سقاك وحيَّاك الحيا أيُّها القبر

36 أبيات | 302 مشاهدة

سـقـاك وحـيَّاـك الحـيـا أيُّهـا القـبر
وفـاضـت عـلى مـغـنـاك أدمـعـه الغزر
وزارت ثــراك الطــهــر ســحــبٌ وفـيـة
لدى المحل حتَّى يجمع الطهر والطهر
تـجـود بـسـقـيـاهـا عـلى جـدث العـلى
وإن كـانَ فـي أرجـائهِ البـحر والبرّ
إمــام تــقــىً للمـلكِ فـي رأيـه هـدى
وصـــدر عـــلمــاً لله فــي أمــره ســر
فـقـدنـاه مـشـكـور المـسـاعـي مـنزهاً
عـن الوزر إن أودى بـذي تـربـة وزر
فــــــــلهــــــــفــــــــي عــــــــلى آرائه
إليها الرماح السمر والعذب الصفر
ولهـفـي عـلى أقـلامـه السـود أوحشت
إليها السيوف الحمر والنعم الخضر
ســلام عــلى الإنـشـاء بـعـد فـراقـه
ســلام امــرئٍ أمــســى لأدمـعـه نـثـر
عـليـكَ ابـن فـضـل الله شـقت جيوبها
فــضــائل فـي طـيّ البـلاد لهـا نـشـر
رحـــلت فـــألقــى رحــله كــلّ قــاصــدٍ
وقــطــع مـن أسـبـابـه بـعـدك الشـعـر
وكـانـت بـك الأوقـات فجراً ولا دجى
فـأمـسـت دجـى لمـا انـقضيت ولا فجر
وليــس بــقــفــرٍ مــا ســكــنـت وإنَّمـا
أرى كـلّ مـغـنًـى لسـت فـيه هو القفر
مــضــيــتَ غــنــيًّاــ عـن سـواك مـوقـراً
وللديــن والدُّنــيـا إليـك إذاً فـقـر
كــأنــك لم تــنــفـع وليـاً ولم تـضـر
عــدوًّا ولك تــحـمـدك فـي أزمـةٍ سـفـرُ
ولم يـغـزُ ذو الأملاك مغمدة الظُّبا
بــجـيـشٍ مـن الآراء يـقـدمـه النـصـر
ولم تـنـضَ فـي الأعـداء كـتـباً جليةً
سـواء بـهـا صـفّ الكـتـيـبـة والسـطـر
ولم تـخـف أسرار الملوك إذا ارْتمت
إليــك ولم يــفـسـح لمـقـدمـك الصـدر
ولم تـلق أعـبـاء الأمـور ولم يـجـل
يـراعـاً ولم يذعن لك النهيُ والأمر
بـل كـنت تجمي الناس من كيدِ دهرهم
فــكــادك مــوتـورٌ وقـد يـدْرَك الوتـر
جـزيـت عـن الإسـلام خـيـراً فـطـالما
خــبــا شــرَرٌ عــنــه بــعــزمِـك أو شـرّ
أفــاض الدّجــى حــزنــاً لبـاسَ حـداده
عـليـك وحـارتْ فـي مـطـالعـهـا الزّهر
ولم لا وقــد أحــيــيـت ذاك تـهـجّـداً
وكــم كـثـرت هـاتـيـك أوصـافـك الغـرّ
وكــم قــاصــدٍ يــبـكـي عـليـكَ وقـاصـدٍ
فـــهـــذا له بـــشـــرٌ وهــذا له أجــر
فــلا يــبــعــدنــك الله مـن مـتـرحـلٍ
له العـزَّةُ القـعساء والسؤدد الدثر
يـودّ العـدى لو بـلغـوا مـا بـلغـتـه
وكانَ لهم من عمرك العشر لا الشطر
عـزاءً عـليـه اليـوم يـحـيـى بـبـيـته
وصـبـراً صـلاح الدِّيـن قد صلح الصبر
ألا إنَّهـا الأيـام من شأنها الرِّضا
إذا احْتكمت يوماً ومن شأنها الغدر
ومــا النــاس إلاَّ راحــلٌ إثـر راحـلٍ
إذا مـا انْـقـضـى عصرٌ بدا بعدهُ عصر
تـبـدَّت لدى البـيـدا مـطـايا قبورهم
ليــعــلَم أهــلُ العــقــل أنـهـم سـفـرُ
عــجـائب تـعـيـي النَّاـظـريـن وحـكـمـةٌ
مـمـنـعـةٌ قـد زَلَّ مـن دونـهـا الفـكـر
وغـايـة أهـل البـحـث والفـحص قولهم
هـو الرزق يـمـضـي وقـتـه وهو العمر
بــحــقّـك قـلْ لي أيـنَ مـن طـارَ ذكـره
فــأصــبــح فــي كـلِّ البـقـاع له وَكـرُ
وأينَ ابن فضل الله ذو الرتب التي
عـنـت لسـنـاها الشمس أو قصر البدر
مــضــى وبــحــقّ أن يــقــالَ له مــضــى
فـقـد كـانَ عـضباً في الأمور له إثر
سـقـى عـهـده المـشـكور عنا ولا غدا
مــعــانــيـه عـفـوٌ لا بـكـيٌّ ولا نـزْر
وأكـــرم بـــه مـــن صـــائمٍ مــتــخــشِّعٍ
تـولى فـأمـسـى فـي الجـنـان له فـطر

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك