هَذي الرّبوعُ وَما بِها مِن مَنزلِ

66 أبيات | 217 مشاهدة

هَــذي الرّبــوعُ وَمــا بِهـا مِـن مَـنـزلِ
فَــاِذكُــرْ عُهــودكَ فـي الزَّمـانِ الأوّلِ
أَيّــامَ قَــصــفِـكَ بِـالصّـبـابَـةِ والصِّبـا
إِبّــانَ وَجــدِك بِــالجَــمـالِ المُـعـتَـلي
إِذ كُــنــتَ ريــعــانَ الشّــبـابِ وَشَـرخَه
يُـسـقـى المَـحـاسِـنَ وَهـيَ أَعـذَبُ مَـنـهَلِ
إِذ كُـنـتَ تَرتَعُ في المِهادِ مَعَ المَها
سَــكــرانَ مِـن خَـمـرِ الغَـرامِ المُـذهِـلِ
مُــتَــعــلّقــاً غَــيــداءَ بِــنـتِ مَـحـاسِـنٍ
تَــدَعُ الشّـمـوسَ كَـواسِـفـاً لا تَـنـجَـلي
حَـوراء يَـنـسـجُ لَحـظـهـا سِـحـرَ الهَـوى
فَـلَه العُـقـولُ تَـقـولُ مـا شِـئتَ اِفـعَلِ
غَـــزّالةٌ مِـــن سِــحــرِهِ ثَــوبَ الضّــنــى
تَــكــســو بِهِ جِــســمَ المُـولَّعِ وَالخَـلي
حــاكَــتــهُ مِــن غَــمــزاتِهــا لِمُــتــيَّمٍ
قَــد صَــيّــرَتــهُ هــائِمــاً لَم يــعــقــلِ
إِنـــســـانُهُ وَهـــوَ الضّـــعــيــفُ فَــإِنَّه
يَـقـوى لِقَـتـلِ الضّـيـغَـمِ المُـسـتَـبـسِـلِ
أَهــدابُهــا تَــبـدو السّهـامَ وَلَحـظُهـا
سَــيــفٌ يَــذوبُ لدَيــهِ أَمــضــى صَــيْـقـلِ
تَــحــمــي بِه وَردَ الخُــدودِ وَمــاءَهــا
أَحْــصِــنْ بِــوَردٍ تَــحــتَ ظِــلّ المِــنْـصَـلِ
وَلَقَـد سَـرى فـي وَجـهِهـا مـاءُ الحَـيـا
وَالحـسـنِ فَـاِمـتـزَجَ العـقـارُ بِـسـلسَـلِ
فَـــبَـــدا بِهِ وَردٌ وَنِـــســـريــنٌ هُــمــا
كُـلُّ المَـحـاسِـنِ فـي المُـحـيَّاـ الأَجمَلِ
وَبَـدا اِنـشِـقـاقُ البَـدرِ لَمّـا أَسـبَـلَت
ســـود السَـــوالِفِ مِــثــلَ لَيــلٍ ألْيَــلِ
خَــتَــمَ الجــمــالُ خــتـامَهُ فـي خَـدِّهـا
فَـــخِـــتـــامُه مِـــسْــكٌ وَفــي هَــذا فَــلِ
لَمــيــاءُ يَــشــرَبُ مِـن سُـلافِ رُضـابِهـا
دُرٌّ وَيـــاقـــوتٌ هُــمــا أَغــلى الحــلي
تَــفــتَــرُّ ثَــغـراً عَـنـهُـمـا فَـإِذا أَرى
بَـرقـاً مِـنَ الشّـفـقِ البـهـيِّ يَـلوحُ لي
هَــيــفــاءُ نــاعِــمَــةٌ بِــجِــســمٍ مُـتـرَفِ
يُــدمــيــهِ مــنْ مِــثــلي أَقــلُّ تــخــيُّلِ
خَــــــوْدٌ رَداحٌ غــــــادَةٌ رُعـــــبـــــولَةٌ
تَــخــتَـالُ فـي ثَـوبِ الدّلالِ المـسـبِـلِ
تَهــتَــزُّ عِــطــفــاً وَالقـنـاةُ قَـوامُهـا
فَــالاِعــتِــدالُ لِمَــيـلِهـا دَومـاً يَـلي
عَـــلِقـــتُهـــا روداً دَقـــيــقٌ إِطــلُهــا
قَــد قَــلَّ طَــوْداً مِــثــلُهُ لَم يــحــمــلِ
يَـسـري بِهـا مـاءُ الشّـبـيـبَـةِ وَالبَها
جَـرْيَ المُـدامَـةِ فـي مَـجـاري المِـفْـصَلِ
طــارَحــتُهــا بِــحَــديـثِ وَجـدي هـائِمـاً
مِــن كــلِّ مُــتّــصِــلِ الهَــوى وَمــسـلسـلِ
وَسَــأَلتُهــا بِــجَــمــالِهــا وَصَـبـابَـتـي
رَفــعَ التــجَــنّــي وَالسّــمــاعِ لعُــذَّلي
وَطَــلَبــتُ مِــنــهــا أَن تــزوّلَ لَوعَـتـي
وَلَهــيــبَ أَحــشــائي وَقــلتُ لَهـا صِـلي
إِنّــي اِمــرُؤٌ مِــن أَهــلِ مَــجـدٍ أَسَّسـوا
بُـــنـــيــانَهُ فَــوقَ السِّمــاكِ الأَعــزَلِ
مِـــن أَهـــلِ عِــزٍّ فــي الأَنــامِ مُــوطَّدٍ
مِــن أَهــلِ أَصــلٍ فــي الأَنــامِ مـفـضَّلِ
وَعَــــليِّ قَــــدرٍ مـــا العُـــلى إِلا لَهُ
إِذ لَم تَــكُ العَــليــاءُ إِلّا فـي عَـلي
سامي الذُّرى عالي الجنابِ قَدِ اِبتَنى
فَــوقَ السّهــى لِلمَــجــدِ أَرفــعَ مـنـزلِ
وَقَـدِ اِمـتَـطـى العَـليـاءَ وَهيَ يَقودُها
شَــرفُ السّــيـادَةِ بِـالفَـخـارِ الأَكـمَـلِ
مَــلكَ المَـعـالي بِـالعَـوالي وَالفَـتـى
يَـجـنـي المَـعـالي بِـالقَـنـا وَالقَسطَلِ
أَسَــــدُ الشَّرى أَســـيـــافُهُ أَظـــفـــارُهُ
وَرِمــــاحُهُ أَنــــيـــابُهُ إِنْ يـــحـــمـــلِ
مــــا قُـــلِّمَـــت أَظـــفـــارُهُ لَكِـــنّهـــا
فُــلَّتْ بِــفَــلقِ الأُسْــدِ لمّــا تَــعـتَـلي
يَــســطــو هِــزَبْــراً تَـعـتَـليـهِ وَسـامَـةٌ
يَـــعـــدو عَـــلى طِـــرفٍ أَغـــرَّ مـــحــجَّلِ
فَــإِذا عَــدا فَــوقَ الجَــوادِ وَشَــتــمِهِ
لم تَـــدْرِهِ أَبِـــمُـــدبـــرٍ أَم مُــقــبــلِ
يَـــعـــلوهُ نـــورُ مَهـــابَــةٍ وَوجــاهَــةٍ
فَــتَــظــنُّهــُ الأَعــداءُ أَعــظَـمَ جَـحـفَـلِ
كَــم جــالَ فــي مِــضـمـارِ حَـربٍ جـائِلاً
أَمــبــارِز صَــعــب اللّقــا وَالمَــقـتـلِ
فَــيُــجـيـبـهُ دانـي المَـنـيّـةِ مـاشِـيـاً
مَــشــيَ الشّــيــاهِ لِذَبـحِهـا بِـالأَرجُـلِ
فَـبِـلَمـحَـةٍ يَـبـدو الصّريعُ عَلى الثّرى
وَوَليـــمَـــةٍ قَـــد هُـــيِّئـــَت لِلمَـــأكَــلِ
تُـدعـى إِلَيـهـا الطّيرُ مِن كَبِدِ السّما
يُــفــنــيــنــهــا أَكــلاً بِــدونِ تَــمَهُّلِ
بَــحــرُ النّــدى سَــحُّ العَـطـايـا رِفـدُهُ
عَــن مِــثــلِ مَــعــنٍ مــثـله لَم يـنـقـلِ
يُـقـري الضّـيـوفَ فَـشِـمْت نيران الوَرى
مِـــن نـــارِهِ جُـــزءاً بِـــعَــيــنِ تَــأمُّلِ
فَــبِــلادُهُ كــانَــت بِــلا جَــبــلٍ لَهــا
وَالآنَ قَـــد صـــارَت بِــذاتِ الأجــبــلِ
تِــلكَ الجِــبــالُ مِــنَ الرَّمـادِ رَمـادِهِ
قَـــد كُـــوِّنَــت وَلِغَــيــرهِ لَم تــحــصــلِ
لا عَـــيـــبَ فــيــه غَــيــرَ أَنَّ نَــوالَهُ
بَــيــنَ الكِــرامِ وَســيـفُهُ فـي الأرذلِ
خِــدنُ الشّهــامَــةِ صِــنْــوُ كــلِّ مُــروءَةٍ
عَـــيـــنُ الفُــتــوّةِ روحُ كــلّ تَــجــمّــلِ
عَــفُّ الإِزارِ بـحـلّةِ التَّقـوى اِكـتَـسـى
بِــمَــحــاسِــنِ الأَخـلاقِ خـيـرُ مُـسـربَـلِ
فــي حُــســنِ رَأيٍ لا يَــضــلُّ وكَـيـفَـمـا
قَـد مـالَ مـالَ إِلى السّـدادِ الأَكـمَـلِ
فــي حُــســنِ تَــدبــيــرٍ بِــفِـكـرٍ ثـاقِـبٍ
يَـضَـعُ الأمـورَ عَـلى الصّـوابِ الأَفـضَلِ
فـــي حِـــذقِ فَهـــمٍ كَـــم أَلَمَّ بِــغــائِبٍ
لا فَــرقَ فــيــه لواضــحٍ عــن مُــشـكـلِ
قَــد نــالَ حِـلمـاً فـاقَ فـيـهِ أَحـنـفـاً
وَتَـــمـــامُهُ فـــي أَنَّهـــُ لَم يـــجـــهــلِ
وَحَــمـيـدِ صـيـتٍ فـي الأَنـامِ كَـعَـنـبَـرٍ
تَـحـيـا النُّفـوسُ بِـنـشـرهِ المُـتَـسـلسِلِ
قَـد سـادَ فـي الآفـاقِ تَـحـمِلُهُ الصَّبا
وَتُــذيــقُه عَــرفــاً كَــعَــرفِ المــنــدلِ
وَبَــديــعِ لَفــظٍ كَــالجَــواهِــرِ مُــكـتَـسٍ
ســحــرَ البَــيــانِ أَجــلَّ ثَــوبٍ مــســدَلِ
وَمَـــضـــاءُ عَـــزمٍ كـــلّ عَـــضـــبٍ دونــهُ
كَــالبَــرقِ إِســراعــاً إِذا لَم يــعـجـلِ
للَّهِ رَبّــــــي دَرُّه مِــــــن كــــــامِــــــلٍ
جَــمَــعَ الكَــمــالَ بــمــجــمــلٍ ومـفـصَّلِ
إِنّــــي إِلَيـــهِ مُـــرسَـــلٌ بِـــخَـــريـــدَةٍ
حَـــســـنــاءَ بِــكــرٍ ذاتِ طَــرفٍ أَشــكَــلِ
بِـنـت الفَـصـاحَـةِ وَالبـلاغَـةِ تَـكـتَـسي
حُـلَلَ البَـيـانِ مِـنَ البَـديـعِ الأَجـمَـلِ
تَـمـشـي الهُـوَيـنـا وَالحَـيـاءُ خِباؤُها
لَم تُــبــدِ غَــيــرَ تَــبــسّــمٍ وَتــكــحّــلِ
أَركَــبــتــهــا نِــضْـوَ القَـريـضِ مـذَلّلاً
يَـــحـــدوهُ كـــلّ مُـــعــوّذٍ وَمــبــســمــلِ
تَــســعــى إِلَيــهِ وَالقَــبــولُ رَجـاؤُهـا
يـا خَـيـبَـةَ المَـسـعـى إِذا لم تُـقـبَـلِ
حــاشــاهُ مِــن عَــدَمِ القَـبـولِ وَمـثـله
يَهَـــبُ القَـــبــولَ ولو لغــيــر مــؤمِّلِ
لا زالَ رَحـــبُ رِحـــابِهِ لِلمُـــرتَـــجــي
كَهــفــاً وَلِلّاجــيــنَ أَحــصــنَ مــعــقــلِ
وَأَدامَهُ رَبّــــي بِــــمـــجـــدٍ راقـــيـــاً
أَوجَ المَـعـالي عَـلى السّـماكِ الأعزلِ
مــا مـاسَ غُـصـنٌ بِـالنّـسـيـمِ إِذا سَـرى
مــا طــابَ فــي رَوضٍ غــنــاءُ البُـلبـلِ
مـا هـامَ ذو وَجـدٍ فَـقـيـلَ لَه اِنـتَـبِه
هَــذي الرّبــوعُ وَمــا بِهـا مِـن مَـنـزِلِ

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك