هل تكتب الشعر؟ انشر قصيدتك في البيت العربيصفحة شاعر خاصة بك، ونشر دائم يقرؤه آلاف محبي الشعر انشر قصيدتك

أكاروس هذا مسبح الطير فاركبِ

للشاعر عباس محمود العقاد

1
أكــاروس هـذا مـسـبـح الطـيـر فـاركـبِ
وتـلك المـهـاوي مـن خـضـارة فـاجـنبِ
2
زوى الغـاشـم المـخـدوع عـنـا سـفـينه
ونــادى، فــنــحــى جــنـده كـل مـركـبِ
3
وظـن بـنـا عـجـزًا، فـيـا سـوء رأيه!
مـتـى حـيـل مـا بـيـن السـمـاء وكـوكبِ
4
أدر مـركـب الريـش الذي مـا اسـتـقله
أنـــيـــس ولا جـــن ولا ذات مـــخــلبِ
5
وطِـرْ نـلتـمـس عـبـر الشـمـال ونرتحل
عــلى ســنــة الطــيــر التـي لم تُهـذَّبِ
6
تــراهـا إذا ضـاقـت بـلاد بـسـربـهـا
عــلى أهــبــة فــي جــوِّهــا المــتـقـلبِ
7
ألا وادخــر عــزمًــا يــقــودك شــرخــه
إلى الأوج فــاحــفـظـه لشـوط مـغـيـبِ
8
وســـر قـــدمًـــا إن المـــطــار لواحــد
ولكــن ســبــيــل الأوج ليـس بـمـقـربِ
9
أكــاروســ! إنـا هـاربـان مـن الردى
فـلا تـجـعـل العـقـبـى إلى شـر مـهـربِ
10
تـوسـط فـلا تـهـبـط ولا تـعـلُ مـصـعدًا
ولا تـكُ مـن يـعـلو إلى غـيـر مـطـلبِ
11
فــإنــك إن تــغـتـر بـالشـمـس يـنـخـذل
جــنــاحـك أو تـبـتـلَّ بـالمـاء تـرسـبِ
12
هـنـا لافـح يـوهي اللحام، وها هنا
لريــــشــــك وهـــيٌ مـــن رشـــاش مـــرطَّبِ
13
أكــاروســ، إنــي بــاذل لك مــن يــدي
ومـن خـبـرتـي ذخـر الصـنـاع المـجربِ
14
تــذكَّر عــظــاتـي واعـلم اليـوم أنـه
صـنـيـع الحـجـى لا الكـف أنفس مكسبي
15
ولا تـتـخـذ ريـشـي وتـنـسَ نـصـيـحـتـي
يــخُـنْـكَ جـنـاح الرأي يـومًـا فـتـعـطـبِ
16
أقــل مــن الصــخــر امــرؤ ضـم جـسـمـه
أمــانــة روح لم يــصــنــهــا لمــأربِ
17
ولي فـــيـــك أعــمــار طــوال وللدنــى
فـأسـنـد إلى عـزم الصـبـا حزم أشيبِ
18
حـيـاتـك مـن بـعـدي معادي، ولن ترى
فـتـى صـالحًـا يـجـنـي الفـناء على أبِ
19
ولِلأمــسِ شــوقٌ أن يَـرى الغـدَ طـالعًـا
فـإن مـات يـومٌ قـبـل مـاضـيـه فاعجبِ
20
بُـنَـيَّ اسـتـمـع قـولي فـمـا بـعـد نسيه
ســـبـــيـــل إلى تـــكــراره لمــعــقــبِ
21
إِلى الجــو هــذا يــا بــنــي وداعـنـا
وللأرض مـــنـــا لهــفــة المــتــغــربِ
22
فــإمــا لقــاء بــعـدُ فـوقَ صَـعِـيـدِهـا
وإمـــا فـــراق شـــاعـــب كــل مــشــعــبِ
23
وصــاة لديــدالوس وصــى بـهـا ابـنـه
ونِــعْــمَ المــوصِّيــ مــن حــكــيـم مـدربِ
24
صــــنـــاع له كـــف كـــأن أكـــفـــنـــا
مـن العـجـز إن قـيـسـت بـهـا لم تركبِ
25
عــليــم بــأسـرار الفـنـونـ، وإنـهـا
لتُــقــبَــس مــن سـر الحـيـاة المـحـجـبِ
26
ومـن يـؤتَ تـصـريـف الجـمـاد يـضـف بـه
أكــفًّاــ وأعــضــادًا إلى كــل مــنـكـبِ
27
ونــاهــيــك ديــدالوس مـن ذي حـصـافـة
قـديـر عـلى فـعـل الأعـاجـيـب مـعـجبِ
28
يُــعِــيــرك مــن يــمـنـاه صـوله قـشـعـم
وخــلســة ثــعــبــان وحــيــلة ثــعــلبِ
29
ويــبــنــي فــمــبــنــاه عــمـاد لأمـة
وبـــيـــت لأجـــيـــال وزيــن لمــنــصــبِ
30
ولكــنــه بــئس الغــيــور عــلى اسـمـه
وقـد يـحـمـل الغـيـران أوزار مـذنـبِ
31
تـــغـــيـــظ لمـــا بـــزه فـــرع صــنــوه
ولم يـرع حـق الأخـت فـي ابـنٍ مـحببِ
32
فـأصـمـاهـ، لم يـشـفق عليه من الردى
وواراهــ، لم يــنــدم ولم يــتــحــوبِ
33
ومــا كــان إلا أن نــبـا بـكـليـهـمـا
فــضــاء أثــيــنــا مـن مـقـيـم ومـعـزبِ
34
فــهــذا مــســجــى فــي ثــراهــا مـتـرب
وهــذا مــزجــى دونــهــا كــالمــتــربِ
35
تــشــرد واســتــعــدى لإخــفـاء أمـره
ذكـاء يـريـك النـجـم فـي جـنـح غـيـهبِ
36
ووارتــه مـن عـيـن الغـريـم فـنـونـه
وكــانــت مــنــارًا بــيـن شـرق ومـغـربِ
37
ومــا زال يــغــروري البـلاد ويـتـقـي
تــصــعــد أثــنــاء الذرى بــالتـصـوبِ
38
إلى أن تــلقــتــه «كــريـتـ» وربـهـا
عــلى خــيـر أهـل فـي حـمـاهـا ومـرحـبِ
39
وأمَّلــ «مـيـنـو» مـنـه حـصـنًـا لمـلكـه
فــحــصــنــه «مــيــنــو» بـمـلك مـؤشـبِ
40
ومـــا مـــلك إلا له مـــن صـــنـــاعـــة
مــعــاقــل يـبـنـيـهـا ليـوم عـصـبـصـبِ
41
هـنـالك كـان الأمـن لو يـأمـن امرؤ
يُـــخـــاف ويُــرجــى للمــخــوف المــؤربِ
42
تــحــيَّر ديــدالوس مــا بــيــن مــنـكـر
وشـكـر، وغـب اثـنـيـهـمـا غـيـر طـيـبِ
43
أيـحـمـل شـكـر المـلك أم كـيـد عـرسـه
وأنــجــاهــمــا فــي طــيـه سـم عـقـربِ
44
غوت عرس مينو واشتهت ساء ما اشتهت
مـن النـاسـ، لا بـل مـن بـهيم مذنبِ
45
تــحــن إلى ثــور وتــهــوى اقــتـرابـه
وليــس ولي العــهـد مـنـه بـمـعـجـبِـ!
46
فــأولدهــا طــفــلًا له مــثــل ظـلفـه
إلى شــــر وجــــه آدمــــي ومــــنـــكـــبِ
47
ويــا رب أنـثـى تـعـشـق الثـور كـلمـا
سباها فتى بالجسم لا الروح يستبي
48
فـمـن غـيـر ديـدالوس يـخـفـي شنارها
ويــرعــى مـهـاد الطـفـل رعـي المـؤدبِ
49
أهــابــت بــه أمًّاــ وأنــثــى حــريـصـة
ومــالكــة حــيــرى، فــلم يــتــهــيــبِ
50
بـنـى لسـليـل الثـور حـرزًا، وليـتـه
تـــلمـــس حــزرًا مــن غــوائل مــغــضــبِ
51
غـوائل «مـيـنـو» حـيـن ثـارت ظـنـونـه
وضــاجــع أشــجــان المـعـنَّى المـعـذَّبِ
52
وأقــســم لا واقٍ مــن المــوت عــنــده
ولا وائل مــن ســخــطــه المــتــلهــبِ
53
وأهـول مـن هـول الخـضـارم فـي الدجى
ضـــراوة مـــهــتــوك وغــيــظ مــخــيــبِ
54
فـلمـا تـنـادى الجـنـد وارتجت القرى
وخــيــف الأذى مــن حــاضـريـن وغـيـبِ
55
وقــالوا: أمــن رب الجـزيـرة حـربـه
يـوقـيـه عـرض البـحـر أو طـول سـبـسـبِ
56
أهــاب الصــنــاع العــبــقــري بــفـنـه
فـلبـاهـ، فـاسـتـعـلى بـه مـتـن أشهبِ
57
تــســربــل مــن ريــش وســربــل نــجــله
خـــوافـــق لوّى بــيــنــهــا ألف لولبِ
58
فـــحـــلق مـــزهـــوًّا وفـــر مـــظـــفـــرًا
وأغــرى لســان الســخـر بـالمـتـعـقـبِ
59
مـضـى ناجيًا من بأس «مينو» فهل نجا
فـتـاه مـن البـأس الذي فـيـه يختبي
60
بــلى قـد نـجـا لولا طـمـاح سـمـا بـه
إلى الشـمـس في ثوب من النار مذهبِ
61
تــعــشــقــهــا مــفــتــونــة فـتـقـبـلت
هـــواه بـــوجـــه صـــادق النــور خــلبِ
62
وأسـكـره الشـوق الجـديد فما ارعوى
لنـــصـــح نـــصـــيــح أو لزجــر مــؤنــبِ
63
ومــا هــي إلا وثــبــة بــعــد وثــبــة
إلى الشــمــس حــتــى عـزه كـل مـوثـبِ
64
تــعــشـقـهـا نـارًا، فـإن جـاءه الأذى
مـن النـار، فـليـعتب فلا حين معتبِ
65
عـــلا بـــدم حـــي وخـــر مـــضـــمـــخًـــا
بــه فــي جــنــاحــي أرجــوان مــخـضـبِ
66
طــريــحًــا عـلى صـخـر تـغـشـيـه رغـوة
مـن العـيـلم الغـضـبـان في غير مغضبِ
67
وراحــت بــنـات المـاء يـنـدبـن حـوله
ومـن يـر أنـقـاض الصـبـا الغض يندبِ
68
ومــا مــن عــزاء للشــبــاب عــلمـتـه
ســوى مــدمـع مـن أعـيـن الحـسـن صـيـبِ
69
إذا جــال فـي حـسـبـانـه هـان عـنـده
دمــوع ذراهـا الحـزن مـن طـرف أشـيـبِ

عن القصيدة

«أكاروس هذا مسبح الطير فاركبِ» قصيدة للشاعر عباس محمود العقاد، أحد شعراء العصر الحديث، عدد أبياتها 69 بيتاً ، نُظمت على البحر الطويل ، وقافيتها على حرف الرويّ «ب». مطلعها: «أكــاروس هـذا مـسـبـح الطـيـر فـاركـبِ ... وتـلك المـهـاوي مـن خـضـارة فـاجـنبِ». ولـعباس محمود العقاد قصائد أخرى في البيت العربي تجدها أدناه.

قصائد أخرى من البحر الطويل

تعليقات القراء 0