على قمّةٍ من جبال الشمال كَسَاها الصَّنَوْبَرْ
للشاعر نازك الملائكة
1
على قمّةٍ من جبال الشمال كَسَاها الصَّنَوْبَرْ
2
وغلّفها أفُقٌ مُخْمليٌّ وجوٌّ مُعَنْبَر ْ
3
وترسو الفراشاتُ عند ذُرَاها لتقضي المَسَاءْ
4
وعند ينابيعها تستحمّ نجومُ السَّمَاءْ
5
هنالكَ كان يعيشُ غلامٌ بعيدُ الخيالْ
6
إذا جاعَ يأكلُ ضوءَ النجومِ ولونَ الجبالْ
7
ويشربُ عطْرَ الصنوبرِ والياسمين الخَضِلْ
8
ويملأ أفكارَهُ من شَذَى الزنبقِ المُنْفعلْ
9
وكان غلامًا غريبَ الرؤى غامض الذكرياتْ
10
وكان يطارد عطر الرُّبَى وصَدَى الأغنياتْ
11
وكانت خلاصةُ أحلامِهِ أن يصيدَ القَمَرْ
12
ويودعَهُ قفصًا من ندًى وشذًى وزَهَرْ
13
وكان يقضِّي المساءَ يحوك الشباكَ ويَحْلُمْ
14
يوسّدُهُ عُشُبٌ باردٌ عند نبع مغمغِمْ
15
16
ويسْهَرُ يرمُقُ وادي المساء ووجْهَ القَمَرْ
17
وقد عكستْهُ مياهُ غديرٍ بَرُودٍ عَطِرْ
18
وما كان يغفو إذا لم يَمُرّ الضياءُ اللذيذ
19
على شَفَتيهِ ويسقيهِ إغماءَ كأسِ نبيذْ
20
وما كان يشربُ من منبع الماء إلاّ إذا
21
أراق الهلالُ عليه غلائلَ سكرى الشَّذَى
22
وفي ذات صيفٍ تسلّل هذا الغلامُ مساءْ
23
خفيفَ الخُطَى, عاريَ القدمين مَشُوقَ الدماءْ
24
وسار وئيدًا وئيدًا إلى قمَّةٍ شاهقهْ
25
وخبّأ هيكلَهُ في حِمَى دَوْحةٍ باسقهْ
26
وراح يعُدّ الثواني بقلبٍ يدُقّ يدُقّ
27
وينتظرُ القَمَرَ العذْبَ والليلُ نشوانُ طَلْقُ
28
وفي لحظةٍ رَفَعَ الشَّرْقُ أستارَهُ المُعْتمهْ
29
ولاحَ الجبينُ اللجينيّ والفتنةُ المُلْهِمهْ
30
وكان قريبًا ولم يَرَ صيّادَنا الباسما
31
على التلِّ فانسابَ يذرَعُ أفْقَ الدُّجَى حالما
32
وطوّقَهُ العاشقُ الجبليّ ومسّ جبينَهْ
33
وقبّلَ أهْدابَهُ الذائباتِ شذًى وليونهْ
34
وعاد به ببحارِ الضِّياءِ بكأس النعومهْ
35
بتلك الشفاهِ التي شَغَلتْ كل رؤيا قديمهْ
36
وأخفاه في كُوخه لا يَمَلّ إليه النَّظَرْ
37
أذلكَ حُلْمٌ وكيف وقد صاد صادَ القَمرْ
38
وأرقَدَه في مهادٍ عبيريّةِ الرّوْنقِ
39
وكلّلَهُ بالأغاني, بعيْنيهِ بالزّنْبقِ
40
وفي القريةِ الجبليّةِ في حَلَقات السّمَرْ
41
وفي كلّ حقلٍ تَنَادَى المنادون أين القمر
42
وأين أشعّتُهُ المُخْمليّةُ في مَرْجنا
43
وأين غلائلُهُ السُّحُبيّة في حقلنا
44
ونادت صبايا الجبالِ جميعًا نُريدُ القَمَر
45
فردّدتِ القُنَنُ السامقاتُ نُريدُ القَمَرْ
46
مُسامِرُنا الذهبيّ وساقي صدى زَهْرنا
47
وساكبُ عطر السنابِل والورد في شَعْرنا
48
مُقَبّلُ كلّ الجِراح وساقي شفاه الورودْ
49
وناقلُ شوقِ الفَرَاشِ لينبوعِ ماءٍ بَرودْ
50
يضيءُ الطريقَ إلى كلّ حُلْمٍ بعيدِ القَرَارْ
51
52
ويُنْمي جدائلَنا ويُريقُ عليها النُّضَارْ
53
ومن أينَ تبرُدُ أهدابُنا إن فَقَدْنا القَمَر
54
ومَنْ ذا يرقّقُ ألحاننا مَن يغذّي السّمَرْ
55
ولحنُ الرعاةِ تردّدَ في وحشةٍ مضنيهْ
56
فضجّتْ برَجْعِ النشيدِ العرائشُ والأوديهْ
57
وثاروا وساروا إلى حيثُ يسكُنُ ذاكَ الغُلامْ
58
ودقّوا على البابِ في ثورةٍ ولَظًى واضطرامْ
59
وجُنّوا جُنُونًا ولم يَبْقَ فوق المَرَاقي حَجَرْ
60
ولا صخرةٌ لم يُعيدا الصُّرَاخَ نُريدُ القَمَرْ
61
وطاف الصّدَى بجناحَيْهِ حول الجبالِ وطارْ
62
إلى عَرَباتِ النجومِ وحيثُ ينامُ النّهَارْ
63
وأشرَبَ من نارِهِ كلّ كأسٍ لزهرةِ فُلِّ
64
وأيقَظَ كلّ عبيرٍ غريبٍ وقَطْرةِ طلِّ
65
وجَمّعَ مِن سَكَراتِ الطبيعةِ صوتَ احتجاجْ
66
ترددَ عند عريش الغلامِ وراء السياجْ
67
وهزَّ السكونَ وصاحَ لماذا سَرَقْت القَمَرْ
68
فجُنّ المَسَاءُ ونادى وأينَ خَبَأْتَ القَمَرْ
69
وفي الكوخِ كان الغلامُ يضُمّ الأسيرَ الضحوكْ
70
ويُمْطرُهُ بالدموع ويَصْرُخُ: لن يأخذوك
71
وكان هُتَافُ الرّعاةِ يشُقّ إليهِ السكونْ
72
فيسقُطُ من روحه في هُوًى من أسًى وجنونْ
73
وراح يغنّي لملهِمه في جَوًى وانْفعالْ
74
ويخلطُ بالدَّمْع والملح ترنيمَهُ للجمالْ
75
ولكنّ صوتَ الجماهيرِ زادَ جُنونًا وثورهْ
76
وعاد يقلِّبُ حُلْمَ الغلامِ على حدِّ شفرهْ
77
ويهبطُ في سَمْعه كالرّصاص ثقيلَ المرورْ
78
ويهدمُ ما شيّدتْهُ خيالاتُهُ من قصور
79
وأين سيهرُبُ أين يخبّئ هذا الجبينْ
80
ويحميهِ من سَوْرة الشَّوْقِ في أعين الصائدين
81
وفي أيّ شيء يلفّ أشعَّتَهُ يا سَمَاءْ
82
وأضواؤه تتحدّى المخابئَ في كبرياءْ
83
ومرّتْ دقائقُ منفعِلاتٌ وقلبُ الغُلامْ
84
تمزِّقُهُ مُدْيةُ الشكِّ في حَيْرةٍ وظلامْ
85
وجاء بفأسٍ وراح يشقّ الثَّرَى في ضَجَرْ
86
ليدفِنَ هذا الأسيرَ الجميلَ وأينَ المفرْ
87
وراحَ يودِّعُهُ في اختناقٍ ويغسِلُ لونهْ
88
89
بأدمعِه ويصُبّ على حظِّهِ ألفَ لعنَهْ
90
وحينَ استطاعَ الرّعاةُ المُلحّون هدْمَ الجدارْ
91
وتحطيمَ بوّابةِ الكوخ في تَعَبٍ وانبهارْ
92
تدفّقَ تيّارهم في هياجٍ عنيفٍ ونقمهْ
93
فماذا رأوا أيّ يأسٍ عميق وأيّة صَدْمَهْ
94
فلا شيءَ في الكوخ غيرَ السكون وغيرَ الظُّلَمْ
95
وأمّا الغُلامُ فقد نام مستَغْرَقًا في حُلُمْ
96
جدائلُهُ الشُّقْرُ مُنْسدلاتٌ على كَتِفَيهِ
97
وطيفُ ابتسامٍ تلكّأ يَحلُمُ في شفتيهِ
98
ووجهٌ كأنَّ أبولونَ شرّبَهُ بالوضاءهْ
99
وإغفاءةٌ هي سرّ الصَّفاءِ ومعنى البراءهْ
100
وحار الرُّعاةُ أيسرقُ هذا البريءُ القَمَرْ
101
ألم يُخطِئوا الاتّهام ترى ثمّ أينَ القَمَرْ
102
وعادوا حَيارى لأكواخهم يسألونَ الظلامْ
103
عن القَمَر العبقريّ أتاهَ وراءَ الغمامْ
104
أم اختطفتْهُ السَّعالي وأخفتْهُ خلفَ الغيومْ
105
وراحتْ تكسّرُهُ لتغذّي ضياءَ النجومْ
106
أمِ ابتلعَ البحرُ جبهتَهُ البضّةَ الزنبقيّهْ
107
وأخفاهُ في قلعةٍ من لآلئ بيضٍ نقيّهْ
108
أم الريحُ لم يُبْقِ طولُ التنقّلِ من خُفِّها
109
سوى مِزَقٍ خَلِقاتٍ فأخفتْهُ في كهفها
110
لتَصْنَعَ خُفّينِ من جِلْدِهِ اللّين اللَّبَنيّ
111
وأشرطةً من سَناهُ لهيكلها الزنبقي
112
وجاء الصباحُ بَليلَ الخُطَى قمريّ البرُودْ
113
يتوّجُ جَبْهَتَهُ الغَسَقيَّةَ عِقْدُ ورُودْ
114
يجوبُ الفضاءَ وفي كفّه دورقٌ من جَمالْ
115
يرُشّ الندى والبُرودةَ والضوءَ فوق الجبالْ
116
ومرَّ على طَرَفَيْ قدمَيْه بكوخ الغُلامْ
117
ورشَّ عليه الضياءَ وقَطْرَ النَّدى والسَّلامْ
118
وراح يسيرُ لينجز أعمالَهُ في السُُّفُوحْ
119
يوزِّعُ ألوانَهُ ويُشِيعُ الرِّضا والوضوحْ
120
وهبَّ الغلامُ مِنَ النوم منتعشًا في انتشاءْ
121
فماذا رأى يا نَدَى يا شَذَى يا رؤى يا سماءْ
122
هنالكَ في الساحةِ الطُّحْلُبيَّةِ حيثُ الصباحْ
123
تعوَّدَ ألاَّ يَرَى غيرَ عُشْبٍ رَعَتْهُ الرياحْ
124
هنالكَ كانت تقومُ وتمتدّ في الجوِّ سِدْرَهْ
125
126
جدائلُها كُسِيَتْ خُضْرةً خِصْبةَ اللون ِثَرَّهْ
127
رعاها المساءُ وغذَّت شذاها شِفاه القَمَرْ
128
وأرضَعَها ضوءُه المختفي في الترابِ العَطِرْ
129
وأشربَ أغصانَها الناعماتِ رحيقَ شَذَاهُ
130
وصبَّ على لونها فضَّةً عُصِرَتْ من سَناهُ
131
وأثمارها أيّ لونٍ غريبٍ وأيّ ابتكارْ
132
لقد حار فيها ضياءُ النجومِ وغارَ النّهارْ
133
وجُنّتْ بها الشَّجَراتُ المقلِّدَةُ الجامِدَهْ
134
فمنذ عصورٍ وأثمارُها لم تَزَلْ واحدهْ
135
فمن أيِّ أرضٍ خياليَّةٍ رَضَعَتْ أيّ تُرْبهْ
136
سقتْها الجمالَ المفضَّضَ أي ينابيعَ عذْبَهْ?
137
وأيةُ معجزةٍ لم يصِلْها خَيالُ الشَّجَرْ
138
جميعًا فمن كلّ غُصْنٍ طريٍّ تَدَلَّى قَمَرْ
139
ومرَّتْ عصورٌ وما عاد أهلُ القُرى يذكرون
140
حياةَ الغُلامِ الغريبِ الرُّؤى العبقريِّ الجُنون
141
وحتى الجبالُ طوتْ سرّه وتناستْ خطاهُ
142
وأقمارَهُ وأناشيدَهُ واندفاعَ مُناهُ
143
وكيف أعادَ لأهلِ القُرى الوالهين القَمَرْ
144
وأطلَقَهُ في السَّماءِ كما كانَ دونَ مقرْ
145
يجوبُ الفضاءَ ويَنْثرُ فيه النَّدَى والبُرودهْ
146
وشِبْهَ ضَبابٍ تحدّر من أمسياتٍ بعيدهْ
147
وهَمْسًا كأصداء نبعٍ تحدّر في عمْق كهفِ
148
يؤكّدُ أنَّ الغلامَ وقصّتَهُ حُلْمُ صيفِ
تعليقات القراء 0