هل كُنْتَ بين الموت والميلادِ

50 أبيات | 179 مشاهدة

هـل كُـنْـتَ بـيـن المـوت والمـيـلادِ
إلَّا حــــيــــاةَ مــــآثـــرٍ وأيـــادي
وهل استطبتَ على الرفاهة والصِّبا
إلَّا نـــهـــارَ ضــنــىً وليــلَ سُهــادِ
وكــــفـــاحَ أَيـــامٍ وعَـــرْكَ شـــدائدٍ
بــجــمــيــلِ صــبـر أو طـويـلِ جِهَـادِ
مُـتـواضـعـاً مـتـرفِّعـاً تـرقَى الذُّرى
فــي مــثـل صـمـتِ الكـوكـبِ الوقّـادِ
يُــلقــي أشِــعَّتــهُ هُــنــاكَ وهــهُـنـا
ويُــضـيـء فـي الأغـوارِ والأنـجـادِ
أهــرَامُــكَ المُــثـلى نـتـاجُ قـرائحٍ
خــــلَّاقــــةٍ مــــوصُـــولةِ الإِمـــدادِ
دُنـيـا مـن الفِـكـرِ الطـليقِ وعالمٌ
رَحْــبُ الجــوانــبِ شــاســعُ الآمــادِ
تـهـدِي الحَـيَـارى المُدْلجينَ كأنَّها
فــي شــاطـئِ الوادي مَـنَـارةُ هـادي
قُـمْ يـا فتى الأهرامِ وانظر رفقةً
يــنــتـظـرون خُـطـاكَ فـي المـيـعـادِ
ويُــســائلون بِـكَ العَـشـيَّ كـدأبـهـم
هــذا النــديُّ فـأيـن صـدرُ النَّاـدي
يـا لهـفَ مـا عَـلمـوا بـأنَّكـَ مُـزمِعٌ
سَــفَــرَ الحــيــاةِ ورِحــلةَ الآبــادِ
يـا لهـفَ مـا ظَـفِـروا كـما عوَّدْتهم
عِــنــدَ الودَاعِ بــنــظــرةٍ وتـنـادي
حـيـنَ الوفـاءُ الجـمُّ شـيـمَتُكَ التي
أســــرَتْ قـــلوبَ أحـــبَّةـــٍ وأعـــادِي
دخـلوا عَـليـك البـيتَ جسماً ضارِعاً
مُــتَــفَــرّداً والمــوتُ بــالمــرْصــادِ
والفـكـرُ صـحـوٌ والجـبـيـنُ شُـعـاعَـةٌ
ألَّاقــــةٌ والروحُ فــــي إِيــــقــــادِ
والشـمـسُ بـيـنَ سَـحَـابَـتَـيـنِ تـدَجَّتا
رمَـــقٌ يُـــصـــارعُ حَـــيْــنَهُ ويُــرادي
فـي شـاطـئٍ قـانـي المـيـاهِ كـأنها
مــصــبُـوغـةٌ بـدَمِ النـهـار الفَـادي
هــي صــورةٌ لكَ والمــســاءُ مـقـاربٌ
والرُّوحُ ركـــبٌ والمـــنــيــةُ حــادي
والقــلبُ فـي كـفِّ القـضـاءِ فـراشـةٌ
رفّـــافـــةٌ والعــمــر وشــكَ نــفَــاد
عــجــبـاً أيـشـكـو قـلبَهُ مـن قـلبـه
كــنـزُ الرِّضـى والخـيـرِ والأسـعـادِ
وتــخــونـهُ الأنـفـاسُ وهـو رحـابـةٌ
كـــم نـــفَّســـتْ عـــن أمّـــةٍ وبـــلادِ
وإذا أتى الأجلُ النفوسَ فلا تسَلْ
عَـــنْ صِـــحَّةــِ الأرواحِ والأجــسَــادِ
أأبــا بــشــارةَ لا يَـرُعـكَ بِـعـادُهُ
مـصـرُ اجـتَـبَـتـهُ فـلا تُـرَعْ بـبـعادِ
آثــرتَهــا بــهَــواكَ يــا لغـرَامِهـا
هــي مِـصْـرُ مَهـدُ المـوتِ والمـيـلادِ
حـفِـظـتْ لوَالداكَ الصـنيعَ المجتبى
ورَعَــتْ فــتــاةُ البـرِّ فـي الأولادِ
ورأتْ نـجـيـبـكَ فـاسـتـفـاض حنانُها
لســمــيِّهــ المــرجـوِّ فـي الأحـفـادِ
ذكــرَتْ بــيُــتْــمـكَ يُـتـمَهُ فـتـفـجَّرتْ
حُــبّــاً وقــبَّلــتِ الرجــاءَ البــادي
لبــنـانُ نـازعـهـا هـواكَ ومـا أرى
لبــنــانَ إلَّا مــن ضــفــاف الوادي
الأرزُ فــيــهِ والنـخـيـلُ كـلاهُـمـا
أعـــشـــاشُ حــبٍّ أو خــمــائلُ شــادي
أرضُ العـروبـةِ لا تُـخـومَ ولا صُوىً
مـا مـصـرُ غـيـرُ الشّـام أو بـغـدادِ
وأُخُــوَّةٍ بــالمــســجــديــن وجــيــرةٍ
مـــن آل طـــارقَ أو بــنــي عــبَّاــدِ
قــســمــاً بـأمـسـاء النـديِّ ومـجـلسٍ
مـــتـــألقٍ بــالرفــقــةِ الأمــجــادِ
وجــمــالِ أســحــارٍ وطــيــبِ أصــائلٍ
بــــالذِّكــــريـــاتِ روائحٍ وغَـــوَادي
ومــحــبَّةــٍ للخــيــرِ صَـفـوُ مِـزاجِهـا
مـــرضـــاةُ نــفــسٍ أو عــزاءُ فُــؤادِ
ألَّا اســتـمـعـتَ إلى رفـاقـكَ ليـلةً
والنــارُ فــي مــهــجٍ وفــي أكـبـادِ
جَـمَـدَ المـدادُ عـلى شـبـا أقلامهم
فـــصـــريــرُهــا نــوحٌ ولحــنُ حــدادِ
واحــســرتــا أيُّ الرثــاء أصــوغــهُ
لوفـــاءِ حـــقِّ مـــحـــبّــتــي وودادي
أرثــيــكَ للأُمــمِ التـي شـاطـرْتَهـا
كُــرَبَ الخــطــوبِ وفـرحـةَ الأعـيـادِ
وأذعــتَ دعــوتَهــا وجُـزْتَ بـصـوتِهـا
فـي المـغْـرِبـيـنِ شـوامـخَ الأطـوادِ
ووصَـلتَ بـيـنَ قـريـبـهـا وبـعـيـدها
رَحِــمَ العــروبــة أو عُهُـودَ الضَّاـدِ
قــم حــدِّثِ القُــرَّاءَ عــمــا شِــعــتَهُ
فـي العـالمِ المُـتـنافِرِ المُتعادي
وصـفِ المـمـالكَ والشـعوبَ كما ترى
بـــبـــرَاعَــةِ الوصَّاــفــةِ النــقَّاــدِ
تـطـوي الغمائمَ والخضَارِمَ والثَّرى
وتــجُــولُ بــيــن حَــوَاضــرٍ وبــوادي
بــفَـطـانـةِ الصـحـفـيِّ وهـي بـصـيـرَةٌ
تــغــزُو وتــفــتَـح مُـغـلقَ الأسـدادِ
يــا رُبَّمــا نــبــأٌ أثــارَ بــوقـعـه
مــا لا تُــثـيـرُ مَـلاحِـمُ الأجـنـادِ
وهَــدى قــبــيــلاً أو أضـلَّ جـمـاعـةً
لســبــيــلِ غــيٍّ أو ســبــيــلِ رشــادِ
وا لهـفَ نـفـسـي كـم تـمنَّيتَ المُنى
يـوم السـيـوف تـقَـرُّ فـي الأغـمـادِ
هـل كـنـت تُـبـصِـرُ منْ حضارة عصرها
إلا نـــثـــيـــر حـــجـــارةٍ ورَمَـــادِ
إن السَّلـــامَ الحـــقَّ مــا آثــرتــهُ
والأرضُ غـــرقـــى فـــي دمٍ وسَـــوَادِ
والنـاسُ مـا زالوا كـمـا خـلَّفـتهُمْ
صــرْعَــى الهـوى وفـرائسَ الأحـقـادِ

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك