يا ضارب المَثَلِ المزخرفِ مُطْرياً

66 أبيات | 542 مشاهدة

يـا ضـارب المَـثَـلِ المـزخـرفِ مُـطْـرياً
للحـــقـــد لم تَـــقْـــدح بــزَنْــدٍ وارِي
أصـبـحـتَ خـصـم الحـق تـهـدم مـا بـنى
والحـــقُّ مـــحـــتـــجٌّ وأنـــت تُـــمــارِي
أطــريــت غــثَّكــ لا ســمــيــنــك ضــلَّةً
واخــتــرت مــن خُــلقَـيْـكَ غـيـرَ خـيـارِ
شــبَّهــتَ نــفــســك والأُلى يــولونـهـا
آلاءهـــــم بـــــالأرض والعُـــــمَّاـــــرِ
ورأيــتَ حــفـظـك مـا أتـوا مـن صـالحٍ
أو ســـيِّئـــٍ كـــرمـــاً وعــتــق نِــجــارِ
وزعــمــتَ فــيــك طــبــيــعــةً أرضــيــةً
يــا ســابــق التــقــريــر بـالإقـرارِ
ولقــد صــدقــتَ ومــا كــذبــتَ فــإنــهُ
لا يُــدفَــع المــعــروف بــالإنــكــارِ
لكـن هـاتـيـك الطـبـيـعـةَ فـي الفـتى
مـــمـــا تُـــلِط عـــليــه بــالأســتــارِ
ولَصـــمـــتُهُ عـــن ذكـــرهــا أولى بــه
مــن عــدِّهـا فـي الفـخـر عـنـد فـخـارِ
فــيــنــا وفــيــك طــبــيــعــةٌ أرضـيـةٌ
تـــهـــوي بـــنـــا أبــداً لِشــرِّ قــرارِ
هــبــطــت بــآدمَ قــبــلنــا وبــزوجــهِ
مـــن جـــنّـــة الفـــردوس أفــضــل دارِ
فـتـعـوَّضـا الدنـيـا الدنـيّـة كاسمها
مـــن تـــلكــمُ الجــنَّاــتِ والأنــهــارِ
بــئســتْ لَعــمــرُ الله تــلك طـبـيـعـةً
حَـــرمـــتْ أبــانــا قــرب أكــرم جــارِ
واســتــأســرتْ ضــعــفَـى بـنـيـه بـعـدهُ
فـــهُـــمُ لهــا أســرى بــغــيــر إســارِ
لكـــنـــهـــا مـــأســـورةٌ مـــقـــســـورةٌ
مــقــهــورة الســلطــان فـي الأحـرارِ
فـجـسـومـهـم مـن أجـلهـا تـهـوي بـهـم
ونــفــوســهــم تــســمــو ســمـوّ النـارِ
لولا مــنــازعــةُ الجــسـوم نـفـوسَهـم
نــفــذوا بــسَــوْرتــهـا مـن الأقـطـارِ
أو قــصّــروا فــتــنــاولوا بـأكـفـهـم
قــمــرَ الســمــاء وكــلّ نــجــم ســاري
عَـرفـوا لروح الله فـيـهـم فـضـلَ مـا
قـــــد أثَّرتْ مـــــن صــــالح الآثــــارِ
فــتــنــزَّهــوا وتــعـظّـمـوا وتـكـرمـوا
عــن لؤم طــبــع الطــيــن والأحـجـارِ
نـزعـوا إلى النَّجـد الذي مـنـه أتـت
أرواحـــهـــم وســمــوا عــن الأغــوارِ
هــذا عــبــيــد الله مــنــهــم واحــد
لكــــنـــه هـــو واحـــد المِـــضـــمـــارِ
مــلك له هِــمــمٌ تُــنـيـف عـلى العـلا
ويـــدٌ تـــطـــول مـــواقـــع الأقـــدارِ
وإذا عــطــا للمــجــدِ نــال بــكــفــه
مــا لا يــنــال النــاس بــالأبـصـارِ
ولقــد رأيــت مـعـاشـراً جـمـحـتْ بـهـم
تــلك الطــبــيــعــة نــحـو كـل تَـبـارِ
تــهــوي نــفــوسُهُــم هُــوِيَّ جــســومـهـم
سِــــفــــلاً لكــــل دنــــاءةٍ وصَـــغـــارِ
تبعوا الهوى فهوى بهم وكذا الهوى
مـــنـــه الهُـــوِيُّ بـــأهـــله فـــحَــذارِ
لا تـــرضَ بـــالمــثــل الذي مــثَّلــْتَهُ
مـــثـــلاً فـــفـــيــه مــقــالةٌ للزاري
وانـظـر بـعـين العقل لا عينِ الهوى
فـــالحـــق للعــيــن الجــليَّةــ عــاري
الأرضُ فـــي أفـــعـــالهـــا مــضــطــرةٌ
والحـــيُّ فـــيــه تــصــرّفُ المــخــتــارِ
فـمـتـى جـريـتَ عـلى طـبـاعـك مـثـلَهـا
فـــكـــأن طِــرْفــك بــعــدُ مــن فــخّــارِ
أخـرجـت مـن بـاب المـشـيـئة مـثل ما
خـرجـتْ فـأنـت عـلى الطـبـيـعـة جـاري
أنَّى تـــكـــون كـــذا وأنـــت مُـــخَـــيَّرٌ
مُـــتَـــصــرف فــي النــقــض والإمــرارِ
أيــن اصــطــراف الحــيّ فــي أنـحـائه
وحَــويــلُهُ فــيــمــا ســوى المــقــدارِ
أيــن اخــتــيــار مــخــيَّرٍ حــســنـاتـه
إن كــنــت لســت تــقــول بــالإجـبـارِ
شـهـد اتـفـاقُ النـاس طـرّاً في الهوى
وتــــفــــاوتُ الأبــــرار والفـــجـــارِ
أن الجـــمـــيــع عــلى طــبــاعٍ واحــد
وبـــمـــا يــرونَ تــفــاضــلُ الأطــوارِ
فــمــتـى رأيـت حـمـيـدهـم وذمـيـمـهـم
فـــبـــفــضــل إيــثــار عــلى إيــثــارِ
قـاد الهـوى الفـجـارَ فـانـقادوا له
وأبـــتْ عـــليـــه مـــقــادةُ الأبــرارِ
لولا صــروف الاخــتــيـار لأعْـنَـقـوا
لهــوىً كــمــا اتــسـقـت جـمـال قِـطـارِ
ورأيــتَهــم مــثــل النــجـوم فـإنـهـا
مـــتـــتـــابـــعـــاتٌ كـــلهـــا لمـــدارِ
مُـــتـــيـــمِّمـــات سَـــمْـــتَ وجــهٍ واحــد
ولهـــا مـــطـــالع جـــمَّةـــٌ ومَـــجــاري
فــانــسَ الحُــقــود فــإنـهـا مـنـسـيـةٌ
إلا لدى اللؤمـــــــاء والأشـــــــرارِ
واعـصِ الطـبـاع إذا اطَّبـاك لحـفـظها
واخــتــر عــليـه تَـكُـنْ مـن الأخـيـارِ
مــا زال طــبــع الأرض يــقـهـر لؤمَهُ
مَـــنْ فـــيــه رُوح الواحــد القــهــارِ
لا تــنــسَ روحَ الله فــيــك وأنــهــا
جُـــعِـــلت لتــصــلِح مــنــك كــلَّ عُــوارِ
إن الحُــقُــود إذا تــذكـرهـا الفـتـى
تــحــيــا حـيـاة الجـمـر بـالمِـسـعـارِ
ولعــــلهــــا إن لا تــــضــــرَّ عــــدوهُ
وهـــو المـــســـلِّف عـــاجــل الإضــرارِ
تَــصْــلَى جــوانــحُ صــدره مــن حــقــده
بــــلهـــيـــب جـــمـــرٍ ثـــاقـــبٍ وأُوارِ
فـــلصـــدرِهِ مـــن ذاك شـــرُّ بِــطــانــة
ولقــــلبــــه مـــن ذاك شـــر سُـــعـــارِ
ذاك الذي نــقــد المــكــيـدة نـفـسـه
نــــقـــداً وكـــاد عـــدوه بِـــضـــمـــارِ
مــا نــال مــنــه مـنـالَه مـن نـفـسـه
وِتــــرُ الأُلى وَتَــــروه بـــالأوتـــارِ
ردّت يــــداه كَــــيْـــدَه فـــي نـــحـــرهِ
وكــذا تــكــون مَــكــايــد الأغــمــارِ
وكــفــى الحــقــود مـهـانـةً وغـضـاضـةً
أن لســــت تــــلقـــاه عـــدوّ جـــهـــارِ
لكـــنـــه يــمــشــي الضَّراء بــحــقــده
ليـــلاً ويَـــلبــد تــحــت كــل نــهــارِ
يـــلقـــى أعـــاديـــه بــصــفــحــة ذلةٍ
سِـــلمَ اللســـان مُــحــارب الإضــمــارِ
لكـــن أهـــل الطّــوْل مــن مــتــجــاوِزٍ
ومُــعــاقــبٍ جــهــراً بــغــيــر تــواري
طـرحـوا الضـغـائن إذ رأوا لنفوسهم
خــطــراً يـنـيـف بـهـا عـلى الأخـطـارِ
فـانـظـر بـعين الرأي لا عينِ الهوى
فـــالحـــق للعــيــن الجــليّــة عــاري
النـــفـــسُ خـــيـــرك إنــهــا عــلويــة
والجــســم شــرُّك ليــس فــيــه تـمـاري
فــانــقــدْ لخــيـرك لا لشـرك واتـبِـعْ
أولاهـــمـــا بـــالقـــادرِ الغـــفّـــارِ
كـن مـثل نفسك في السموّ إلى العلى
لا مــثــل طــيــنــة جــســمِـك الغـدّارِ
فـالنـفـس تـسـمـو نـحـو عـلو مـليكها
والجــســم نــحــو السـفـلِ هـاوٍ هـاري
فــأعِــنْ أحــقَّهـمـا بـعـونـك واقـتـسِـر
طـــبـــع السِّفــال بــطــبــعــك السَّوَّارِ
إيــــاك واســـتـــضـــعـــافَ حـــقٍّ إنـــه
فـــي كـــل حــيــنٍ حــاضــرُ الأنــصــارِ
والحــــق والشُّبــــَهُ التـــي بـــإزائه
كـــالشـــمــس جــاوَرهــا هــلالُ سِــرارِ

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك