لَستُ أَنسى زَمناً قَد سَلفا

100 أبيات | 327 مشاهدة

لَســتُ أَنــســى زَمــنــاً قَــد سَــلفــا
فــيــكِ يـا مـكّـة بـالعـيـشِ الهـنـي
إِذ مــنَ المَــروةِ أَســعــى للصــفــا
وَبـــذاتِ الخـــالِ وَجـــدي عـــمّــنــي
حــيــنَ أَغــدو طــائِفـاً مـن حـولِهـا
أَتَهــــادى مــــثــــلَ صــــبٍّ ثــــمــــلِ
أَبـــتَـــغــي عــارِفــةً مــن نــولِهــا
وهـــيَ تَـــرعـــانـــيَ تــحــتَ الحــللِ
وَمَــتــى تــمّــت مَــســاعــي طَــولهــا
بَـــلَّغـــتــنــي مِــن رِضــاهــا أمَــلي
أَدخَـــلَتـــنــي فــي مــقــامٍ شَــرُفــا
كـــلُّ مَـــن يَـــدخـــلهُ فـــي مـــأمــنِ
واصَـــلتـــنــي ولَكــم قــبــلُ هــفــا
نَــحــوَهــا قَــلبــي وزادَت شَــجــنــي
أَجــلَسَــتــنــي كَــرمــاً فـي حـجـرهـا
بـعـدَ تَـقـبـيـلِ فَـمـي مِنها اليمني
وَلَقـــد مـــنّـــت بِـــأوفـــى بـــرّهــا
إِذ دَعَـتـنـي أدخـلُ البـيـتَ الأمين
فَــلِســانــي عــاجــزٌ عــن شُــكــرهــا
وَإِليــهــا لم يــزل مــنّــي حَــنـيـن
قــرّبــتــنــي بـعـدَمـا طـالَ الجـفـا
وَبَــــدَت تَـــزهـــو بـــوجـــهٍ حـــســـنِ
فَــمَــضــى هــمّـي وَصـافـانـي الصـفـا
وَأَتــــى أُنــــســــي وولّى حَــــزَنــــي
أَشـــربُ الخـــمـــرةَ شـــربَ النــهــمِ
دونَ إِثـــمٍ غـــيــرَ ســكــران مــلوم
إنّــــمــــا أَعـــنـــي سُـــلافَ زمـــزم
صـانَهـا الرحـمـنُ لا بـنـت الكروم
فَـــأَرانـــي كــالمــليــكِ الأعــظــمِ
مِــن سُـروري وتُـجـافـيـنـي الهـمـوم
قَـــد أَزالَت وهـــيَ طـــعـــمٌ وشــفــا
سَـــقَـــمـــي عـــنّــي وَزادت سِــمَــنــي
مَــن رَمـى الدُنـيـا وَمِـنـهـا رشـفـا
مـــرّةً فـــي عـــمـــرهِ لم يُـــغـــبَــنِ
وَالمُــنــى تــمّـت لدَيـنـا فـي مِـنـى
حـيـنَ نَـرمـي مِـن هَـوانـا الجـمَرات
وَاِجـــتَـــمــعــنــا بِــســرورٍ وهــنــا
عــنــدَ جــمــعٍ وعــرَفــنــا عــرَفــات
ذاكَ يَــومٌ كــلّ مــا الدهــرُ جــنــى
قَــد مَــحـاه بـالأيـادي الطـائلات
غَـــيـــرَ أنّــي لَم أزَل مُــلتــهــفــا
لِنـــوى مَـــن حـــبُّهـــا تـــيّـــمــنــي
حــيِّ يــا بــرقُ أثــيـلاتِ العـقـيـق
وَرُبــوعـاً فـي النَـقـا وَالمُـنـحـنـى
وَاِســق سَــلعــاً وَقُـبـاً خـيـرَ رحـيـق
مِـن سُـلافِ الغـيـثِ مـوصـول الهـنـا
آهِ مَــن لي ثــمَّ ســكــرٌ لا أفــيــق
مــنـهُ بـالعـذراءِ لا يُـبـقـي عـنـا
فَــمَــتــى فــيــهـا أَرى لي مَـوقـفـا
تـــنـــعـــمُ العـــيــن بــه كــالأذنِ
وَمَـــتـــى أُمـــنـــحُ فــيــهــا زلفــا
وأَراهـــــا دونَ أَرضـــــي وطــــنــــي
هــيَ واللَّه مُــنــى قـلبـي الحـزيـن
إِن تـكُـن تـقـربُ أَو تَـنـأى الديار
يـا تُـرى أَحـظـى ولَو مِـن بـعد حين
بــحِــمــاهــا وأَرى فـيـهـا القَـرار
ثـاوِيـاً ثـمّـة فـي الحـرزِ الأمـيـن
فــي جــوارِ المُـصـطـفـى أكـرمِ جـار
خــيــرة الأخــيـارِ أَوفـى مَـن وفـى
الكــريــم ابــن الكـرام المـحـسـنِ
كـــلُّ خَـــلقٍ مِــن نــداهُ اِغــتَــرفــا
وَهــوَ بــاللَّه وهــم خــيـر الجـدود
وَجــمـيـعُ الرسـلِ عـيـسـى والكـليـم
وَسِـــواهـــم وَمَــشــاهــيــرُ الوجــود
فـازَ مـنـهُ الكـلُّ بـالحـظِّ العـظـيم
وَحَـــبـــاهـــم كـــلّ فــضــلٍ وســعــود
وَبـــهِ جـــبـــريـــلُ نــالَ الشــرَفــا
إِذ سـرَى نـحـوَ العـلا لا يـنـثـنـي
وَبِــخــفــضِ القــدرِ عــنـهُ اِعـتـرفـا
حــيــنَــمــا قــالَ لهُ لا تــنــسَـنـي
شـــاهـــدَ اللَّهَ بــلا كــيــفٍ وأيــن
بِــقــوىً أعـطـى له المـولى العـلي
قَــــد رآهُ بــــفــــؤادٍ وبــــعـــيـــن
مِـــنـــحـــةٌ خُـــصَّ بــهــا فــي الأزلِ
قِــس بــهِ صــعـقـةَ مـوسـى دونَ مـيـن
للتــــجــــلّي حـــيـــنَ دَكِّ الجـــبـــلِ
تــجــدِ المُــخــتــارَ مــنــه أشـرفـا
وَأحـــــبَّ الخـــــلق للَّه الغــــنــــي
لَو حَـــبـــاهــم مِــن عُــلاه طــرَفــا
أغـــرقَ الكـــلّ بـــبـــحــر المــنــنِ
نالَ قدراً مِن رضى المولى الكريم
جُــزء جـزءٍ مـنـه مـا نـال الكـرام
وَسُــقــي بَــحـراً مـن اللَّه العـليـم
لَو سُـقـي القـطـرةَ منهُ الكونُ هام
ثـمَّ فـي الليلِ اِنثَنى نحوَ الحطيم
فَــأتــاهُ قــبــلَ إســفــارِ الظــلام
بِــعــروجِ العــرشِ فــاقَ المُـصـطـفـى
كـــلّ عـــبـــدٍ كـــانَ لو لم يـــكـــنِ
عَــــرفَ الحــــقَّ لهُ مَــــن عــــرَفــــا
وَسِــــواهــــم فــــي ضــــلالٍ بـــيّـــنِ
إنّــمــا ذلكَ مِــن فــعــلِ القــديــر
مَـــن بـــرا كـــلّ الورى عـــزّ وجــل
يَــســتــوي كــلُّ صــغــيــرٍ وكــبــيــر
عــنــدهُ فـي الخـلقِ مـا شـاءَ فـعَـل
فَـلديـهِ العـرشُ كـالنـمـلِ الصـغـير
عِـــنـــدَنــا وَالأمــرُ أعــلى وأجــل
وَهــوَ مِــن كــلِّ البــريّـاتِ اِصـطَـفـى
عـــبـــدَهُ الهــادي لأَســنــى ســنــنِ
أحــمــدَ المُــخـتـار طـهَ ذا الوفـا
خـــيـــرَ مَـــبـــعـــوثٍ له مـــؤتــمــنِ
مـا لهُ بـيـنَ البَـرايـا مِـن مـثـيل
كــلُّهـم لَولاه مـا نـالوا الوجـود
وَلِمــا أَعـطـاهـمُ المَـولى الجـليـل
قــســمــةٌ مــنـهُ عـلى قـدرِ الجـدود
شــرَّفَ الأشــرافَ جـيـلاً بـعـد جـيـل
وَبــهِ الأعــقــابُ تـسـمـو والجـدود
خَـــصَّهـــُ اللَّه بـــمـــا قــد لطــفــا
عـــلمـــهُ عَـــن دركِ أهـــل الفــطــنِ
كـــلُّ مَـــن نــظّــم أَو قَــد صــنّــفــا
لَم يـــفُـــز مـــنـــه بـــســـرٍّ صــيّــنِ
لَيــسَ يَــدري كــنــهــهُ غـيـر الإله
واِســتــوى فــي جــهــلهِ كــلّ الورى
وَعَـــلت فـــوقَ عُــلا الخــلقِ عــلاه
شَـــرَفـــاً أيــنَ الثــريّــا والثــرى
زانَـــتِ الكـــونَ وأهـــليـــهِ حُــلاه
وَبِــــكــــلّ نــــورهُ الســـاري ســـرى
جـــاءَ وَالكـــونُ مـــريـــضٌ فَــشــفــى
بِهُــــداه كــــلَّ عــــبــــدٍ مــــؤمــــنِ
وَلقَــــد أســـمـــعَ لمّـــا هـــتَـــفـــا
مَــن مَـضـى أَو مَـن أتـى فـي الزمـنِ
كَــم لهُ مِــن مُــعــجــزاتٍ بــاهــرات
مـا لَهـا بـيـنَ البـرايـا من نظير
دامَ مِـنـهـا حـكـمـهُ بـعـد المـمـات
وإِلى الحـشـرِ الكـتـابُ المُـسـتنير
كــــلُّه آيــــات حــــقٍّ بــــيّــــنــــات
دلّتِ النــاسَ عــلى صــدقِ البــشـيـر
أَعـــجَـــزَتــهــم سَــلفــاً والخــلفــا
فـــاِســـتَــوى الفــدمُ وأذكــى لســنِ
وَهَـــدَتـــهــم غــيــرَ قــلبٍ أغــلفــا
وَالعَـمـى في القلب لا في الأعينِ
بـــحـــرُ عــلمٍ مــا لهُ مــن ســاحــل
جــاءَ تَــفــسـيـراً له قـول الرسـول
وَأَتـــى عـــن كـــلّ حـــبـــرٍ فـــاضــل
لَهُــمــا شــرحٌ مــن العــلمِ يَــطــول
رُبَّ مـــجـــنـــونٍ بـــدعـــوى عـــاقــل
لا يَــرى فــضــلَ الأئمّــةِ الفـحـول
دَعــهُ لا تــحــفَـل بـهِ مَهـمـا جـفـا
وَغـــدا فـــي القــولِ أذكــى فــطــنِ
كــانَ هــاديــنــا عَــليـنـا أخـوفـا
مِـــن سَـــفــيــهٍ حــاز عــلم اللسَــنِ
فَــعَــليــه اللَّه صــلّى مــن شــفـيـق
حـــذّر الأمّـــةَ أســـبـــابَ الضــلال
لَم يَـدع فـي الدينِ وَالدُنيا طريق
لهُــدانــا مــا له فــيــهــا مـقـال
أيُّهـا المـفـتـونُ كَـم لا تـسـتـفيق
وَتَــرى مــا أنــتَ فــيــهِ مِـن وبـال
اِتّــبــع واِســلُك ســبــيـلَ الحُـنَـفـا
مَــن سَــعـى فـي نَهـجـهـم لم يـفـتـنِ
هُــم بِــقــولِ اللَّه كـانـوا أعـرَفـا
مِــن سِــواهــم وَمــعــانــي الســنــنِ
خـــلِّ هـــذا فــبــهِ القــولُ فــضــول
عـنـدَ مَـن سُـقـتُ لهـم هـذا الكـلام
لَم تــؤثِّر فــيــهــمُ بـيـضُ النـقـول
أَتُـــرى يَـــردَعُهــم مــنّــي المــلام
خَــلِّهــم واِرجِــع إِلى مـدحِ الرَسـول
صَــفــوةِ الرَحــمـنِ مـن كـلِّ الأنـام
دُم عَــلى المــدحِ لهُ مُــعــتَــكــفــا
وَاِتّــــخــــذه لكَ أَقــــوى جــــوشــــنِ
وَتَـــقـــلّدهُ حُـــســـامـــاً مُـــرهــفــا
قـــاطِـــعــاً أَعــنــاقَ كــلِّ المــحــنِ
هــوَ سُــلطــانُ النــبـيّـيـنَ الكـرام
وَعَـــليـــهــم أخــذَ اللَّه العــهــود
فَهـــمُ نـــوّابـــهُ بـــيـــنَ الأنـــام
نُــشِــرت فــيـهِـم لعـليـاه البـنـود
إنَّمــا الدهــرُ لهُ مــثــل الغــلام
كَــم له عــبــدٌ عـلى النـاس يـسـود
هَـــكـــذا اللَّه بـــهِ قَـــد شـــرَّفـــا
خَــــلقــــهُ مَــــن دانَ أو لم يــــدنِ
وَعَــــفــــا عـــن آدمٍ لمّـــا هـــفـــا
وَسِــواه مِــن ذوي القــدرِ الســنــي
وَبــيــومِ الحـشـرِ تـرضـاه العـبـاد
شـافِـعـاً إِذ يُـحـجـمُ الرسلُ الكرام
رَبُّهــ يُــعــطــيــه فــيــهِ مــا أراد
فَـيَـرى التـفـريـجَ عَـن كـلِّ الأنـام
ثــمَّ فــي الأمَّةــِ يُـرضـيـه الجَـواد
وَيــنــالُ الخــلدُ فـي أعـلى مـقـام
سَــوفَ يُــعــطــيــهِ عـلاً لن تـوصـفـا
تــعــجــزُ الأفــكـارَ عـجـزَ الألسـنِ
يَــســكــنُ الفِــردوسَ يُــعـطـى غُـرفـا
تـــحـــتَهــا للرســلِ أعــلى مــوطــنِ
ســيِّدي يـا أيُّهـا المـولى المـلاذ
يــا حــبـيـبَ اللَّه يـا خـيـر رسـول
كــلُّ جـاهٍ فـي البَـرايـا ذي نـفـاذ
فَــعــليــهِ جــاهــكَ الضـافـي يـطـول
لَيــسَ لي غـيـركَ فـي الخـلقِ مـعـاذ
وَلِحـــالي ســـيّـــدي شَـــرحٌ يَـــطـــول
أَدرك اِدركــنــي فـصَـبـري قـد عـفـا
وَغَـــدا ربـــعُ الصَـــفـــا كــالدمــنِ
عَــبــدُكَ الدهــرُ بــحــقّــي أجــحـفـا
وَنَــــفــــى عـــنِّيـــ لذيـــذ الوســـنِ
وَلَكـــم مِـــن حـــاجـــةٍ فـــي خـــلدي
أَنـتَ تَـدريـهـا ومـا عـنـكَ اِسـتِتار
أَنــا فــي الداريــنِ أَبــغـي رَشَـدي
مـنـكَ في الدُنيا وفي دارِ القرار
لا تُــخَــصّــصــنــي بــخــيــرٍ ســيّــدي
عُـمَّ أَهـلي واِحـبُـنـا مـنـكَ الجـوار
وَأَبِــحــنــا مِــن حِــمــاكُــم كَــنَـفـا
واقِـــيـــاً مِـــن شـــرِّ كــلِّ الفــتــنِ
حَـــســـبُـــنـــا اللَّه إِلهــاً وكــفــى
بِــــكَ لِلمَــــحـــســـوب أَقـــوى ركـــنِ

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك