ما مرَّ حرُّ الصيفِ والهجيرِ

39 أبيات | 565 مشاهدة

مــا مــرَّ حـرُّ الصـيـفِ والهـجـيـرِ
وآذن الخــــريـــفُ بـــالظـــهـــورِ
حــــتــــى ذوت عـــرائسُ الزهـــورِ
وانــقــطــعــت زقــزقــةُ الطـيـورِ
وزال حـــســـنُ الروض والغــديــرِ
جُـرِدّت الأغـصـانُ مـن حلوِ الثمر
واكـتـسـتِ الأرضُ بـاوراق الشجر
فـالروضُ كـالعـاشـقِ يبدو للنظر
سـكـوتـهُ يـتـركُ فـي النـفـس أثر
تــضــيــقُ عــنــهُ فُـسـحَـةُ الصـدورِ
لا حـسَّ فـي ذاك المكان المقفِرِ
يُــســمــع الا صــوت ريــحٍ صـرصـرِ
وليــــس للحـــيِّ بـــهِ مـــن أَثـــرِ
لولا خــيــالٌ لاح بـيـن الشـجـرِ
كـــأنـــهُ مـــن عـــالم النــشــورِ
فــتــىً بـلا عـزمٍ حـزيـنُ النـفـسِ
اوشـــك ان يُـــدرَجَ طـــيَّ الرمـــسِ
يَــمــشــي بـبـطـءٍ خـافـضـاً للرأسِ
مـــشـــرَّدَ الحــسِّ شــديــدَ اليــأس
مـسـتـغـرقـاً فـي لجـة التـفـكـير
إذ وقــف الفــتــى عــن التـقـدُّمِ
ورَمــقَ الروضَ بــطــرفِ المــغــرمِ
ثـــم جـــرت أدمـــعـــهُ كــالديــمِ
وصــاح صـوتـاً مـن عـظـيـم الالم
حـــنَّتـــ لهُ جـــلامـــدُ الصــخــورِ
روضـي الذي اهـواهُ مذ كنتُ صبي
إِقـــبَـــل وَداعَ عـــاشـــقٍ مــعــذَّبِ
كــم عـلَّل النـفـسَ بـنـيـلِ الأربِ
فـلم يَـفُـز فـي الحبِّ بعد التعبِ
إلا بـــقـــلبٍ مـــوجـــعٍ كــســيــرِ
يـا روضُ مَـن تـعـهدُ قلبي عبدَها
قـد نَـكَـثـت حـبـي وخـانـت عَهدها
أمــا أنــا فــلسـتُ انـسـى وُدهـا
وحـيـث لا يـطـيـبُ عـيـشـي بعدها
وجــدت مــوتــي اطــيــبَ الأمــورِ
اقـــضـــي وذا حـــدادُكَ المـــروعُ
إلى انـقـضـا عـمـري أراهُ يُـلمعُ
وكـــلُّ ورقـــةٍ امـــامـــي نَـــقَـــعُ
فــيــهـا دليـلٌ أن مـوتـي مـسـرعُ
وأنـــنـــي ســـاعٍ إلى القـــبــورِ
أيــتــهـا الأوراقُ دومـي وقـعـا
وسـتـري هـذا الطـريـق المُـفجعا
وحـجـبـي عـن عـيـن أمـي مـوضـعـا
يـكـون لي عـمـاً قـريـبٍ مـضـجـعـا
يــحــوي عــظــامــي أبـد الدهـورِ
لكــن إذا جـاءَت حـبـيـبـتـي إلى
قـبـري تـبـكي تحتَ استارِ الدُجى
فــأحــدثــي حــركــة فـوق الثـرى
وايـقـظـي مـن نـومـهِ طـيـفي عسى
يـــذوق حـــيـــثـــاً لذة الســرورِ
فــاهَ بـذا القـول وولّى مُـدبـرا
ولم يعد من بعدُ في الروض يُرى
آخــرُ ورقــةٍ هــوت فــوق الثــرى
قـــد لفـــظــت آخِــرَ حــرفٍ سُــطِّرا
مـن عـمـرهِ فـي دفـتـر المـقـدورِ
قــضــى ولم تُــقــضَ لهُ بــغــيـتـهُ
فـي حـبّ مـن ذابـت بـهـا مـهـجتهُ
فــي ظــلّ ســروٍ جُــعــلت حُــفــرَتُهُ
لكــنــمــا لم تــأتِ مــحــبـوبـتُهُ
تــنــوح فـوق الحـجـر المـهـجـورِ
لم تــأتِ تــبــكـي مـيـتَ الغـرامِ
ولا رعــــت للحــــبّ مـــن ذمـــامِ
بــل كــان راعٍ بــصـدى الاقـدامِ
يُــــقــــلِقُ وحـــدهُ عـــلى الدوامِ
ســكــون ذاك المــدفـن الحـقـيـرِ

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك