في غفلة الدهر ما للفنّ أَوطارُ

100 أبيات | 256 مشاهدة

فــي غــفــلة الدهـر مـا للفـنّ أَوطـارُ
ولا يــنــيــل المُـنـى للفـضـل مـقـدارُ
ولا لآلِ اللُهـــى والجـــود مــكــرمــةٌ
لو فــاض مــن كـفّهـم بـالبـذل إبـحـارُ
ولا لآل النُهـــى بـــالرأي صـــائبـــةٌ
لوزالَ فـــي صـــائب الآراءِ إِخـــطـــارُ
ولا لليــث الشَــرى بــالروع مــقــدرةٌ
أمــسـى يـصـول عـليـهِ بـالوَغـى الفـارُ
وكــم فــصــيــحٍ تــردّى آنِــفــاً صَــمـمـاً
وأبـــكـــمٍ قــد تــبــدّا وهــو مــهــذارُ
وكــم حَــليــمٍ لقــد خــالوهُ ذا حُــمــقٍ
وكــم حــكــيــمٍ نُهــاهُ عــنــدهــم عــار
وكــم جــهــول أتــى يَــزهــو بــغــرَّتــهِ
مــمــدوحــةٌ مـنـهُ بـيـن النـاس أطـوارُ
وكــم نِــقــابٍ فــلا تَــرجــى مـنـاقـبـهُ
وكــم مَهــوبٍ فَــلَم يــعــبـأ بِهِ الجـارُ
وكَـــم بَـــليــغٍ لقــد ذمَّتــ بــلاغــتــهُ
وأَبــكَــمٍ أَعــجَــمٍ فــي مــدحــهِ حــاروا
وَكَــــم أَديــــب أريـــبٍ شـــاعـــرٍ لســـنِ
أمــســى كــبـاقـل أعـيـت مـنـه أَفـكـارُ
وَكَـم أتـوفٍ رقـى أسـمـى المـنـابـر في
ألفــاظ جــهــلٍ فــقـالوا تـلك أشـعـار
قـــالوا غـــروراً بــهِ نــجــمٌ لهُ غــررٌ
وليــــس يـــدرون أن النـــجـــم غـــرّارُ
وكــم هــمــامٍ لقــد أَمــسـى بـلا هِـمَـمٍ
أوهـــت عـــزائمـــهُ بـــالهـــمّ أكـــدارُ
وكــم شــجــاعٍ طــويــل البـاع ذي جَـلَدٍ
غُــــلّت أيــــادٍ لهُ والجــــبـــنُ كـــرّارُ
وَكَــم جــســورٍ يَــروع الكــون هــيـكـله
قــد قـيـل لا روح فـيـهِ فـهـو مـجـدارُ
وَكَـم خـسـيـفٍ ضَـعـيـف القـلب سـاد عُـلا
تــطــول مــنـهُ عـلى البـاعـات أشـبـارُ
وكـــم زمـــيــنٍ ذليــل جــاءَ ذا عــظــمٍ
يَــخـلو لهُ فـي رهـان السَـبـق مِـضـمـارُ
وَكَــم ســبــوح تــحـاكـي الريـحَ ثـائرة
تــقــدَّمــتــهــا لدى الغــارات أَغـيـارُ
تــــخـــيَّلـــوهـــا كـــبـــرذونٍ بِهِ عَـــرَجٌ
وأَجــبَــسُ العــيــر نــودي ذاك طــيّــارُ
وَكَــم فــقــيــر حــقــيـرٍ يَـلتَـقـي درراً
وافــتــهُ فـي طـلعـةِ الإقـبـال أقـدارُ
وكــم غَــنــيٍّ ســنــيٍّ بــات مــفــتــقــراً
قــــد فــــرَّ حــــظٌّ لهُ والحــــظُّ فــــرّارُ
وَكَــم كَــبــيــرٍ خَــطــيـرٍ كـان ذا خَـطَـرٍ
لا يَــتَّقــي خــطــراً مــا شــطَّتــ الدارُ
والآن أَمـسـى وضـيـعـاً والوضـيـع سـما
قــدرا لهُ مــن غــرور الدهــر أنـصـارُ
تَـــلقـــى الدراري فـــي هـــونٍ مُــذخَّرَة
إذ حَــفَّ فــي مـركـز التـيـجـان إِدخـارُ
وَكَــم كَــريــمٍ مــن الأَلمــاس فـي عـدمٍ
تَــســمــوهُ مــن حــرَّةٍ دَهــمــاء أحـجـارُ
كَــم شــاهـقٍ بـات مـخـفـوضـاً بـرفـعـتـهِ
واعــتــزَّ فــي عــمــقــهِ غــورٌ بـهِ غـارُ
وكـم صـعـيـدٍ بـهـا نارُ اللظى اِشتعلت
قَــد قــيــلَ ذي فَــلكٌ فــيــهـا سِـنِـمّـارُ
وكــم صــبـاحٍ بـهِ شـمـس الضـحـى بَـزَغَـت
آلوا مُـــصـــريــن أن النــور أعــكــارُ
وكــم قــفــارٍ تــراهـا لا حِـراكَ بـهـا
بـــلاقـــعٌ لم يـــزرهـــا الدهــرَ زُوّارُ
قـالوا بـهـا الأنـس قد ضاءَت زواهرهُ
وَقــيــل عـن مـجـمـعٍ الإيـنـاس أقـفـارُ
وَكَـم مـهـاةٍ لهـا شـمـس الضـحـى سـجـدت
مَــليــكـة الحـسـن طُـرّاً وهـي مِـخـفـارُ
قـد عـابـهـا أهـل هَـذا الدهر في خَفَرٍ
يـا قـوم هَـل بـعـد هَـذا الكفر أكفارُ
وَكَـــم قـــســيــمٍ وســيــمٍ نــاضــرٍ بَهــجٍ
تــنــبــثُّ مــن فــرقــهِ للشــمـس أنـوارُ
وَكَــم صــبــيــحٍ مَــليــحٍ صـبـحُ جـبـهـتـهِ
تَـرنـو لَهُ مـن سـمـا الأفـلاك أقـمـارُ
وكَــم ظــريــفِ لَطــيــفٍ لامــعٍ بــســنــى
لم تــغــش أنــوارَهُ بــالكــون أسـتـارُ
وَكَـــم أَســـيـــلِ كـــحـــيـــلٍ زانَهُ حَــوَرٌ
وَرديَ خــــدٍّ لهُ بــــالفــــرقِ أســـفـــارُ
وَكَــم رَقــيــقٍ رَشــيــقٍ مــائسٍ هَــيَــفــاً
يــضــارع البــان ليــنــاً وهــو خـطّـارُ
وأحـــورٍ فـــاتــنٍ مــن ريــش مــقــلتــهِ
كَــم جــال بــالنــاس فــصّــامٌ وهَــبّــارُ
وأَهـــيـــفٍ ذي شــطــاطٍ ليــن قــامــتــهِ
غـــصـــنٌ مـــن البـــان مـــيّـــاسٌ ودوّارُ
إن مـاس ضـاعَـت طـيـوبٌ بـالأريـج سَـرَت
مِـسـكـاً وفـيـهـا مـن القـنـطـار قنطارُ
أوقـد تَـبـخـتَـرَ مـنـهُ الجـعـد فـي أَرَجٍ
تَــطــيـبُ مـنـهُ بـطـيـب النَـشـر أمـصـارُ
تــنــسَّمــُ الكــون مــن أرجــاءِ عَـرفِهـمِ
أقــلُّهــم نــفــحــةً قُــل ذاك مِــعــطــارُ
قـد غـودروا واِنـثـنَت آل الصبابة عن
تِــلك المـلاحـة قـبـح الزنـج تـخـتـارُ
يــا رب إنــي عــدولٌ بــالشــهــادة لا
تــكــتــب عــليَّ ذنــوبــا أنــت غَــفّــارُ
أقــول لو جــاءَت الجــنــات مــع سـقـرٍ
وَقـــيـــل هـــذي سَـــلامٌ تـــلك أضـــرارُ
لقــيــل عــن سَــقَــرٍ دار السـلام وعـن
دار النــعــيـم بـهـا قـد أَجَّتـ النـارُ
مــاذا الصــنـيـع الَّذي لم يَـلقَهُ زَمَـنٌ
قــبــلاً وليــس لَهُ فـي الكـون تـذكـارُ
أَفــعــلةُ الدهــر هــذي حــيـن غـفـلتـهِ
أم قــلَّمــا يَــلتَــقــي للنــاس أبـصـارُ
ويــحٌ لدهــرٍ أَتــى ذا الانــعـكـاس بِهِ
تــبــاً لهُ مــا مَــضـى بـالدهـر أدهـارُ
تَـــعـــســـاً لهُ مـــن ظــلومٍ فــي حُــمــقٍ
يُــرضــي ذوي الجــهــل للحــذاق غَــدّارُ
كَـم بـاتَ مـن عـكسهِ ذو الفضل ذا كمدٍ
وكَــم تــجــدَّثَ مـن ذا القـهـرِ سـفـسـارُ
والبـارق البـادق الهـنـديُّ فـي عـدمٍ
وَلَيــسَ يــعــمـل فـي اليـعـفـيـد بـتّـارُ
والسـقـر أضـحـى ذَليـلاً والبـعوض سما
وأدخـر البـاز فـي البـأسـاءِ مـخـطـارُ
وَليــنــةُ الأيــك للفــولاذ فــاصــمــةٌ
ويــحــطــم الصــخــرة الصــمّــاءَ فـخّـارُ
لو شــاهَـدوا لَيـنَ الأعـطـاف ذا هَـيَـفٍ
طــول الرديـنـي لقـالوا ذاك جـعـظـارُ
أَو عـايَـنـوا الراح ضـاءَت في مشعشعةٍ
حــبـابـهـا فـي حـواشـي الكـاس أبـدارُ
يــديـرهـا كَـوكَـبٌ شـطـرَ النَـديـم كـمـا
تــدارُ شَــمــسٌ أجــابــوا تـلك مـصـطـارُ
لَو جـــئت فـــي ســـكـــرٍ صـــافٍ ولذتـــهِ
لقـــيـــل فـــيـــهِ ســوادٌ وهــو صُــبّــارُ
أو قـيـل يـا قـوم إن الشـهـد ذو دسمٍ
لقـيـل هَـل بـعـد ذا الإمـقـار إمـقارُ
أو جــاءَ مــن روضـة الولدان ذو حَـوَرِ
أَســـيـــل خـــدٍّ لآلوا ذاك قُـــشـــبـــارُ
يَــثـنـون مـدحـاً لِقَـومٍ لا ثَـنـاءَ لهـم
وَيَــرتَـقـي مـن بَـنـي العـمـيـاءِ فـجّـارُ
يـا ذا الظـلوم الَّذي لم يَـخـشَ نائبةً
أَمـــا ســـمـــعـــتَ بـــأن اللَهَ قـــهّــارُ
أَنّــى تــجــور بــأفــعـال الردى أبـداً
إلى مَ تَــبــغــي أمــا عـن ذاك إِصـدارُ
حَــتــىّ مَ تـقـهـرُ آل الفـضـل فـي عـمـلٍ
لا تَــرتَــضـيـهِ بـمـاضـي الدهـر كُـفّـارُ
حـتـىّ مـا تـزجـر ذا المـعقول في سَقلٍ
لَم يــأَتِ فــي مــثــلهِ مـن قـبـل جَـزّارُ
حـتـىّ م تـحـصـر أربـاب المـحـامـد عـن
تــحــصــيــل آمــالهـم هـل ذاك أصـمـارُ
حـتـىّ م تَـلقـي أولي الألباب في كمدٍ
إن دام ابّـــانـــهُ لم يَــبــقَ أَعــمــارُ
حـتـىّ مَ تَـبـغـي بِهَـذا الجـور عـن سَفَهِ
مـن أقـبـح الظـلم في الأرزاء إصرارُ
أَنّــي تُــســاوي جــهــولاً بـأمـريٍ فَـطـنٍ
هــل مــن أَتــوفٍ تــســاوى فـيـهِ نـبّـارُ
أَنّــى تــخـالط فـي الأسـرار كـلَّ فَـتـى
أَلَيـــسَ هَـــذا كـــتـــومٌ ذاك مــجــهــارُ
أَنّــى تــصــدِّرُ فــي الســرّاءِ ذا حُــمــقٍ
وَيَــزدَري فــي حــفــيــظ العـهـد شُـطّـارُ
أَنّـــى تـــكــبّــرُ مــقــداراً لذي صِــغَــرٍ
وَيـأَلف القـهـر فـي التَـصـغـيـر كُـبّـارُ
أَنّــى تــوطــي ســنــيّــاً مــع أَخـي شَـرفٍ
كـي يَـرتَـقـي فـي ذرى العـليـاء بـقّارُ
هَـل تـجـهـل العُـرف والمـعـروف قـاطبةً
فــــقــــلت ســــيّـــان زَبّـــالٌ وعَـــطّـــارُ
أَم تــعـشـق الظـلم تـأَبـى كـل مـعـدلةٍ
أم جــاز يــعــلو عـلى العـطـريّ بَـزّارُ
هَـلا تَـرى الفـرق بـين الناس في شَبَهٍ
هَــل يَــســتَــوي نــابــقٌ فـيـهـم وجَـوّارُ
هَــلا ســمــعــتَ بــأَنَّ الجـهـل فـي عَـدَمٍ
وصـــاحـــب الفــضــل للأســرار أســرار
هَـــلا رأَيـــتَ ريــاضَ العِــزِّ يــانــعــةً
هَـل ضـارعـتـهـا مـن السـحـراء مقفارُ
هـــلا تـــذكـــرتَ داوداً بـــنــغــمــتــهِ
مـا الحـكـم إن جـاءَ بـالتَـقليد زَمّارُ
يـا فـاقـد العـيـن هَـل تَجتاز في أثرٍ
وهَــل يــروقــنَّ بــعــد العــيــن آثــارُ
فـحـد عـن الغـيّ كـن بـاللَه مـعـتـقـداً
فـالكـفـر أن تـخـدمـا لأقـنـان أحرارُ
واخــشَ الإلهَ عــلى غــيٍّ هــمــمــتَ بــهِ
واعــلم يَــقــيــنــاً بــأن اللَه جـبّـارُ
واحــبُ البَــريَّةــ كــلاً مــا يَـليـق لَهُ
لا تَــتــبــع الغـدر إن الجـامَ عَـيّـارُ
أَنــى تــســاعـد فـي هَـذا الغـرور ولا
تَــرتــاب إن فــاخــر الأبـرار أشـرار
رَقَّيــــتَ كـــلَّ دنـــيٍّ مـــتـــن ضـــامـــرةٍ
عــنــد الرهـان لهـا بـالعـدو إِبـهـارُ
يـعـتـزُّ فـي جـريـهـا تـيـهـاً بـلا خـبرٍ
لديــــهِ ســــيّـــانِ إقـــبـــال وإدبـــار
والشـهـم غـادرتـهُ فـوق الثـرى دَنِـفـاً
لم يــرقَ مــتـنـاً ولا تـأَتـيـهِ أكـوارُ
وَالكَـلب أضـحـى بـمـسـعاك الردي أسداً
اسـمـاً وَفـي الروع هـل للكـلب أظـفارُ
يا منبع الظلم يا ذا الجور في حَدَثٍ
فـي مـثـلهِ مـا أتـت مـن قـبـل أعـصـارُ
لا تـكـثـر الجـورَ واحـذر دَورَ غـائلةٍ
قـد قـيـل فـي الجور بالإقلال إكثارُ
إِنّـي لأهـجـر يـا ذا اللوم مـا عَـلِقَت
روحـي ومـا قـد نـمـا بـالعـمـر أعمارُ
ولو أَتَــتــنــي جــيــوشٌ مـنـك فـي كَـدَرٍ
إنـــي جَـــســورٌ ولي فــي الروع تــزآرُ
وَلي عَـــلى الجـــور أَفــكــارٌ مــوسَّعــةٌ
لا يَــعــتَـري هـمـتـي بـالدهـر إحـسـارُ
إنــي صَــبــورٌ ولا أرتــاد مــن ضــجــرٍ
دأبــي ومــن شـيـمـتـي للنـفـس إصـبـارُ
ولا يَــروعــنــي الخـطـب الشـديـد وإن
قــد حــلَّ فــي كــبــدي طــعــنٌ وإِنـثـارُ
كـــن كـــيــف شــئتَ عــليَّ إنّــنّــي رجــلٌ
صــبــري ســمــيــري وإنــي فــيـه دَيّـارُ
مـازجـتَ أهـليـكَ بـالأعـمـال مـنـعـكساً
ركـبـان أضراركم في ذا الورى ساروا
إنــي لاشـكـوك للمـولى القـديـر ومـن
يـلغـي البـغـاة ومـا فـي ذاك إنـكـارُ
يـا رب عـونـاً عـلى كـيـد الزمان وجد
بــيــقــظــة الدهـر لطـفـا أنـت نـصّـارُ
وارفـق بـمـن جـاءَ فـي بـكرٍ تلَت علناً
فــي غــفــلة الدهـر مـا للفـن أوطـارُ

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك