد عـمّ بـالخـطـب العَـميم
أَلم تــر أن وَجــه الأَرض أَمـسـى
يُــشــوِّهُ حُــســنَه أَثَــرُ الهُــمــوم
فَــقــلب الشَـمـس مـشـتـعـلٌ بـنـار
وَنــورُ البَـدر يُـكـسَـفُ مـن وجـوم
كـأن النـفـس إثـر الأنـس تَهـوي
تــســابــق فــرقـد أَثـر الظَـليـم
كـــأن الجـــو مــذهــولاً أَســيــفٌ
يُـــلطِّمـــ وَجـــهَه كَـــفُّ الغُــيــوم
كـــأن الرَوض مَـــجـــروحٌ بـــزهــرٍ
يَــئنُّ بـمـا يَـفـوحُ مـن النَـسـيـم
كَــأنــي يَــوم قــالَ النــاس وَلّى
أَمـيـرُ المُـؤمـنـيـن إِلى الرَحيم
أَرى أَجــبــالهــا الشــمــاءَ دُكَّت
وَصَـوتُ الرَعـد يَـصـرخُ مـن صـمـيـم
أَرى الغـبـراء قـد شـقـيـت فشقّت
فـلم تـعـطـف هـنـاك عَـلى حَـمـيـم
جـرت فـيـهـا المـصـائبُ أَم تخلت
عـن المـلك المـحـيـط المـستقيم
فــــهـــزلٌ دلّخ الآمـــال حَـــتّـــى
سَـقَـطن بما احتملن عَلى الرسوم
فَــمــا نــطــقٌ سِــوى نـوحٍ فـجـيـعٍ
وَلا صَــــوتٌ سِــــوى نـــاع أَديـــم
بَـكـى البَـأسُ الشَـديدُ عَلى شديدٍ
بَـكـى الرَأيُ الحَـكـيمُ عَلى حكيم
بَكى التاجُ الرفيعُ الشَأنِ فرقاً
تَـخـرُّ لَهُ الجـبـاهُ عَـلى الرُسـوم
بَـكـى مـلكَ المـلوك الدَهرُ حُزناً
فَــدُكَّ شــمــاخُه تــحــتَ التــخــوم
فــأفــزع أَهــله إنــســاً وَجــنّــاً
وَعـــم مـــصــابُه قَــلبَ العُــمــوم
وَكَـيـفَ يَـقـر فـي الدُنـيـا قَـرارٌ
عَــلى خــطــر لذي خَــطــر جــسـيـم
مــضــى مــلكُ المُـلوك لدار خـلدٍ
عَـــلى شَـــرفٍ وَفــي ديــنٍ قَــويــم
وَكـانَ أَبـا المـمـالك وَالمَعالي
وَمــات فــغــالهــا ذلُّ اليَــتـيـم
فَــروَّح بــطــنَهــا بــنـعـيـمِ خـلدٍ
وَروَّع ظَهــرَهــا بــلظــى جَــحــيــم
فَــقُــل للعـاديـات مـن اللَيـالي
لَقــد بُـلِّغـتِ عـقـبـى مـا تـرومـي
فَــلم يــنــحــط مــن عــرشٍ لنـعـشٍ
وَلَكـــن حـــنَّ للوَطَـــن القـــديــم
وَلَو كـانَ الخُـلود يُـنـالُ فـيـها
لدام وَجــــوده للمـــســـتـــديـــم
بَـنـو عـثـمـان خَـيـر النـاس طراً
وَأَشــرفُهــم عَــلى وَجــه الأَديــم
أَعــزُّ المــالكــيــن بــحــد سَـيـف
وَرَأي غَـــيـــر طـــيّـــاش حَـــليـــم
عـمـاد الديـن وَالدُنـيا أَقاموا
بــمــا أَولوه مــن أَثــرٍ مُــقـيـم
فَـسـل مـتـخـالف الثـقـليـن عَنهم
ســيــذعــن كُــلُّ ذي قَــلب سَــليــم
وَسَــل أَرواحَ مـن راعـوا تـراهـا
تــحــاذر عــودةً نــحــو الجـسـوم
تــجــثُّ نُــفـوسَ أَبـنـاءِ الأَعـادي
بــمـا الآبـاء تـلقـى مـن أَليـم
فَــتــخـشـى أن تـحـل عـيـانَ عـيـنٍ
فَــتــأوي صــلب عِــنّــيــن عَــقـيـم
فَهُــم نــورٌ إلى الرَحــمـن يَهـدي
وَيُـــردي بـــالإِنــارة وَالرجــوم
عــبــيــدُ عـبـيـدِهـم أَحـرارُ قَـومٍ
وَأَهــونُ جــارهــم فَـوق الفَـخـيـم
بــصــولتــهـم تـطـهّـرتِ البَـرايـا
عــن الأَرجـاس وَالزَمـن الذَمـيـم
فَـمـا وَجـه التـراب سِـوى بَـقايا
ســنــابــكــهــم وَشـلوٍ مـن خـديـم
فَـكـم حـفـظـوا لديـن اللَه حـقـاً
وَكــم عــدلوا عَــلى دَهــرٍ ظَــلوم
فَــسَــل دُنــيــاك مــن شَـرق وَغَـرب
عَـن الأَحـكـام وَالمـلك النَـظـيم
يــخــبــرك الأَنــام مــقـالَ صـدقٍ
عــن الآثـار والواعـي الرَقـيـم
فَــإنـهـم الأُلى دكّـوا الرَواسـي
كـمـا جبروا أَخا الركن الحَطيم
وَهم قادوا الأسودَ الشوسَ صَرعى
عَــلى شَــرَسٍ وَصــانــوا كُــلَّ ريــم
وَهـم خـلفـاءُ خَـيـر الخَـلق فينا
تَــولوهــا كَــريــمــاً عَــن كَـريـم
أَمــيــر المــؤمـنـيـن لَئن تَـولّى
بـــآثـــارٍ مــعــطــرة الشَــمــيــم
فَــقَـد كـانَ الزَمـان بِهِ ربـيـعـاً
نَــضـيـرَ الوَجـه ذا ثَـغـر بـسـيـم
وَكــانَ لحـفـظ ديـن اللَه حـصـنـاً
وَســيــفـاً مـانـعـاً دون الخُـصـوم
لَقــد أَبــكـى بـمـصـرعـه عُـيـونـاً
مــدامــعــهــا وتــيـن مـن كـليـم
وَطـال بـنـا عَـلى الدُنـيـا عتابٌ
يــقــصّــرُ عَــنـهُ إدراك الفـهـيـم
وَلَكـــن ســـكّـــنَ الأَلبـــابَ بــدرٌ
تــجــلّى بــعــد ليــل مــن غـمـوم
فــحــيَّى اللَهُ مــرقــدَه بــفــضــلٍ
يـــــــلازمُ روحَه كُـــــــلَّ اللزوم
وَلقّــاه الرضــى وحــبــاه عـفـواً
بــغــيــث مــن مــراحــمـه سـجـيـم
وَلا زالت له الآثـــار تـــتــلو
مــآثــره عَــلى الزَمــن المــلوم
ولا فـتـئت جـنـان الخـلد تـزهَى
بـــطـــلعــتــه ورضــوان مــقــيــم
يــقــول المــلك يـا رضـوان أرخ
مـضـى عـبـد العَزيز إِلى النَعيم

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك