من كان في عقل وفي انتباه

116 أبيات | 588 مشاهدة

مـن كـان فـي عـقـل وفـي انـتـباه
فـــلا يـــديــن غــيــر ديــن الله
الديـن فـاعـلم رأس مـال المسلم
والربــح مــعــدوم إذا لم يـسـلم
فـــالقـــول بــالحــلول واتــحــاد
مــقــال أهــل الزيــغ والإلحــاد
كــالقــول بــالعــلة والطـبـيـعـة
فــهــو مــن العـقـائد الشـنـيـعـة
وقــد أقــام الله فــيـنـا عـلمَـا
أئمـــة يـــبــنــون مــا تــهــدمــا
مـثـل الامـام الشـيـخ بـدرالدين
ذي العـزم والرسـوخ والتـمـكـيـن
أدامــه الله لشــرع المــصــطـفـى
وديـنـه القـويـم سـيـفـاً مـرهـفـا
وفــي كــتــاب الصــادح والبـاغـم
تـــحـــاور الطــيــور والبــهــائم
نــظــم أبـي يـعـلى نـظـام الديـن
بــيّــن فــيــه غــايــة النـبـيـيـن
رداً عــــــلى أولئك الطـــــغـــــام
المــنــكــريــن البـعـث للأجـسـام
جــنــيــت مــنــه والتــقـطـت دررا
وزدت فــيــه بــعــض مــا تــيـسـرا
ونــــصــــه فــــي ذلك الكــــتــــاب
حـــدثـــنــي شــيــخ مــن الأعــراب
قــــال خــــرجــــت رائداً لأهــــلي
وكـــان ذاك العـــام عــام مــحــل
فــســرت مــن بــيـريـن نـصـف مـيـل
وقـــد ضـــللت لقـــم الســـبـــيـــل
وكــنــت إذ ذاك غــلامــاً يــفـعـه
لكــن قــواي كــلهــا مــجــتــمـعـه
جــســمــي جـمـيـع وجـنـانـي حـاضـر
مــاض عــلى الهــول جـسـور شـاطـر
فــعــنــدمــا أيــقـنـت أنـي جـائر
عــن مــقــصـدي قـمـت كـأنـي حـائر
اســـتـــرشــد الريــاح والنــجــوم
قــد ســتــرتــهــا دونــي الغـيـوم
فـــلاح لي شـــخــص قــريــب مــنــي
فــارتــعــت مــن ذاك وســاء ظـنـي
فــخــلتـه الغـول فـجـاشـت نـفـسـي
لأنــــهـــا لم تـــك أرض أنـــســـي
حـتـى إذا مـا اشـتـد مـنـه خـوفي
عــقــلت نــضــوي وجــذبــت ســيـفـي
فـــبـــان لي إذ لمـــع الحـــســام
وانـــجـــاب عــن لألائه الظــلام
نــخــل وأثــل فــقــصــدت قــصــده
وقـــلت أمـــســي وأبــيــت عــنــده
حـــتـــى إذا مــاجــئتــه وجــدتــه
يــهــفــو عــلى روض كــمـا أردتـه
عـــيـــون مـــاء وريـــاض أشـــبـــه
تــســمــع فــيـهـا للطـيـور جـلبـه
فـــقـــلت هـــذا مـــنـــزل أنـــيــق
وأنـــه بـــنـــجـــعـــتـــي خـــليـــق
ثــم عــقــلت نــاقــتـي فـي شـجـره
ونــلت مـن بـعـض النـخـيـل ثـمـره
ثـــم صـــعــدت نــخــلة لأهــجــعــا
فـي رأسـهـا مـن الأذى مـمـتـنـعا
وانـقـشـع السـحاب عن وجه القمر
فـبـان لي مـا كـان يـخـفـى وظـهر
وجـــاء بـــبـــر وهـــزبــر ونــمــر
والوحـش والطـيـر جـمـيـعاً تبتدر
والحـــشـــرات رجــلهــا ودقــهــا
مــفــتــنـة فـي خَـلقـهـا وخُـلقـهـا
وارتــفــع العــنـقـاء فـوق دلبـه
وهـو أمـيـر الطـير يبغي الخطبه
فــقــال حــمــدالله خــيــر نــطــق
وشـــكـــره فـــرض مـــبــيــن الحــق
الحــمــد لله عــلى مــا خــصــنــي
بــه مـن الخـلق البـديـع الحـسـن
أفــردنــي مــن لطــفــه وحـكـمـتـه
بـــصـــورة شـــاهـــدة بـــقـــدرتــه
حــتــى لقــد كــذب بــي الطــغــام
وشـــــك فـــــي وجــــودي الانــــام
لأنــهــم خــصــوا بــضــعــف وصـغـر
فــحــســبــوا مــثـلهـم كـل الصـور
فــانــكــروا مــا خــرق العــادات
وكــــــذبــــــوا روايــــــة الرواة
فـان يـكـن ديـنـهـم التـكـذيب بي
فــليــس ذاك مــنــهــم بــالعــجــب
لأنــهــم قــد كــذبـوا بـالصـانـع
وانــكــروا البــعـث ليـوم جـامـع
لجــوعــهــم والجــهــل شـر شـيـمـة
جـاءت مـع النـاس مـن المـشـيـمـة
فــهــم عــبــيــد الحــس والعـيـان
وخــصــمــاء العــقــل والبــرهــان
لا يـقـبـلون شـاهـداً غـير النظر
ولا يـطـيـعـون العـقـول والفـكـر
ومــنــهــم مـن يـجـحـد المـلائكـة
والجـن أيـضـا والأمـور الشائكة
كــذاك لو لم يــنـظـروا السـمـاء
لأنــكــروا النــجــوم والأنــواء
ســقــف رفـيـع فـوقـهـم بـلا عـمـد
مــا فــيــه أمــت شــائن ولا أود
وخـــيـــمـــة ليـــس لهــا أطــنــاب
يــعـجـز عـن أوصـافـهـا الأطـنـاب
وكــوكــب يــنــظــر فــي كــل بــلد
كــــانـــه مـــســـامـــت كـــل أحـــد
لو فـكـروا فـي جـرم هذا المشرق
حـــتـــى يــرى بــمــغــرب ومــشــرق
فــــي حــــالة واحــــدة كــــأنــــه
فــوقــك أو عــليــك مــنــه جــنــه
والأرض فـيـهـا عـبـرة للمـعـتـبر
تــخـبـر عـن صـنـع مـليـك مـقـتـدر
تــســقــى بـمـاء واحـد أشـجـارهـا
ونــــبــــعَـــةٌ واحـــدة قـــرارهـــا
والشـمـس والهـواء ليـسـت تـختلف
وأكــلهــا مــخــتــلف لا يــأتــلف
كــــذاك كــــل حــــيــــوان أصــــله
مــن نــطــفـة وقـد تـفـاوت نـسـله
فــإنــنــا فــي شـاهـد الحـس نـرى
هــذا أتــى أنــثــى وهــذا ذكــرا
وواحــــد تـــراه مـــثـــل العـــاج
لونـــــاً وأخـــــر كـــــليـــــل داج
لو أن ذا مــن عــمــل الطــبــائع
أو أنــه صــنــعــة غــيــر صــانــع
لم يــخـتـلف وكـان شـيـئاً واحـدا
هـل يـشبه الأولاد الا الوالدا
تـــقـــول لو أردت الاســتــدلالا
لفـــعـــل غــيــر ربــنــا تــعــالى
لو طـــبـــخ الطـــبـــاخ ألف قــدر
بـــالمـــاء واللحــم وحــب البــر
مــاجــاءه مــن بــعـضـهـا سـكـبـاج
ولا قــــــليــــــات وســـــوربـــــاج
بــل كــلهــا هــريـسـة إذ أصـلهـا
مــتــفــق لم يــتــفــاوت أكــلهــا
والشــمــس والهــواء يـا مـعـانـد
والمــاء والتــراب شــيــء واحــد
فـمـا الذي أوجـب ذا التـفـاضـلا
إلا حــكــيــم لم يــرده بــاطــلا
وزعــمــوا أن النــجــوم صــانـعـة
وأنــــهــــا ضـــائرة ونـــافـــعـــة
قـد كـذبـوا والله فـيـمـا زعموا
وعـن سـبـيـل الرشـد ضـلوا وعموا
ثــم الدليــل الواضــح المــبـيـن
لفــــعــــل رب مــــاله مــــعـــيـــن
مـــا صـــاغــه إمــام أهــل الأدب
بــقــوله المـسـبـوك سـبـك الذهـب
فــــي ســــاعــــة يــــولد ألف ألف
وحــالهــم نــهــايــة فــي الخــلف
فـــواحـــد يــمــوت فــي مــكــانــه
وواحـــد يـــعــيــش فــي أقــرانــه
وواحـــد ذو ثـــروة تـــطـــغـــيـــه
وواحـــد شـــبـــعـــتــه تــكــفــيــه
وواحـــد حـــبـــر تـــقـــي نـــاســك
وواحــــد غــــر جـــهـــول فـــانـــك
وواحــد عــبــد ذليــل مــضــطــهــد
وواحـــد حـــر مــليــك مــعــتــمــد
وواحـــد فـــي خَـــلقـــه وخُـــلقـــه
ريـح الصـبـا أو قـمـر فـي أفـقـه
وواحـــد يـــنـــوب عـــن جـــهـــنــم
بـــوجـــهـــه ورأســـه المـــســـنــم
وواحــــد لكــــل ظــــطــــرف ظــــرف
وواحـــــد فـــــظ غــــليــــظ جــــلف
ألفــاظــه غــليــظــة مــعــجــرفــة
لا يـعـمـل الفـأس بها والمجرفة
وواحـــد يـــفـــجـــاك بــالعــيــاط
كــــأنـــه يـــضـــرب بـــالســـيـــاط
وواحـــد كـــلامـــه مُـــخـــافـــتــه
تــأمــن فــي خــطــابــه مـخـافـتـه
وواحـــد إذا ســـمـــعـــت صـــوتـــه
تـــتـــمــنــى عــن قــريــب مــوتــه
وواحـــد إذا ســـمــعــتــه صــوتــه
تـخـشـى عـلى طـول الزمـان فـوقـه
وواحــــد فـــي صـــوتـــه اللحّـــان
كــأنــه القــمـري عـلى الأغـصـان
وواحــــد تــــســـدُّ مـــنـــه أذنـــك
مـن غـيـر أن يـعـلمـك أو يـؤذنـك
وواحـــد يـــمــشــي وفــيــه ثِــقَــل
كـــأنـــه عـــلى القـــلوب جـــبـــل
لو أنــه بــالنــيــل يــومـاً مـرا
لصــار فــي الحــال أجــاجـاً مـرا
فــاقــرأ عــليــه ســورة الزلزال
يــنــحــط عــنــك ثــقــل الجــبــال
فــاقــرأ عــليــه ســورة الزلزال
لعــــــــله يـــــــؤذن بـــــــالزوال
وواحــد فــي أكــله يـرعـى الأدب
وواحــــد يـــأكـــل مـــا هـــب ودب
وواحـــد فـــي ســـمـــتــه ســلطــان
وواحـــد فـــي طــيــشــه شــيــطــان
وواحــــد أحــــمــــوقــــة شـــمـــوس
وواحـــــــد مـــــــدبــــــر ســــــؤوس
دواء كـــل أحـــمــق أن يُــتــركــا
إن رضـــاه غـــايـــة لن تـــدركــا
وواحــــد أســــعــــد مــــن عــــروس
وواحــــد أســــأم مــــن بــــســــوس
وواحـــد مـــثـــل غـــراب البــيــن
يـــخـــبـــر بـــالشــر وكــل شــيــن
وواحـــد إن جـــاء مــن يــنــاصــح
يـــظـــنــه قــرنــاً بــه يــنــاطــح
وواحــــــد بـــــصـــــره حـــــديـــــد
مــرمــامــه إذ يـرمـي بـه بـعـيـد
وواحــــد بــــصــــيــــرة وبـــصـــرا
أعــمــى يــراه غــيــره ولا يَــرى
وواحــد أعــشــى عــشــى الخــفــاش
يــنــاطــح الحــيــطــان وهـو مـاش
وواحـــد يـــجــول مــثــل قــســورة
يــوم الوغــى مــيـمـنـة ومـيـسـرة
وواحـــد كـــالألف فــي الشــدائد
والألف فــيـهـا لا يـفـي بـواحـد
وواحـــــد كـــــف له مــــبــــســــوط
وواحـــــد كـــــأنـــــه مـــــربــــوط
وواحـــــد يـــــجـــــود بـــــالالوف
وواحـــد يـــؤذيــه خــيــط الصــوف
وواحـــد إذا تـــمـــطـــى وســـطـــا
اهدى إلى القبيح من طير القطا
وإنــــه عــــنــــد ذوي الألبــــاب
أضــل فــي الخــيــر مــن الغــراب
وواحــــد كــــلامـــه كـــالســـحـــر
وواحــــد كــــلامـــه كـــالصـــخـــر
وواحــــد فـــي نـــطـــقـــه يـــســـرُ
تــــود لو أنــــه يــــســــتــــمــــر
وواحــد لا تـشـتـهـي أن تـسـمـعـه
يــبــغـي حـزامـاً دائمـاً وبـردعـة
ســبــحــان مـن يـخـتـص بـالأسـرار
مــن شـا مـن العـبـيـد والأحـرار
ســبــحــان مـن يـخـتـص بـالأسـرار
مـا شـا مـن الأخـشـاب والأحـجار
ســبــحــان مـن يـخـتـص بـالأسـرار
مــاشــا مــن الزروع والأشــجــار
ســبــحــان مـن يـخـتـص بـالأسـرار
مــا شــا مــن الحـبـوب والثـمـار
لو أن ذا مــن عــمــل الطــبــائع
ما اختلفوا في الوصف والصنائع
بــل هــو مــن فـعـل حـكـيـم قـادر
وخـــالق للعـــالمـــيـــن فـــاطـــر
تــــخــــالف ليـــس له نـــهـــايـــة
فــي بــعــضــه عــن كــله كــفـايـة
والحـــمـــد لله عـــلى التـــمــام
والشــكـر فـي بـدء وفـي الخـتـام
ثـــم الصـــلاة والســـلام أبـــداً
عــلى خــتـام المـرسـليـن أحـمـدا
ثــــم عــــلى أصــــحـــابـــه والآل
أهــل التــقـى والعـلم والكـمـال

هل أعجبتك القصيدة؟ شاركها الآن

مشاركات الزوار

0
أضف تعليقك أو تحليلك