لَقَد كان شَيخٌ بالكرامةِ يُذكَرُ
72 أبيات
|
312 مشاهدة
لَقَــد كـان شَـيـخٌ بـالكـرامـةِ يُـذكَـرُ
يــدقّ عــلى عُــودٍ فَــيَـسـبـي ويـسـحُـرُ
وكـان بـرغـدِ العـيـشِ يـنـهَـى ويأمُرُ
فَـأخـنـى عَـلَيهِ الدهرُ والدهرُ يغدرُ
وَخــانَــتــهُ أيــامٌ بُــعَــيــد مــشـيـبِ
فَــحَـارَبَ بـالصّـبـرِ الجـمـيـلِ زمـانَهُ
عـسـى أنَّ هـذا الصّـبـرَ يُـصـلح شـانَهُ
فـلمّـا ابـتُـلي بـالوُلدِ عَـضّ بَـنـانَهُ
وَفَــــارَقَهُ صَــــبــــرٌ لَدَيـــهِ وَخـــانَهُ
فــأصــبــحَ مــطــرُوداً أســيــرَ خـطـوبِ
فَــخَـلّى عـن الدّنـيَـا ومـلّ عِـبَـادَهـا
وتــاهَ بــأرض اللهِ يـطـوي وهـادَهـا
فـضـاقَـت بـهِ الدّنـيَـا فـذمّ ودادَهـا
ولمّــا خَـلا بـالنـفـس رامَ رشـادَهـا
فــقـال لهـا يـا نـفـس ويـحـك ذوبـي
فـحِـيـنـاً تَـرَى بـيـنَ الجـبالِ ظُهورَهُ
وتــســمَـع بـالوِديـانِ طَـوراً زفـيـرَهُ
يـجـولُ وذاك العُـودُ أضـحـى سـمـيـرَهُ
رفـيـقـاً لَهُ فـي النّـائِبَـاتِ مُـجِـيرَهُ
عـــلى صَـــدرِه قــد ضَــمّه كــحــبِــيــبِ
فَـــجَـــاءَ إِلى نــهــرٍ لِيَــجــلِسَ مَــرّةً
ويـنـفـي هـمـومـاً ضـايـقَـتـه وحـسـرةُ
فـــلمّـــا رَأى مــاءً وصَــادفَ خُــضــرَةً
وضــمّ إِلَيــهِ العــودَ أرســلَ عَــبــرَةً
وحــنّ إِلى المــاضــي حــنـيـنَ غـريـبِ
ومــا زالَ تَــذكــارَ الشــبـابِ يُـرَدِّدُ
ويَــذرفُ دَمــعــاً والحَــشــا تَــتَـوَقّـدُ
يـــقـــولُ لِنَهـــرٍ مـــاؤهُ يَــتَــجَــعّــدُ
سَــلامٌ عــلى نــهــرٍ غــليــلي يُـبَـرِّدُ
إِذا جــئتُهُ أُنــهــي عــنــاء كـروبـي
فـلمّـا انـبَـرى هـذي الحَـيـاةَ يـودّعُ
ويَـنـحـرُ نـفـسـاً طـالَ مـنـهـا تـوَجّـعُ
وأرســلَ طَــرفــاً بــاهــتــاً يَــتَـطَـلَّعُ
فَـشـاهَـدَ مـا مِـنـهُ الحَـشَـا تَـتَـقَـطّـعُ
وَيـــجـــزَعُ مــنــهُ قــلبُ كــلّ رهــيــبِ
رَأى غَــادةً حَــسـنـاءَ حـارَ بـأمـرِهـا
تـلاعـبُ أذيـال النّـسـيـمِ بـشـعـرِهَـا
فَـــكَـــفٌّ عــلى خَــدٍّ وكَــفٌّ بــصَــدرهــا
وتَـنـدُبُ كـالخـنـسـاءِ فـرقَـةَ صَـخـرِها
ومــا مــن ســمِـيـعٍ صـوتـهـا ومـجـيـبِ
دنا الشيخُ منها وهوَ يَرثي جمالها
يـخـاطِـبـهـا نُـصـحـاً لِيُـنـعـمَ بـالَها
يــســائلهــا لُطـفـاً لِتَـشـرَحَ حـالَهـا
لَعَــلّ هُــمُــومــاً يَـسـتـطـيـعُ زوالَهـا
فَــتَـبـقـى بـعـيـش بـالحـيـاة خـصـيـبِ
فــقـال لهـا هـل أنـتِ تـائِهَـةٌ هُـنَـا
وتَـبـكـيـنَ مـن فَـرطِ المَشَقّةِ والعنَا
عـلامَ عـلامَ ذا البكاء وذا الضنى
بـعـيـشـك قـولي هـل تـقـطـعـت المُنى
وأنــتِ كــغــصــنٍ بــالرّيــاض رَطــيــبِ
فـإن كـان لا هـل قـد جـفـاك بـصَـدّه
حــبــيــبٌ تَــجَــنّــى فــي هــوَاهُ وودّه
لئن كــان ذاكَ الخِــلّ مــان بـوَعـده
فـصـبـراً عـلى حـكـم الزمـانِ وكَـيده
فــبــالصـبـر تـحـلو حـالُ كـل لبـيـبِ
ولا تـرفـضي من ذي الحياة سرورها
وخـلّي إِلى وقـت المـشـيـب ثـبـورهـا
أمَـــامـــك أيّـــامٌ حَـــذارِ غُــرُورَهــا
تـخُـطّ عَـلَيـهـا النّـائِبـاتُ سُـطـورَهَـا
زمــان لديــه المــوت خــيـر طـبـيـبِ
فَهَــمّــت وقـلبُ الشـيـخِ زادَ تَـلهّـبـا
وَرَاحَ إِلى الحـسـنَـاءِ يَـبـغـي تَقَرّبا
ومَـــدّ يَـــديـــهِ للفَـــتَــاةِ تــأدّبــا
وقـال بـصَـوتِ المُـسـتَـجـيـرِ تَـحَـبّـبَـا
أجــيـبـي نـدائي يـا مـلاك أجـيـبـي
فـقـالت وَدمـعُ العـيـنِ يـجري بزَفرَة
أيـا شـيـخ دعـني الآن أقضي بحسرة
فــمــن حـادث الأيـام أنـي بـسـكـرَة
لعــلي إذا م امــتّ أحــظـى بـنَـظـرَة
هــنــالك مــمــن مـات وهـو نـصـيـبـي
فَــواللهِ قـد خَـلّفـتُ أهـلي ومـنـزلي
أرومُ انـفـصـالَ النـفـس مـني بمعزلِ
فَـوَاهـاً حـبـيـبـي ماتَ أمس وليس لي
ســوَى حــســرَتــي مـن بـعـده وتـذللي
فـيـا مـا أُحَـيلى الموتَ بعد حبيبي
ومـا بـرحـت تـشكو الزمانَ وما جرى
وتَـبـكـي انـتـحـاباً والفؤادُ تَسَعّرا
فـيـا ليـتَ عَـنها ما سمعتَ ولن تَرى
بـكـاهـا وذاك الشـيـخ فـيها تحيّرَا
وأحـــشـــاؤه ذابـــت بـــحــرّ لهــيــبِ
فَــلَمّـا دعـاهـا للمَـسـنـونِ المُـقَـدَّرُ
رَمَت نفسَها في النَهرِ والشيخُ ينظرُ
وآخِـــرُ مـــا قـــالت أمـــوتُ وأُعــذَرُ
عـسـى الله يـعـفو عن فعالي ويغفرُ
ويـصـفـحُ عـن مـثـلي ويـمـحـو ذنـوبي
هـيَ النـفـسُ إن مَـلّت وزادَ عَـنـاؤها
وفـازَ عـلى طـيـبِ الحَـيـاةِ شَـقـاؤهَا
يـقـولُ على الدنيَا السلام رَجاؤها
كـذا نـفـس ذاك الشـيـخ عـزّ عزاؤها
فـــوَدّعَ عـــوداً قـــائلاً بـــنــحــيــبِ
أيـا سَـلوَةَ الأحـزانِ فـيـهـا تَوَلَّعَت
عَـواطـفُ أهـل العـشـق حـيـن تـضعضعت
فَــلَولاك آمــالي قــديـمـاً تَـقَـطّـعَـت
فـكـم راحـةٍ لي فـيـك مـنـك تـوسّـعَـت
وكـم قـلتَ للنـفـس الحـزيـنـة طـيبي
فــأنـت الذي يَـبـكـي بـغـيـر دمـوعِهِ
حُــنُــوَاً وســكـنـى الحـبّ طـيّ ضـلوعـه
فـكـم نـحـتَ مُـشـتـاقـاً قـضـى بولوعِهِ
حـزيـنـاً تَـفـانـى في الهَوى بخضوعهِ
بــلحــنٍ هــواه العــاشــقــون مـذيـبِ
ويـا مُـؤنـسـي بعد انفرادي وغربتي
لقـد كـنـتَ فـي الضّراءِ فارجَ كربتي
ولم تـكُ إِلاّ فـيـك لا عـنـك رغـبتي
فـأنـت مـقـيـمٌ فـي حـضُـوري وغَـيـبَتي
بــصَــدرٍ إِلى يــوم النــشــور رحـيـبِ
عـسـى الريـح إن هَـبّـت تـمِيلُ وتعطفُ
وتــحــتـكّ بـالأوتـارِ مـنـكَ فـتـرجُـفُ
فــيــسـري حـنـيـنٌ بـالهَـواءِ ويـلطُـفُ
ويــلمـسُ روحـي فـي الفـضـاءِ ويـألفُ
فــســوفَ تـطـيـرُ الريـحُ عـمـا قـريـبِ
ويـا ريـشَـةٌ تُـمـلي مـعـانـي شعورها
فتجلو لنَا الأوتارُ ما في ضميرِهَا
ويُـظـهـر مـعنى الحبّ ما في سطورها
ومـا أخـفَـتِ الرّنّـاتُ عـنـد مـسـيرها
عــليــك ســلامٌ فــي الضــحـى وغـروبِ
وجـادَت دمـوعُ الشـيـخِ تهمي بسكبها
وضـاقَـت بـه الدنـيـا بـواسع رحبِها
فـألقـى بـنَـفـسٍ تَـبـتَـغـي عَـفوَ ربّها
تـهـيـمُ اشـتـيـاقاً نحو مركزِ قطبِها
وقـــلبٍ إِلى دارِ البـــقـــاءِ طـــروبِ
مشاركات الزوار
0أضف تعليقك أو تحليلك