مهما تألّبت الأحداثُ والغيَر
للشاعر رفعت الصليبي
1
مــهــمــا تــألّبـت الأحـداثُ والغـيَـر
فـالنـصر يكتب في الجلى لمن صبروا
2
والدهـر مـهـمـا دجا ليل الخطوب به
يـصـفـو ويـنـجـاب عـنـه الغمّ والكدَر
3
فــان تــجــرعــتَ مـن أحـداثـه غـصـصـا
فـاصـبـر وقـبـلك فـي الأحداث يعتبر
4
يـا مـوطـنـي هجت من وجدي ومن شجَني
وكــان قــلبـي لمـا تـلقـاه يـنـفـطـر
5
فــي كــل نــاحــيــة جــرح يــنـزّ دمـا
شــكــا وضــج له لو يــشــعــر الحـجـر
6
هـذي فـلسـطـيـن كـم مـن مـحـنـةٍ عصَفَت
بـــأهـــلهـــا ودهـــاهــا ظــالم أشــرُ
7
قـد بـدّلوا أمـنَهـا جـوراً وأنـعـمـها
بــؤسـاً وعـزّتـهـا ذلاً ومـا ازدجـروا
8
أتــي ليــعــتــادُنــي هــمّ يــؤرّقــنــي
إمـا ادّكـرتُ وكـم تـعـتـادُنـي الذكـر
9
وقـفـتُ فـي أربـع المـاضـيـن أذكـرُهم
أسـوانَ والدمـع مـن عـيـنـيّ يـنـهـمـر
10
أســائل الحــرم القــدســي مـكـتـئبـا
أيـن الغـزاة وأيـن النـصـر والظـفر
11
وقــفــت أذكــر مــاضــيـه وفـي كـبـدي
مــن الأســى حــزنُ تــطـغـى وتـسـتـعـر
12
أيـن الألى شـيـدوا بـالعـدل مـلكهُم
قـدمـا ومـا نـكثوا عهدا ولا خفروا
13
وأيــن مــن دانـت الدنـيـا لعـزّتـهـم
وأيــن مــا روَت الأخــبــارُ والسـيَـر
14
صـحـائف المـجـد خـطّ العُـرب أسـطـرَها
تــكــاد تـطـمـسـهـا الأيـام والغـيـرَ
15
أبــنـاءَ صـهـيـون كـادوا كـلّ داهـيـة
واجـمـعـوا أمـرَهُـم للغـدر وائتمروا
16
وفــتّ فــي عــضــد الأوطــان مــرتــزق
رثّ الضــمــيــر وســمــســارٌ ومــؤتـجـر
17
واقــبــلت مــن فـجـاج الأرض شـرذمَـة
هــي الشـقـاء بـهـذا الكـون والوَضَـر
18
جـاؤوا فـمِـن حـالم يـهـذي بـمـمـلكـةٍ
ومـــن مـــراب شــحــيــح هــمّه البــدرُ
19
ومــن جــنــاةٍ وأفــاقــيــن أطــمَـعَهُـم
فـيـنـا التـخـاذُلُ والتـقصيرُ والخور
20
وهــم حــثــالات أقــوام تــقــاذَفَهــم
ريَـبُ الزمـان فـكـم ضلّوا وكم فجروا
21
لا تـــخـــدعـــنّـــك أوهــام تــضــلّهــم
ولا يـغـرنـك مـا شـادوا ومـا عمروا
22
تـفـنـى فـنـاء سـراب البـيـد أربعهم
ولا يـغـرّنَـك مـا شـادوا ومـا عمروا
23
بـالأمـس جاءت جموع الغرب واحتشدت
لم يـبـق فـي أرضـهـم نـابٌ ولا ظـفـرُ
24
مـن كـل فـج أتـوا باسم الصليب وهم
بــه وبــاللَه والأديـان قـد كـفـروا
25
يــســوقُهــم جــشَــعٌ طــاغٍ ويــحــفـزُهـم
إلى الغـلاب هـوى كـالنـار تـسـتـعـر
26
فــــالبــــوا كــــل ذئب جـــائع قـــرمٍ
وأقــبــلوا زمــراً مــن خـلفـهـا زمَـر
27
مـا كـان عـيـسـى أخـو حـرب بـه ظـمـأ
إلى الدمــاء ومــا فــيــهـا له وطـر
28
فــادي الورى نــزلَت للحــب شــرعــتُه
وتــلك آيــتــه المــســطــورة الغــرر
29
دعــا إلى الرفــق والايــثـار أمّـتَه
وللوئام ولكــــن عَــــقَّهــــُ البَـــشَـــر
30
فـاسـتـصـرخَ المـسـجد الأقصى غطارِفَةً
مـن كـل أشـوسَ فـي الهـيـجـا له خـطر
31
بـنـو العـروبـة والاسـلام يـحـفـزهم
إلى الجــهــاد يـقـيـن ليـس يـسـتـتـر
32
قوم إذا استصرخوا لبّوا وما جبنوا
شــروا نــفــوســهــم للّه وابــتــدروا
33
قـاد الصـفـوف صـلاح الديـن مـجتهداً
وتــحــت رايــتَهِ الإقــدامُ والظــفــر
34
وسـار يـسـحـق جـيـش البـغـي مـنـتصرا
تـعـنـو له الأرض والتـيجان والسرر
35
ردّ الغـزاة عـلى أعـقـابـهـم فـمـضوا
مــشــتــتــيــن ولم يـنـفـعـهُـم الحـذر
36
حــتــى أعــاد إلى الأوطــان عـزّتَهـا
ومــجــدهــا فــهـو طـودٌ ليـس يـنـدثـر
37
يـا قـوم أيـن صـلاح الديـن يـنفذُها
وأيـنَ حـطـيـن هـل عـن شـبـهـهـا خـبـر
38
وهــل يـعـيـد لنـا التـاريـخ سـيـرَتَه
الأولى فـنـبني على آثار من عبروا
39
إنــا ســنــبــعــثُهـا شـعـواءَ عـاصـفـةً
تـردي اللئام فـلا تـبـقـي ولا تـذَر
40
ويــا بــلادي ســنـجـلوا كـل غـاشـيَـةٍ
وســوف يــبــعــثُ حـيـا عـهـدُك النَـضِـر
41
جـبـالُك الثـم إن جـار الطـغـاة بها
ثارت على الظلم فهي النار والشَرَر
42
دم الشــبــيــبـة فـي أرجـائهـا عـبـقٌ
كـم مـهـجـة هـصـروا كم من دم هدروا
43
وكـم شـهـيـد قـضـى ظـلمـاً بـأربـعـهـا
وكــم شــريــدٍ غـريـب الدار يـنـتـظـر
44
ثــاروا وقـد نـذروا للحـقّ أنـفـسَهُـم
وفـي سـبيل العلا والمجد ما نذروا
45
أغــلوا الفــداء ومــن أغـلى الفـدا
ولم يـثـنـه مـن مـطـلب لا بدّ منتصر
تعليقات القراء 0