عودي الى ماضيكِ يا بغدادُ

120 أبيات | 863 مشاهدة

عــودي الى مــاضــيـكِ يـا بـغـدادُ
والعـربُ فـيـكِ الصـيـدُ والأسـيادُ
والأرضُ أنـتِ لحـكـمِهـا ولعـلمِهـا
والمـــــاءُ دجـــــلةُ والورى ورّاد
كـل السـيـوفِ عـلى ظـبـاكِ تـكـسّرت
وتــجــاهَ مــجــدكِ زالتِ الأمـجـاد
وكـذا المـلوكُ تـسـاقطت تيجانُهم
لعــمــامــةٍ خــرَّت لهــا الأطــواد
وعــروشُهُــم حـمـلت سـريـرَ خـلافـةٍ
حــفّــت بــه الأمــلاكُ والأجـنـاد
أمـديـنـةَ المـنصورِ يا زوراء يا
بــلدَ السـلامِ سَـلِمـتِ يـا بـغـداد
أنــتِ المـقـدسـةُ التـي لجـلالِهـا
نــحــنــي الرؤوسَ وكــلُّنــا عـبّـاد
النـار قـد خـمـدت ونـامـت أمـتـي
وبــذكــركِ الإيــقــاظُ والإيـقـاد
فـــكـــأنـــهُ البـــوقُ الذي لدويّهِ
تـذرى القـبـورُ وتُـنـشَـرُ الأجساد
وكـأنـه النارُ التي منها الهُدى
للتــــائهــــيــــنَ وكـــلّهـــم رُوَّاد
كـان الرشـيـدُ عـليـكِ يـبـسـطُ ظلَّه
وإلى إشـــارتِه الورى يـــنــقــاد
وعـليـهِ مـن عـزِّ الخـلافـةِ هـيـبةٌ
يــصـفـرُّ مـنـهـا الكـوكـبُ الوقـاد
إن حــجّ ســارَ الشــرقُ طـراً خـلفَهُ
وطــريــقُه الديــبــاجُ والســجّــاد
وإذا غـزا قـادَ الجـحـافلَ ظافراً
والرومُ حـليـةُ جـيـشِهـا الأصـفاد
وزبيدةُ السلطانةُ العظمى التي
كــانــت لديــهــا تَــربُـضُ الآسـاد
بـسـقـت سـمـيـرامـيـسَ ربـةَ نـينوى
والكــونُ تــحــتَ ذيــولهــا مـيّـاد
أمُّ الأمــيــن لهــا صــنـائعُ جـمَّةٌ
حـيـثُ اعـتـرى أهـلَ الصـلاحِ فساد
شَــمــلت مـراحـمُهـا رعـيـتَهـا ولم
تُـرحـم فـطـال عـلى الأمـينِ حداد
حَـسُـنَ المـثـالُ بـهـا لكـلّ مـليكةٍ
عـــربـــيــةٍ جــدُّ لهــا الهــدهــاد
فـيـما مضى الخلفاءُ أو أولادهم
قــادوا الجــيـوشَ وكـلُّهـم أجـلاد
كـم زحـفـةٍ زحـف الرشـيـدُ بـجـيشهِ
حــتــى الخــليـجِ ودونَه الإزبـاد
فـفـدت أريـنـةُ بـالهـدايا نَفسها
وبــلادهــا وسِــلاحــهـا الإرفـاد
لمـــا تـــمــرّدَ نــيــقــفــورُ أذلَّه
ولجـيـشـهِ التـبـديـدُ لا الإبداد
فُـتـحـت هـرقـلةُ والخـرابُ نصيبُها
وهـي التـي اعـتـزَّت بها الأضداد
ولفــتـح عـمـوريّـةِ اضـطـربَ الورى
والنـارُ فـيـهـا المـعـتدون وقاد
بـغـدادُ يـا ثـكلى الخلافةِ رجّعي
نَــوحــاً لهُ تــتــفــتّــت الأكـبـاد
فــلعــلَّ تــرجــيـعَ النـواحِ وراءَه
هُـوجُ الريـاحِ وبَـعـدهـا الإرعـاد
أتــعــود فــيــكِ خــلافــةٌ قـرشـيَّةٌ
كــانــت بـيـاضـاً والشـعـارُ سـواد
أيـن المـدارسُ والمـكـاتـبُ رحـبةً
والعــلم فــيــهــا طــارفُ وتــلاد
أيـن الجـحافلُ والمحافلُ والألى
سـادوا وشـادوا والشـعـوبُ تُـفـاد
دَرسـت مـعـاهـدُكِ الفـخـيمةُ بعدَهم
فــســقــى عــهــودَكِ مـدمـعٌ وعـهـاد
الدرُّ تُـــطـــرحُ بـــعـــدَهُ أصــدافُه
والبـيـضُ تُـكـسـرُ بـعدَها الأغماد
طـمـسَ الزمـانُ قـصـورَهـم وقبورَهم
والمــكـرمـاتُ مـع الكـرامِ تُـبـاد
أيــن الذيـن تـقـلّدوا أسـيـافَهـم
حـتـى شـكـا حـمـلَ الحـسـامِ نِـجـاد
ذهـبـوا وهـذا نـسـلُهـم مـتـقـاطـعٌ
لا نـــجـــدةٌ مــنــه ولا إنــجــاد
إنّ المــدائنَ والحــصـونَ تـهـدّمـت
لبــنــاءِ مــجـدكِ والرمـاحُ عـمـاد
وا حــســرتــاه عــلى زمــانٍ كــلُّهُ
شـــرفٌ وعـــزُّ حــيــثُ تُــلفَــظُ ضــاد
العـربُ بـعـدَ جـهـادِهـم وجـلادِهـم
ألِفـوا الخـمـولَ فـما أفادَ جهاد
أجـدادُهـم هَـرقـوا عـلى مـيراثِهم
أزكــى دمٍ حــيــثُ الحــيـاةُ جـلاد
نــادي أبـا دُلفٍ وقـولي يـا أخـا
عــجــلٍ أغــثـنـي فـالخـطـوبُ شِـداد
قـد كـنتَ تغزو الرومَ خيرَ مجاهدٍ
ويـدوسُ مـنـكَ عـلى الحـصـونِ جواد
أسـوارُ قـسـطـنـطـيـنـية شهدتكَ من
كــثــبٍ ومـلءَ جـفـونِهـا الإسـهـاد
بـالنـفـسِ جـدتَ لكي تصونَ مهابتي
وعــلى جَــلالي بــالنـفـوسِ يُـجـاد
ورمـيـتَ أبـنـاءَ العـلوجِ بـجـحـفلٍ
لانــت لوطــأةِ خــيــلهِ الأصــلاد
ووراءَك العــربــيُّ سـارَ مـجـاهـداً
وأمــامَهُ فــتــحٌ أو اســتِــشــهــاد
بـعـثـوا إليـكَ بـفـديـةٍ أو جـزيةٍ
وكـذا العـدوُّ بـمـا يَـكـيـدُ يُـكاد
كـم بـطـشـةٍ لكَ فـي عـسـاكـرِ قيصرٍ
مــنــهــا هــوى تــاجٌ وطـارَ فـؤاد
فــاذا تــردّدَ ذكــرُهـا فـي مـجـلسٍ
يــتــضـاءلُ البـطـريـقُ والأشـهـاد
هـل لابـن مـزيـدَ في ربوعِك صولةٌ
والمـــجـــدُ تــحــتَ لوائِهِ يــزداد
قــد كــان أبــسـلَ قـائدٍ وحِـسـامُهُ
لســـيـــوفِ قــوّادِ العــدى نــقّــاد
نــالت بــه دارُ الخــلافــةِ عــزّةً
مـــا نـــالهـــا عـــادٌ ولا شــدّاد
وبـسـيـفِ هـرثـمـةِ بن أعينَ فاخري
كـــلّ الســـيــوف فــإنــهُ مــقــداد
مــا اســتــلَّه إِلا لِفَـلقَـةِ فَـيـلقٍ
أو دكّ حـــصـــنٍ فَــتــحُهُ مــيــعــاد
وأبــو ســعــيـدٍ للثـغـورِ وللعـدى
ورمـــاحُهُ فـــي هـــامِهـــم تــنــآد
وجـوادُه العـربـيُّ يَـقـحَـم بَـحـرَهم
ويـــودُّ دوسَ عـــروشِهِــم فــيــكــاد
وبـنـو حـمـيـدٍ قـد حـمـدتِ بلاءَهم
وجــمــيــعُهــم أبـطـالُكِ الأنـجـاد
قَـدحـت سـنـابكُ خيلهم أرضَ الألى
جـحـدوا الهدى ومن الرؤوسِ زناد
فــتــوشـمـت مـنـهـا وعـن آثـارهـا
تــتــســاءلُ الأغــوارُ والأنـجـاد
مـا لي أعـدُّ مـن الرجـالِ أشـدَّهـم
ولذكــرِهــم بــيــن الورى تَــرداد
الأرضُ والتـاريـخُ عـن أخـبـارهـم
وفــتــوحــهـم ضـاقـا فـلا تـعـداد
ذهـبَ الرشـيـدُ وزالَ رشـدُكِ بـعـدَه
فـــاليـــومَ لا رشــدٌ ولا إرشــاد
ذيــالكَ الجــبّــارُ أصــبــحَ نـسـلُهُ
قــزمــاً فــضــيّـع مُـلكَهُ الأحـفـاد
أودى بــنــو العـبـاسِ فـوقَ أسـرَّةٍ
قــتــلى عــليــهـم شُـقَّتـِ الأبـراد
وعــبــيــدُهــم مــتـحـكِّمـونَ بِـدَولةٍ
مــع أهــلِهــا ذهـبَ النـدى والآد
أصــلُ البــلاءِ مــن الذي حــرّاسُهُ
تُــــركٌ ولا عــــهـــدٌ لهـــم ووداد
ضـاقـت بـهـم بـغـدادُ حـتـى مـلّهـا
ســـكـــانُهـــا ولدورِهـــم إيــصــاد
لا كـان مـعـتـصمٌ به انفصمت عرى
مـــلكٍ عـــليـــه للرشـــيــدِ رشــاد
مـن مـصرَعِ المتوكّلِ ارتاعَ الورى
وتـــجـــرأ الغــلمــانُ والأوغــاد
لم تـعـصـمِ الخـلفـاءَ مـنهم عصمةٌ
قــرشــيّــةٌ مــا مَــسّهــا الأنــداد
والحـكـمُ للمـمـلوكِ عـنـدَ خـليـفةٍ
سَــجَــدت له الأمــراء والعــبّــاد
دار الخـلافـةِ هـل لإبـراهيمَ أو
إســحــاقَ صــوتٌ يُــشــتَهـى فـيـعـاد
فـي رَبـعِـكِ الزاهـي غـنـاؤهما لهُ
ذابـــت قـــلوبٌ ثـــم لانَ جـــمــاد
قـد كـانـتِ الأمـلاكُ تأخذُ عنهما
لحــنــاً عــليــهِ تُـنَـطَّقـ الأعـواد
والوحـشُ مـصـغـيـةٌ إلى تـرنـيـمِها
وكـــأنـــمــا أوتــارُهــا أقــيــاد
لو عـمّـر الهـادي بـنـى داريـهما
مــن عَـسـجـدِ فـوقَ اللُّجـيـنِ يُـشـادِ
أيــعـود بـشّـارُ بـنُ بـردٍ مـنـشـداً
فـيـمـيـلُ دجـلةُ أو تـمـيـسُ سـعـاد
وأبـو العـتـاهـيـةِ الذي أشـعارُه
طــربــت لهــا الأمـلاك والزهّـاد
وأبــو نــؤاسٍ ضــافــرٌ أو نــاظــمٌ
والكـأسُ مـنـهـا الوحيُ والإمداد
ولبــسـمـهِ قـصـرُ الخـلافـةِ بـاسـمٌ
ونــصــيــبُه الإكــرامُ والإسـعـاد
والخــمــرُ مــشــرقـةٌ عـليـه وخـلّه
ورفـــيـــقُه الخـــمَّاـــرُ والصَّيــاد
وعــلى ثــمــالة كــأســهِ وغـرامـهِ
تـحـنـو جـنـانٌ والهـوى اسـتـعباد
تــلك القــلوبُ شــريــفـةٌ وشـجـيّـةٌ
كــانــت وفــيــهـا للمـحـاسـنِ زاد
خـمـدت قـلوبُ الأمـسِ بـعـد تـضـرُّمٍ
أمّــا قــلوبُ اليــومِ فــهـي رَمـاد
إن النـفـوسَ تـقـودُهـا مـلكـاتُهـا
والنــفــسُ عــاشـقـةٌ لمـا تـعـتـاد
هـلا تُـعـيـديـنَ الخـلافةَ والعلى
ليـطـيـبَ فـيـكِ النـظـمُ والإنـشاد
وعلى المنابرِ يجلسُ العلماءُ في
مـــلكِ تـــقـــيـــهِ أســـدّةٌ وســـداد
وعلى المحافلِ تطلعُ الخطباءُ أو
بــيــنَ الجـحـافـلِ تـبـررُ القـواد
مـا أعـظـمَ المـأمونَ يَطلعُ غازياً
حـــتـــى يــكــونَ لمــلكــهِ إخــلاد
وأُجــلُّهُ يــوم التــنـاظـرِ جـالسـاً
كــيــمــا يـزول العـيُّ والإفـنـاد
بــغــدادُ أنــتِ مــديــنـةٌ عـربـيّـة
ومــن الأمــومــة يُـحـرمُ الأولاد
الإنــكــليــزُ جــيــوشُهــم جــرارةٌ
وجــنــودُهــم تـغـتـالُ أو تـصـطـاد
بـغـضُ الوجـوهِ البـرشِ فيكِ طبيعةٌ
العــربُ سُــمــرٌ والعــرابُ جــيــاد
إن العـراقَ هـو العـريـقُ عـروبـةً
وإلى عــــروبـــتـــه لهُ إســـنـــاد
مــن عــهـد حـمّـورٍ وعـهـدِ سـمـيـرةٍ
للعـــربِ فـــيـــهِ دقّـــتِ الأوتــاد
والحـيـرةُ البـيـضاءُ تذكرُ عهدَهم
حـيـثُ المـنـاذرةُ الأماجدُ سادوا
وسـمـا بـنـو ماءِ السماءِ بملكِهم
وعــليــهِ كِــســرى حــاســدٌ يـرتـاد
وبــمـصـرعِ النـعـمـانَ عـنـدَ عـدوّه
درسَ الخـورنـقُ والسـديـرُ وبادوا
حــتــى إذا مــا قـومُه ثـأروا له
فــي القـادسـيـةِ والقـتـالُ طِـرادُ
ظـهـرت عـلى الضـفّاتِ بغدادُ التي
فــيــهــا لأفـلاكِ العُـلى مِـرصـاد
لولا الأعـاجـمُ مـا تـداعت دولةٌ
عــربــيـةٌ عَـظـمـت بـهـا الأمـجـاد
مــا حــالُ مــلكٍ خــارجٍ مـن أهـلهِ
يــنـزو عـليـهِ مـن الخـصـومِ لداد
سَــبَـبُ التـأخُّرِ والسّـقـوطِ تـخـاذلٌ
للعــزمِ فــيــهِ والنــشــاط نـفـاد
فـإلى الأجـانـبِ سـلَّموا أحكامَهم
والأجــدَرونَ بــهــا لهــم إبـعـاد
مـا كـانَ أتـعـسَ أمّـةٍ تـشـقـى بهم
فــــيـــؤمَّر الســـجّـــانُ والجـــلّاد
العـودُ لا يـحـيـيـه غـيـرُ لحـائهِ
والمــلكُ عــنـهُ بـالصـمـيـمِ يُـذاد
لا حــقَّ إِلا للأصــيــلِ بــرتــبــةٍ
فـــي دولةٍ دخـــلاؤُهـــا أنـــكــاد
إن المـنـاصبَ في البلادِ لأهلِها
فـــمِـــنَ الأقــاربِ صــادقٌ وجَــواد
وعــلى الأجـانـبِ حُـرِّمـت لوقـايـةٍ
ورعــايــةٍ حــيــثُ الفــلاحُ يُــراد
يا أيها العربُ الأحامسُ حاذروا
شــرَّ الدّخــيــلِ فــدأبُهُ الإفـسـاد
وتــجــرَّدوا للمــكــرمـاتِ وجـرّدوا
دونَ الحــدودِ البـيـضَ وهـي حِـداد
الصَّقـلُ والإرهـافُ مـن تـجـريـدها
وكــهــومُهـا يـأتـي بـهِ الإغـمـاد
لا خـيـرَ فـيـكم والأعاجم بينكم
يــتــحــكّـمـونَ فـتـحـكـمُ الأحـقـادُ
إن تـغـسلوا دونَ القلوبِ تُطَهِّروا
وطــنـاً عـليـهِ مـن العـلوجِ جـرَاد
وتــجــمّــعـوا أُمـنـاء حـولَ مـؤمّـرٍ
لتــهــونَ مــنــكــم طـاعـةٌ وقـيـاد
الشــعــبُ يـعـظـمُ قَـدرُهُ مـن فَـردِه
إنَّ الشــعــوبَ يـسـوسُهـا الأفـراد
والمـلكُ بـالأفرادِ والمجموعُ ما
عــــــزّت وذلّت أمــــــةٌ وبــــــلاد
شــدّوا وشِــيــدوا دولة عــربــيّــةً
يُـرجـى لهـا بـعـد الفـنـاءِ مـعاد
ولحـفـظِ هـيـبـتـهـا يـظـلُّ خـميسُها
شــاكــي السـلاح بـهِ يـحـفُّ عَـتـاد
وعـــليـــهِ قـــوَّادٌ لردّ كـــريــهــةٍ
إعــدادهــم دُهــشــت لهُ الأعــداد
وثـغـورُهـا عـنـدَ الرّبـاطِ كـأنـها
جُـــمـــعٌ مِـــن الأيـــامِ أو آحــاد

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك