لَئِن قلَّ سَعدُ المرء زادَت مطالبُه

91 أبيات | 445 مشاهدة

لَئِن قــلَّ سَــعـدُ المـرء زادَت مـطـالبُه
وَقَــد خــابَ مــســعـاهُ وَنـاءَت رغـائبـهُ
وَضَــنَّ عــليــهِ الدهــر فــي كـل بـغـيـةٍ
كَــمــا شــطَّ بــالأقــدار عــنـهُ مـآربُه
وَكَم ظلَّ في اللَيل البَهيم على السُرى
يُــحــرّك مــهــمــازاً وتــســري ركــائبُه
وَفـــاجـــأَهُ بَـــلجُ الصـــبــاح تــأَلُّقــاً
بــأرضٍ بــهــا كــان العــشـيُّ يُـصـاحـبُه
وَكَـم بـاتَ يَـرعـى النـجـمَ يرقب طالِعاً
وَقَـد طـاشَ مـنـهُ الطـرف فـيما يُراقبه
يــؤمّــل مــا يــبــغــيـهِ سـهـلاً نـوالهُ
وَيَــلقــاهُ إذ يَــدنـو حـصـونٌ مَـصـاعـبُه
وإن يــتـخـذ حـصـنـاً مـنـيـعـاً تـقـدُّمـاً
وأركـــانـــهُ طــورٌ تــعــالَت جــوانــبُه
مَـع الطَـود يَثنيهِ البعوض إلى الورا
ولا تَــتَــقــي ضــخـم الجـبـال جَـواذبُه
وإن ســار فــي جـيـش مـن الأسـد زائر
بـــكـــل سُـــدوفٍ مـــرهــفــاتٌ مــخــالبُه
خَــمــيـسٌ يـروع الكـون بـطـشـاً ورهـبـةً
تــبــدد جــثــمــان الرواســي مـضـاربُه
وَيــزعــج أركــان الدُفــار ضَــجــيــجــهُ
وتــمــلأُ مَــوهــومـاً ومـيـضـاً عـواضـبُه
فــيــزجــرهُ هَــمــسٌ مـن الدِرص إن بَـدا
ومــن رِزِّهـا رزأٌ عـلا الجـيـش قـاضـبُهُ
يــخــال الوَرى طــرّا تـفـرُّ إلى الوَرا
تـضـيـق بِهِ الدنـيـا وقـومـاً تـراكـبـه
إذا مـا رَقـى مـتـن المـحـابيس معجباً
يـروهُ عـلى الكُـسـعـوم والهـونُ لازبُه
وإن حــاور الأصـعـاد قـد حـار عـقـلهُ
وَحـــارَ بـــغــمٍّ صــادمــتــهُ مــتــاعــبُه
وإن أَبّ تـــيّـــار البـــحـــار لنــهــلةٍ
يــجــدهُ جــمــاداً والعَــجــاجُ يُـلاعـبُه
وإن مــال شـطـر المـال قـد شـحَّ ودقـهُ
عــليــه وللأغــيــار ســحَّتــ ســحــائبُه
وإن رامَ رؤيا البدر في الشَرق بغتةً
تـغـبـهُ عـن التَـشـخـيـص فـوراً مـغاربُه
يــوجــهُ وجــهــاً للســمــاء لكــي يَــرى
رَقـيـعـاً كـمـا الأقـمار تَزهو كواكبُه
يَــرى حَــرَّةً ســحــمــاءَ قــاتــم صـلدهـا
تــحــجِّبــُ أنــوار الرَقــيــع غــيـاهـبُه
وإن بُـــسِـــطــت كــف إليــه بــمــنــيَــةٍ
تـــلقَّفـــهـــا دَهـــرٌ لَئيــمٌ يــغــاصــبُه
يـــعـــاتــب دهــراً عــن عــنــاءِ لعــله
يُــعــامــل بـالإشـفـاق مِـمَّنـ يُـعـاتـبُه
ولا السمع بالصاغي ولا القلب مشفقٌ
ولا الرُحــمُ مــبـذولٌ لمـن هـو طـالبُه
يـــؤّمـــل آراءا سَـــديـــدٌ صـــوابـــهــا
وَتــعــظــم مــن ذاك الصــواب مـصـائبُه
وَيَـرجـو حـبـيـبـاً كـان بـالروح يُفتَدى
يــكـافـيـهِ عـدوانـاً وعـمـداً يـغـاضـبُه
يــعــامــل بــالحـسـنـى وَيـبـدي خـلالةً
وَيــصــنــع مــعــروفــاً لجـار يـطـانـبُه
فَـيَـلقـى شـديـد الضُـرّ والبغض والأَسى
مــن الإنــس ثــم الجــن كــلٌّ يـجـاذبُه
يُــحــدّث فــي نــطــقٍ كــمـا الدرّ لفـظُهُ
شــهــاد مــعــانــيــهِ شــهـودٌ تـنـاسـبُه
لطـلعـتـهِ الحـسـنـاءِ شـمـس الضحى رَنَت
لتــكــســب أنــواراً حَـبـتـهـا ثـواقـبُه
تــخـرُّ عـلى الأذقـان تـبـدي سـجـودهـا
تــوحّــد أقــنــومــاً تَـسـامـت مـنـاقـبُه
فـعـن ذا تـجـيـب النـاس طـرّاً بـعـكـسهِ
وإن كــان ذا قُــربــى أَبَــتـهُ أقـاربُه
وإن مـــرَّ فـــي قـــومٍ وأبـــدى تــحــيَّة
فَــلا يَــرتَــضــي مَـرءٌ بـمـثـلٍ يـجـاوبُه
أذلك فــعــل النــحــس أم جـور مـعـشـرٍ
أَمِ القَـدَرُ المـحتوم في الفرق كاتبُه
لعـمـرك مـا للنـحـس فـي الضُرّ والأَسا
ضــروبٌ عــلى عــمــدٍ لشــهــمٍ تــضــاربُه
ومــا تــلك إلّا عــن فــعــال خــيـانـةٍ
أتــاهــا حَـليـفٌ خـائنُ العـهـد كـاذبُه
خــداعٌ ســرى فــي الكــون عَــمَّ فـسـادهُ
وكــم نــدبــوا نـدبـاً وزالَت مـراتـبُه
يــفــاخــر بــعــضٌ بــالشــرور تــصـلُّفـا
ولم يَـــدرِ أن الشـــرَّ ضـــرٌّ عـــواقــبُه
وكـم حـافـر بـالمكر بئراً بها اِرتَمى
وَفــي قــعــرهــا دارَت عـليـهِ عـواطـبُه
وَكَــم بــاذِلٍ جــهــداً بــنــصــب حـبـائلٍ
يــلاعــب صــوتــاً بـالخـديـعـة ضـاغـبُه
يُــجــاوِبُ مـن رجـع الصَـدا قـولَ مـنـذرٍ
حــذار فــإن الغــدر تُـخـشـى مـنـاصـبُه
فَـمـا الفـخـر إلّا بـالكَـمال ومن يكن
عــلى غــيــرهِ كـان الفـخـار مُـجـانـبُه
ولا الجـد يـجدي المجد من غير وقتهِ
لطــالب دنــيــا إن تَــنــاءَت أطــائبُه
ومـا خـيـر ذي الدنـيـا بـشـيـءٍ وإنما
عَــلى تــرّهـات الكـون مـلقـىً هـبـائبُه
ولا خــيـر فـي شـيـءٍ يـجـيـءُ ولم يَـدُم
فــمـا ذاك إلّا مـجـنـح المـرءِ خـالبُه
لَئِن نـاءَ لا يـحـزن عـلى النأي خاسرٌ
وإن جـاءَ لا يـفرح لدى الوفد كاسبُه
وَكَــم يــدعــي بــالفــضــل مــرءٌ تـحـفُّهُ
ســخــافــة فــكــر عــن صــراطٍ تــواربُه
وكـم نـال أوطـاراً عـلى الجـهـل شاربٌ
قَـعـيـدٌ عـن المسعى أَخو الزيغ شاربُه
يُــرَقّــى سَــبــوحــاً كــل بــرٍّ فــســيـحـهُ
لديـهِ بـلحـظ العـيـن تُـطـوى سـبـاسـبُه
تــســاعــده الأقــدار والطــيــش دأبُهُ
وفـي البـعـل والإبـحار تسري مراكبُه
لئن فـاه تـجـديـفاً ترى السمع صاغياً
كــســامـع تـسـبـيـح ومـا مـن يُـحـاسـبُه
وكـم فـاضـلٍ يَـبـغـي أماناً ولا المُنى
تـوافـيـهِ بـل يَـلقـى المنايا تواثبُه
أَيـا فـضـلُ يـا آدابُ يـا حـزمُ يا نهى
هــلمــوا إلى كَــيـسـانِ عـصـرٍ نُـحـاربُه
أَذي شــيــمــةُ الآتــي بــجــهــلٍ مــركَّبٍ
يــجـاهـر بـالعـرفـان والجـهـل راكـبُه
يخال الذكا بالمَين والنمِّ في الوَرى
لعــمــري أَغـيـر السـوءِ ضـمَّتـ تـرائبُه
يَــريـك قَـذىً فـي عـيـن غـيـرٍ ولن يَـرى
جــســوراً بــعــيــنـيـهِ فَـعَـمَّتـ شـوائبُه
وَيَــرمــي ســهــامـاً عـن قـسـيّ نـمـيـمـة
وَفــي رائدات المــكــر دَبَّتــ عـقـاربُه
يــظــن إذا أبــدى مــديــحــاً بــجـاهـلٍ
يَــســود وَللجــوزاء تَــسـمـو مـنـاصـبـه
وإن جـاءَ فـي ذمٍ لذي الفـضـل والحجى
فَــيــصــبـح ذا عـيـبٍ وتـطـفـو مـعـائبُه
لا يــعــلم المــغــبــون عـوداً لذاتـهِ
وإن اللئيــم النــاقــع السـمّ شـاربُه
يــخــادع نــفــسـا إذ تـعـامـى غـوايـةً
يــخــال صـواب الرأي مـا ليـس صـائبُه
وَيــســلبُ حــقّــاً عــن طــمــوح شــراهــةٍ
أَيُـــتـــرَك مَــســلوبٌ لمــن هــو ســالبُه
يــغــايــر أَمــر اللَه عــمــداً وَيَـدَّعـي
بِــتَــوفــيــق رزّاقٍ بــمــا هــو نـاهـبُه
هَـل اللَه يَـحـبـو الخـائنـيـن رغـائباً
وَتُــمــنَــع عــن آل الصــلاح مــقـاثـبُه
تَـعـامـى عـن الحـقّ اليَـقـيـن وَبات في
ضــلالٍ مــبـيـنٍ حـاضـر العـقـل غـائبـه
لعــلَّ العــليَّ العــالم السـرّ لن يَـرى
وَيـــغـــفــلهُ هــذر الكــلام وخــاطــبُه
أَيَـــجـــهــل عــلّام الغــيــوب ســرائراً
وَهَـل تـسـتـر الدَنـيـوبَ يـومـاً مجانبُه
فَــحــاشــا ومـن يَـسـري بـنـهـج غـبـاوةٍ
فــمــا هــو إلانــاقــص العـقـل رائبُه
ولكــن بــأَمــر اللَه فــالمـرءُ مُـعـتَـقٌ
وَيَــفـعـل مـا يَـبـغـي وتـهـوى ضـرائبـه
فــإن جــاءَ فــي خــيــرٍ فـخـيـرٌ ثـوابُهُ
وَبــالشــرّ يُــجــزيــهِ بــشــرّ مــعـاقـبُه
وَمــا خــصُّ بـالعـرفـان تـحـصـيـل سـؤددٍ
ولا الجـهـل بـالحـرمـان خُـصَّت وجائبُه
ظــروفٌ عــلى ســعـي المـريـد تـصـادفـت
فــأبــلغــهُ أســمـى المـقـام مـثـاقـبُه
فــكــم مــن ضــعـيـفٍ نـال عـزّاً ورفـعـةً
وكــم بـاسـل بـالقـهـر لاحـت مَـعـازِبُه
وكـم مـن نَـبـيٍّ جـاء بـالوحـي نـاطـقـاً
وعــن مــقــبــل أبــدت رمـوزاً غـرائبُه
وكــم مــن رَســولٍ جـاءَ بـالحـق كـارزاً
أَبــان صــراطــاً للنــعــيــم مــذاهــبُه
وأوضـــح آيـــاتٍ عــن الديــن أســفــرت
وفــي مــعــجـزات اللَه ضـاءَت عـجـائبُه
فــجــوزيَ قــتــلاً ثــم بــعــضٌ بــصـلبـهِ
أَعَــن أمــر ذات اللَه جــازاهُ صــالبُه
وَكَــم مُــتَّقــٍ بــالديــن كـان مـجـاهـراً
ومــات شــهــيــداً ضــمـن نـارٍ تـلاهـبُه
فــهــل عــدل حـقّ الحـقّ جـازي حـبـيـبَهُ
بــنــارٍ وللعــاصــيـن تُـعـطـى مـواهـبُه
فَــمــا اللَهُ ظــلام العَــبـيـد وإنـمـا
لكــل امــرءٍ ســعــيٌ وفــيــهِ مــكـاسـبُه
وَكَــم فــاز بــالدنـيـا عـتـيٌّ هُـنَـيـهَـةً
وقــد سُــرَّ فــيـهـا مـنـهُ قَـلبٌ وقـالبُه
وَيَـنـفـي وجـود اللَه والكـلّ أجـمـعـوا
عــلى أَنَّهــ مــبــدي الوجــود وواجــبُه
ولم يــعــبــإِ الجــبّــارُ فـي ذاك كـلهِ
أَلَم يــسـطـع القـهّـار عـدلاً يـعـاقـبُه
فــطــول أنــات اللَهِ مــكــرٌ بــعــبــدهِ
وآمِــنُ مــكــر اللَه فــالجــهـل غـالبُه
ومــا اللَه فــي رزق العــبــاد مُـكـلَّفٌ
ولا مــانِــعٌ خــيــراً ولا هــو راهــبُه
ولكـنَّ خـيـر اللَه كـالبـحـر في الوَرى
فــيــغــصــبُهُ عــاصٍ ويــجــنــيـهِ راهـبُه
وإن يــجــنــح البـاغـي لقـولٍ تـسـتـراً
ويـــعـــزى لمــقــدور بــدور يُــنــاوِبُه
وكــم يــتَّعـظ نـصـحـاً وَيَـخـشـى غـوائلا
وصــــــرف زمــــــانٍ دائراتٌ نــــــوائبُه
فــدعــهُ عــلى غــيِّ الطــغــام بـخـبـثـهِ
لتــوقــظ أجــفــان الشــرور مــشـاغـبُه
وكــل امــرءٍ يَــلقــى نــتــائج فــعــلهِ
وإن بَــعُــدَت يــومــاً فــســوف تُـقـارِبُه
فَــلا حــالةٌ تَـبـقـى ولا المَـرءُ دائمٌ
ولا السـعـد موروثٌ ولا النحس غاصبُه
وكــل خــفــيٍّ ســوف يــظــهــر مــعــلنــاً
وكـــل فـــســادٍ ســوف يــنــدم صــاحــبُه

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك