ما كان يومُك يا أبا إسحاقِ

55 أبيات | 209 مشاهدة

مــا كــان يــومُــك يـا أبـا إسـحـاقِ
إلّا وداعــــي للمُـــنـــى وفـــراقـــي
وأشـدّ مـا كـان الفـراقُ على الفتى
مــا كــان مــوصــولاً بــغــيـر تـلاقِ
ولقــد أتــانــي مــن مـصـابـك طـارقٌ
لكـــــنّه مـــــا كــــان كــــالطــــرّاقِ
فـالنّـارُ يـوقـدها الأسى في أضلُعِي
لا للصِّلـــى والمـــاءُ مــن آمــاقــي
مـا كـان للعـيـنـيـن قـبـلك بالبكا
عــهــدٌ ولا الجــنــبـيـن بـالإقـلاقِ
وأطَـقْـتُ حـمـلَ النّـائبـاتِ ولم يـكـنْ
ثِــقْــلٌ بــرُزئِك بــيــنــنــا بــمـطـاقِ
لولا حِــمـامُـك مـا اِهـتَـدى هـمٌّ إلى
قـــلبـــي ولا نـــارٌ إلى إحـــراقــي
وسُــلبـتُ مـنـك أجـلَّ شـطْـرَيْ عـيـشـتـي
وفُــجــعــتُ مــنــك بـأنـفـسِ الأعـلاقِ
وقَـذِيـتُ فـي قـلبـي بـفـقـدك والقذى
فـي القـلبِ يُـنـسـيـنـا قَـذاةَ الماقِ
لمّــا رأيــتُــك فــوق صــهــوةِ شَـرْجَـعٍ
بــيــد المــنــايــا أظـلمـتْ آفـاقـي
وكــأنّــنِــي مـن بـعـد ثُـكـلك ذو يـدٍ
جـــــذّاءَ أو غـــــصــــنٌ بــــلا أوراقِ
أو راكــبٌ فــي القــفـر دَفَّيـْ جَـسْـرَةٍ
غَــــرْثــــي بـــلا شَـــثٍّ ولا طُـــبّـــاقِ
إنّــي عــليــك لمــا ذهــبــتَ لمـوجَـعٌ
وإليـــك لمّـــا غـــبـــتَ بــالأشــواقِ
يــا نــافــعــي والجــلدُ مـنّـي ضـيّـقٌ
بـــرزِيَّتـــِي أَلّا يَــضــيــقَ نــطــاقــي
كــم مــن ليــالٍ لي قــصــارٍ بــعــده
طُــــوِّلْنَ بـــالإيـــجـــاِع والإيـــراقِ
ولو اِفتُديتَ فداك بادرةَ الرّدى الْ
أقـــوامُ بـــالمــهــجــاتِ والأحــداقِ
وَبــكــلّ مــمــتــلئِ الضّــلوِع بـسـالةً
هــــادٍ إِلى طُـــرُقِ الهـــدى ســـبّـــاقِ
تــهـمـي دمـاً مـن كـفّه سـحـبُ الوغـي
مــــن غـــيـــر إرعـــادٍ ولا إِبـــراقِ
وتـراه يـهـوي فـي التّراب إلى ظُباً
مـــســـلولةٍ وإلى ظـــهـــورِ عِـــتـــاقِ
وإلى سِـــنـــانٍ فــوق هــامــةِ ذابــلٍ
هــــتّــــاكِ كــــلِّ تـــريـــبـــةٍ خـــرّاقِ
أيـن الرّجـالُ المـالكـو رِبَقِ الورى
والمُــــرْتـــقـــون إلى أعـــزِّ مـــراقِ
والطّــاردون بــجــودهــم وعــطـائهـم
فــي المُــمــلقـيـن عـوادِيَ الإمـلاقِ
ولهـــمْ أكـــفٌّ مـــا تـــولّتْ وحــدَهــا
فــي النّــاسِ إِلّا قِــســمــةَ الأرزاقِ
وإذا هُـمُ لبـسـوا المـحاسِنَ أهْوَنوا
بـــمـــلابــسِ التِّيــجــانِ والأطــواقِ
سـيـقـوا إلى حُـفَـرِ القَـواءِ كـأنّهـمْ
ذَوْدٌ تــــــصــــــرّفُه يــــــدا ســــــوّاقِ
وتـطـارحـوا فـي قـعـر مظلمةِ الهُوى
مــحــجــوبــةِ الإصــبــاح والإشــراقِ
واِسـتُـنـزِلوا عـن كـلّ شـاهقةِ البِنا
مــن حــيــث لا تــرقــى أخـامـصُ راقِ
فــهُــمُ وقــد كـان الفـضـاءَ مـحـلُّهـم
مــا بــيــن أطــبــاقٍ وفــي أعــمــاقِ
مـا ذا الغـرورُ مـن الزّمـان بكاذبٍ
نَــغْــلِ المــودّةِ فــي الهــوى مــلّاقِ
فــي كُــلِّ يَــومٍ يـنـثـنِـي عـنـه الّذي
يــرجــوه مــمــلوءاً مــن الإخــفــاقِ
وإذا مــددتُ إلى الزّمــانِ أنـامِـلي
وشــددتُ فــي أسْــرِ الطّـمـاع وَثـاقـي
فـــالأمـــرُ مــوكــولٌ إلى مــتــجــرّمٍ
والعــــظــــمُ مــــرمــــيٌّ إلى عــــرّاقِ
مــا إنْ وَنَـتْ سـكـنـاتُ قـلبـك بـرهـةً
فــيــه بــســاعــة جــأْشــك الخــفّــاقِ
ومــن البــليّــةِ أنّــنـا كَـلِفـون مِـنْ
هــذي الحــيــاةِ بِــمــنْــكَــحٍ مِـطْـلاقِ
فــي كــلّ يــومٍ نــرتــوي مــن شـرّهـا
مـــائيـــن مــن حَــذَرٍ ومــن إشــفــاقِ
وأنـا الأسـيـرُ لهـا فمن هذا الّذي
يــســعــى إلى الأيّـام فـي إطـلاقـي
إِنْ لم تـكـن مـن عـنصري فَلأَنْتَ بال
آداب مــــن أهــــلي وبــــالأخــــلاقِ
ومـــودّةٌ بـــيــن الرّجــالِ تــضــمُّهــمْ
وتـــلفُّهـــمْ خـــيـــرٌ مـــن الأعـــراقِ
مَـن ذا نـضـا عـنّـا شـعـارَ جـمـالنـا
ورمــى هــلالَ ســمــائنــا بــمــحــاقِ
مَــن ذا لوانــا والصّـدا عَـلِقٌ بـنـا
عـــن وِرْدِ ذاك المَـــنْهَــلِ الرَّقْــراقِ
فـلئنْ خـرِسـتَ عـن البـيـان فـطـالما
حـــكّـــمــتَ أنّــى شــئتَ بــالإنــطــاقِ
ولئنْ مُـنـعـت عـن البَـراحِ فـبعد ما
جــــوّلتَ أو طـــوّفـــتَ فـــي الآفـــاقِ
ولئنْ كَـبَـوْتَ عـن المـدا بعد الرَّدى
فــبــمــا ســبـقـتَ غـداةَ يـومِ سـبـاقِ
ولئنْ تــحــمّــلْتَ التّــرابَ فــطـالمـا
قــد كـنـتَ مـحـمـولاً عـلى الأعـنـاقِ
فـليـمـضِ بـعـدك مَـن أُحِـبُّ فـقـد مـضى
مــنـك الحـمـامُ بـبُـغْـيَـتِـي ووفـاقـي
مـا لي اِنـتِـفـاعٌ بـعـد فقدك صاحباً
حــلوَ المــذاقـةِ فـي الورى بـمـذاقِ
نــسَــجــتْ عــليــك ريـاضُ كـلِّ بـلاغـةٍ
وسـقـاك مـنـهـا مـا تـشـاء السّـاقـي
وعــصــتْ عـلى كـلّ الرّجـالِ فـقُـدتَهـا
لرضــــاك بــــالأرســـانِ والأربـــاقِ
ومــلكــتَهــا طــولَ الزّمــانِ وإنّـمـا
فـــازتْ وقـــد وُوريــتَ بــالإعــتــاقِ
طــلبــوا مـداك فـفـتَّهـمْ وسـبـقـتَهـمْ
رَكْــضــاً ولم تــســمــحْ لهــمْ بِـلحـاقِ
فـالآن بـعـد اليـأسِ مـنـها أيقنوا
أنّ البــــلاغــــةَ فـــي يـــدِ الرزّاقِ
ولْيــسـقِ قـبـرَك كـلُّ مُـنـخـرقِ الكُـلى
مِـــرعـــادُ كـــلّ عـــشـــيّـــةٍ مِــبْــراقِ
فـإذا جـفـا التُّربَ السـحـابُ فـعنده
مــا اِخــتَــرتَ مِــن سـحٍّ ومِـن إطـبـاقِ
لم يُــفْــنِ دهــرٌ مَـن نـأى وله بـنـا
كَــــلِمٌ عـــلى مـــرّ الزّمـــان بـــواقِ
وإذا مــضــيــتَ وفــيــك فـضـلٌ بـاهـرٌ
فــيــمــنْ نــســلتَ فــأنــتَ حــيٌّ بــاقِ

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك