قَد كُنتُ أوثِرُ أَن تَقولَ رِثائي

52 أبيات | 1978 مشاهدة

قَــد كُـنـتُ أوثِـرُ أَن تَـقـولَ رِثـائي
يـا مُـنـصِـفَ المَـوتـى مِـنَ الأَحـياءِ
لَكِــن سَــبَــقــتَ وَكُــلُّ طــولِ سَـلامَـةٍ
قَـــدَرٌ وَكُـــلُّ مَـــنِـــيَّةـــٍ بِـــقَــضــاءِ
الحَـقُّ نـادى فَـاِسـتَـجَـبـتَ وَلَم تَـزَل
بِــالحَــقِّ تَــحــفِــلُ عِـنـدَ كُـلِّ نِـداءِ
وَأَتَـيـتَ صَـحـراءَ الإِمـامِ تَـذوبُ مِن
طــولِ الحَــنـيـنِ لِسـاكِـنِ الصَـحـراءِ
فَـلَقـيـتُ فـي الدارِ الإِمامَ مُحَمَّداً
فــي زُمــرَةِ الأَبــرارِ وَالحُــنَـفـاءِ
أَثَـرُ النَـعـيـمِ عَـلى كَـريـمِ جَـبينِهِ
وَمَــراشِــدُ التَــفــسـيـرِ وَالإِفـتـاءِ
فَـشَـكَـوتُـما الشَوقَ القَديمَ وَذُقتُما
طـيـبَ التَـدانـي بَـعـدَ طـولِ تَـنائي
إِن كــانَــتِ الأُلى مَــنــازِلَ فِـرقَـةٍ
فَــالسَــمــحَـةُ الأُخـرى دِيـارُ لِقـاءِ
وَدِدتُ لَو أَنّـــي فِـــداكَ مِــنَ الرَدى
وَالكــاذِبــونَ المُــرجِــفـونَ فِـدائي
النـاطِـقـونَ عَـنِ الضَـغـينَةِ وَالهَوى
المـوغِـرو المَـوتـى عَـلى الأَحـياءِ
مِــن كُــلِّ هَــدّامٍ وَيَــبــنــي مَــجــدَهُ
بِـــكَـــرائِمِ الأَنــقــاضِ وَالأُشَــلاءِ
مــا حَــطَّمــوكَ وَإِنَّمــا بِــكَ حُـطِّمـوا
مَــن ذا يُــحَــطِّمــُ رَفــرَفَ الجَــوزاءِ
أُنـظُـرُهُ فَـأَنـتَ كَـأَمـسِ شَـأنُـكَ باذِخٌ
فـي الشَـرقِ وَاِسـمُـكَ أَرفَعُ الأَسماءِ
بِــالأَمـسِ قَـد حَـلَّيـتَـنـي بِـقَـصـيـدَةٍ
غَــرّاءَ تَــحــفَـظُ كَـاليَـدِ البَـيـضـاءِ
غـيـظَ الحَـسـودُ لَهـا وَقُـمتُ بِشُكرِها
وَكَــمــا عَــلِمــتَ مَــوَدَّتــي وَوَفــائي
فـــي مَـــحـــفَـــلٍ بَــشَّرتُ آمــالي بِهِ
لَمّــا رَفَــعــتَ إِلى السَـمـاءِ لِوائي
يــا مـانِـحَ السـودانِ شَـرخَ شَـبـابِهِ
وَوَلِيَّهــُ فــي السِــلمِ وَالهَــيــجــاءِ
لَمّــا نَــزَلتَ عَــلى خَــمــائِلِهِ ثَــوى
نَــبـعُ البَـيـانِ وَراءَ نَـبـعِ المـاءِ
قَــلَّدتَهُ السَــيــفَ الحُــســامَ وَزُدتَهُ
قَــلَمــاً كَـصَـدرِ الصَـعـدَةِ السَـمـراءِ
قَـلَمٌ جَـرى الحِقَبَ الطِوالَ فَما جَرى
يَــومــاً بِــفــاحِــشَــةٍ وَلا بِهِــجــاءِ
يَــكــسـو بِـمِـدحَـتِهِ الكِـرامَ جَـلالَةً
وَيُــشَــيِّعــُ المَــوتـى بِـحُـسـنِ ثَـنـاءِ
إِســكَــنــدَرِيَّةــُ يــا عَــروسَ المــاءِ
وَخَــمــيــلَةَ الحُــكَـمـاءِ وَالشُـعَـراءِ
نَـشَـأَت بِـشـاطِـئِكَ الفُـنـونُ جَـمـيـلَةً
وَتَــرَعــرَعَــت بِــسَــمــائِكِ الزَهــراءِ
جـاءَتـكِ كَـالطَـيـرِ الكَـريمِ غَرائِباً
فَــجَــمَــعــتِهــا كَـالرَبـوَةِ الغَـنّـاءِ
قَـد جَـمَّلـوكِ فَـصِـرتِ زَنـبَـقَـةَ الثَرى
لِلوافِــــــديـــــنَ وَدُرَّةَ الدَأمـــــاءِ
غَـرَسـوا رُبـاكِ عَـلى خَـمـائِلِ بـابِـلٍ
وَبَـنَـوا قُـصـورَكِ فـي سَـنا الحَمراءِ
وَاِسـتَـحـدَثـوا طُـرقـاً مُنَوَّرَةَ الهُدى
كَـسَـبـيـلِ عـيـسـى فـي فِـجـاجِ الماءِ
فَـخُـذي كَـأَمـسِ مِـنَ الثَـقـافَـةِ زينَةً
وَتَــجَــمَّلــي بِــشَــبــابِـكِ النُـجَـبـاءِ
وَتَــقَــلَّدي لُغَــةَ الكِــتــابِ فَـإِنَّهـا
حَــجَــرُ البِــنــاءِ وَعُــدَّةُ الإِنـشـاءِ
بَــنَــتِ الحَــضــارَةَ مَــرَّتَـيـنِ وَمَهَّدَت
لِلمُــلكِ فــي بَــغــدادَ وَالفَــيـحـاءِ
وَسَــمَــت بِــقُـرطُـبَـةَ وَمِـصـرَ فَـحَـلَّتـا
بَــيــنَ المَــمــالِكِ ذِروَةَ العَـليـاءِ
مــاذا حَـشَـدتِ مِـنَ الدُمـوع لِحـافِـظٍ
وَذَخَــــرتِ مِـــن حُـــزنٍ لَهُ وَبُـــكـــاءِ
وَوَجــدتِ مِـن وَقـعِ البَـلاءِ بِـفَـقـدِهِ
إِنَّ البَــلاءَ مَــصــارِعُ العُــظَــمــاءِ
اللَهُ يَــشــهَــدُ قَــد وَفــيــتِ سَـخِـيَّةً
بِـالدَمـعِ غَـيـرَ بَـخـيـلَةِ الخُـطَـبـاءِ
وَأَخَـذتِ قِـسـطـاً مِـن مَـنـاحَـةِ مـاجِـدٍ
جَـــمِّ المَـــآثِــرِ طَــيِّبــِ الأَنــبــاءِ
هَــتَـفَ الرُواةُ الحـاضِـرونَ بِـشِـعـرِهِ
وَحَــذا بِهِ البـادونَ فـي البَـيـداءِ
لُبـنـانُ يَـبـكـيـهِ وَتَبكي الضادُ مِن
حَــلَبٍ إِلى الفَـيـحـاءِ إِلى صَـنـعـاءِ
عَــرَبُ الوَفـاءِ وَفَـوا بِـذِمَّةـِ شـاعِـرٍ
بــانــي الصُــفــوفِ مُـؤَلَّفِ الأَجـزاءِ
يـا حـافِـظَ الفُـصـحـى وَحارِسَ مَجدِها
وَإِمــامَ مَــن نَــجَـلَت مِـنَ البُـلَغـاءِ
مـا زِلتَ تَهـتِـفُ بِـالقَـديـمِ وَفَـضـلِهِ
حَــتّــى حَــمَــيــتَ أَمـانَـةَ القُـدَمـاءِ
جَـــدَّدتَ أُســـلوبَ الوَليـــدِ وَلَفـــظِهِ
وَأَتَــيــتَ لِلدُنــيــا بِـسِـحـرِ الطـاءِ
وَجَرَيتَ في طَلَبِ الجَديدِ إِلى المَدى
حَـتّـى اِقـتَـرَنـتَ بِـصـاحِـبِ البُـؤَسـاءِ
مـاذا وَراءَ المَـوتِ مِـن سَـلوى وَمِن
دَعَـــةٍ وَمِـــن كَـــرَمٍ وَمِـــن إِغــضــاءِ
اِشـرَح حَـقـائِقَ مـا رَأَيـتَ وَلَم تَـزَل
أَهــلاً لِشَــرحِ حَــقــائِقِ الأَشــيــاءِ
رُتَـبُ الشَـجـاعَـةِ في الرِجالِ جَلائِلٌ
وَأَجَــــلُّهُــــنَّ شَــــجــــاعَــــةُ الآراءِ
كَـم ضِـقـتَ ذَرعـاً بِـالحَـياةِ وَكَيدِها
وَهَــتــفــتَ بِــالشَـكـوى مِـنَ الضَـرّاءِ
فَهَــلُمَّ فــارِق يَــأسَ نَــفـسِـكَ سـاعَـةً
وَاِطــلُع عَـلى الوادي شُـعـاعَ رَجـاءِ
وَأَشِــر إِلى الدُنـيـا بِـوَجـهٍ ضـاحِـكٍ
خُــــلِقَــــت أَسِــــرَّتُهُ مِـــنَ السَـــرّاءِ
يــا طــالَمـا مَـلَأَ النَـدِيَّ بَـشـاشَـةً
وَهَـــدى إِلَيـــكَ حَــوائِجَ الفُــقَــراءِ
اليَــومَ هــادَنــتَ الحَـوادِثَ فَـاِطَّرِح
عِــبـءَ السِـنـيـنِ وَأَلقِ عِـبـءَ الداءِ
خَـلَّفـتَ فـي الدُنـيـا بَـياناً خالِداً
وَتَــرَكــتَ أَجــيــالاً مِــنَ الأَبـنـاءِ
وَغَـداً سَـيَـذكُـرُكَ الزَمـانُ وَلَم يَـزَل
لِلدَهـــرِ إِنـــصـــافٌ وَحُـــســنُ جَــزاءِ

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك