نَعاكَ النُعاةُ وَحُمَّ القَدَر

60 أبيات | 519 مشاهدة

نَــعــاكَ النُـعـاةُ وَحُـمَّ القَـدَر
وَلَم يُـغـنِ عَـنّـا وَعَـنـكَ الحَذَر
طَـوَت ذَبـحَةُ الصَدرِ صَدرَ النَدِيِّ
فَــلَم تَـطـوِ إِلّا سِـجِـلَّ العِـبَـر
فَـأَمـسَـيـتَ تُذكَرُ في الغابِرينَ
وَإِن قَــلَّ مِــثـلُكَ فـيـمَـن غَـبَـر
إِذا ذُكِــرَت سِــيَـرُ النـابِهـيـنَ
فَــسـيـرَةُ صَـبـري تَـجُـبُّ السِـيَـر
لَقَـد كُـنـتَ بَـرّاً بِـظِـلِّ الشَبابِ
فَــلَمّــا تَــقَــلَّصَ كُــنـتَ الأَبَـرّ
فَـلَم تَـسـتَـبِق نَزوَةً في الصِبا
وَلَم تَـسـتَـبِـح هَفوَةً في الكِبَر
أُهَـنّـي الثَرى أَم أُعَزّي الوَرى
لَقَــد فــازَ هَــذا وَهَــذا خَـسِـر
أَأَوَّلَ يَـــومٍ لِعَهـــدِ الرَبــيــعِ
تَــجِـفُّ الرِيـاضُ وَيَـذوي الزَهَـر
وَيَـذبُـلُ زَهـرُ القَـريـضِ الثَـرِيِّ
وَيُـقـفِـرُ رَوضَ القَـوافي الغُرَر
لِيَهــــدَأ عُـــمـــانُ فَـــغَـــوّاصُهُ
أُصـيـبَ وَأَمـسـى رَهـيـنَ الحُـفَـر
فَــقَــد كــانَ يَـعـتـادُهُ دائِبـاً
بَــكــوراً رَؤوحـاً لِنَهـبِ الدُرَر
يَــقــولُ فَــيُـرخِـصُ دُرَّ النُـحـورِ
وَيُـغـلي جُـمـانَ بَـنـاتِ الفِـكَـرِ
يَـسـوقُ القِصارَ فَيَأبى العِثارِ
وَكَــم مِــن مُــطـيـلٍ مُـمِـلٍّ عَـثَـر
قِــصــارٌ وَحَــســبُ النُهـى أَنَّهـا
لَهــا مُـعـجِـزاتٌ قِـصـارِ السُـوَر
رُحِـمـتَ فَـقَـد كُنتَ حُلوَ اللِسانِ
جَــلِيَّ البَــيـانِ صَـدوقَ الخَـبَـر
قَــليـلَ التَـعَـجُّبـِ جَـمَّ الأَنـاةِ
حَـكـيـمَ الوُرودِ حَـكـيـمَ الصَدَر
شَــمــائِلُكَ الغُــرُّ هُـنَّ الرِيـاضُ
رَوى عَـن شَـذاهـا نَـسيمُ السَحَر
لَها مِثلُ رَوحِ الدُعاءِ اِستُجيبَ
فَــعــافــى وَآوى وَأَغــنـى وَسَـرّ
إِذا مــا وَرَدتَ لَهــا مَــنـهَـلاً
وَرَدتَ نَــمــيـراً لَذيـذَ الخَـصَـر
وَفِـــكـــرُكَ فــي خِــصــبِهِ ثَــروَةٌ
لِفِـكـرِ الأَديبِ إِذا ما اِفتَقَر
وَشِــعــرُكَ كَــالمـاءِ فـي صَـفـوِهِ
عَـلى صَـفـحَـتَـيـهِ تَراءى الصُوَر
عُـيـونُ القَـصـائِدِ مِثلُ العُيونِ
وَشِــعــرُكَ فـيـهِـنَّ مِـثـلُ الحَـوَر
وَكَــم لَكَ شَـكـوى هَـوىً أَو أَسـىً
لَهــا نَــفَـثـاتٌ تُـذيـبُ الحَـجَـر
هَـتَـفـتَ بِهـا مَـرَّةً فـي الهَجيرِ
فَــكــادَ يَــدِبُّ إِلَيــكَ الشَــجَــر
وَكَـم كُـنـتَ تُـشـعِـلُ فَحمَ الدُجى
بِــأَنــفــاسِ صَـبٍّ طَـويـلِ السَهَـر
فَــيــا وَيـحَ قَـلبِـكَ مـاذا أَلَح
حَ عَلَيهِ مِنَ الداءِ حَتّى اِنفَطَر
أَيَــخــفِــقُ تَـحـتَ الدُجـى وَحـدَهُ
لِذِكــرى أَليــفٍ سَــلا أَو هَـجَـر
إِذا قـيـلَ صَبري ذَكَرتُ الوَليدَ
وَمَــرَّت بِــنَــفــسِـيَ ذِكـرى عُـمَـر
يَـــزيـــنُ تَـــواضُـــعُهُ نَـــفـــسَهُ
كَـمـا زانَ حُسنَ المِلاحِ الخَفَر
زَكِــيُّ المَــشــاعِــرِ عَـفُّ الهَـوى
شَهِـيُّ الأَحـاديـثِ حُـلوُ السَـمَـر
لَقَــد كُــنـتُ أَغـشـاهُ فـي دارِهِ
وَنـاديـهِ فـيـهـا زَهـا وَاِزدَهَر
وَأَعــرِضُ شِــعــري عَــلى مَــسـمَـعٍ
لَطــيــفٍ يُــحِــسُّ نُــبُــوَّ الوَتَــر
عَــلى سَــمــعِ بــاقِــعَــةٍ حـاضِـرٍ
يَـمـيـزُ القَـديـمَ مِـنَ المُبتَكَر
فَـيَـصـقُـلُ لَفـظِـيَ صَـقـلَ الجُمانِ
وَيَــكــســوهُ رِقَّةـَ أَهـلِ الحَـضَـر
يُـرَقـرِقُ فـيـهِ عَـبـيـرَ الجِـنانِ
فَـتَـسـتـافُ مِنهُ النُهى وَالفِكَر
كَــذَلِكَ كــانَ عَــلَيــهِ السَــلامُ
إِمـــامـــاً لِكُــلِّ أَديــبٍ شَــعَــر
فَـكُـنّا الجَداوِلَ نُروي الظِماءَ
ظِـمـاءَ العُـقـولِ وَكـانَ النَهَـر
زَهِـــدتَ عَـــلى شُهـــرَةٍ طَـــبَّقــَت
وَجــــاهٍ أَظَـــلَّ وَفَـــضـــلٍ بَهَـــر
خَــلَعــتَ الشَــبـابَ فَـلَم تَـبـكِهِ
وَســـاءَكَ أَنَّكـــَ لَم تُــخــتَــضَــر
وَقَـد ذُقـتَ طَـعـمَ الرَدى عِندَما
أُصــيــبَ قِــطـارُكَ يَـومَ السَـفَـر
فَـــأَقـــسَــمــتَ أَنَّكــَ أَلفَــيــتَهُ
لَذيــذَ المَـذاقَـةِ إِذ تُـحـتَـضَـر
تَـمَـنَّيـتَ أَن لَم تَـعُـد لِلحَـياةِ
وَلَكِــن أَبــاهـا عَـلَيـكَ القَـدَر
وَكَـم سـاعَـةٍ بَـينَ ساعِ الحَياةِ
سَـقَـتـكَ المُـرارَ بِـكَـأسِ الضَجَر
فَــرُحــتَ إِلى أُخــتِهـا شـاكِـيـاً
أَذاتَــكَ مِــنـهـا فَـكـانَـت أَمَـر
فَــفَــتَّشــتَ أَثــنـاءَهـا جـاهِـداً
بِـعَـيـنَـي بَـصـيـرٍ بَـعيدِ النَظَر
فَـلَم تَـرَ فـيـهـا عَـلى طـولِهـا
هُــنَـيـهَـةَ صَـفـوٍ خَـلَت مِـن كَـدَر
وَمـا زِلتَ تَـشـكـو إِلى أَن أَتَت
كَـمـا تَـشـتَهـي سـاعَـةٌ لَم تَـذَر
فَـلا صَـدَّ تَـخـشاهُ بَعدَ الوِصالِ
وَلا ضَـعـفَ تَـشـكوهُ بَعدَ الأَشَر
أُريــحَ فُــؤادُكَ مِــمّــا ضَــنــاهُ
وَصَــدرُكَ مِــمّــا عَـلَيـهِ اِنـكَـدَر
تَــمَــنَّيــتَهــا خُـطـوَةً لِلمَـمـاتِ
تُــفَــرِّجُ عَــنــكَ كُــروبَ الغِـيَـر
وَهـا قَـد خَـطـاها وَنِلتَ المُنى
فَهَـل فـي المَماتِ بُلوغُ الوَطَر
صَـدَقـتَ فَفي المَوتِ نَصرُ الأَبِيِّ
عَـلى الدَهـرِ إِن هُوَ يَوماً غَدَر
مَــلِلتَ الثَـواءَ بِـدارِ الزَوالِ
فَــمــاذا رَأَيـتَ بِـدارِ المَـقَـرّ
أَتَـحـتَ التُـرابِ يُـضامُ الكَريمُ
وَيَـشـقى الحَليمُ وَيَخفى القَمَر
وَيُهــضَـمُ حَـقُّ الأَديـبِ الأَريـبِ
وَيُـطـمَـسُ فَـضـلُ النَـبيهِ الأَغَرّ
أَتَـحـتَ التُـرابِ تُـساقُ الشُعوبُ
بِـسَـوطِ العُـبـودَةِ سَـوقَ البَـقَر
وَيُــعــقَــدُ مُــؤتَــمَــرٌ لِلسَــلامِ
فَــنَــخــرُجُ مِــنـهُ إِلى مُـؤتَـمَـر
فَـإِن كـانَ مـا عِـنـدَنـا عِندَكُم
فَــلَيــسَ لَنـا مِـن شَـقـاءٍ مَـفَـرّ
خِـضَـمُّ الحَـيـاةِ بَـعـيدُ النَجاةِ
فَــطــوبــى لِراكِــبِهِ إِن عَــبَــر
فَـعُـد سـالِمـاً غـانِـماً لِلتُرابِ
كَـرَأيِـكَ في المَوتِ وَاِهنَأ وَقَرّ

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك