شَيَّعوا الشَمسَ وَمالوا بِضُحاها

94 أبيات | 1875 مشاهدة

شَـيَّعـوا الشَـمـسَ وَمالوا بِضُحاها
وَاِنـحَـنـى الشَـرقُ عَلَيها فَبَكاها
لَيــتَـنـي فـي الرَكـبِ لَمّـا أَفَـلَت
يــوشَــعٌ هَـمَّتـ فَـنـادى فَـثَـنـاهـا
جَــلَّلَ الصُــبــحَ سَــواداً يَــومُهــا
فَـكَـأَنَّ الأَرضَ لَم تَـخـلَع دُجـاهـا
اِنـظُـروا تَـلقَـوا عَـلَيـهـا شَـفَقاً
مِـن جِـراحـاتِ الضَـحـايـا وَدِماها
وَتَــرَوا بَــيــنَ يَــدَيــهــا عَـبـرَةً
مِـن شَهـيـدٍ يَـقـطُـرُ الوَردَ شَذاها
آذَنَ الحَـــقُّ ضَـــحــايــاهــا بِهــا
وَيـحَهُ حَـتّـى إِلى المَـوتى نَعاها
كَـــــفَّنـــــوهــــا حُــــرَّةً عُــــلوِيَّةً
كَــسَــتِ المَــوتَ جَـلالاً وَكَـسـاهـا
مِـصـرُ فـي أَكـفـانِهـا إِلّا الهُدى
لُحــمَــةُ الأَكــفـانِ حَـقٌّ وَسُـداهـا
خَــطَــرَ النَـعـشُ عَـلى الأَرضِ بِهـا
يَحسِرُ الأَبصارَ في النَعشِ سَناها
جــاءَهــا الحَــقُّ وَمِــن عــادَتِهــا
تُـؤثِـرُ الحَـقَّ سَـبـيـلاً وَاِتِّجـاهـا
مــا دَرَت مِــصــرٌ بِــدَفــنٍ صُــبِّحــَت
أَم عَلى البَعثِ أَفاقَت مِن كَراها
صَــرَخَــت تَــحـسَـبُهـا بِـنـتَ الشَـرى
طَـلَبَـت مِـن مِـخـلَبِ المَـوتِ أَباها
وَكَـــأَنَّ النـــاسَ لَمّـــا نَـــسَــلوا
شُـعَـبُ السَـيـلِ طَـغَـت في مُلتَقاها
وَضَـعـوا الراحَ عَـلى النَـعشِ كَما
يَـلمَـسـونَ الرُكـنَ فَاِرتَدَّت نَزاها
خَــفَـضـوا فـي يَـومِ سَـعـدٍ هـامَهُـم
وَبِـسَـعـدٍ رَفَـعـوا أَمـسِ الجِـبـاها
ســائِلوا زَحــلَةً عَــن أَعــراسِهــا
هَـل مَـشى الناعي عَلَيها فَمَحاها
عَــطَّلــَ المُــصــطــافَ مِــن سُـمّـارِهِ
وَجَـلا عَـن ضِـفَّةـِ الوادي دُمـاهـا
فَــتَــحَ الأَبــوابَ لَيــلاً دَيـرُهـا
وَإِلى النـاقـوسِ قـامَـت بيعَتاها
صَــدَعَ البَــرقُ الدُجــى تَــنــشُــرُهُ
أَرضُ ســورِيّــا وَتَـطـويـهِ سَـمـاهـا
يَـحـمِـلُ الأَنـبـاءَ تَـسـري مـوهِناً
كَـعَـوادي الثُـكـلِ فـي حَـرِّ سُراها
عَــرَضَ الشَــكُّ لَهــا فَــاِضــطَــرَبَــت
تَـطَـأُ الآذانَ هَـمـسـاً وَالشِـفاها
قُـلتُ يـا قَـومُ اِجـمَعوا أَحلامَكُم
كُـلُّ نَـفـسٍ فـي وَريـدَيـهـا رَداهـا
يــا عَــدُوَّ القَـيـدِ لَم يَـلمَـح لَهُ
شَــبَــحــاً فــي خُـطَّةـٍ إِلّا أَبـاهـا
لا يَــضِــق ذَرعُـكَ بِـالقَـيـدِ الَّذي
حَــزَّ فـي سـوقِ الأَوالي وَبَـراهـا
وَقَـــعَ الرُســـلُ عَــلَيــهِ وَاِلتَــوَت
أَرجُـلُ الأَحـرارِ فـيـهِ فَـعَـفـاهـا
يـا رُفـاتـاً مِـثـلَ رَيـحانِ الضُحى
كَــلَّلَت عَــدنٌ بِهــا هــامَ رُبـاهـا
وَبَـــقـــايــا هَــيــكَــلٍ مِــن كَــرمٍ
وَحَــيــاةٍ أَتــرَعَ الأَرضَ حَــيـاهـا
وَدَّعَ العَـــــدلُ بِهـــــا أَعــــلامَهُ
وَبَـكَـت أَنـظِـمَـةُ الشـورى صُـواهـا
حَــضَــنَــت نَــعــشَــكَ وَاِلتَــفَّتــ بِهِ
رايَــةٌ كُــنــتَ مِــنَ الذُلِّ فِـداهـا
ضَــمَّتــِ الصَــدرَ الَّذي قَــد ضَـمَّهـا
وَتَـلَقّـى السَهـمَ عَـنـهـا فَـوَقـاها
عَــجَــبــي مِــنــهـا وَمِـن قـائِدِهـا
كَيفَ يَحمي الأَعزَلُ الشَيخُ حِماها
مِـــنـــبَــرُ الوادي ذَوَت أَعــوادُهُ
مِـن أَواسـيـهـا وَجَـفَّتـ مِن ذُراها
مَــن رَمــى الفـارِسَ عَـن صَهـوَتِهـا
وَدَهـا الفُـصـحـى بِما أَلجَمَ فاها
قَـــدَرٌ بِـــالمُــدنِ أَلوى وَالقُــرى
وَدَهـا الأَجـبـالَ مِـنهُ ما دَهاها
غــالَ بَــســطــورا وَأَردى عُــصـبَـةً
لَمَـسَـت جُـرثـومَـةَ المَـوتِ يَـداهـا
طـــافَـــتِ الكَــأسُ بِــســاقــي أُمَّةٍ
مِــن رَحـيـقِ الوَطَـنِـيّـاتِ سَـقـاهـا
عَــــطِــــلَت آذانُهــــا مِـــن وَتَـــرٍ
ســاحِــرٍ رَنَّ مَــلِيّــاً فَــشَــجــاهــا
أَرغُــــنٌ هــــامَ بِهِ وِجــــدانُهــــا
وَأَذانٌ عَـــشِـــقَـــتـــهُ أُذُنـــاهـــا
كُــــلَّ يَــــومٍ خُـــطـــبَـــةٌ روحِـــيَّةٌ
كَــالمَــزامـيـرِ وَأَنـغـامِ لُغـاهـا
دَلَّهَــــت مِــــصـــراً وَلَو أَنَّ بِهـــا
فَـــلَواتٍ دَلَّهَـــت وَحـــشَ فَـــلاهــا
ذائِدُ الحَــــقِّ وَحــــامـــي حَـــوضِهِ
أَنـفَـذَت فـيـهِ المَـقـاديرُ مُناها
أَخَــذَت سَــعــداً مِــنَ البَــيـتِ يَـدٌ
تَـأخُـذُ الآسـادَ مِـن أَصـلِ شَـراها
لَو أَصــابَــت غَــيـرَ ذي روحٍ لَمـا
سَـلِمَـت مِـنـهـا الثُـرَيّـا وَسُهـاها
تَــتَــحَــدّى الطِــبَّ فــي قُــفّـازِهـا
عِـلَّةُ الدَهـرِ الَّتـي أَعـيا دَواها
مِـن وَراءِ الإِذنِ نـالَت ضَـيـغَـمـاً
لَم يَــنَــل أَقــرانَهُ إِلّا وِجـاهـا
لَم تُــصــارِح أَصــرَحَ النـاسِ يَـداً
وَلِســانــاً وَرُقــاداً وَاِنـتِـبـاهـا
هَــــذِهِ الأَعــــوادُ مِــــن آدَمَ لَم
يَهـدَ خُـفّـاهـا وَلَم يَـعـرَ مَـطـاها
نَــقَــلَت خــوفــو وَمــالَت بِــمِـنـا
لَم يَـفُـت حَـيّـاً نَـصـيبٌ مِن خُطاها
تَـخـلِطُ العُـمـرَيـنِ شـيـبـاً وَصِـبـاً
وَالحَــيــاتَــيــنِ شَـقـاءً وَرَفـاهـا
زَورَقٌ فــي الدَمــعِ يَـطـفـو أَبَـداً
عَــرَفَ الضَــفَّةــَ إِلّا مــا تَـلاهـا
تَهـــلَعُ الثَـــكــلى عَــلى آثــارِهِ
فَــإِذا خَــفَّ بِهـا يَـومـاً شَـفـاهـا
تَــســكُـبُ الدَمـعَ عَـلى سَـعـدٍ دَمـاً
أُمَّةــٌ مِــن صَـخـرَةِ الحَـقِّ بَـنـاهـا
مِــن لَيــانٍ هُــوَ فــي يَـنـبـوعِهـا
وَإِبــاءٍ هُــوَ فــي صُــمِّ صَــفــاهــا
لُقِّنـــَ الحَـــقَّ عَـــلَيـــهِ كَهــلُهــا
وَاِسـتَـقى الإيمانُ بِالحَقِّ فَتاها
بَـــذَلَت مـــالاً وَأَمـــنـــاً وَدَمــاً
وَعَــلى قــائِدِهــا أَلقَــت رَجـاهـا
حَـــمَّلـــَتـــهُ ذِمَّةـــً أَوفـــى بِهـــا
وَاِبــتَــلَتــهُ بِــحُـقـوقٍ فَـقَـضـاهـا
اِبــنُ سَــبــعــيــنَ تَــلَقّـى دونَهـا
غُــربَـةَ الأَسـرِ وَوَعـثـاءَ نَـواهـا
سَــــفَــــرٌ مِـــن عَـــدَنِ الأَرضِ إِلى
مَــنــزِلٍ أَقــرَبُ مِــنــهُ قُـطُـبـاهـا
قـــاهِـــرٌ أَلقــى بِهِ فــي صَــخــرَةٍ
دَفَــعَ النَــســرَ إِلَيـهـا فَـأَواهـا
كَـــرِهَـــت مَــنــزِلَهــا فــي تــاجِهِ
دُرَّةٌ فـي البَـحـرِ وَالبَـرِّ نَـفـاها
اِســأَلوهــا وَاِســأَلوا شــائِنَهــا
لِمَ لَم يَــنــفِ مِــنَ الدُرِّ سِـواهـا
وَلَدَ الثَـــــورَةَ سَـــــعــــدٌ حُــــرَّةً
بِــحَــيــاتَــي مـاجِـدٍ حُـرٍّ نَـمـاهـا
مـا تَـمَـنّـى غَـيـرُهـا نَـسـلاً وَمَـن
يَـلِدِ الزَهـراءَ يَـزهَـد في سِواها
ســالَتِ الغــابَــةُ مِـن أَشـبـالِهـا
بَـيـنَ عَـيـنَـيـهِ وَمـاجَـت بِـلَبـاها
بــارَكَ اللَهُ لَهــا فــي فَــرعِهــا
وَقَـضـى الخَـيـرَ لِمِـصـرٍ في جَناها
أَوَ لَم يَــكــتُــب لَهـا دُسـتـورَهـا
بِـالدَمِ الحُـرِّ وَيَـرفَـعُ مُـنـتَداها
قَــد كَــتَـبـنـاهـا فَـكـانَـت صـورَةً
صَــدرُهــا حَــقٌّ وَحَــقٌّ مُــنــتَهـاهـا
رَقَــــــدَ الثـــــائِرُ إِلّا ثَـــــورَةً
فـي سَـبيلِ الحَقِّ لَم تَخمُد جُذاها
قَــد تَــوَلّاهــا صَــبِــيّــاً فَــكَــوَت
راحَــتَــيــهِ وَفَــتِــيّــاً فَــرعـاهـا
جـالَ فـيـهـا قَـلَمـاً مُـسـتَـنـهِـضـاً
وَلِســانــاً كُـلَّمـا أَعـيَـت حَـداهـا
وَرَمــى بِــالنَـفـسِ فـي بُـركـانِهـا
فَــتَــلَقّــى أَوَّلَ النــاسِ لَظــاهــا
أَعَــلِمــتُــم بَـعـدَ مـوسـى مِـن يَـدٍ
قَـذَفَـت فـي وَجـهِ فِـرعَـونَ عَـصـاها
وَطِـــــأَت نـــــادِبَــــةً صــــارِخَــــةً
شـاهَ وَجـهُ الرِقِّ يـا قَـومُ وَشاها
ظَــفِـرَت بِـالكِـبـرِ مِـن مُـسـتَـكـبِـرٍ
ظــافِـرِ الأَيّـامِ مَـنـصـورِ لِواهـا
القَــنــا الصُــمُّ نَــشــاوى حَــولَهُ
وَسُـيـوفُ الهِـنـدِ لَم تَـصـحُ ظُباها
أَيــنَ مِــن عَــيــنَــيَّ نَــفــسٌ حُــرَّةٌ
كُــنـتُ بِـالأَمـسِ بِـعَـيـنَـيَّ أَراهـا
كُــلَّمــا أَقــبَــلتُ هَــزَّت نَــفـسَهـا
وَتَــواصــى بِـشـرُهـا بـي وَنَـداهـا
وَجَــرى المــاضـي فَـمـاذا اِدَّكَـرَت
وَاِدِّكـارُ النَـفـسِ شَـيءٌ مِن وَفاها
أَلمَـــحُ الأَيّـــامَ فــيــهــا وَأَرى
مِـن وَراءِ السِـنِّ تِـمـثـالَ صِـباها
لَســتُ أَدري حــيــنَ تَـنـدى نَـضـرَةً
عَـلَتِ الشَـيـبَ أَمِ الشَـيـبُ عَـلاها
حَــلَّتِ السَــبــعـونَ فـي هَـيـكَـلِهـا
فَــتَـداعـى وَهـيَ مَـوفـورٌ بِـنـاهـا
رَوعَــةُ النــادي إِذا جَــدَّت فَــإِن
مَـزَحَـت لَم يُـذهِـبِ المَـزحُ بَهـاها
يَـظـفَـرُ العُـذرُ بِـأَقـصـى سُـخـطِهـا
وَيَــنــالُ الوُدُّ غــايــاتِ رِضـاهـا
وَلَهـــا صَـــبــرٌ عَــلى حُــسّــادِهــا
يُـشـبِهُ الصَـفـحَ وَحِـلمٌ عَـن عِداها
لَســتُ أَنــســى صَــفــحَــةً ضــاحِـكَـةً
تَـأخُـذُ النَـفـسَ وَتَجري في هَواها
وَحَـــديـــثــاً كَــرِوايــاتِ الهَــوى
جَـــدَّ لِلصَـــبِّ حَــنــيــنٌ فَــرواهــا
وَقَـــنـــاةً صَـــعـــدَةٌ لَو وُهِـــبَـــت
لِلسِـمـاكِ الأَعـزَلِ اِخـتالَ وَتاها
أَيـــنَ مِـــنّـــي قَـــلَمٌ كُــنــتُ إِذا
سُـمـتُهُ أَن يَـرثِـيَ الشَـمـسَ رَثاها
خــانَــنــي فــي يَـومِ سَـعـدٍ وَجَـرى
فـي المَـراثـي فَـكَبا دونَ مَداها
فــي نَــعـيـمِ اللَهِ نَـفـسٌ أوتِـيَـت
أَنـعُـمَ الدُنـيـا فَلَم تَنسَ تُقاها
لا الحِـجـى لَمّـا تَـنـاهـى غَـرَّهـا
بِـالمَـقـاديـرِ وَلا العِلمُ زَهاها
ذَهَــــبَــــت أَوّابَــــةً مُــــؤمِـــنَـــةً
خـالِصـاً مِـن حَـيـرَةِ الشَـكِّ هُداها
آنَــسَــت خَــلقــاً ضَــعــيـفـاً وَرَأَت
مِـن وَراءِ العـالَمِ الفاني إِلَها
مــا دَعــاهـا الحَـقُّ إِلّا سـارَعَـت
لَيــتَهُ يَــومَ وَصــيـفٍ مـا دَعـاهـا

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك