رضيتُ بالدّونِ لمّا لم أجدْ وَزَراً

38 أبيات | 257 مشاهدة

رضــيــتُ بــالدّونِ لمّـا لم أجـدْ وَزَراً
ولو وجـــدتُ لَمـــا أُرضــيــتُ بــالدُّونِ
كَــم ذا أُعـالجُ إمّـا كـاشـحـاً حَـنِـقـاً
أَوْ أُبــتَــلى بــصــديــقٍ غـيـرِ مـأمـونِ
مـا زلتُ بُـقياً على الأحوالِ تجمعنا
أُطـيـعـه وهـو طـولَ الدّهـرِ يـعـصـيـني
بُـعـداً وسُـحـقـاً لقـومٍ لا حِـفـاظَ لهمْ
كـــنـــزتُ عـــنـــدهــمُ وُدّاً فــمــلّونــي
مـا زلتُ فـيـهـم وَصـولاً مَـن يقاطعني
ورائشـاً عـنـدهـمْ مـن كـان يَـبـريـنـي
مـنُّوا عـليَّ بـأن لم يـسـلبـوا نَـسَـبِي
سَـقْـيـاً ورَعْـيـاً لفـضـلٍ غـيـر مـمـنـونِ
مِــن كــلِّ أَخــرَقَ مــأســورٍ بــشــهــوتِهِ
مُــخَــدَّعٍ بــرخــاءِ العــيــشِ مــفــتــونِ
ظــنّــوا وليــس لهــمْ فـضـلٌ يـقـدّمـهـم
إنّ التــقــدّمَ فــي أَيـدي السَّلـاطـيـنِ
هـيـهـاتَ مـا الفضل إلّا ما حبَتك به
أَمُّ الفــضــائلِ مــن عــقــلٍ ومـن ديـنِ
مــا كــان مُـبـتـاعُهـم إلّا أَخـا نَـدَمٍ
وَليـــسَ بـــائعــهــم إلّا بــمــغــبــونِ
جَـنَـوْا سَـقـامـي وكـم فـيـهـم وعـندهُم
طَـــبٌّ بـــدائي ولكــنْ لا يُــداويــنــي
يــقــولُ قــومٌ ومــا لي فــيــهــمُ دُوَلٌ
أجـفـوهُ بَـذْلاً له فـيـهـمْ ويـجـفـونـي
كــم بـيـن فَـقْـرٍ وإثـراءٍ فـقـلت لهـمْ
ما بين عزِّ الفتى في النّاسِ والهُونِ
عــش مـفـرداً غـيـرَ مـقـرونٍ فـلا جَـذَلٌ
إلّا بـــأنِّيـــَ فـــردٌ غـــيــرُ مــقــرونِ
لو كـنـتُ أعـلمُ أنّ البـعـدَ يـؤمـنـني
بــعــدتُ لكــنّ بُــعــدي لا يُــنـجّـيـنـي
مَـن مُـخـرِجِـي مـن بـلادي فـهْـيَ موبئةٌ
وكـلّ داءٍ بـهـا فـي الخـلقِ يُـعـديـني
وقــد عَــمَـرْتُ زمـانـاً فـي مـرابـعـهـا
أعـدو المـحـاذرَ فـيـهـا وهْيَ تعدوني
وَقَــد صَـحـبـتُ الّذي بـالغـيِّ يَـأمُـرُنـي
وبــالّذي يُــدنِـسُ الأعـراضَ يُـغـرِيـنـي
إنّــي لأعــجــبُ مــنــه وهــو ذو عَـجَـبٍ
يـبـيـعـنـي قـبـل أن يـلقـي ويَـشريني
يَــقِــيــهِ نــحــرِيَ مِــن رامٍ فــريـسـتَه
يـوم الوغـى هـو عُـمْرَ الدَّهرِ يرميني
وَكــلّمــا أَخــرجــتْ كــفّـي القَـذاةَ له
مـن جَـفْـنِهِ بـات يُـشـجـيـنـي ويُـقذيني
وكــم أُلَبِّيــهِ فــي ضَــرّاءَ يــركــبُهــا
ولم يــكــن يــومَ سَــرّاءٍ يُــلَبّــيــنــي
مَــن لِي بِــحُـرٍّ مـن الإخـوانِ ذي أَنَـفٍ
أكــفـيـه أثـقـالَه طَـوْراً ويـكـفـيـنـي
لا يَــلتَــقــي بِــيَ إلّا عـنـد نـائبـةٍ
يُــعــيــن فـيـهـا ومـكـروهٍ يُـعـنّـيـنـي
فــهــو المُــؤاتِــي ولكـنْ فـي مُـذَمَّمـَةٍ
يُــثــنِــي عَـليَّ ونَـرْدي لا يُـؤاتِـيـنـي
خـذْ كـيـف شـئتَ فـمـا الدّنيا بخالدةٍ
ولا البــقــاءُ عــلى خــلقٍ بـمـضـمـونِ
خُــلِقــتَ مـن طـيـنـةٍ لمّـا خُـلِقـتَ فـلِمْ
تَـربـأ بـنـفـسـكَ أنْ تُهدى إلى الطّينِ
إلى التّــراب يــصــيـر النّـاسُ كـلُّهـمُ
مِـن مُـفْهَـقٍ بـالغِـنـى كـفّـاً ومِـسـكـيـنِ
مُــبَــدَّليــن بــتُــربٍ عــن مــلابــسـهـم
وبــالخــشــونــةِ عــن خَـفْـضٍ وعـن ليـنِ
قُــــلْ للَّذي رَقَـــمَـــتْ أمـــوالَهُ يـــدُه
يُــغــنِـي مُـوَيـلكَ مُـفـنـي مـال قـارونِ
أَيــنَ الّذي رَفــع الإيــوانَ تــحـسـبُه
إذا بــدا لك طَــوْداً لاح فــي بِــيــنِ
وأيــن عــالٍ عــلى غُـمـدانَ مُـحـتـقـراً
مــن كِــبْــرِيــاءٍ بـه غُـرَّ العَـثـانـيـنِ
وأيــن مَـن حـلّ فـي خَـفّـانَ مُـحـتـكِـمـاً
عــلى المــلوكِ مُــحَـيّـاً بـالرّيـاحـيـنِ
كـأنّهـمْ سـاكـنـي غُـبْـر القـبـورِ لهـمْ
لم يـسـكـنـوا بـيـننا غُبْرَ البساتينِ
بــادوا فــلا أثَـرٌ مـنـهـمْ ولا خـبـرٌ
إلّا أَســاطــيــرُ تــقــريــظٍ وتــأبـيـنِ
يـا ليـتَ شـعـرِيَ أيُّ الأرض تَـنـبتُ لِي
وأيُّ تُــربٍ مــن البَــوْغــاءِ يَــعْـلونـي
وأيُّ وقــــتٍ مــــن الأوقـــاتِ أكـــرهُهُ
أُجــيـبُ فـيـه حِـمـامـي إذْ يـنـاديـنـي
إنْ كـنـتُ لم أعْـيَ مـن خَـطْـبٍ رُميتُ به
فــإنّ خَــطْـبَ صُـروفِ الدّهـرِ يُـعـيـيـنـي

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك