إِن الهَوى وَالحرصَ شَيطانانِ

54 أبيات | 151 مشاهدة

إِن الهَــوى وَالحــرصَ شَــيــطــانــانِ
يَــقــتَــسِــمــانِ عــيــشَــةَ الإِنـسـانِ
مُــــــذ وليــــــا أمـــــورَهُ تَـــــولّى
جُــــنــــونــــهُ وَعَــــقـــله قَـــد وَلّى
لَكـــنَّ شَـــيــطــان الحَــريــصِ أَقــوى
إِذ طــالَمــا ســاقَ إِلَيــهِ البَــلوى
هَــــذا وَلي مَـــيـــلٌ إِلى حِـــكـــايَه
بِــالظــرف وَالإِحــكــام فـي نِهـايَه
عَــن مَــلِكٍ شــاهَـدَ سـربـاً مِـن غَـنَـم
وَفَـــوقَهُـــم راع أَجــادَ مُــذ حَــكَــم
أَحــسَــن فــي تَــدبــيــرِهِ المَـواشـي
فَــكــثــرت فــي الطُـرقِ وَالمَـمـاشـي
وَقَــد زَهــا مِــن الغَـسـيـل صـوفـهـا
وَاِنـتَـظَـمَـت عَـلى الخـلا صُـفـوفـهـا
أَعــجــبــه الراعــي وَحُــســن سـيـرِه
حَـــتّـــى لَقَـــد مَـــيَّزه عَــن غَــيــرِه
وَقــالَ لَيــتَ لَو رَعــيــت النــاســا
إِنَّكــَ عِــنــدي خَـيـر مَـن قَـد سـاسـا
دَعِ المَــواشــي وَاِتــرُكِ الأَراضِـيـا
وَقُــم فَــقَــد وُلِّيـتَ عِـنـدي قـاضِـيـا
فَــقـامَ للمـنـصـب يُـعـمـيـهِ الطَـمَـع
وَقَــد جَـفـا أَغـنـامـه لَمّـا اِرتَـفَـع
رَأَيـــتـــهُ يَــحــكــم بَــيــنَ النــاسِ
بِـــغَـــيـــر مـــا عـــلم وَلا أَســـاسِ
وَكَـــيـــفَ لا وَعـــمـــره لَم يَــعــلمِ
إِلّا بِـــكَـــلبٍ أَو قَـــطـــيــعِ غَــنَــمِ
وَمــا رَأى غَــيــر الذِئاب وَالظِـبـا
وَزاهِـــداً كـــانَ لَهُ مُـــصـــاحِـــبـــا
لَكــن بِــذَوقــهِ السَــليــم قَـد سَـلَك
وَولي الأَحـــكـــام وَالمـــال مَـــلك
وَمُـــذ دَرى الزاهـــد بِــالَّذي جَــرى
أَتـــاه ظـــاهِـــراً وَمـــا تَــنَــكــرا
وَقـــالَ مـــا بَـــدا لَهُ لِيـــعـــظـــه
هَــذا مَــنــام مــا أَرى أَو يَــقـظـه
وَأَنـــتَ هَـــل صــرت نَــديــم المَــلكِ
وَقــاضِــيــاً مــحــتــضِــنــاً بـالمـلكِ
فَــلا تَــل الحُـكـم وَإِن هُـم سـأَلوا
وَخـــالف النـــاسَ وَإِن هُــم عَــدَلوا
لأَنّ نـــصـــف النــاسِ أَعــداء لِمَــن
قَـد ولي الحـكـم وبِـالعَـدل اِقـتَرن
إِذ هُــوَ كَــالمَــحــبــوس عَــن لَذّاتِهِ
يُــــكــــرم للمَــــنـــصِـــبِ لا لذاتِهِ
قــالَ فَــمــا اِزدادَ الأَمــيــر إِلّا
قَـــــســـــاوَةً وَجَـــــفـــــوَةً وَجَهــــلا
وَالزاهد الناصح في الوَعظ اِستَمَر
وَقـالَ لِلراعـي اِعـتـبِر فَما اِعتَبر
قـــالَ لَهُ كَـــأَنَّكــ الأَعــمــى الَّذي
لَم يَــســمَــع النُــصـح بِـجَهـلٍ فَـأُذي
قـالَ لَهُ الراعـي فَـمـاذا الأَعـمـى
وَمــا الَّذي جَــنــى فَـنـالَ العَـدَمـا
قــالَ سَــمــعــت أَن ثُــعـبـانـاً جَـرى
مِـن كَـثـرَةِ البَـرد الشَـديـدِ سَـكِـرا
وَصـــارَ مَـــلقــيّــاً بِــغَــيــر حَــرَكَه
فَـــجـــاءهُ الأَعــمــى وَقــالَ بَــرَكَه
أَمــس فَــقَــدت رَغــمَ أَنــفــي سـوطـا
وَهــــاكَ ســــوطـــاً غَـــيـــره وَوَطّـــى
وَأَخَـــذَ الثُـــعــبــان بــاســم ســوط
وَقــالَ سُــبــحــان الإِلَه المُــعـطـي
مَــــرَّ بِهِ شَــــخـــص فَـــقـــالَ مـــاذا
يَـا أَيُّهـا الأَعـمـى اِرمِ عَـنـكَ هَذا
ذَلِكَ ثُــعــبــانٌ شَــنــيــعٌ مُــفــتَــرس
فَــدَعــهُ تَــســلم مِــن أَذاه وَتَــكــس
قـــالَ لَهُ الأَعـــمــى لَذاكَ ســوطــي
وَأَنـــتَ فـــيــمــا قُــلتَه لَمُــخــطــي
وَصَــمــم الأَعـمـى عَـلى أَن يَـحـفَـظَه
وَكَـــذَّب الشَـــيــخ الَّذي قَــد وَعَــظَه
وَمُـذ صَـحـا الثُـعـبـان لِلأَعمى لدغ
وَعــــضّ جَـــنـــبـــه وَلَحـــمَه مَـــضَـــغ
وَحـــكـــمـــت مَـــوتَـــتـــه قَــبــيــحَه
حــيــنَ جَــفـا النـاصـح وَالنَـصـيـحَه
هَــذا الَّذي ذَكَــرتُ لِلأَعــمــى وَقَــع
وَأَنـــتَ مِـــن عــلاك رُبَــمــا تَــقَــع
فَــســمــع الراعــي كَــلامَ الزاهــدِ
وَقَــد دَرى مِــنــهُ مَــحــلَ الشــاهِــدِ
وَراوَدَ النَــــفــــسَ عَـــلى الخُـــروج
مِـــن ذَلِكَ القَـــصـــرِ إِلى المُـــروج
فَـــصـــعــبــت عَــلَيــهِ تِــلكَ النِــيَّه
وَفـــرقـــة المَـــنـــازِل الســـنـــيَّه
وَمُــــذ رَأى الواشــــون ذا وَهَــــذا
تَـــــسَـــــلّلوا مِــــن حَــــولِهِ لواذا
وَشــاعَــت الفــتــنَــةُ وَالنَــمــيــمَه
وَحَـــلَّت المُـــصــيــبَــةُ العَــظــيــمَه
وَقــــالَ كُـــلّ إِن هَـــذا القـــاضـــي
لَظـــــالِم فـــــي هَــــذِهِ الأَراضــــي
إِلى مَــتــى اِحــتِــمــالنـا حـتّـامـا
يَــأكــل مــال الوَقــفِ وَاليَــتـامـى
وَيــلٌ لَهُ أَصــبَــحَ فــيـنـا ذا نَـشَـب
وَالمَـرءُ مَـن شـابَ عَـلى ما كانَ شَب
وَمُـــذ دَرى مـــا قـــيـــلَ راحَ داره
فــي غــايَــة البَهــجَــة وَالأَمــارَه
وَفَـــتـــح الخَــزيــنــة الجَــســيــمَه
رَأى بِهــا الجَــواهــر العَــظــيــمَه
وَمِـــنـــهُ لاحَـــت لَفـــتـــةُ اِطِّلـــاعِ
فَــأَبــصَــر العَــصــا وثَـوب الراعـي
فَــذَكــر العَهــد القَــديــم وَحَــنــى
لِتَـــرك مـــا حَـــصَّلـــه وَمــا جَــنــى
وَلَبـــس الثَـــوب القَــديــم وَمَــشــى
لِمَـجـلس السُـلطـان فـي وَقـت العِشا
وَقـــالَ حِـــلمــاً أَيُّهــا السُــلطــانُ
الدَهـــــرُ قَـــــطُّ مـــــا لَهُ أَمـــــانُ
إِنــــي تَــــنــــازَلتُ عَــــن الوِلايَه
وَمِـــلتُ بِـــالطَــبــع إِلى الرِعــايَه
فَــأذن كَــمــا وَلَّيــتــنــي بــعــزلي
فَـــالعـــزُّ قَـــد رَأَيـــت فــيــهِ ذُلّي
وَاعــفُ عَــن الَّذي جَــنــيــت وَمَــضــى
إِنـي خَـشـيـتُ مِـن وُقـوعي في القَضا
إِذ لا تُــوازى لذة الحــكــم أَجَــل
بـذلة الشَـخـص إِذا الشَـخـص اِنـعَزَل

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك