نعم هذه يا دهرُ أمُّ المصائبِ

85 أبيات | 442 مشاهدة

نــعــم هــذه يــا دهــرُ أمُّ المـصـائبِ
فــلا تُــوعِــدَنِّيـ بـعـدَهـا بـالنـوائبِ
هـتـكـتَ بـهـا سِـتـر التـجـامُـلِ بيننا
ولم تـلتـفـت فـيـنـا لِبُقْيَا المُراقبِ
ومـا زلت تـرمـي صـفـحـتـي بـين عاصدٍ
ومـــنـــحــرفٍ حــتــى رَمَــيْــتَ بــصــائبِ
فــرأيَـكَ فـي قَـوْدي فـقـد ذلَّ مِـسْـحَـلي
وشـأنَـكَ فـي غـمـزِي فـقـد لان جـانبي
ولا تــحــسَــبــنِّيـ بـاسـطـاً يـدَ دافـعٍ
ولا فـاتـحـاً مـن بـعـدهـا فَـمَ عـاتـبِ
ولا مُـسـبِـغـاً فَـضـفـاضـةً أبـتـغي بها
شَــبَــا طــاعــنٍ مــن حـادثـاتـك ضـاربِ
لهـا كـنـتُ أسـتـبـقي الحياةَ وأحتمي
وأجــمــعُ بُــرْدِي مــن أكــفِّ الجــواذبِ
وَلَجــتَ رُواقَ العــزّ حـتـى اقـتـحـمـتَهُ
بـــلا وازعٍ عـــنـــه ولا ردِّ حـــاجــبِ
وأنـشـبـتَ فـي صـمَّاـءَ عـهـدي بـمـتنها
صــفــيـقَ المَـطَـا زَلِيـقـة بـالمـخـالبِ
ســددتَ طـريـقَ الفـضـلِ مـن كـلِ وجـهـةٍ
ومـلتَ عـلى العـليـاء مـن كـلّ جـانـبِ
فـــلا سَـــنَـــنٌ إلا مـــحـــجَّةـــُ تــائِهٍ
ولا أمــــلٌ إلا مــــطــــيَّةــــُ خــــائبِ
أَبـعـدَ ابـنِ عـبـدِ اللهِ أحـظَى براجعٍ
مـن العـيـش أو آسَـى عـلى إثْـر ذاهبِ
وأُرسِــلُ طَــرفــي رائداً فــي خــمـيـلةٍ
مـن النـاسِ أبـغـي نُـجـعـةً لمـطَـالبـي
وأقــدحُ زَنــداً واريــاً مــن هَــوَى أخٍ
وأكـــشـــفُ عــن ودٍّ خــبــيــئةَ صــاحــبِ
وأدفــعُ فــي صــدرِ الليـالي بـمـثـلِهِ
فــتَــرجِــعَ عــنّـي دامـيـاتِ المـنـاكـبِ
أَبَــى ذاك قــلبٌ عــنــه غـيـرُ مُـغـالطٍ
بــرجــمٍ وحــلمٌ بــعــدَهُ غــيــرُ عــازبِ
وأنَّ خُــروقَ المــجــدِ ليــســتْ لراقــع
ســوَاه وصــدعَ الجــودِ ليــس لشــاعــبِ
طَـوَى المـوتُ مـنـه بُـردةً فـي دُروجها
بــقــيَّةــُ أيــامِ الكــرامِ الأطــايــبِ
مُــــحَــــبَّرةً سَـــدَّى وألحـــمَ وَشْـــيَهـــا
صَــنَــاعٌ بـحَـوْك المـكـرمـاتِ الرغـائبِ
كـسـا اللهُ عِطفَ الدهرِ حيناً جمالَها
فــلمــا طـغـى قِـيـضَـتْ لهـا يَـدُ سـالبِ
لئن دَرَسَــتْ مــنــهــا الخُـطـوطُ فـإنـه
لَيـبْـقَـى طـويـلاً عَـرفُها في المَساحبِ
وجـوهـرةً فـي النـاس كـانـت يـتـيـمـةً
وهــل مـن أخٍ للبـدرِ بـيـن الكـواكـبِ
أَبَـى الحُـسْنُ أن يحبَى بها عِقدُ ناظمٍ
فـتُـسـلَكَ أو يـسـمـو لهـا تـاجُ عـاصـبِ
فــمُــدَّتْ إليــهــا بـالردى يَـدُ كـاسـرٍ
وكـان يـقـيـهـا المـجـدُ مـن يد ثاقبِ
سـل المـوتَ هـل أودعـتـهُ مـن ضـغـينةٍ
تَـنَـقَّمـَ مـنـهـا فـهـو بـالوِتـر طالبي
له كـــلَّ يـــومٍ حـــولَ سَـــرحِــيَ غــارةٌ
يـشـرِّد فـيـهـا بـالصـفـايـا النـجائبِ
سُــلافــةُ إخــوانــي وصــفــوةُ إخـوتـي
ونُــخــبــةُ أحــبــابــي وجُــلُّ قـرائبـي
فَــليــتَ عــفـا عـن أحـمـدٍ فـاديـاً له
بــمُــصــرمــةٍ مــمـا اقـتـنـيـتُ وحـالبِ
أألآن لمّــا اشــتــدّ مَــتْــنِــي بــودّه
وردّت مِـــلاءً مـــن نَــداه حَــقــائبــي
وجَــمَّتــْ لآمــالي العــطــاشِ حِــيــاضُهُ
وكــانـت تُـخـلَّى عـن نِـطـافِ المَـشـاربِ
فُـجِـعـتُ بـه غَـضَّ الهـوى حـاضـرَ الجَدَى
جــديــدَ قـمـيـصِ الودّ سَهْـلَ المَـجَـاذب
كـأنـي عـلى العـهدِ القريبِ اعتلقتُهُ
بـطُـولِ اخـتـبـاري أو قـديـم تَـجاربي
ســدَدتُ فَــمَ النـاعِـي بـكـفِّيـ تـطـيـرُّاً
ولوَّيــتُ وجــهــي عــنــه لَيَّ مُــغــاضِــبِ
وقــلتُ تــبــيَّنــْ مــا تــقــولُ لعـلَّهـا
تــكــون كــتــلك الطـائراتِ الكـواذبِ
فـكـم غـامَ مـن أخـبـاره ثـم أقـشـعـتْ
ســحــابــتــهُ عـن صـالحِ الحـالِ ثـائبِ
فــلمّـا بـدا لِي الشـرُّ فـي كَـرِّ قـوله
ربــطــتُ نَــوازِي أضــلعــي بـالرواجِـبِ
ومِــلتُ إلى ظِــلٍّ مــن الصــبــر قــالصٍ
قـــصـــيــرٍ وظَــنٍّ بــالتــجــمُّلــِ كــاذبِ
ونــفْــسٍ شَــعــاعٍ قــد أخــلَّ وقــارُهــا
بــعــادتِهِ فــي النــازلاتِ الصـعـائبِ
وعـيـنٍ هَـفَـا الحـزنُ الغـريبُ بجفنها
فـطـاحَ ضـيـاعـاً فـي الدموعِ الغرائبِ
أُســائلُ عــنــه المــجــدَ وهــو مـعـطَّلٌ
ســـؤالَ الأجـــبِّ عــن سَــنــامٍ وغــاربِ
وأســتــروحُ الأخـبـارَ وهـي تـسـوءنـي
عــلائقَ مــنـهـا فـي ذيـولِ الجـنـائبِ
فـيُـفـصِـحُ لي مـا كـان عـنـه مُـجَـمْجِماً
ويــصــدُقُـنـي مـا كـان عـنـه مُـواربـي
فَـقِـيـدٌ بـمـيْـسانَ استوت في افتقاده
مَــشــارقُ آفــاق العُــلا بــالمـغـاربِ
وقِــيــدَ الحـيـاءُ والسـمـاحُ فـأُرْجِـلا
عَــقــيــريْــنِ فــي تُــرْبٍ له مُــتـراكـبِ
تُـنـافِـثُ عـن جـمـرِ الغـضـا نـادِبـاتُهُ
كـــأنّ فـــؤادي فـــي حُـــلوقِ النَّوادبِ
بـكـتْ أدمـعـاً بِـيـضـاً ودمَّتـْ جِـبـاهَها
فـتـحـسَـبُهـا تَـبـكـي دَمـاً بـالحـواجـبِ
هـوتْ هَـضْـبـةُ المـجـدِ التـليـدِ وعُطِّلتْ
رسـومُ النـدَى وانـقـضَّ نـجـمُ الكواكبِ
ورُدَّت رِكــابُ المُــخـمِـسـيـن بِـظـمـئِهـا
تــكــدّ الدلاءَ فــي رَكــايــا نـواضـبِ
ومَــنْ يــسـتـبـلُّ المُـسـنِـتـونَ بـسـيـبْهِ
فَـيـرجِـعَ خُـضْـراً بـالسـنـيـن الأشـاهِبِ
ومـولىً كـشـفـتَ الضـيـمَ عنه وقد هَوى
بــه الذلُّ فــي عَـمـيـاءَ ذاتِ غَـيـاهـبِ
فـلمـا رآك اسـتـشـعـرَ النَّصْفَ واستوتْ
بـــهِ رِجـــلهُ فـــي واضـــح مُــتــلاحــبِ
وفـيـمـن يُـصـاغُ الشـعـرُ بـعدَك ناظماً
عـقـودَ الثـنـاءِ حـاظـيـاً بـالمـنَـاقبِ
وأيــن أخــوك الجــودُ مــن كـفِّ راغـبٍ
إذا لم تــكــن قَـسَّاـمَ تـلك الرغـائب
ومـن ذا يـعـي صـوتـي ويـعـتـدّ نُصرتي
جــهــاداً وودّي مـن وشـيـج المَـنَـاسـبِ
بــرغــمــيَ أنْ هــبَّ النــيــامُ وأنـنـي
دعــوتُــكَ وجــهَ الصـبـح غـيـرَ مُـجـاوِبِ
وأن لا تُـرَى مُـسـتـعـرِضـاً حـاجَ رُفـقةٍ
ولا ســائلاً مــن أيــن مــقْـدَمُ راكـبِ
وكـنـتُ إذا مـا الدهـرُ شـلَّ مَـعـاطـني
دعــوتُـكَ فـاسـتـنـقـذتَ مـنـه سَـلائبـي
ذخــيــرةُ أنـسـي يـومَ يـوحـشـنـي أخـي
وبــابــي إذا سُــدّتْ عــليَّ مــذاهــبــي
وكــم مــن أخٍ بَــرٍّ وإن أنـا لم أجـدْ
كَــأَنْــتَ أخـاً فـي أُسـرتـي والأجـانـبِ
سَـرَى المـوتُ مـن أوطـانـه فـي مآلفي
ونــقَــبَ مــن أخــلافِهِ عــن حــبـائبـي
عــجــبــتُ لهــذي الأرضِ كـيـف تـلُمُّنـا
لتَــصــدَعَــنــا والأرضُ أمُّ العــجــائبِ
نــطــارِدُ عــن أرواحِــنــا بـرمـاحِـنـا
ونَـــطـــربُ مــن أيــامــنــا للحــرائبِ
وتَـسـحَـرنـا الدنـيـا بـشَـبـعـةِ طـاعـمٍ
هــي السَّقــَمُ المُــرْدِي ونَهــلةِ شــاربِ
أُحــدّثُ نــفــســي خــاليــاً بــخـلودهـا
فــأيـن أبـي الأدنـىَ وأيـن أقـاربـي
ولا كــنــتُ إلا واحــداً مـن عـشـيـرةٍ
ولا باقياً في الناس إلا ابن ذاهب
فـهـل أنـا أَجْـبَـى مـن مَـقَـاوِل حِـمْـيَرٍ
وأمـــنـــعُ ظَهــراً مــن مُــشــيِّد مَــارِبِ
وهــل أخَــذتْ عــهـد السـمـوءلِ لي يـدٌ
مــن المــوت أو عــنـد حَـنـيَّةـُ حـاجـبِ
أردّ شــفــاراً عــن نــحــورِ صَــحــابــةٍ
كـــأنـــيَ دَفَّاــعٌ لهــا عــن تــرائبــي
ولا عِــلمَ لي مــن أيّ شِــقَّىَّ مَــصـرَعـي
وفـــي أيِّمـــا أرضٍ يُـــخ لجـــانـــبـــي
إذا كـان سـهـمُ المـوتِ لابـدّ واقـعاً
فـيـا ليـتـني المرميُّ من قَبلِ صاحبي
ويـا ليـتَ مـقـبـوراً بـكـوفـان شـاهـدٌ
جـــوايَ وإن كـــانــت شــهــادةَ غــائبِ
ولَيــتَ بِـسـاطَ الأرض بـيـنـي وبـيـنـه
طـوتْه عـلى الأعـضـادِ أيدي الركائبِ
فَــعُــجْــتُ عــليــه واقــفــاً فـمـسـلِّمـاً
وإن هُـوَ لم يَـفـقـهْ حـديـثَ المُـخـاطِبِ
ولَيــتَ طــريــفَ الودّ بـيـنـي وبـيـنـه
وإن طـابَ يـومـاً لم يـكن من مَكاسبي
ســلامٌ عــلى الأفــراح بـعـدَك إنـهـا
وإن عــشــتُ ليـسـت إربـةً مـن مَـآربـي
إذا دنَّســـ الحـــزنَ الســلوُّ غــســلتُهُ
فــعــاد جـديـداً بـالدمـوعِ السـواكـبِ
وإن أحـدثَـتْ عـنـدي يـدُ الدهـرِ نِعمةً
ذكـرتُـك فـيـهـا فـاغـتـدتْ من مَصائبي
أُدارِي عــيــونَ الشــامــتـيـن تـجـلُّداً
وأبـسِـمُ مـنـهـم فـي الوجوهِ القواطبِ
أُرِيــهـم بـأنـي ثـابـتُ الريـش نـاهـضٌ
وتــحــت جَـنـاحـي جـانـفـاتُ المـخـالبِ
سَــقَــتــكَ بــمــعــتــادِ الدمـوع مُـرِشَّةً
أفــاويــقُ لم تُــخــدِج بـلَمـعـةِ خـالبِ
يــلوث خـطـافُ البـرقِ فـي جَـنَـبـاتِهـا
بـهـامِ الهـضـابِ السودِ حُمرَ العصائبِ
لهـا فـوق مَـتـنِ الأرض وهـي رفـيـقـةٌ
بـمـا صـافـحـت وَخْـدُ القرومِ المصاعب
تَــرَى كــلَّ تُــربٍ كـان يَـعـتـاضُ لَيـنـاً
لهـــا وغـــلامــاً كــلَّ أشــمــطَ شــائبِ
إذا عُــمِّمــتْ جَــلْحــاءُ أرضٍ بــوبـلهـا
غـــــدتْ روضـــــةً وفــــراءَ ذات ذوائبِ
وإن كـان بـحـرٌ فـي ضـريـحـك غـانـيـاً
بــجُــمَّاــتِهِ عــن قــاطــراتِ السـحـائبِ

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك