مَا لِلْهَوى إلا الرُّصافَةَ مأرَبُ

47 أبيات | 362 مشاهدة

مَــا لِلْهَــوى إلا الرُّصــافَـةَ مـأرَبُ
بَـعـدَ الغَـديـر فـكـيـفَ يـصْفو مشرَبُ
كــانــا مــراداً للنّـعـيـم وَمَـوْرِداً
إذْ كُــنْـت بَـيْـنَهُـمـا أجـيـءُ وأذهَـبُ
والإلْف لِلْمــيــعــادِ بــي مُــتَـرَقّـبٌ
والدّهــر بــالإسْــعـادِ لي مُـتَـقَـرِّبُ
وَتـلاعَـبـت أيـدي النوى بِهما وَبي
حـتـى انـقـضـى لَعِـبٌ وأقْـفَـر مَـلْعـبُ
وللّهِ أسْــــحَـــارٌ بـــهـــا وأصـــائلٌ
كــانــتْ تُــفَــضّــضُ صــبْــغَــةً وَتُـذَهّـبُ
وكــأنّ كــافــوراً ومِــسـكـاً لَيْـلُهـا
ونــهــارُهــا مــمّــا يَـروق وَيُـعْـجِـبُ
يــزداد حُـسْـنـاً صـبـحُهـا بِـرُوائِهـا
ويـكـادُ يُـشْـرقُ مـن سـناها الغَيْهَبُ
تـلكَ المَـغـانـي لا حُـجِـبنَ كأهلِها
عَــنــي فَــوَجْــدي ســافِــرٌ لا يُـحـجَّبُ
وَلعَـمْـرُ مـا أنْـفَـقْـت مِن عُمري بِها
وجَــنــيْـت مِـن ثَـمَـراتِ عَـيـش يَـعْـذُبُ
وَلأَغــلِبَــنّ عَـلى السـلوّ صَـبـابـتـي
والشّــوْقُ فــي كُـل المـواطـن أغْـلبُ
ولأنــدُبَــن بــهـا الشّـبـاب وشَـرْخَه
إنّ الشـــبـــاب أحَــقُّ فَــانٍ يُــنْــدَبُ
ســاحــاتُ حُــسْــنٍ طَــرّزَتْ أوقَــاتَهــا
ســاعــاتُ أنــسٍ رَدُّهــا مُــسْــتَــصْـعَـبُ
وأجــرُّ أذْيــال الهَــوَادَة والهــوى
يَــقْــتَــادُنـي دَلُّ الحِـسَـان فَـأُصْـحـبُ
كــم جِــئْتُ بــيــنَ خَــمـائلٍ وجَـداول
مِــنـهـا أصـعّـد فـي المُـنـى وأصـوِّبُ
ومُــغـازلاً فَـتَـيَـاتـهـا فـي فِـتْـيـة
مـــا مـــنـــهـــمُ إلا أغَـــرُّ مُهَـــذّبُ
بــيــنَ الأبـاطـحِ والرُّبـى مُـتَـصَـرّفٌ
ومَــع الصّـبـابـة والصّـبَـا مُـتَـقَـلّبُ
خَـلَعـوا عـلى زَهْـرِ الرّيـاضِ حُـلاهُم
فَــغــدا بــهــم خَــيْــريُّهــا يـتـأدَّبُ
نَــسَــبَـتْه للكـرم الصـريـح شَـمـائِلٌ
أدَبــيّــةٌ عــنــهــا يَــنِــمُّ وَيُــنْـسَـبُ
فَــمَــعَ الصّــبــاح تــبــتُّلــٌ وتَـقَـلّصٌ
ومـــع الظـــلام تــبــذُّلٌ وتَــســحّــبُ
كـانـتْ مـآنـسَ بـل نـفـائسَ أصـبـحْـت
مَــسْــلوبَـةً وكـذا النّـفَـائسُ تُـسـلبُ
أيــن المــذانِـبَ لا تـزال تـأسُّفـا
تَـجـري عـليـهـا مـن دُمـوعـيَ مـذنـبُ
مــن كُــلّ بــسّــام الحَــبــابِ كــأنّه
ثـغـرُ الحَـبـيـبِ وريـقـهُ المُـسْتَعذَبُ
كـــالنّـــصـــلِ إلا أنّه لا يُـــتَّقــى
كــــالصّــــلِّ إلا أنّه لا يُــــرْهَــــبُ
تَــقــتـادُنـا أقْـدامُـنـا وجِـيـادنـا
لجـنـابـهِ وهـوَ النّـضـيـرُ المُـعـشِـبُ
لَهَـــجـــاً بِــدُولاب تَــرَقّــى نــهــره
فَــلَكــا ولكـنْ مَـا ارْتَـقـاهُ كَـوْكَـبُ
نَــصَــبَــتْهُ فَـوْقَ النّهْـر أيْـدٍ قَـدّرت
تــرويــحَه الأرْواح سَــاعَـةَ يُـنْـصَـبُ
فَــكَــأنّه وهــو الطّــليــقُ مــقــيّــد
وكــأنــه وهــوَ الحــبــيــسُ مُــســيَّبُ
للمـــاءِ فـــيـــهِ تـــصــعُّدٌ وتــحَــدُّرٌ
كـالمُـزنِ يَـسْـتَـسْـقي البحار ويسكُبُ
يُــعْـلي ويُـخْـفِـضُ رنَّتـَيْهِ كَـمـا شـدا
غَـــرِدٌ وتـــابــعَ فــي زئيــرٍ أغْــلَبُ
شَـاقَـتْهُ ألحـانُ القِـيـان وشـاقـهـا
فــيــبــوحُ مــن كَــلَفٍ بـهِـنّ ويـطْـربُ
أبَــداً عــلى وِرد ولَيْــسَ بــقــانِــعٍ
مـــن غُـــلّة فـــي صـــدرِهِ تَــتَــلّهــبُ
كـالعـاشِـقِ الحَـرّان يـرتَـشفُ اللّمى
خَــمــرا ولا يــرويــه ريــقٌ أشْـنَـبُ
هَــامَـتْ بـهِ الأحْـداق لمّـا نـادَمـت
مـنـهُ الحَـدائقُ سـاقِـيـا لا يـشـربُ
هَـلْ تُـرْجـعُ الأيّـامُ عَـصْـرَ شـيـيـبـة
مــازلتُ فــيــهـا بـالحـسـانِ أشَـبّـبُ
حـيـثُ النـسـيـم بـما يَمُرّ عليهِ من
حـــقّ الرّيـــاضِ مُــضــمّــخٌ وَمُــطَــيّــبُ
أيّــام يُــرْسَــل مــن شـبـابـيَ أدْهَـمٌ
أرنٌ ويُــشــكِـلُ مـن مَـشـيـبـيَ أشـهَـبُ
أمّا الرُّصافة فهيَ سَمْتي لا الحِمى
ولِوى الصـريـمُ ولا العُـذَيـبُ وغُرّبُ
ربَّى الهــوى مــنــهــا مـكـانٌ طـيّـب
وَلَد السُّرور بـــه زَمـــانٌ مُــنْــجِــبُ
تــاللّهِ مــا أنْـصَـفْـتُ أهْـلَ مَـوَدّتـي
شــرّقــت أشـرَق بِـالبِـعـاد وغـرّبـوا
وأعــيــذُهُـم إذْ لَمْ يُـلقِـنـا جَـانِـبٌ
مِــنْ أن تَــطــولَ قَــطــيـعَـةٌ وتـجـنُّبُ
فــعــلام ضَــنُّوا بـالتّـحـيّـة رغـبَـة
عــنّــي كــأنّــي عَــن هــواهُـمُ أرغَـبُ
هَــذا فُــؤادي قَــد تَــصَـدّع بـعـدهُـم
مـن يَـرْأبُ القَـلبَ الصـديـع ويـشعبُ
ولَقـد تَـغُـرُّنـيَ المُـنـى فـأطِـيـعُهـا
سَــفَهــاً وبَــارقَــةُ الأمــانـي خُـلّبُ
وأخـفُّ مـا حُـمّـلتُ مـن عِـبْـءِ الهـوى
أنْ أسْــتـريـحَ إلى مَـطـامـع تُـتْـعـبُ
يــا مــنْـزلاً كـانَ الحِـفـاظُ يُـجِـلُّهُ
والجــودُ بــالضِّيـفَـانِ فـيـهِ يُـرَحّـبُ
أَهـوى حـلولَك ثُـم يـسـلبُـني الهوى
أنّ العَــدُوّ بِــجــانــبَــيْــك مــطــنِّبُ
أصْــبَــحْــتُ فــيـك مُـعَـذَّلاً ومُـعـذَّبـا
وكـــذا المُـــحِــبُّ مُــعَــذَّلٌ ومــعــذَّبُ

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك