هو اللّه فاعرفه ودع فيه من وما
للشاعر ابن عديِّم الرواحي
1
هــو اللّه فــاعــرفــه ودع فـيـه مـن ومـا
2
دعـــاك ولم يـــتــرك طــريــقــك مــظــلمــا
3
عــن الحــق نـحـو الخـلق يـدفـعـك العـمـى
4
تـــقـــدم إلى بـــاب الكـــريــم مــقــدمــاً
له مــنــك نــفــســاً قــبــل أن تــتــقـدمـا
5
تــجــنــب قــيــود الحــظ فــالحـظ مـرتـهـن
6
وارهــق جــنــود النـفـس حـربـاً ولا تـهـن
7
وفــي ظــلمــات الطـبـع بـالحـق فـاسـتـبـن
8
وعــرج عــلى بــاب العــليــم فــســله مــن
مــواهــب نــور العــلم بــحــراً قــليـذمـا
9
أتـرضـى مـقـام الجـهـل تـخـبـط فـي السرى
10
بـــطـــامـــســـة أعـــلامـــهــا مــتــحــيــرا
11
تــطــلع لنــور العــلم واطــلب مــشــمــرا
12
فـمـن لم يـكـن بـالعـلم في الناس مبصرا
فــلا عــاش إلا فــي الضــلالة والعــمــى
13
ذوو العـــلم بـــيــن العــالمــيــن أعــزة
14
عــــلى درجــــات المــــصـــطـــفـــيـــن أدلة
15
وفــــي مــــلكـــوت اللّه للقـــوم شـــهـــرة
16
ومـــن لا له مـــن عــزة العــلم نــســبــة
فــــليـــس له إلا إلى الذلة انـــتـــمـــا
17
تــــــرق بـــــه فـــــالعـــــلم عـــــز وذروة
18
وحــــبــــل مـــتـــيـــن للتـــقـــاة وعـــروة
19
ووفــر الغــنــى فـي الجـهـل عـدم وشـقـوة
20
ومـــن لا له مـــن ثـــروة العـــلم ثــروة
فــمــن ثــروة الداريـن قـد صـار مـعـدمـا
21
قـــضـــى اللّه أن العــلم نــور وحــكــمــة
22
كـــمـــا أن أصــل الجــهــل شــؤم وظــلمــة
23
وإن رجــــال العــــلم للنـــاس عـــصـــمـــة
24
نــعــم عــلمـاء الديـن فـي الأرض نـعـمـة
عــلى الثــقــليــن عــمــت الكــل مـنـهـمـا
25
بـــه أصـــفــيــاء اللّه هــامــوا بــحــبــه
26
بـــه أدركـــوا حــســب الحــظــوظ لقــربــه
27
وهــم أوصــلوا الســلاك أســرار غــيــبــه
28
بـــهـــم شـــرف الداريـــن تــم فــهــم بــه
مـــلائكـــة بـــاهـــت مـــلائكـــة الســمــا
29
مــــلائكــــة ألبـــابـــهـــم وســـنـــاؤهـــم
30
أقـــامـــهـــم هـــذا المــقــام صــفــاؤهــم
31
عـــلى المـــلأ العـــلى يـــحـــق ولاؤهـــم
32
ألم تـــر فـــي القـــرآن أنْ أوليـــاؤهــم
مـــلائكـــة الرحـــمـــن فـــاللّه أعـــلمــا
33
لقــد نــطــق الوحــي العــزيــز بـنـبـلهـم
34
ولا حــبــل للمــســتــمــســكـيـن كـحـبـلهـم
35
بـــقـــولهـــم نـــور الهــدى وبــفــعــلهــم
36
أقــرت جــمــيــع الكــائنــات بــفــضــلهــم
عـليـهـا فـحـوت البـحـر فـي البحر هينما
37
إلى ربــهــا اســتــغــفــارهــا وخـشـوعـهـا
38
لهـــم إذ هـــم أمــطــارهــا وربــيــعــهــا
39
وخــالقــهــا فــي المــهـتـديـن سـمـيـعـهـا
40
ولم لا ولولاهــم تــلاشــت جــمــيــعــهــا
ولم يـبـق مـنـهـا فـي الوجـود لهـا سـمـا
41
مــصــابــيــح أرض اللّه مــهــبــط فــيــضــه
42
هــــداة لمــــســــنــــون الاله وفــــرضــــه
43
هــم شــفــعــاء العــبــد فــي يــوم عـرضـه
44
هــــم خــــلفـــاء اللّه فـــي أهـــل أرضـــه
بـــهـــديــهــم أمــت البــســيــطــة قــومــا
45
لأمــــرهــــم كــــل الكــــوائن أذعــــنــــت
46
لســلطــانــهــم بــالعــلم بــاللّه ســلمــت
47
لعــــزهــــم ذلت بــــنــــورهــــم اهـــتـــدت
48
لحــكــمــهــم الدنــيــا تــديـن وقـد عـنـت
ســلاطــيــن أهــل الأرض أعــظــم أعــظـمـا
49
عــلى الأرض والألبـاب فـي عـالم القـدس
50
يــرون بــنــور اللّه مــا غــاب كــالقـبـس
51
لأفـهـامـهـم كـالانـجـم الزهـر ما التبس
52
وآراؤهـــم تـــقـــضـــى بــهــن مــلائك الس
مــــوات فــــيـــمـــا قـــد أحـــل وحـــرمـــا
53
تــجــلت لهــم كــالشــمــس خــلف حـجـابـهـا
54
فــجــاؤا بــهــا بــراقــة فــي صــوابــهــا
55
حــقــائق شــرع فــي غــواشــي غــيــابــهــا
56
ولو لم يــكــن نــص الكــتــاب أتــى بـهـا
صــريــحـاً ولا الهـادي بـهـا قـد تـكـلمـا
57
هــدوا إذ هــم نــور إلى اللّه واهـتـدوا
58
إذ اتــزروا بــالعــلم بــاللّه وارتــدوا
59
حــداهــم مــن العــرفــان ذوق بــه حــدوا
60
غــدوا قـدوة الأمـلاك لمـا هـم اقـتـدوا
بــــمــــا لهــــم رب المــــلائك الهـــمـــا
61
ســمــا بــهــم العــرفـان أعـلى المـراتـب
62
ونــالوا مــقــامــاً فـيـه فـتـح المـواهـب
63
وفـــهـــم خــطــاب الحــق مــن كــل جــانــب
64
وذلك مــــن أدنــــى رفــــيـــع مـــنـــاقـــب
لهــم لم يــعــدوهــا فــخــاراً ومــكــرمــا
65
تــجــلى لهــم بــاســم المــبــيــن بــمـنـه
66
فــفــازوا بـظـهـر الوحـي كـشـفـا وبـطـنـه
67
وحــازوا بــفــتــح اللّه مــكــنـون ضـمـنـه
68
فـمـا اسـتـحـسـنـوا فـاللّه يـقـضـى بـحسنه
ومــا اسـتـقـبـحـوا إلا قـبـيـحـاً مـذمـمـا
69
لهـــم مـــن مــقــام الاجــتــبــاء عــليــه
70
ومــــن قــــدم الصــــدق الزكــــي رضـــيـــه
71
ومـــن مـــورد الاحــســان مــا طــاب ريــه
72
وربــــــك مـــــن والوه فـــــهـــــو وليـــــه
ومـــن خـــاصـــمـــوه كـــان للّه أخـــصــمــا
73
مـــلوك عـــلى مـــن يـــمــلك الأرض حــوله
74
لدى طــــولهـــم أدنـــى مـــن الذر طـــوله
75
فـــقـــيـــر عـــديـــم مـــن تــولاه جــهــله
76
هــم أغــنــيــاء العــصــر والعــصـر أهـله
قــد افــتــقــروا والمــال بـيـنـهـم نـمـا
77
ومــا لكــنــوز التــبــر شــأن لمــن فـهـم
78
إذا وزنــت فــي جــانــب العــلم والحـكـم
79
كـــنـــوز رجـــال اللّه أبـــقــى ووفــرهــم
80
يـــروم كـــنـــوز الأرض غـــيـــرهـــم وهــم
أصــابــوا كـنـوز العـرش وفـرا ومـغـنـمـا
81
رقـوا بـكـمـالات الهـدى مـنـتـهـى العـلى
82
وأنـــزلهـــم مــن قــربــه الحــق مــنــزلاً
83
وأوردهـــم مـــن مـــورد الود مـــنـــهـــلا
84
وهــم فـي الثـرى قـامـوا وأرواحـهـم إلى
ســمــا العـرش والكـرسـي أدونـهـمـا سـمـا
85
تـــولاهـــم قـــهـــر الشـــهـــود بـــحـــوله
86
وأفـــنـــاهـــم عـــن كـــل شـــيــء بــوصــله
87
فــغــابــوا عــن الأكــوان فـي غـيـب ظـله
88
ومــا قــنــعــوا بــالعــرش والفــرش كــله
فــجــازوا إلى أعــلى مــقــام وأعــظــمــا
89
رمــى بــهــم المـحـبـوب فـي المـحـورمـيـة
90
فــمــا أبــصــروا مــقـدار ذا الكـون ذرة
91
ولا وقـــفـــوا عـــنـــد الحــوادث لمــحــة
92
ولو وقــفــوا بــالعــرش والفــرش لحــظــة
لعــدوه تــقــصــيــراً وجــرمــاً ومــأثــمــا
93
إلى الحـــق اخـــلاصــاً وأخــذا بــحــبــله
94
قــد انــصــرفــوا عــن فــصــل كـون ووصـله
95
مـــقـــاصـــدهـــم مــقــصــورة تــحــت حــوله
96
تــــقـــدم فـــي ذاك الخـــليـــل بـــقـــوله
لجــبــريــل دعــنــي مــنــك اللّه مــسـلمـا
97
نــــفـــوســـهـــم فـــي اللّه للّه جـــاهـــدت
98
فــلم يــنـثـنـوا عـن وجـهـه كـيـف كـابـدت
99
عـــلى نـــقـــطـــة الاخــلاص للّه عــاهــدت
100
لمــلة إبــراهـيـم شـادوا فـشـاهـدوا الت
لفــــت للشــــرك الخــــفــــي مـــتـــمـــمـــا
101
تــــولاهـــم القـــيـــوم فـــي أي وجـــهـــة
102
وزكــــاهــــم بــــالمــــد والتـــبـــعـــيـــة
103
ولفــــاهـــم التـــوحـــيـــد فـــي كـــل ذرة
104
فــقــامــوا بــتــجــريــد ودامــوا بـوحـدة
عــن الانــس روم الأنـس فـيـهـا تـنـعـمـا
105
مــحــبــون لاقــى الكـل فـي الحـب حـيـنـه
106
نـــفـــوســـهـــم ذابــت بــه واصــطــليــنــه
107
فـلم يـبـق مـنـهـا الحـب بـل صـرن عـيـنـه
108
بـــخـــلوة لي عـــبـــد وســـتـــري بــيــنــه
وبــيــنــي عــن الأمــلاك والرسـل كـتـمـا
109
وأورثـــــهـــــم للحـــــب ارث النـــــبــــوة
110
فــكــانــوا دعــاة اللّه فــي خــيـر دعـوة
111
تــــرقــــوا بـــفـــيـــض اللّه ارفـــع ذروة
112
ومـــا بـــلغـــوا ذاك المـــقـــام بـــقــوة
ولكــن بـنـور العـلم قـد بـلغـوا الحـمـى
113
حــبــاهــم بــمـنـهـاج السـلوك اسـتـطـاعـة
114
فــلم يــتــركــوا فــيـه الحـقـوق مـضـاعـة
115
ونـــالوا أمـــام اللّه مـــنـــه شــفــاعــة
116
عـــشـــيـــة أعـــطـــوه عـــهــوداً مــطــاعــة
عــلى طــاعــة مــنــهــم غــداة تــحــكــمــا
117
قــد اتــخــذوا العــرفــان بــاللّه جــنــة
118
تــــاروا إليــــه مـــطـــلقـــيـــن أعـــنـــة
119
ومــذ أدركــوا مــنــه المــقــامــات مـنـة
120
وقـــد بـــايــعــوه أنــفــســاً مــطــمــئنــة
بــبــيــعــتــه والعـقـد بـالعـهـد أحـكـمـا
121
هـداهـم سـنـا العـرفـان والليـل قـد سجى
122
فــمــا جـهـلوا وهـو الدليـل المـنـاهـجـا
123
بــه عــرجــوا مــســتــبـصـريـن المـعـارجـا
124
فــجــذبــهــم فــي الســيـر للخـيـر والجـا
بــهــم أخــطــر الأهــوال حــيــن تـقـحـمـا
125
فــــنــــزهــــهــــم عــــن قـــيـــد أي ادارة
126
وأفــرغ مــجــهــوداتــهــم فــي العــبــادة
127
ومـــيـــزهــم عــن غــيــرهــم بــالســيــادة
128
فــــأبــــعــــدهـــم عـــن كـــل ألف وعـــادة
وعــــودهـــم شـــرب الشـــدائد عـــلقـــمـــا
129
فــجــدوا وشــدوا وانــتـووا شـقـة النـوى
130
وخـيـر لهـم فـي الجـهـد والعـري والطـوى
131
وفـي النـوح والتـذكـار والكـرب والجـوى
132
فـمـن بـعـد عـادى النـوم والشبع والروى
غـدوا حـلف الف السـهـد والجـوع والظـما
133
جــروا فــي مــيــاديــن الشــهـود تـقـدمـا
134
وصــدق الرجــا والخــوف فــيـهـم تـحـكـمـا
135
فــلم يــبــق كــون مــنــهــم مــا تــهـدمـا
136
فــنــدمــانــهــم عــاد البــكــاء تــنـدمـا
وأزمــانــهــم بــالنـوح قـد عـدن مـأتـمـا
137
فــســاروا عــلى تــغــريــد حــاد مــزعــزع
138
بـــــشـــــوق مـــــلح والتـــــيــــاع مــــروع
139
وغـابـوا عـن الأكـوان فـي مـنـتـهـى مـعي
140
وأوردهـــــم بـــــالحـــــزن لجـــــة أدمــــع
وأورى بـــهـــم للخـــوف نـــار جــهــنــمــا
141
تـــبـــدت لهـــم أكـــوانـــهـــم فــتــبــددت
142
نــفــوســهـم فـي السـحـق والمـحـق انـفـذت
143
إذا فــارقــت غــوراً مــن الدمــع انـجـدت
144
شــــدائد عـــودهـــا فـــوائد فـــاغـــتـــدت
عـــوائد أعـــيـــاد الســـرور تـــنـــعــمــا
145
مــصــائب عــامــوا فــي بــحــور صـعـابـهـا
146
وقــــروا عــــلى آســــادهــــا وذئابـــهـــا
147
وطــاب لديــهــم حــســو كــاســات صــابـهـا
148
ولو جــانــبــوهــا روم غــيــر جــنــابـهـا
لعـدوا بـحـكـم العـدل ذا العـدل مـأثـما
149
وتــلك بــفــضــل العــلم أهــنـى المـوارد
150
وأكـــرم مـــوهـــوب وأســـنــى المــشــاهــد
151
أتــعــلم مــثــل العــلم مــجــداً لمــاجــد
152
هـــــم صـــــدقــــوه وهــــو أصــــدق واعــــد
وأوفــى فــي ذمــام حــبــله ليـس أفـصـمـا
153
بـــه قـــطــعــوا أصــل العــلائق والهــوى
154
بــه أخــلصــوا فــي طـاعـة الحـق لا سـوى
155
بــه روض هــذا الكــون فــي عـيـنـهـم ذوى
156
بــه نــهــجــوا فــي كــل مــنـطـمـس الصـوى
فــكــان لم فــي كــل بــهــمــاء مــعــلمــا
157
تــــبــــيــــن لهـــم أســـراره كـــل كـــائن
158
ويـــخـــلصـــهـــم للحـــق مـــن كـــل شـــائن
159
فــطــوبــى لهـم يـجـري بـهـم فـي المـآمـن
160
ويــمــلى لهـم فـي السـيـر عـن كـل مـامـن
وجــــال إلى أســــوى طـــريـــق وأقـــومـــا
161
مـــقـــامــات أهــل اللّه مــنــه مــصــابــح
162
وكــــل مــــقــــام حــــله القــــوم رابــــح
163
وكـــل مـــقـــام العـــارفـــيـــن مـــذابـــح
164
وقــــاســــمـــهـــم بـــاللّه أنـــى نـــاصـــح
فــأنــهــى إلى أبــهــى مــقــام وأكــرمــا
165
لقــد قــام عــلم القــوم للحــق مــعـلمـا
166
وجــلى لهــم بــالكــشــف ســراً مــخــتــمــا
167
وفـــتـــح أقـــفـــالاً وأطـــلع أنـــجـــمـــا
168
وحـــل لهـــم رمـــزاً وكـــنــزاً مــكــتــمــا
مــن الســر قـد كـان الرحـيـق المـخـتـمـا
169
بــه ســلكــوا فــي حــبــه مــســلكــا جـهـل
170
وكـــلهـــم بـــيـــن المــشــاهــد قــد ذهــل
171
وكـــلهـــم مـــن مـــورد الحــب مــنــتــهــل
172
وقـــال لهـــم هـــذا المـــقــام وهــذا ال
خــيــام وذا بــاب المــليــك وذا الحـمـى
173
هــنــا مــوقــفــي وهــو المـقـام المـحـدد
174
فــغــنــوا عــلى هــذا المــقــام وغــردوا
175
ومـــا بـــعـــد هـــذا للمـــدارك مـــشــهــد
176
فـــمـــالي فـــيـــمــا بــعــد ذلك مــصــعــد
ولا مــــوعــــد مـــن بـــعـــد ذلك الزمـــا
177
هــنــالك فــهــم العــقــل والدرك مـنـدرس
178
هـنـاك لسـان العـلم فـي الشـأن قـد خـرس
179
هــنــالك حــد الســيـر مـن يـعـده افـتـرس
180
هـنـالك قـد تـطـوى الصـحـاف وتـنـشـر الس
جـــاف فـــلا يــطــوى بــحــدك فــافــهــمــا
181
فـــمـــا بـــعـــد هـــذا للمـــدراك غــايــة
182
فــنــقــطــة هــذا الحــد فــيــهـا نـهـايـة
183
ولا بــــاب إلا أن تــــكــــون رعــــايــــة
184
ولا تـــفـــتـــح الأبـــواب إلا عــنــايــة
لمـــن شـــاءه ذاك المـــليـــك تـــكـــرمــا
185
تــجــرد مــن الدعــوى فــقـد كـمـل السـرى
186
وراءك لا تــــقـــدم فـــحـــظـــك مـــدبـــرا
187
فــــلســــت بــــلاق فــــوق ذلك مــــصــــدرا
188
فـــســـلم إليـــه الأمـــر واطــرق المــرا
ولا تــك فــي شــيــء مــن الأمـر مـبـرمـا
189
وقـــف وقـــفـــة المـــنــدك مــالك حــيــلة
190
فـــحـــالك فـــي هـــذا المــقــام جــليــلة
191
ونــــفـــســـك فـــي عـــز الجـــلال وذيـــلة
192
وقـــل بـــلســـان الحـــال مــالي وســيــلة
ولا حـــيـــلة والهــج بــقــولك مــا ومــا
193
وعــرج عــلى التــقــديــس تــســتــخــلصـنـه
194
ونـــفـــســـك نـــســـك لازم فـــاذبـــحـــنــه
195
وشـــأنـــك إن أخـــلصـــت لا تـــحـــقــرنــه
196
فـــإن تـــك لا شـــيـــئاً هـــنـــاك فــإنــه
رنــــاك لمـــا أدنـــاك إذ لك قـــد رمـــى
197
أرادك حـــتـــى قـــمـــت فـــيـــه مــجــالداً
198
يــمــيــتــك مــشــهــوداً ويـحـيـيـك شـاهـداً
199
وإن ســـاعـــة أحـــيـــاك أبــقــاك بــائداً
200
وإن ســـاعـــة أفـــنـــاك أبــقــاك خــالداً
بـــوصـــف له بـــاق صـــفـــاتـــك أعـــدمـــا
201
تــفــرد ولا تــســتــثــن فــي ســبــحــاتــه
202
ووحـــد صـــفـــات الحـــق تــوحــيــد ذاتــه
203
وســافــر بــعــيــن الحــق فــي حــضــراتــه
204
فـــإن هـــو جــلى فــيــك بــعــض صــفــاتــه
فــمــا كــنــت أنــت الآن أنـت المـقـدمـا
205
تــفــاوت حــســب الفــيــض ذوق مــلوكــهــا
206
فــهــم بــيــن مـشـريـهـا وبـيـن ضـريـكـهـا
207
مــراتــبــهــم شــتــى بــمــرقــى سـمـوكـهـا
208
وفـــيـــهــا مــقــامــات لأهــل ســلوكــهــا
شــمــوســاً وأقــمــاراً تــنــيــر وأنــجـمـا
209
تـــفـــاوت أذواق المـــحـــبـــيـــن رغــبــة
210
مــراتــبــهــم حــســب المــقــامــات رفـعـة
211
هـــيـــامــى إلى إنــا فــتــحــنــا مــلظــة
212
فــمــن ذاق مــنــهــا نــغــبـة مـات رغـبـة
ومــن لم يــذقــهـا مـات بـالغـم مـسـقـمـا
213
ومـا فـاض حـسـب الفـتـح مـن شـبـه وحـيها
214
وعـــيـــنـــه ســـر الحـــكـــيــم بــطــيــهــا
215
بــاثــبـاتـهـا مـا أثـبـتـت أو بـنـفـيـهـا
216
مــعــالم تــســتــهــدى الحــلوم بـهـديـهـا
العــلوم بــهــا كـان العـليـم المـعـلمـا
217
أقــام لهــم فــيــهــا حــظــوظــاً مــقـامـة
218
وأنـــزلهـــم حـــســـب الحــظــوظ مــقــامــة
219
وقـــلدهـــم فـــي العـــالمـــيـــن امــامــة
220
فــــعـــرفـــهـــم ايـــاه مـــنـــه كـــرامـــة
وأشـــهـــدهـــم ايـــاه مـــنـــه تـــكـــرمــا
221
تـــولاهـــم بـــاســـم البـــديـــع تــنــزلا
222
وفـــي حـــضــرة الفــتــاح للقــوم انــزلا
223
ونـــورهـــم نـــور الســـمـــوات وانـــجــلى
224
وخـــلقـــهــم بــاســم العــليــم تــفــضــلا
وكــان لهــم بــاســم المــبــيــن مــسـومـا
225
فــــجـــردهـــم عـــنـــهـــم لخـــالص حـــبـــه
226
فـــمـــا هـــمـــهـــم إلا وســـائل قـــربـــه
227
عــروجــاً بــه عــنــهــم إليــه بــغــيــبــه
228
وكـــان لهـــم عـــنـــه فــكــانــوا له بــه
وقــام بــهــم عــنــهــم إليــهــم مــكـلمـا
229
تـــحـــكـــم فـــيـــهـــم حـــبـــه وتــصــرفــا
230
وأوقــفـهـم فـي القـبـض والبـسـط مـوقـفـا
231
وأرســل فــي أســرارهــا نــفــحــة الصـفـا
232
فـــمـــذ عــرفــوه لم يــرومــوا تــعــرفــا
إلى غـــيـــره والغـــيـــر ثـــم تـــعــدمــا
233
تـشـعـشـع فـيـهـم صـبـحـه فـانـجـلى المـسا
234
فــهــم فـي ضـيـاء مـنـه والليـل عـسـعـسـا
235
بــأيــة طــور صــبــحــهــم قــد تــنــفــســا
236
وليـــس لهـــم جــهــل هــنــاك ومــا عــســى
لهــم أن يــروا مــن بــعــد ذلك مـبـهـمـا
237
تــعــهــدهــم إذ زايـلوا الخـلق بـالمـدد
238
فـهـم فـي بـسـاط الأنـس بـالواحـد الأحد
239
وكـــل بـــفـــتـــح اللّه فــاز بــمــا وجــد
240
ومــا عــلمــوا شــيــئاً بــعــلمــهــم وقــد
أحــاطــوا يــعــلم الكــل واللّه أعــلمــا
241
فــصــارت شــهــادات لديــهــم غــيــوبــهــم
242
قــد امــتــلأت بــالكـشـف مـنـه جـيـوبـهـم
243
هـم العـالم الأعـلى احـتـوتـه جـنـوبـهـم
244
هــم لوحــه المــحــفــوظ كــانـت قـلوبـهـم
بـــهـــم قـــلم الأنـــوار للســـر رقـــمــا
245
لهـــم درجـــات مـــن لديـــه تـــحـــقـــقـــت
246
عــليــهــم بـهـا شـمـس الحـقـيـقـة أشـرقـت
247
والطــــاف وهـــب مـــن لدنـــه تـــدفـــقـــت
248
مــواهــب قــد دقــت عــن الفـهـم وارتـقـت
عــن الوهــم رقــت عــن نــســيــم تـنـسـمـا
249
حــوى نــســخــة الامـكـان ادراك فـهـمـهـم
250
فــلا كــنــه إلا تــحــت حــيــطـة عـقـلهـم
251
لهــم حــضــرة القــيــوم تــمــلى لســرهــم
252
بــهــا انـطـوت الأكـوان فـي طـي عـلمـهـم
مــن العــرش والكــرســي والأرض والسـمـا
253
فما السر والاعلان ما الجهر ما الخفا
254
وحــســبــهــم نــور المــبــيــن مــكــشــفــا
255
هــداهــم وصــفــاهــم وجــلى الكــشــائفــا
256
فــكــانــت جــمــيــع الكـائنـات مـصـاحـفـا
لهــم تــهــب الســر المــصــون المـكـتـمـا
257
بــــدائع فــــيـــض أبـــدعـــت بـــعـــجـــائب
258
يـــنـــوعـــهـــا فـــتـــاح بــاب المــواهــب
259
تــبــاديــهــم بــالفــتــح مــن كــل جـانـب
260
لطــــائف لم تــــودع صــــحــــائف كـــاتـــب
تــطــالعــهــا الافــهــام واللّه الهــمــا
261
أريـدوا لهـا فـاسـتـنـسـخـوها على النهى
262
لقـــد فـــكــكــوا والحــمــد للّه رمــزهــا
263
وكــم أدركــوا بــالعــقــل أمـراً مـنـزهـا
عــن النــقــل فــي الألواح لن يـتـرسـمـا
264
لقــد كــان تــحـت الخـتـم مـن قـبـل فـضـه
265
فــصــار ظــهــور البــرق فــي وشــك ومـضـه
266
ومــا انــفــســح المــخـتـوم إلا بـفـيـضـه
267
يــضــيــق فـضـا الأكـوان عـن شـرح بـعـضـه
وكـــل لســـان كـــل بـــل ظـــل مـــفــحــمــا
268
عـــلوم تـــجـــلى مـــن لدنـــا ظـــهــورهــا
269
ولم يـــتـــعــلق بــاكــتــســاب ســفــورهــا
270
تـــجـــلت بـــأســـرار الرجـــال بـــدورهــا
271
بــــه صــــحـــف الأرواح أشـــرق نـــورهـــا
وصـــيـــن عـــن الألواح إذ كـــن أظــلمــا
272
تــجــرد لهــا إن كـنـت فـي القـرب تـرغـب
273
ولا تـــغـــلون فــالشــأن مــن ذاك أقــرب
274
فــلســت بــقــرع البــاب بــالصـدق تـحـجـب
275
لذلك فــــاطــــلب أن يـــكـــن لك مـــطـــلب
تـــرى كـــل مــطــلوب ســوى ذاك مــغــرمــا
276
خــذ الحــزم واجـعـله إلى الحـق مـقـصـدا
277
واخــلص مــتــيــن العــزم صــدقــاً مـجـردا
278
ومـــن قـــصـــد الحـــق اســتــقــام وســددا
279
فــفــي قــصــده قــصـد السـبـيـل ومـن عـدا
ســبـيـل الهـدى نـحـو الردى قـد تـيـمـمـا
280
مـــلابـــســـة الاغـــيــار عــيــن اضــاعــة
281
وقـــصـــد عـــلى حـــرف نـــقـــيــض لطــاعــة
282
فــاخــلص تــرى الاخــلاص أزكــى بــضـاعـة
283
فــكــن واقــفــاً بــالبــاب فـي كـل سـاعـة
تــــرى الذل فــــيــــه عـــزة وتـــكـــرمـــا
284
أتـــعـــلم أن الأمــر ليــس كــمــا هــنــا
285
فــدع دعــوة الشــيـطـان والنـفـس أوهـنـا
286
وخــل حــظــوظ النــفـس يـسـحـقـهـا الفـنـا
287
وجــانــب ريــاش الجــاه والعــز والغـنـى
وكــن بــاضــطــرار وافــتــقــار مــؤمــمــا
288
وإن شـــئت قـــرب اللّه فــالعــلم قــربــة
289
وإن شـــئت جـــاهــاً فــهــو جــاه ورفــعــة
290
وإن شــــئت وفــــراً فــــهـــو وفـــر ودولة
291
وإن شـــئت عـــز العـــلم فـــالعــلم عــزة
لبـــــاس لبـــــوس الذل للّه مــــســــلمــــا
292
طــريــقــان فـاخـتـر مـا تـرى لك أحـسـنـا
293
إذا كـنـت تـبـغـي الحـق فـاهـجـر له أنـا
294
فـــان أنـــا حـــظ عـــواقـــبـــه العـــنـــا
295
وإن كـنـت تـبـغي العز والجاه في الدنا
فــدع عـنـك داعـي العـلم وارحـل مـسـلمـا
296
وعــش لحــظــوظ النــفــس نـدبـا مـكـافـحـا
297
وعــن كــل مــرغــوب ســوى الحــق جــامـحـا
298
إليـــه انـــطــرح للكــائنــات مــبــارحــا
299
ودع عــنــك أدنــاس المــطــامــع طــامـحـا
لمــولاك فــيــه طــائعــاً جــل مــنــعــمــا
300
تــوجــه إليــه واجــعــل الفــقــر ديـدنـا
301
يــعــدك بــالفــقــر الحــقــيـقـي مـحـسـنـا
302
فــخــذ بــطــريـق الفـقـر بـالحـق مـوقـنـا
303
فـفـيـه الغـنـى والفـقـر إذ رؤيـة الغنى
هـنـاك الغـنـى بـل مـنـهـما اقصده معدما
304
تـــعـــن ولا تـــســـتــبــق للنــفــس عــادة
305
أتـــلقـــى إذا لم تــشــق فــيــه ســعــادة
306
أذبــهــا واصــبــرهــا وســقــهــا مــقــادة
307
فـــلا راحـــة تـــرجـــى لمـــن رام راحـــة
ومــهــمــا بــذلت الروح صـادفـت مـغـنـمـا
308
تـــلفـــت لهــا مــن حــيــث ولت وأقــبــلت
309
فـــإن لهـــا كـــيـــداً وإن هـــي أجـــمــلت
310
عــليــك بــهــا انــحــرهـا وإن هـي ولولت
311
فــفــي بــذلهــا صــون لهــا إن تــقــبــلت
وإلا فـــقـــد ســيــقــت إلى ذلك الحــمــى
312
فــإن هــي عــمــا يــوجــب البـعـد أعـرضـت
313
وســــلمــــت الأطــــوار فـــيـــه وفـــوضـــت
314
وشـــدت بـــعـــزم فـــي الســـلوك وقـــوضــت
315
هــنــيــئاً لهــا فـخـراً بـمـا قـد تـعـرضـت
لذاك الحـمـى لو كـان مـطـلبـهـا احـتـمـى
316
ذر الكــــون فــــي أثــــوابــــه يــــغــــول
317
يــروق لوهــنــت الرأي حــســنــاً ويــجـمـل
318
فــــمـــا لك دون الحـــق فـــيـــه مـــعـــول
319
وإن أم أبــــــواب المــــــلوك مـــــؤمـــــل
فـــيـــمـــم إلى أبـــوابـــه مـــتـــقـــدمــا
320
كـــريـــم لضـــراء الفـــقـــيـــر مـــراقـــب
321
لطـــيـــف إذا ضـــاقـــت بـــعـــبــد كــوارب
322
له فـــي القـــضـــايـــا نــظــرة ومــواهــب
323
وأبــــوابــــه فـــتـــح ومـــاثـــم حـــاجـــب
وأفـــضـــاله شـــرح ومـــاثـــم مـــحــتــمــى
324
تـــخـــلى لربـــى ظـــاهـــري والذي بـــطــن
325
وخـــلتـــهـــم والكـــون والأهــل والوطــن
326
كــفــانــي عــن زيــد وعــمــرو وعــن وعــن
327
لأبــوابــه مــا عــشــت أغــشــى ولم أكــن
لأخـــشـــى رقــيــبــاً أو عــذولاً مــلومــا
328
رفـــضـــت له الأكـــوان مـــن ذي ســرائرى
329
وصــنــت عــن التــعــليــل مـرمـى بـصـائرى
330
وســيــان فــيــه نــافــعــى مــثــل ضــائرى
331
فـــعـــنــدي فــيــه عــاذلي مــثــل عــاذري
ومــن فــيــه عــادانــي كـمـن بـي تـرحـمـا
332
فـــلســـت بــذي طــرف بــفــرقــتــهــم قــذى
333
بـــمـــذهـــب أنـــى ذاهــب أنــا مــحــتــذى
334
طـــريـــقـــة ذي صـــدق مــع الحــق احــوذى
335
ســأرحــل عــنــهــم أجــمــعــيــن إلى الذي
بــــه لذَّ لي ذلي وعــــزي تــــهــــجــــمــــا
336
أرانــــي خــــليـــل اللّه وشـــك ذهـــابـــه
337
وعـــللنـــي مـــن نـــغـــبـــة مــن شــرابــه
338
وســـرت مـــع المــخــتــار تــحــت ركــابــه
339
عـــســـى أنــنــي أدعــى دعــيــاً بــبــابــه
إذا لم أكــن بــاســم الخــديــم مــوسـمـا
340
فـــصـــرت بــعــيــن الحــق أرفــع مــنــزلا
341
بـــــأي مـــــقـــــام شـــــاءه لي وأنــــزلا
342
دعـــيـــت دعـــيـــا أو وليـــاً مـــكـــمـــلا
343
وإلا فــــإن ادعــــى بــــه مـــتـــطـــفـــلاً
فــقــدري بــهــذا الاسـم يـخـتـرق السـمـا
344
كــفــانــي اخـتـيـار الحـق فـي كـل مـوطـن
345
بـــــأيـــــة حــــال أو بــــأي تــــعــــيــــن
346
فــلســت لمــا يــخــتــاره عــبــد ديــدنــي
347
وإن أدع لا شـــيـــئاً هـــنـــاك فــاتــنــي
بــذاك لقــد أصـبـحـت فـي النـاس مـغـرمـا
تعليقات القراء 0