يا رَائِدَ البَرقِ يَمّمِ دارَةَ العَلَمِ
447 أبيات
|
2259 مشاهدة
يـــا رَائِدَ البَـــرقِ يَــمّــمِ دارَةَ العَــلَمِ
وَاحـــدُ الغَـــمـــامَ إِلى حَـــيٍّ بِــذِي سَــلَمِ
وَإِن مَــرَرتَ عَــلى الرَّوحــاءِ فَــامـرِ لَهـا
أَخــــلافَ ســـارِيَـــةٍ هَـــتّـــانَـــةِ الدِّيَـــمِ
مِــنَ الغِــزارِ الَّلواتــي فــي حَــوالِبِهــا
رِيُّ النَّواهِــــلِ مِــــن زَرعٍ وَمِــــن نَـــعَـــمِ
إِذا اِســتَهَــلَّت بِــأَرضٍ نَــمــنَــمَــت يَـدُهـا
بُــرداً مِــنَ النَّورِ يَــكـسُـو عـارِيَ الأَكَـمِ
تَــرى النَّبــاتَ بِهــا خُــضــراً سَــنــابِــلُهُ
يَـــخـــتــالُ فــي حُــلَّةٍ مَــوشِــيَّةــِ العَــلَمِ
أَدعُــو إِلى الدَّارِ بِـالسُّقـيـا وَبِـي ظَـمَـأٌ
أَحَــــقُّ بِــــالريِّ لَكِــــنّــــي أَخُــــو كَــــرَمِ
مَـــنـــازِلٌ لِهَــواهــا بَــيــنَ جــانِــحَــتــي
وَدِيـــعَـــةٌ سِـــرُّهـــا لَم يَــتَّصــِل بِــفَــمــي
إِذا تَــنَــسَّمــتُ مِــنــهــا نَــفــحَــةً لَعِـبَـت
بِــيَ الصَــبــابَــةُ لِعــبَ الريــحِ بِـالعَـلَمِ
أَدِر عَــلى السَّمــعِ ذِكــراهــا فَــإِنَّ لَهــا
فــي القَــلبِ مَــنــزِلَةً مَــرعِــيَّةــَ الذِمَــمِ
عَهـــدٌ تَـــوَلّى وَأَبــقــى فــي الفُــؤادِ لَهُ
شَــوقــاً يَــفُــلُّ شَــبــاةَ الرَأيِ وَالهِــمَــمِ
إِذا تَــــــذَكَّرتُهُ لاحَــــــت مَــــــخــــــائِلُهُ
لِلعَــيــنِ حَــتّــى كَــأَنّــي مِــنــهُ فـي حُـلُمِ
فَــمــا عَــلى الدَهــرِ لَو رَقَّتــ شَــمــائِلُهُ
فَــعــادَ بِــالوَصــل أَو أَلقــى يَـدَ السَـلَمِ
تَــكــاءَدَتــنــي خُــطُــوبٌ لَو رَمَــيــتُ بِهــا
مَــنــاكِــبَ الأَرض لَم تَــثــبُــت عَـلى قَـدَمِ
فــي بَــلدَةٍ مِـثـلِ جَـوفِ العَـيـر لَسـتُ أَرى
فــيــهــا سِــوى أُمَــمٍ تَــحــنُـو عَـلى صَـنَـمِ
لا أَســــتَــــقِـــرُّ بِهـــا إِلّا عَـــلى قَـــلَقٍ
وَلا أَلَذُّ بِهـــــــــــا إِلّا عَـــــــــــلَى أَلَمِ
إِذا تَــــلَفَّتــــُّ حَــــولي لَم أَجـــد أَثَـــراً
إِلا خَــيــالي وَلَم أَســمَــع سِــوى كَــلِمــي
فَــمَــن يَــرُدُّ عَــلى نَــفــســي لُبــانَــتَهــا
أَو مَــن يُــجــيــرُ فُـؤادِي مِـن يَـدِ السَّقـَم
لَيــتَ القَــطــا حِـيـنَ سـارَت غُـدوَةً حَـمَـلَت
عَــــنّــــي رَســـائِلَ أَشـــواقـــي إِلى إِضَـــمِ
مَــرَّت عَــلَيــنــا خِــمــاصــاً وَهــيَ قـارِبَـةٌ
مَــــرَّ العَـــواصِـــفِ لا تَـــلوي عَـــلى إِرَمِ
لا تُـدركُ العَـيـنُ مِـنـهـا حـيـنَ تَـلمَـحُها
إِلا مِــثــالاً كَــلَمـعِ البَـرقِ فـي الظُّلـَمِ
كَـــأَنَّهـــا أَحـــرُفٌ بَـــرقِـــيَّةـــٌ نَـــبَـــضَــت
بِـالسِّلـكِ فَـانـتَـشَـرَت فِـي السَّهـل وَالعَلَمِ
لا شَــيــءَ يَــسـبِـقُهـا إِلّا إِذا اِعـتَـقَـلَت
بَــنـانَـتـي فـي مَـديـحِ المُـصـطَـفـى قَـلَمِـي
مُـــحَـــمَّدٌ خــاتَــمُ الرُســلِ الَّذي خَــضَــعَــت
لَهُ البَـــرِيَّةـــُ مِـــن عُـــربٍ وَمِـــن عَـــجَــمِ
سَــمــيــرُ وَحــيٍ وَمَــجــنــى حِــكــمَـةٍ وَنَـدى
سَـــــمـــــاحَــــةٍ وَقِــــرى عــــافٍ وَرِيُّ ظَــــمِ
قَــد أَبــلَغَ الوَحــيُ عَــنـهُ قَـبـلَ بِـعـثَـتِهِ
مَــســامِــعَ الرُســلِ قَــولاً غَـيـرَ مُـنـكَـتِـمِ
فَــــذاكَ دَعــــوَةُ إِبــــراهــــيـــمَ خـــالِقَهُ
وَسِـــرُّ مـــا قــالَهُ عِــيــســى مِــنَ القِــدَمِ
أَكـــــرِم بِهِ وَبِـــــآبـــــاءٍ مُـــــحَــــجَّلــــَةٍ
جـــاءَت بِهِ غُـــرَّةً فــي الأَعــصُــرِ الدُّهُــمِ
قَـــد كـــانَ فــي مَــلَكــوتِ اللَهِ مُــدَّخــراً
لِدَعـــوَةٍ كـــانَ فــيــهــا صــاحِــبَ العَــلَمِ
نُـــورٌ تَـــنَــقَّلــَ فــي الأَكــوانِ ســاطِــعُهُ
تَـــنَـــقُّلـــَ البَـــدرِ مِــن صُــلبٍ إِلى رَحِــمِ
حَــتّــى اِسـتَـقَـرَّ بِـعَـبـدِ اللَهِ فَـاِنـبَـلَجَـت
أَنـــوارُ غُـــرَّتِهِ كَـــالبَـــدرِ فــي البُهُــمِ
وَاِخـــتـــارَ آمِــنَــةَ العَــذراءَ صــاحِــبَــةً
لِفَــضــلِهــا بَــيــنَ أَهــلِ الحِــلِّ وَالحَــرَمِ
كِــلاهُــمــا فِــي العُــلا كُــفــءٌ لِصـاحِـبِهِ
وَالكُـفـءُ فـي المَـجـدِ لا يُـستامُ بِالقِيَمِ
فَــأَصــبَــحَــت عِــنــدَهُ فــي بَــيـتِ مَـكـرُمَـةٍ
شِـــيـــدَت دَعـــائِمُهُ فـــي مَــنــصِــبٍ سِــنــمِ
وَحِــيــنــمــا حَــمَـلَت بِـالمُـصـطَـفـى وَضَـعَـت
يَــدُ المَــشــيــئَةِ عَــنــهـا كُـلفَـةَ الوَجَـمِ
وَلاحَ مِـــن جِـــســمِهــا نُــورٌ أَضــاءَ لَهــا
قُــصُــورَ بُــصــرى بِــأَرضِ الشَّأــمِ مِـن أمَـمِ
وَمُــذ أَنــى الوَضــعُ وَهـوَ الرَّفـعُ مَـنـزِلَةً
جــــاءَت بِــــرُوحٍ بِـــنُـــورِ اللَهِ مُـــتَّســـِمِ
ضــاءَت بِهِ غُــرَّةُ الإِثــنَــيــنِ وَاِبـتَـسَـمَـت
عَــن حُــســنِهِ فــي رَبــيــعٍ رَوضَــةُ الحَــرَمِ
وَأَرضَــعَــتــهُ وَلَم تَــيــأَس حَــليــمَــةُ مِــن
قَــولِ المَــراضِــعِ إِنَّ البُـؤسَ فـي اليَـتَـمِ
فَــفــاضَ بِــالدرِّ ثَــديــاهــا وَقَـد غَـنِـيَـت
لَيــاليــاً وَهــيَ لَم تــطــعَــم وَلَم تَــنَــمِ
وَاِنــهَــلَّ بَــعــدَ اِنـقِـطـاعٍ رِسـلُ شـارِفِهـا
حَــتّـى غَـدَت مِـن رَفِـيـهِ العَـيـشِ فـي طُـعَـمِ
فَـــيَـــمَّمـــَت أَهـــلَهـــا مَـــمــلُؤَةً فَــرَحــاً
بِــمــا أُتــيــحَ لَهــا مِــن أَوفَــرِ النِّعــَمِ
وَقَــلَّصَ الجَــدبُ عَــنــهــا فَهــيَ طــاعِــمَــةٌ
مِــن خَــيــرِ مــا رَفَــدَتــهـا ثَـلَّةُ الغَـنَـمِ
وَكَـــيـــفَ تَـــمـــحَــلُ أَرضٌ حَــلَّ ســاحَــتَهــا
مُـــحَـــمَّدٌ وَهـــوَ غَـــيــثُ الجُــودِ وَالكَــرَمِ
فَــلَم يَــزَل عِــنــدَهــا يَــنــمُــو وَتَـكـلَؤُهُ
رِعـــايَـــةُ اللَهِ مِـــن سُـــوءٍ وَمِـــن وَصَـــمِ
حَـــتّـــى إِذا تَــمَّ مِــيــقــاتُ الرَّضــاعِ لَهُ
حَــولَيــنِ أَصــبَــحَ ذا أَيــدٍ عَــلَى الفُـطُـمِ
وَجــاءَ كَــالغُــصــنِ مَــجــدُولاً تَــرِفُّ عَــلى
جَـــبِـــيـــنِهِ لَمـــحــاتُ المَــجــدِ وَالفَهَــمِ
قَــد تَــمَّ عَــقــلاً وَمــا تَــمَّتــ رَضــاعَــتُهُ
وَفــاضَ حِــلمــاً وَلَم يَــبــلُغ مَـدى الحُـلُمِ
فَــبَــيــنَــمـا هُـوَ يَـرعـى البَهـمَ طـافَ بِهِ
شَــخــصــانِ مِــن مَـلَكـوتِ اللَهِ ذي العِـظَـمِ
فَـــأَضـــجَـــعـــاهُ وَشَـــقّـــا صَـــدرَهُ بِـــيَــدٍ
رَفِــيــقَــةٍ لَم يَــبِــت مِــنــهــا عَــلى أَلَمِ
وَبَــعــدَ مــا قَــضَــيــا مِــن قَــلبِهِ وَطَــراً
تَـــوَلَّيـــا غَـــســـلَهُ بِــالسَّلــسَــلِ الشَّبــِمِ
مـــا عـــالَجــا قَــلبَهُ إِلّا لِيَــخــلُصَ مِــن
شَــوبِ الهَــوى وَيَــعِــي قُــدسِــيَّةــَ الحِـكَـمِ
فَـــيـــا لَهـــا نِـــعـــمَـــةً لِلّهِ خَــصَّ بِهــا
حَــبــيــبَهُ وَهــوَ طِــفــلٌ غَــيــرُ مُــحــتَــلِمِ
وَقــالَ عَــنــهُ بُــحَــيــرا حِــيــنَ أَبــصَــرَهُ
بَـــأَرضِ بُـــصــرى مَــقــالاً غَــيــرَ مُــتَّهــَمِ
إِذ ظَــلَّلَتــهُ الغَــمــامُ الغُـرُّ وَانـهَـصَـرَت
عَــطــفــاً عَــلَيــهِ فُــروعُ الضَّاـلِ وَالسَّلـَمِ
بِـــأَنَّهـــُ خــاتَــمُ الرُّســلِ الكِــرامِ وَمَــن
بِهِ تَـــــزُولُ صُـــــرُوفُ البُــــؤسِ وَالنِّقــــَمِ
هَـــذا وَكَـــم آيَـــةٍ ســـارَت لَهُ فَـــمَـــحَــت
بِــنُــورِهــا ظُــلمَــةَ الأَهــوالِ وَالقُــحَــمِ
مــــــا مَــــــرَّ يَــــــومٌ لَهُ إِلّا وَقَــــــلَّدَهُ
صَــنــائِعـاً لَم تَـزَل فِـي الدَّهـرِ كَـالعَـلَمِ
حَــتّــى اِســتَــتَــمَّ وَلا نُــقــصــانَ يَـلحَـقُهُ
خَــمــســاً وَعِــشــرِيـنَ سِـنُّ البـارِعِ الفَهِـمِ
وَلَقَّبـــَتـــهُ قُـــرَيـــشٌ بِـــالأَمـــيــنِ عَــلى
صِــدقِ الأَمــانَــةِ وَالإِيــفــاءِ بِــالذِّمَــمِ
وَدَّت خَـــديـــجَــةُ أَن يَــرعــى تِــجــارَتَهــا
وِدادَ مُـــنـــتَهِـــزٍ لِلخَـــيـــرِ مُـــغــتَــنِــمِ
فَـــشَـــدَّ عَـــزمَـــتَهــا مِــنــهُ بِــمُــقــتَــدِرٍ
مــاضِــي الجِــنــانِ إِذا مـا هَـمَّ لَم يـخـمِ
وَســـارَ مُـــعـــتَـــزِمــاً لِلشَّأــمِ يَــصــحَــبُهُ
فـي السَّيـرِ مَـيـسُـرَةُ المَـرضِـيُّ فِـي الحَشَمِ
فَــمــا أَنــاخَ بِهــا حَــتّــى قَــضــى وَطَــراً
مِــن كُــلِّ مــا رَامَهُ فـي البَـيـعِ وَالسَّلـَمِ
وَكَــيــفَ يَــخــسَــرُ مَــن لَولاهُ مــا رَبِـحَـت
تِـــجـــارَةُ الدِّيــنِ فــي سَهــلٍ وَفِــي عَــلَمِ
فَـــقَـــصَّ مَـــيـــسُـــرَةُ المَـــأمــونُ قِــصَّتــَهُ
عَــلَى خَــديــجَــةَ سَــرداً غَــيــرَ مُــنــعَـجِـمِ
وَمــــا رَواهُ لَهُ كَهــــلٌ بِــــصَــــومَــــعَــــةٍ
مِــنَ الرَّهــابــيــنِ عَــن أَســلافِهِ القُــدُمِ
فــي دَوحَــةٍ عــاجَ خَـيـرُ المُـرسَـليـنَ بِهـا
مِــن قَــبــل بــعــثَــتِهِ لِلعُــربِ وَالعَــجَــمِ
هَـــذا نَـــبِــيٌّ وَلَم يَــنــزِل بِــســاحَــتِهــا
إِلّا نَـــبـــيٌّ كَـــريـــمُ النَّفـــسِ وَالشِّيـــَمِ
وَسِــيــرَةَ المَــلَكَــيــنِ الحــائِمَــيـنِ عَـلى
جَــــبِــــيــــنِهِ لِيُــــظِــــلّاهُ مِـــنَ التّهَـــمِ
فَـــكـــانَ مــا قَــصَّهــُ أَصــلاً لِمــا وَصَــلَت
بِهِ إِلى الخَــيــرِ مِــن قَــصــدٍ وَمُــعــتَــزَمِ
أَحــسِــن بِهــا وصـلَةً فـي اللَّهِ قَـد أَخَـذَت
بِهــا عَـلى الدَّهـرِ عَـقـداً غَـيـرَ مُـنـفَـصِـمِ
فَــأَصــبَــحــا فــي صَــفــاءٍ غَـيـر مُـنـقَـطِـعٍ
عَـــلى الزَّمـــانِ وَوِدٍّ غَـــيـــر مُـــنـــصَــرِمِ
وَحِــيــنَــمــا أَجــمَـعَـت أَمـراً قُـرَيـشُ عَـلى
بِــنــايَــةِ البَــيـتِ ذي الحُـجّـابِ وَالخَـدَمِ
تَــجَــمَّعــَت فِــرَقُ الأَحــلافِ وَاِقــتَــسَــمَــت
بِـــنـــاءَهُ عَــن تَــراضٍ خَــيــرَ مُــقــتَــسَــمِ
حَـــتّـــى إِذا بَــلَغَ البُــنــيــانُ غــايَــتَهُ
مِــن مَـوضِـعِ الرُّكـنِ بَـعـدَ الكَـدِّ وَالجـشَـمِ
تَــســابَــقـوا طَـلَبـاً لِلأَجـرِ وَاِخـتَـصَـمُـوا
فِــيــمَــن يَــشُــدُّ بِــنــاهُ كُــلَّ مُــخــتَــصَــمِ
وَأَقــسَــمَ القَــومُ أَن لا صُــلحَ يَـعـصِـمُهُـم
مِــن اقــتِــحــامِ المَــنـايـا أَيّـمـا قَـسَـمِ
وَأَدخَــلوا حــيــنَ جَــدَّ الأَمــرُ أَيــدِيَهُــم
لِلشَـــرِّ فـــي جَـــفـــنَـــةٍ مَـــمــلُوءَةٍ بِــدَمِ
فَــقــالَ ذُو رَأيِهِــم لا تَـعـجَـلُوا وَخُـذُوا
بِــالحَــزم فَهـوَ الَّذي يَـشـفِـي مِـنَ الحَـزَمِ
لِيَـــرضَ كُـــلُّ امـــرِئٍ مِـــنّـــا بِـــأَوَّلِ مَــن
يَــأتــي فَــيَـقـسِـطُ فِـيـنـا قِـسـطَ مُـحـتَـكِـمِ
فَـــكـــانَ أَوَّلَ آتٍ بَـــعـــدَمـــا اِتَّفـــَقُــوا
مُـــحَـــمَّدٌ وَهــوَ فــي الخَــيــراتِ ذُو قَــدَمِ
فَــقــالَ كُــلٌّ رَضــيــنــا بِــالأَمــيـنِ عَـلَى
عِـــلمٍ فَـــأَكـــرِم بِهِ مِـــن عـــادِلٍ حَـــكَــمِ
فَــأَعــلَمُــوهُ بِـمـا قَـد كـانَ وَاِحـتَـكَـمُـوا
إِلَيــهِ فــي حَــلِّ هَــذا المُــشـكِـلِ العَـمَـمِ
فَـــمَـــدَّ ثَــوبــاً وَحَــطَّ الرُّكــنَ فــي وَسَــطٍ
مِــنــهُ وَقــالَ اِرفَــعُــوهُ جــانِــبَ الرَّضَــمِ
فَــنــالَ كُــلُّ امــرِئٍ حَــظّــاً بِــمــا حَـمَـلَت
يَــداهُ مِــنــهُ وَلَم يَــعــتِـب عَـلى القِـسَـمِ
حَــتّــى إِذا اِقــتَــرَبــوا تِـلقـاءَ مَـوضِـعِهِ
مِـن جـانـب البَـيـتِ ذي الأَركـان وَالدّعمِ
مَـــدَّ الرَّسُـــولُ يَـــداً مِـــنــهُ مُــبــارَكَــةً
بَـــنَـــتـــهُ فـــي صَــدَفٍ مِــن بــاذِخٍ سَــنِــمِ
فَــليَــزدَدِ الرُّكــنُ تِـيـهـاً حَـيـثُ نـالَ بِهِ
فَــخــراً أَقــامَ لَهُ الدُّنــيــا عَــلَى قَــدَمِ
لَو لَم تَــكُــن يَــدُهُ مَــسَّتــهُ حِــيــنَ بَـنَـى
مــا كــانَ أَصــبَــحَ مَــلثُــومــاً بِــكُـلِّ فَـمِ
يــا لَيــتَــنِــي وَالأَمــانِـي رُبَّمـا صَـدَقَـت
أَحـــظـــى بِــمُــعــتَــنَــقٍ مِــنــهُ وَمُــلتَــزَمِ
يــا حَــبَّذا صِــبــغَــةٌ مِــن حُــســنِهِ أَخَــذَت
مِــنــهـا الشَّبـِيـبَـةُ لَونَ العُـذرِ وَاللمَـمِ
كَــالخــالِ فــي وَجــنَـةٍ زِيـدَت مَـحـاسِـنُهـا
بِــنُــقــطَــةٍ مِــنــهُ أَضـعـافـاً مِـنَ القِـيَـمِ
وَكَــيــفَ لا يَـفـخَـرُ البَـيـتُ العَـتـيـقُ بِهِ
وَقَـــد بَـــنَـــتـــهُ يَــدٌ فَــيّــاضَــةُ النِّعــَمِ
أَكـــــرِم بِهِ وازِعـــــاً لَولا هِــــدايَــــتُهُ
لَم يَــظــهَــرِ العَــدلُ فــي أَرضٍ وَلَم يَـقُـمِ
هَــــذا الَّذي عَــــصَـــمَ اللَّهُ الأَنـــامَ بِهِ
مِــن كُــلِّ هَــولٍ مِــنَ الأَهــوالِ مُــخــتَــرِمِ
وَحِـــيـــنَ أَدرَكَ سِـــنَّ الأَربَـــعــيــنَ وَمــا
مِـــن قَـــبــلِهِ مَــبــلَغٌ لِلعِــلمِ وَالحِــكَــمِ
حَــبــاهُ ذُو العَــرشِ بُــرهــانــاً أَراهُ بِهِ
آيـــات حِـــكـــمَـــتِهِ فـــي عـــالَمِ الحُــلُمِ
فَــكــانَ يَــمــضــي لِيَــرعــى أُنــسَ وَحـشَـتِهِ
فـــي شـــاسِـــعٍ مـــا بِهِ لِلخَــلقِ مِــن أَرَمِ
فَـــمـــا يـــمُـــرُّ عَــلى صَــخــرٍ وَلا شَــجَــرٍ
إِلّا وَحَـــيّـــاهُ بِـــالتَّســـليــمِ مِــن أَمَــمِ
حَــتّـى إِذا حـانَ أَمـرُ الغَـيـبِ وَاِنـحَـسَـرَت
أَســتــارُهُ عَــن ضَــمــيــرِ اللَوحِ وَالقَــلَمِ
نـــادى بِـــدَعـــوَتِهِ جَهـــراً فَــأَســمَــعَهــا
فــي كُــلِّ نــاحِــيــةٍ مَــن كــانَ ذا صَــمَــمِ
فَـــكـــانَ أَوَّلُ مَــن فــي الدِّيــن تــابَــعَهُ
خَــــدِيــــجَــــةٌ وَعَــــلِيٌّ ثــــابِـــتُ القَـــدَمِ
ثُـــمَّ اِســـتَـــجـــابَــت رِجــالٌ دُونَ أُســرَتِهِ
وَفــي الأَبــاعِــدِ مـا يُـغـنـي عَـنِ الرَّحِـمِ
وَمَــــن أَرادَ بِهِ الرَّحــــمـــنُ مَـــكـــرُمَـــةً
هَــــداهُ لِلرُّشـــدِ فـــي داجٍ مِـــنَ الظُّلـــَمِ
ثُــمَّ اِســتَــمَــرَّ رَسُــولُ اللَّهِ مُــعــتَــزِمــاً
يَـــدعُـــو إلى رَبِّهـــِ فـــي كُـــلِّ مُـــلتَــأَمِ
وَالنّــاسُ مِــنــهُــم رَشــيـدٌ يَـسـتَـجِـيـبُ لَهُ
طَــوعــاً وَمِــنــهُــم غَــوِيٌّ غَــيــرُ مُـحـتَـشِـمِ
حَــتّــى اِســتَـرابَـت قُـرَيـشٌ وَاِسـتَـبَـدَّ بِهـا
جَهـــــلٌ تَـــــرَدَّت بِهِ فــــي مــــارِجٍ ضَــــرِمِ
وَعَــذَّبــوا أَهــلَ دِيــنِ اللَّهِ وَاِنــتَهَـكـوا
مَــحــارِمــاً أَعــقَــبَــتــهُــم لَهـفَـةَ النَّدَمِ
وَقـــامَ يَـــدعُـــو أَبـــو جَهــلٍ عَــشِــيــرَتَهُ
إِلى الضَّلـــالِ وَلَم يَـــجـــنَـــح إِلى سَــلَمِ
يُــبــدِي خِــدَاعــاً ويُــخــفِــي مـا تَـضَـمَّنـَهُ
ضَـــمِـــيــرُهُ مِــن غَــراةِ الحِــقــد وَالسَّدَمِ
لا يَــــســـلَمُ القَـــلبُ مِـــن غِـــلٍّ أَلَمَّ بِهِ
يَــنــقـى الأَدِيـمُ وَيَـبـقـى مَـوضِـعُ الحَـلَمِ
وَالحِــقــدُ كَــالنّــارِ إِن أَخـفَـيـتَهُ ظَهَـرَت
مِــنــهُ عَــلائِمُ فَــوقَ الوَجــهِ كَــالحُــمَــمِ
لا يُــبــصِــرُ الحَــقَّ مَــن جَهــلٌ أَحــاطَ بِهِ
وَكَــيــفَ يُــبــصِــرُ نُــورَ الحَــقِّ وَهــوَ عَــمِ
كُـــلُّ امـــرِئٍ وَاجِـــدٌ مـــا قَـــدَّمَـــت يَــدُهُ
إِذا اِســتَــوى قــائِمــاً مِــن هُــوَّةِ الأَدَمِ
وَالخَــيــرُ وَالشَّرُّ فـي الدُّنـيـا مُـكـافَـأَةٌ
وَالنَّفـــسُ مَـــســؤولَةٌ عَــن كُــلِّ مُــجــتَــرَمِ
فَـــلا يَـــنَــم ظــالِمٌ عَــمّــا جَــنَــت يَــدُهُ
عَــلى العِــبــادِ فَــعَــيــنُ اللَّهِ لَم تَـنَـمِ
وَلَم يَـــزَل أَهـــلُ دِيــن اللَّهِ فــي نَــصَــبٍ
مِـــمّـــا يُـــلاقُـــونَ مِــن كَــربٍ وَمِــن زَأَمِ
حَــتّـى إِذا لَم يَـعُـد فـي الأَمـر مَـنـزَعَـةٌ
وَأَصــبَــحَ الشَّرُّ جَهــراً غَــيــرَ مُــنــكَــتِــمِ
سـارُوا إِلى الهِـجرَةِ الأُولى وَما قَصَدوا
غَــيــرَ النَّجــاشِــيِّ مَــلكــاً صـادِقَ الذِّمَـمِ
فَــأَصــبَــحُــوا عِــنــدَهُ فــي ظِــلِّ مَــمـلَكَـةٍ
حَـــصِـــيـــنَـــةٍ وذِمـــامٍ غَـــيــرِ مُــنــجَــذِمِ
مَــن أَنــكَـرَ الضَّيـمَ لَم يَـأنَـس بِـصُـحـبَـتِهِ
وَمَـــن أَحـــاطَــت بِهِ الأَهــوالُ لَم يُــقِــمِ
وَمُـذ رَأى المُـشـرِكـون الدّيـن قَـد وضَـحَـت
سَـــمـــاؤُهُ وَاِنــجَــلَت عَــن صِــمَّةــِ الصِّمــَمِ
تَــأَلَّبُــوا رَغــبَــةً فــي الشَّرِّ وَائتَـمَـرُوا
عَــلى الصَّحــيــفَــةِ مِــن غَــيــظٍ وَمِـن وَغَـمِ
صَـــحِـــيــفَــةٌ وَسَــمَــت بِــالغَــدرِ أَوجُهَهُــم
وَالغَــدرُ يَــعــلَقُ بِــالأَعــراضِ كَــالدَّسَــمِ
فَـــكَـــشَّفـــَ اللَّهُ مِـــنــهــا غُــمَّةــً نَــزَلَت
بِــالمُــؤمِــنــيــنَ وَرَبِّيــ كــاشِــفُ الغُـمَـمِ
مَـــن أَضـــمَـــرَ السُّوءَ جـــازاهُ الإِلَهُ بِهِ
وَمَـن رَعـى البَـغـيَ لَم يَـسـلَم مِـنَ النِـقَمِ
كَــفــى الطُّفـَيـلَ بـنَ عَـمـرٍو لُمـعَـةٌ ظَهَـرَت
فِـــي سَـــوطِهِ فَــأَنــارَت سُــدفَــةَ القَــتَــمِ
هَــدى بِهــا اللَّهُ دَوســاً مِــن ضَــلالَتِهــا
فَــتــابَــعَــت أَمــرَ داعِــيــهــا وَلَم تَهِــمِ
وَفِـــي الإِراشِـــيِّ لِلأَقـــوامِ مُـــعــتَــبَــرٌ
إِذ جـــاءَ مَـــكَّةــَ فِــي ذَودٍ مِــنَ النّــعَــمِ
فَـــبـــاعَهــا مِــن أَبــي جَهــلٍ فَــمــاطَــلَهُ
بِـــحَـــقِّهـــِ وَتَـــمــادى غَــيــرَ مُــحــتَــشِــمِ
فَــجــاءَ مُــنــتَــصِــراً يَــشــكُــو ظُــلامَــتَهُ
إِلى النَّبــِيِّ ونِــعــمَ العَــونُ فــي الإِزَمِ
فَـــقـــامَ مُــبــتَــدِراً يَــســعــى لِنُــصــرَتِهِ
وَنُــصــرَةُ الحَــقِّ شَـأنُ المَـرءِ ذِي الهِـمَـمِ
فَــــدَقَّ بــــابَ أَبــــي جَهــــلٍ فَـــجـــاءَ لَهُ
طَـــوعـــاً يَــجُــرُّ عِــنــانَ الخــائِفِ الزَّرِمِ
فَــــحِـــيـــنَ لاقـــى رَسُـــولَ اللَّهِ لاحَ لَهُ
فَـــحـــلٌ يَــحُــدُّ إِلَيــهِ النــابَ مِــن أَطَــمِ
فَهـــالَهُ مـــا رَأى فَــاِرتَــدَّ مُــنــزَعِــجــاً
وَعــادَ بِــالنَّقــدِ بَـعـدَ المَـطـلِ عَـن رَغَـمِ
أَتِــلكَ أَم حِــيــنَ نــادى سَــرحَــةً فَــأَتَــت
إِلَيــهِ مَــنــشُــورَةَ الأَغــصــانِ كَــالجُـمَـمِ
حَـــنَـــت عَــلَيــهِ حُــنُــوَّ الأُمِّ مِــن شَــفَــقٍ
وَرَفــرَفَــت فَــوقَ ذاكَ الحُــســنِ مِــن رَخَــمِ
جــاءَتــهُ طَــوعـاً وَعـادَت حـيـنَ قـالَ لَهـا
عُــــودِي وَلو خُــــلِّيــــت لِلشَّوقِ لَم تَــــرِمِ
وَحَـــبَّذا لَيـــلَةُ الإِســـراءِ حِـــيــنَ سَــرى
لَيـلاً إِلى المَـسـجِـدِ الأَقـصـى بِـلا أَتَـمِ
رَأَى بِهِ مِــــن كِـــرامِ الرُّســـلِ طـــائِفَـــةً
فَـــأَمَّهـــُم ثُـــمَّ صَـــلَّى خـــاشِـــعـــاً بِهِـــمِ
بَــل حَــبَّذا نَهـضَـةُ المِـعـراجِ حـيـنَ سَـمـا
بِهِ إِلى مَـــشـــهَـــدٍ فـــي العــزِّ لَم يُــرَمِ
سَــمــا إِلى الفَــلَك الأَعــلى فَــنــالَ بِهِ
قَــدراً يَــجِـلُّ عَـن التَّشـبـيـهِ فـي العِـظَـمِ
وَســارَ فــي سُــبُــحــاتِ النُّورِ مُــرتَــقِـيـاً
إِلى مَــــدارِجَ أَعـــيَـــت كُـــلَّ مُـــعـــتَـــزِمِ
وَفــازَ بِــالجَــوهَــرِ المَــكـنـونِ مِـن كَـلِمٍ
لَيــسَــت إِذا قُــرِنَــت بِــالوَصــفِ كَـالكَـلِمِ
سِــــرٌّ تَــــحـــارُ بِهِ الأَلبـــابُ قـــاصِـــرَةً
وَنِــعــمَــةٌ لَم تَـكُـن فـي الدَّهـرِ كَـالنِّعـَمِ
هَــيــهــاتَ يَــبــلُغُ فَهـمٌ كُـنـهَ مـا بَـلَغَـت
قُــربــاهُ مِــنــهُ وَقَــد نــاجــاهُ مِـن أَمَـمِ
فَــيــا لَهــا وصــلَةً نــالَ الحَـبـيـبُ بِهـا
مــا لَم يَــنَــلهُ مِــنَ التَّكـريـمِ ذُو نَـسَـمِ
فــاقَــت جَــمــيــعَ اللَّيــالي فَهـيَ زاهِـرَةٌ
بِــحُــســنِهــا كَــزُهُـورِ النّـارِ فـي العَـلَمِ
هَـــذا وَقَـــد فَـــرَضَ اللَّهُ الصَّلـــاةَ عَــلى
عِــــبــــادِهِ وَهَــــداهُــــم واضِـــحَ اللَّقَـــمِ
فَـسـارَعُـوا نَـحـوَ دِيـنِ اللَّهِ وَاِنـتَـصَـبُـوا
إِلى العِـــبـــادَةِ لا يَـــألُونَ مِـــن سَــأَمِ
وَلَم يَــزَل سَــيِّدُ الكَــونَــيــنِ مُــنـتَـصِـبـاً
لِدَعــوَةِ الدِّيــن لَم يَــفــتــر وَلَم يَــجِــمِ
يَــســتَــقـبِـلُ النّـاسَ فـي بَـدوٍ وَفـي حَـضَـرٍ
وَيَــنــشُــرُ الدِّيــنَ فــي سَهــلٍ وَفــي عَــلَمِ
حَـتّـى اِسـتَـجـابَـت لَهُ الأَنصارُ وَاِعتَصَمُوا
بِــحَــبــلِهِ عَــن تَــراضٍ خَــيــرَ مُــعــتَــصــمِ
فَــاِســتَــكـمَـلَت بِهِـمُ الدُنـيـا نَـضـارَتَهـا
وَأَصــبَــحَ الديــنُ فــي جَــمــعٍ بِهِــم تَـمَـمِ
قَــومٌ أَقَــرُّوا عِــمــادَ الحَـقِّ وَاِصـطَـلَمُـوا
بِـــيَـــأسِهِـــم كُـــلَّ جَـــبّـــارٍ وَمُـــصـــطَــلِمِ
فَــكَــم بِهِــم أَشــرَقَــت أَســتــارُ داجِــيَــةٍ
وَكَــم بِهِــم خَــمَــدَت أَنــفــاسُ مُــخــتَــصِــمِ
فَــحــيــنَ وافــى قُـرَيـشـاً ذِكـرُ بَـيـعَـتِهِـم
ثـارُوا إِلى الشَّرِّ فِـعـلَ الجـاهِـلِ العَـرِمِ
وَبــادَهُــوا أَهـلَ دِيـنِ اللَهِ وَاِهـتَـضَـمُـوا
حُـــقُـــوقَهُــم بِــالتَّمــادِي شَــرَّ مُهــتَــضَــمِ
فَـــكَـــم تَــرى مِــن أَســيــرٍ لا حِــراكَ بِهِ
وَشـــــارِدٍ ســـــارَ مِــــن فَــــجٍّ إِلى أَكَــــمِ
فَهــاجَــرَ الصَّحــبُ إِذ قــالَ الرَّسُـولُ لَهُـم
ســيــرُوا إِلى طَــيـبَـةَ المَـرعِـيَّةـِ الحُـرَمِ
وَظَــلَّ فــي مَــكَّةــَ المُــخــتــارُ مُـنـتَـظِـراً
إِذنــاً مِــنَ اللَهِ فــي سَــيــرٍ وَمُــعــتَــزَمِ
فَــأَوجَــسَــت خــيــفَــةً مِــنــهُ قُــرَيــشُ وَلَم
تَــقــبَــل نَــصـيـحـاً وَلَم تَـرجـع إِلى فَهَـمِ
فَــاِســتَـجـمَـعَـت عُـصَـبـاً فـي دارِ نَـدوَتِهـا
تَــبــغــي بِهِ الشَّرَّ مِــن حِــقــدٍ وَمِـن أَضَـمِ
وَلَو دَرَت أَنَّهــــا فِــــيـــمـــا تُـــحـــاوِلُهُ
مَـــخـــذولَةٌ لَم تَــسُــم فــي مَــرتَــعٍ وَخِــمِ
أَولى لَهــا ثُــمَ أَولى أَن يَــحــيــقَ بِهــا
مــا أَضــمَــرَتــهُ مِــنَ البَــأسـاءِ وَالشَّجـَمِ
إِنّـــي لَأَعـــجَـــبُ مِـــن قَــومٍ أُولي فِــطَــنٍ
بـاعُـوا النُّهـى بِـالعَمى وَالسَّمعَ بِالصَّمَمِ
يَـــعـــصُـــونَ خـــالِقَهُــم جَهــلاً بِــقُــدرَتِهِ
وَيَــعــكُــفُــونَ عَــلى الطــاغُــوتِ وَالصَّنــَمِ
فَــأَجــمَــعُــوا أَمـرَهُـم أَن يَـبـغـتُـوهُ إِذا
جَـــنَّ الظَّلـــامُ وَخَـــفَّتـــ وَطـــأَةُ القَـــدَمِ
وَأَقــبَــلُوا مَــوهِــنــاً فــي عُــصــبَـةٍ غُـدُرٍ
مِــنَ القَــبـائِلِ بـاعُـوا النَّفـسَ بِـالزَّعَـمِ
فَـــجـــاءَ جِــبــريــلُ لِلهــادِي فَــأَنــبــأَهُ
بِــمــا أَسَــرُّوهُ بَــعــدَ العَهــدِ وَالقَــسَــمِ
فَـــمُـــذ رَآهُــم قِــيــامــاً حَــولَ مَــأمَــنِهِ
يَـــبـــغُـــونَ ســـاحَــتَهُ بِــالشَّرِّ وَالفَــقَــمِ
نــــادى عَــــلِيّـــاً فَـــأَوصـــاهُ وَقـــالَ لَهُ
لا تَـــخـــشَ وَالبَــس رِدائي آمِــنــاً وَنَــمِ
وَمَــرَّ بِــالقَــومِ يَــتــلُوُ وَهــوَ مُــنــصَــرِفٌ
يَـــس وَهـــيَ شِـــفـــاءُ النَّفـــسِ مِـــن وَصَــمِ
فَـــلَم يَـــرَوهُ وَزاغَــت عَــنــهُ أَعــيُــنُهُــم
وَهَــل تَــرى الشَّمـس جَهـراً أَعـيُـنُ الحَـنَـمِ
وَجـــاءَهُ الوَحـــيُ إِيـــذانـــاً بِهِـــجـــرَتِهِ
فَــيَــمَّمــَ الغــارَ بِــالصِّدِّيـقِ فـي الغَـسَـمِ
فَـــمـــا اِســـتَـــقَـــرَّ بِهِ حَـــتّــى تَــبَــوَّأَهُ
مِــــنَ الحَــــمــــائِمِ زَوجٌ بـــارِعُ الرَّنَـــمِ
بَـــنـــى بِهِ عُـــشَّهـــُ وَاِحـــتَـــلَّهُ سَــكــنــاً
يَـــأوي إِلَيـــهِ غَـــداةَ الرّيـــحِ وَالرّهَــمِ
إِلفــانِ مــا جَــمَــعَ المِـقـدارُ بَـيـنَهُـمـا
إِلّا لِسِـــرٍّ بِـــصَـــدرِ الغـــارِ مُــكــتَــتَــمِ
كِـــلاهُـــمـــا دَيـــدَبـــانٌ فَـــوقَ مَــربــأَةٍ
يَــرعَــى المَــســالِكَ مِــن بُـعـدٍ وَلَم يَـنَـمِ
إِن حَــنَّ هَــذا غَــرامــاً أَو دَعــا طَــرَبــاً
بِــاســمِ الهَــديـلِ أَجـابَـت تِـلكَ بِـالنَّغـَمِ
يَــخــالُهــا مَــن يَــراهــا وَهــيَ جــاثِـمَـةٌ
فـــي وَكـــرِهـــا كُـــرَةً مَــلســاءَ مِــن أَدَمِ
إِن رَفــرَفَــت سَــكَــنَــت ظِــلّاً وَإِن هَــبَـطَـت
رَوَت غَـــليـــلَ الصَّدى مِـــن حـــائِرٍ شَــبِــمِ
مَــرقُــومَــةُ الجِــيــدِ مِــن مِـسـكٍ وَغـالِيَـةٍ
مَــخــضُــوبَــةُ السـاقِ وَالكَـفَّيـنِ بِـالعَـنَـمِ
كَـــأَنَّمـــا شَـــرَعَـــت فــي قــانِــيــءٍ ســربٍ
مِــن أَدمُــعِــي فَــغَــدَت مُــحــمَــرَّةَ القَــدَمِ
وَسَــجــفَ العَــنــكَـبُـوتُ الغـارَ مُـحـتَـفِـيـاً
بِــخَــيــمَــةٍ حــاكَهــا مِــن أَبــدَعِ الخِـيَـمِ
قَــد شَــدَّ أَطـنـابَهـا فَـاِسـتَـحـكَـمَـت وَرَسَـت
بِـــالأَرضِ لَكِـــنَّهـــا قـــامَــت بِــلا دِعَــمِ
كَـــــأَنَّهـــــا ســـــابِـــــريٌّ حــــاكَهُ لَبِــــقٌ
بِــأَرضِ ســابُــورَ فــي بــحــبُـوحَـةِ العَـجَـمِ
وَارَت فَـــمَ الغـــارِ عَــن عَــيــنٍ تُــلِمُّ بِهِ
فَــصــارَ يَــحــكــي خَــفــاءً وَجــهَ مُــلتَـثِـمِ
فَــــيـــا لَهُ مِـــن سِـــتـــارٍ دُونَهُ قَـــمَـــرٌ
يَــجــلُو البَــصــائِرَ مِــن ظُــلمٍ وَمِـن ظُـلَمِ
فَــظَــلَّ فــيــهِ رَســولُ اللَّهِ مُــعــتَــكِــفــاً
كَـالدُرِّ فـي البَحر أَو كَالشَمسِ في الغُسَمِ
حَــتّــى إِذا سَــكَــنَ الإِرجــاف وَاِحــتَـرقَـت
أَكــبــادُ قَــومٍ بِــنــارِ اليَــأسِ وَالوَغَــمِ
أَوحــى الرَّســولُ بِــإِعــدادِ الرَّحـيـلِ إِلى
مَــن عِــنــدَهُ السِّرُّ مِــن خِــلٍّ وَمِــن حَــشَــمِ
وَســــارَ بَـــعـــدَ ثَـــلاثٍ مِـــن مَـــبـــاءَتِهِ
يَـــؤُمُّ طَـــيـــبَـــةَ مَــأوى كُــلِّ مُــعــتَــصِــمِ
فَـــحِـــيــنَ وَافــى قُــدَيــداً حَــلَّ مَــوكِــبُهُ
بِـــأُمِّ مَـــعـــبَـــدَ ذاتِ الشَّاــءِ وَالغَــنَــمِ
فَـــلَم تَـــجِـــد لِقِـــراهُ غَـــيـــرَ ضــائِنَــةٍ
قَــدِ اقــشَــعَــرَّت مَــراعِــيــهـا فَـلَم تَـسُـمِ
فَـــمـــا أَمَـــرَّ عَـــلَيــهــا داعِــيــاً يَــدَهُ
حَــتّــى اِســتَهَـلَّت بِـذِي شَـخـبـيـنِ كَـالدِّيَـمِ
ثُــمَّ اِســتَــقَـلَّ وَأَبـقـى فـي الزَّمـانِ لَهـا
ذِكــراً يَــســيــرُ عَــلَى الآفــاق كَـالنَّسـَمِ
فَــبَــيــنَــمــا هُــوَ يَـطـوي البِـيـدَ أَدرَكَهُ
رَكــضــاً سُــراقَــةُ مِــثـلَ القَـشـعَـمِ الضَّرِمِ
حَــتّــى إِذا مــا دَنــا ســاخَ الجَــوادُ بِهِ
فـــي بُـــرقَـــةٍ فَهَـــوى لِلسَّاـــقِ وَالقَـــدَمِ
فَــصــاحَ مُــبــتَهِــلاً يَــرجُـو الأَمـانَ وَلَو
مَــضــى عَــلى عَــزمِهِ لانــهــارَ فــي رَجَــمِ
وَكَـــــيـــــفَ يَــــبــــلُغُ أَمــــراً دُونَهُ وَزَرٌ
مِــنَ العِــنــايــةِ لَم يَــبــلُغــهُ ذُو نَـسَـمِ
فَــــكَــــفَّ عَـــنـــهُ رَســـولُ اللَّهِ وَهـــوَ بِهِ
أَدرى وَكَـــم نِـــقَــمٍ تــفــتَــرُّ عَــن نِــعَــمِ
وَلَم يَـــزَل ســـائِراً حَـــتّـــى أَنــافَ عَــلى
أَعــلامِ طَــيــبَــةَ ذاتِ المَــنـظَـرِ العَـمَـمِ
أَعــظِــم بِــمَــقــدَمِهِ فَــخــراً وَمَــنــقــبَــةً
لِمَــعــشَــرِ الأَوسِ وَالأَحــيــاءِ مِــن جُـشَـمِ
فَـــخـــرٌ يَـــدُومُ لَهُـــم فَـــضـــلٌ بِــذِكــرَتِهِ
مـــا ســـارَت العِــيــسُ بِــالزُّوّارِ لِلحَــرَمِ
يَــــــــومٌ بِهِ أَرَّخَ الإِســـــــلامُ غُـــــــرَّتَهُ
وَأَدرَكَ الدِّيــــنُ فــــيــــهِ ذِروَةَ النُّجــــُمِ
ثُــمَّ اِبــتَــنــى سَــيِّدُ الكَـونَـيـنِ مَـسـحِـدَهُ
بُــنــيــانَ عِــزٍّ فَــأَضــحــى قــائِمَ الدّعَــمِ
وَاِخــتَــصَّ فــيــهِ بِــلالاً بِــالأَذانِ وَمــا
يُــلفــى نَــظــيــرٌ لَهُ فــي نَــبـرَةِ النَّغـَمِ
حَــتّــى إِذا تَــمَّ أَمــرُ اللَّهِ وَاِجــتَــمَـعَـت
لَهُ القـــبَـــائِلُ مِـــن بُـــعــدٍ وَمِــن زَمَــمِ
قــامَ النَّبــِيُّ خَــطــيــبــاً فــيــهِـمُ فَـأَرى
نَهــجَ الهُــدى وَنَهــى عَــن كُــلِّ مُــجــتَــرَمِ
وَعَـــمَّهـــم بِـــكِـــتـــابٍ حَـــضَّ فــيــهِ عَــلى
مَـــحـــاسِـــنِ الفَـــضــلِ وَالآدابِ وَالشِّيــمِ
فَــأَصــبَــحُــوا فــي إِخــاءٍ غَــيـرِ مُـنـصَـدِعٍ
عَـــلى الزَّمـــانِ وَعِـــزٍّ غَـــيــرِ مُــنــهَــدِمِ
وَحِـــيـــنَ آخـــى رَسُـــولُ اللَّهِ بَـــيـــنَهُــمُ
آخــى عَــلِيّــاً وَنِـعـمَ العَـونُ فـي القُـحَـمِ
هُــــوَ الَّذي هَــــزَمَ اللَّهُ الطُــــغــــاةَ بِهِ
فــي كُــلِّ مُــعــتَــرَكٍ بِــالبِــيــضِ مُــحـتَـدِمِ
فَــاِســتَــحــكَــم الدِّيـنُ وَاِشـتَـدَّت دَعـائِمُهُ
حَــتّــى غَــدا واضِــحَ العِــرنـيـنِ ذا شَـمَـمِ
وَأَصـــبَـــحَ النـــاسُ إِخـــوانـــاً وَعَـــمَّهــُمُ
فَــضــلٌ مِــنَ اللَّهِ أَحــيــاهُــم مِـنَ العَـدَمِ
هَـــذا وَقَـــد فَـــرَضَ اللَّهُ الجِهـــادَ عَــلى
رَسُـــولِهِ لِيَـــبُـــثَّ الدِّيـــنَ فـــي الأُمَـــمِ
فَــــكــــانَ أَوَّلُ غَـــزوٍ ســـارَ فـــيـــهِ إِلى
وَدّانَ ثُـــمَّ أَتـــى مِـــن غَـــيــرِ مُــصــطَــدَمِ
ثُــمَّ اِســتَــمَــرَّت سَـرايـا الدِّيـنِ سـابِـحَـةً
بِــالخَــيــلِ جــامِــحَــةً تَــســتَــنُّ بِـاللُّجُـمِ
سَــرِيَّةــٌ كــانَ يَــرعــاهــا عُــبَــيــدَةُ فــي
صَـــوبٍ وَحَـــمــزَةُ فــي أُخــرى إِلى التَّهــَمِ
وَغَــزوَةٌ ســارَ فــيـهـا المُـصـطَـفـى قُـدُمـاً
إِلى بُـــواطٍ بِـــجَـــمـــعٍ ســاطِــعِ القَــتَــمِ
وَمِــثــلَهــا يَــمَّمــَت ذاتَ العُــشــيـرَةِ فـي
جَــيــشٍ لُهــامٍ كَــمَــوجِ البَــحــرِ مُــلتَـطِـمِ
وَســـارَ سَـــعـــدٌ إِلى الخَـــرّارِ يَـــقـــدُمُهُ
سَــعــدٌ وَلَم يَــلقَ فــي مَــسـراهُ مِـن بَـشَـمِ
وَيَـــمَّمـــَت سَـــفَـــوان الخَــيــلُ ســابِــحَــةً
بِــــكُــــلِّ مُـــعـــتَـــزِمٍ لِلقَـــرنِ مُـــلتَـــزِمِ
وَتــابَــعَ السَّيــرَ عَــبــدُ اللَّهِ مُــتَّجــِهــاً
تِــلقــاءَ نَــخــلَةَ مَــصــحُـوبـاً بِـكُـلِّ كَـمِـي
وَحُــــوّلَت قِــــبـــلَةُ الإِســـلامِ وَقـــتَـــئِذٍ
عَـن وِجـهَـةِ القُـدسِ نَحوَ البَيتِ ذي العِظَمِ
وَيَـــمَّمـــَ المُــصــطَــفــى بَــدراً فَــلاحَ لَهُ
بَــدرٌ مِــنَ النَّصــرِ جَــلَّى ظُــلمَــةَ الوَخَــمِ
يَــومٌ تَــبَــسَّمــَ فــيــهِ الدِّيـنُ وَاِنـهَـمَـلَت
عَــلَى الضَّلــالِ عُــيــونُ الشِّركِ بِــالسَّجــَمِ
أَبـــلَى عَـــلِيٌّ بِهِ خَــيــرَ البَــلاءِ بِــمــا
حَــبــاهُ ذُو العَــرشِ مِــن بَـأسٍ وَمِـن هِـمَـمِ
وَجــالَ حَــمــزَةُ بِــالصَّمــصــامِ يَــكــسـؤُهُـم
كَـــســـأً يُـــفَـــرِّقُ مِــنــهُــم كُــلَّ مُــزدَحَــمِ
وَغـــادَرَ الصَّحـــبُ وَالأَنــصــارُ جَــمــعَهُــمُ
وَلَيـــسَ فـــيـــهِ كَـــمِــيٌّ غَــيــرُ مَــنــهَــزِمِ
تَــقَــسَّمــَتــهُــم يَــدُ الهَــيــجــاءِ عــادِلَةً
فَـــالهـــامُ لِلبِــيــض وَالأَبــدانُ لِلرَّخَــمِ
كَــأَنَّمــا البِــيــضُ بِــالأَيــدي صَــوالِجَــةٌ
يَـلعَـبـنَ فـي سـاحَـةِ الهَـيـجـاءِ بِـالقِـمَـمِ
لَم يَــبــقَ مِــنــهُــم كَــمِـيٌّ غَـيـرُ مُـنـجَـدِلٍ
عَــلى الرّغــامِ وَعُــضــوٌ غَــيــرُ مُــنــحَـطِـمِ
فَــمــا مَــضَــت ســاعَــةٌ وَالحَــربُ مُــسـعَـرَةٌ
حَــتّــى غَــدا جَــمــعُهُــم نَهـبـاً لِمُـقـتَـسِـمِ
قَــد أَمــطَــرَتــهُـم سَـمـاءُ الحَـربِ صـائِبَـةً
بِـــالمَـــشـــرَفِـــيَّةــِ وَالمُــرّانِ كَــالرُّجُــمِ
فَــأَيــنَ مــا كــانَ مِــن زَهــوٍ وَمِــن صَــلَفٍ
وَأَيــنَ مــا كــانَ مِــن فَــخــرٍ وَمِــن شَـمَـمِ
جـــاؤُا وِللشَّرِّ وَســـمٌ فـــي مَـــعــاطِــسِهِــم
فَـــأُرغِـــمُــوا وَالرَّدى فــي هَــذِهِ السِّيــَمِ
مَــن عــارَضَ الحَــقَّ لَم تَــســلَم مَــقـاتِـلُهُ
وَمَــــن تَـــعَـــرَّضَ لِلأَخـــطـــارِ لَم يَـــنَـــمِ
فَـمـا اِنـقَـضـى يَـومُ بَـدرٍ بِـالَّتـي عَـظُـمَـت
حَـتّـى مَـضـى غـازِيـاً بِـالخَـيـلِ فـي الشُّكُمِ
فَــيَــمَّمــَ الكُــدرَ بِـالأَبـطـالِ مُـنـتَـحِـيـاً
بَـــنـــي سُــلَيــمٍ فَــوَلَّت عَــنــهُ بِــالرَّغَــمِ
وَســارَ فــي غَــزوَةٍ تُــدعـى السَّويـقَ بِـمـا
أَلقـــاهُ أَعـــداؤُهُ مِـــن عُـــظـــمِ زادِهِـــمِ
ثُــمَّ اِنــتَــحــى بِــوُجُـوهِ الخَـيـل ذَا أَمـرٍ
فَـــفَـــرَّ ســـاكِـــنُهُ رُعـــبـــاً إِلى الرَّقَــمِ
وَأَمَّ فـــرعـــاً فَـــلَم يَـــثــقَــف بِهِ أَحَــداً
وَمَـــن يُـــقــيــمُ أَمــامَ العــارِضِ الهَــزِمِ
وَلَفَّ بِــالجَــيــشِ حَــيَّيــ قَــيــنُـقـاعَ بِـمـا
جَــنَــوا فَــتَــعـسـاً لَهُـم مِـن مَـعـشَـرٍ قَـزَمِ
وَســارَ زَيــدٌ بِــجَــمــعٍ نَــحــوَ قَــردَةَ مِــن
مِــيــاهِ نَــجــدٍ فَـلَم يَـثـقَـف سِـوى النَّعـَمِ
ثُــمَّ اِسـتَـدارَت رَحـا الهَـيـجـاءِ فـي أُحُـدٍ
بِــــكُــــلِّ مُـــفـــتَـــرِسٍ لِلقِـــرنِ مُـــلتَهِـــمِ
يَـــومٌ تَـــبَــيَّنــَ فــيــهِ الجِــدُّ وَاِتَّضــَحَــت
جَــلِيَّةــُ الأَمــرِ بَــعــدَ الجَهــدِ وَالسَّأــَمِ
قَــد كــانَ خُــبــراً وَتَـمـحـيـصـاً وَمَـغـفِـرَةً
لِلمُـــؤمِـــنــيــنَ وَهَــل بُــرءٌ بِــلا سَــقَــمِ
مَــــضـــى عَـــلِيٌّ بِهِ قُـــدمـــاً فَـــزَلزَلَهُـــم
بِـــحَـــمـــلَةٍ أَورَدَتـــهُـــم مَـــورِدَ الشَّجــَمِ
وَأَظـــهَـــرَ الصَّحــبُ وَالأَنــصــارُ بَــأسَهــم
وَالبَأسُ في الفِعلِ غَيرُ البَأسِ فِي الكَلِمِ
خـاضُـوا المَـنـايـا فَـنـالُوا عِـيشَةً رَغَداً
وَلَذَّةُ النَّفــــسِ لا تَــــأتِــــي بِــــلا أَلَمِ
مَــن يَــلزَمِ الصَّبــرَ يَــسـتَـحـسِـن عَـواقِـبَهُ
وَالمــاءُ يَــحــسُــنُ وَقــعــاً عِـنـدَ كُـلِّ ظَـمِ
لَو لَم يَـكُـن فِـي اِحـتِـمـالِ الصَّبرِ مَنقَبةٌ
لَم يَــظـهَـرِ الفَـرقُ بَـيـنَ اللُّؤمِ وَالكَـرَمِ
فَــكــانَ يَــومــاً عَــتِـيـدَ البَـأسِ نـالَ بِهِ
كِــلا الفَــريــقَــيــنِ جَهـداً وَارِيَ الحَـدَمِ
أَودى بِهِ حَــمــزَةُ الصِّنــدِيــدُ فِــي نَــفَــرٍ
نــالوا الشَّهــادَةَ تَــحـتَ العـارِضِ الرَّزِمِ
أَحــسِـن بِهـا مَـيـتَـةً أَحـيَـوا بِهـا شَـرَفـاً
وَالمَـوتُ فـي الحَـربِ فَـخرُ السّادَةِ القُدُمِ
لا عــارَ بِــالقَــومِ مِــن مَــوتٍ وَمِـن سَـلَبٍ
وَهَــل رَأَيــتَ حُــســامــاً غَــيــرَ مُــنــثَــلِمِ
فَـــكـــانَ يَــوم جَــزاءٍ بَــعــدَ مُــخــتَــبَــرٍ
لِمَـــن وَفـــا وَجَـــفـــا بِــالعِــزِّ وَالرَّغَــمِ
قــــامَ النَّبــــِيُّ بِهِ فــــي مَــــأزِقٍ حَــــرِج
تَــرعــى المَـنـاصِـلُ فـيـهِ مَـنـبِـتَ الجُـمَـمِ
فَـلَم يَـزَل صـابِـراً فـي الحَـربِ يَـفـثَـؤُهـا
بِـالبِـيـضِ حَـتّـى اِكـتَـسَـت ثَوباً مِنَ العَنَمِ
وَرَدَّ عَــيــنَ اِبــنِ نُــعــمــان قَــتــادَةَ إِذ
ســالَت فَــعــادَت كَــمــا كـانَـت بِـلا لَتـمِ
وَقَــد أَتـى بَـعـدَ ذا يَـومُ الرَّجِـيـعِ بِـمـا
فِــيـهِ مِـنَ الغَـدرِ بَـعـدَ العَهـدِ وَالقَـسَـمِ
وَثــارَ نَـقـعُ المَـنـايـا فـي مَـعُـونَـةَ مِـن
بَــنــي سُــلَيــمٍ بِــأَهــلِ الفَـضـلِ وَالحِـكَـمِ
ثُــمَّ اِشــرَأَبَّتــ لِخَــفــرِ العَهــدِ مِـن سَـفَهٍ
بَــنُــو النَّضــيــرِ فَــأَجـلاهُـم عَـنِ الأُطُـمِ
وَســارَ مُــنــتَــحِــيــاً ذاتَ الرِّقــاعِ فَــلَم
تَــلقَ الكَــتــائِبُ فــيــهـا كَـيـدَ مُـصـطَـدَمِ
وَحَــلَّ مِــن بَــعــدِهــا بَــدراً لِوَعــدِ أَبِــي
سُــــفــــيــــانَ لَكِـــنَّهـــُ وَلّى وَلَم يَـــحُـــمِ
وَأَمَّ دَومَــــةَ فــــي جَــــمــــعٍ وَعــــادَ إِلى
مَـــكـــانِهِ وَسَـــمـــاءُ النَّقـــعِ لَم تَـــغِــمِ
ثُــمَّ اِســتَــثــارَت قُــرَيــشٌ وَهــيَ ظــالِمَــةٌ
أَحـــلافَهـــا وَأَتَـــت فـــي جَــحــفَــلٍ لَهِــمِ
تَــسـتَـمـرِئُ البَـغـيَ مِـن جَهـلٍ وَمـا عَـلِمَـت
أَنَّ الجَهــــالَة مَــــدعــــاةٌ إِلى الثَّلــــَمِ
وَقــامَ فــيــهــم أَبُــو سُـفـيـانَ مِـن حَـنَـقٍ
يَـدعُـو إِلى الشَّرِّ مـثـلَ الفَحلِ ذِي القَطَمِ
فَـخَـنـدَقَ المُـؤمِـنُـونَ الدّارَ وَاِنـتَـصَـبُـوا
لِحَــربِهِــم كَــضَــواري الأُســدِ فـي الأَجَـمِ
فَـمـا اِسـتَـطـاعَـت قُـرَيـشٌ نَـيـلَ مـا طَـلَبَت
وَهَـــل تَـــنـــالُ الثُّرَيّـــا كَــفُّ مُــســتَــلِمِ
رامَـــت بِـــجَهــلَتِهــا أَمــراً وَلَو عَــلِمَــت
مــاذَا أُعِــدَّ لَهــا فــي الغَــيـبِ لَم تَـرُمِ
فَـــخَـــيَّبــَ اللَّهُ مَــســعــاهــا وَغــادَرَهــا
نَهـــبَ الرَّدى وَالصَّدى وَالرِّيـــحِ وَالطَّســَمِ
فَــقــوَّضَــت عُــمُــدَ التَّرحــالِ وَاِنــصَــرَفَــت
لَيــلاً إِلى حَــيــثُ لَم تَــســرَح وَلَم تَـسُـمِ
وَكَــيــفَ تَــحــمَــدُ عُـقـبـى مـاجَـنَـت يَـدُهـا
بَــغــيــاً وَقَــد سَــرَحَــت فــي مَــرتَـعٍ وَخِـمِ
قَــد أَقــبَــلَت وَهــيَ فــي فَـخـرٍ وَفـي جَـذَلٍ
وَأَدبَـــرَت وَهـــيَ فـــي خِـــزيٍ وَفـــي سَـــدَمِ
مَــن يَــركَــبِ الغَــيَّ لا يَــحـمَـد عَـواقِـبَهُ
وَمَـــن يُـــطِــع قَــلبُهُ أَمــرَ الهَــوى يَهِــمِ
ثُــمَّ اِنــتَــحــى بِــوُجُـوهِ الخَـيـلِ سـاهِـمَـةً
بَـــنـــي قُــرَيــظَــةَ فــي رَجــراجَــةٍ حُــطَــمِ
خـانُـوا الرَّسُـولَ فَـجـازاهُـم بِـمـا كَسَبُوا
وَفِــي الخِــيــانَــةِ مَــدعــاةٌ إِلى النِّقــَمِ
وَسـارَ يَـنـحُـو بَـنـي لِحـيـانَ فَـاِعـتَـصَـمُوا
خَــوفَ الرَّدى بِــالعَــوالي كُــلَّ مُــعــتَـصَـمِ
وَأَمَّ ذا قَــــرَدٍ فــــي جَــــحــــفَــــلٍ لَجِــــبٍ
يَـــســـتَــنُّ فــي لاحِــبٍ بــادٍ وَفــي نَــسَــمِ
وَزارَ بِـــالجَـــيــشِ غَــزواً أَرضَ مُــصــطَــلِقٍ
فَـمـا اتَّقـُوهُ بِـغَـيـرِ البِـيـضِ فـي الخَـدَمِ
وَفــي الحُــدَيــبِـيَـةِ الصُّلـحُ اِسـتَـتَـبَّ إِلى
عَــشــرٍ وَلَم يَــجــرِ فــيــهــا مِـن دَمٍ هَـدَمِ
وَجـــاءَ خَـــيـــبَـــرَ فــي جَــأواءَ كَــالِحَــةٍ
بِــالخَــيـلِ كَـالسَّيـلِ وَالأَسـيـافِ كَـالضَّرَمِ
حَــتّــى إِذا اِمـتَـنَـعَـت شُـمُّ الحُـصـونِ عَـلى
مَــن رامَهــا بَــعــدَ إِيــغــالٍ وَمُــقــتَـحَـمِ
قــالَ النَّبــِيُّ سَــأُعــطِــي رايَــتِــي رَجُــلاً
يُــــحِــــبُّنـــِي وَيُـــحِـــبُّ اللَّهَ ذا الكَـــرَمِ
ذا مــرَّةٍ يَــفــتَــحُ اللَّهُ الحُــصــونَ عَــلَى
يَــــدَيــــهِ لَيــــسَ بِــــفَــــرّارٍ وَلا بَــــرِمِ
فَــمــا بَـدا الفَـجـرُ إِلّا وَالزَّعـيـمُ عَـلى
جَـــيـــشِ القِـــتـــالِ عَــلِيٌّ رافِــعُ العَــلَمِ
وَكــــانَ ذا رَمَــــدٍ فَـــاِرتَـــدَّ ذا بَـــصَـــرٍ
بِــنَــفــثَــةٍ أَبــرَأَت عَــيــنَــيــهِ مِــن وَرَمِ
فَــســارَ مُــعــتَــزِمــاً حَــتّــى أَنــافَ عَــلى
حُــصُــونِ خَــيــبَــرَ بِــالمَــســلُولَةِ الخُــذُمِ
يَــمــضِــي بِــمُــنــصُــلِهِ قُــدمــاً فَــيَـلحَـمُهُ
مَــجــرى الوَريــدِ مِـنَ الأَعـنـاقِ وَاللِّمَـمِ
حَــتّــى إِذا طــاحَ مِــنــهُ التُّرسُ تــاحَ لَهُ
بـــابٌ فَـــكــانَ لَهُ تُــرســاً إِلى العَــتَــمِ
بـــابٌ أَبَـــت قَـــلبَهُ جَهـــداً ثَــمــانِــيَــةٌ
مِـــنَ الصَّحـــابَـــةِ أَهـــلِ الجِــدِّ وَالعَــزَمِ
فَـلَم يَـزَل صـائِلاً فـي الحَـربِ مُـقـتَـحِـمـاً
غَــيــابَــةَ النَّقـعِ مِـثـلَ الحَـيـدَرِ القَـرِمِ
حَــتّــى تَــبَــلَّجَ فَــجــرُ النَّصـرِ وَاِنـتَـشَـرَت
بِهِ البَـــشـــائِرُ بَــيــنَ السَّهــلِ وَالعَــلَمِ
أَبـــشِـــر بِهِ يَــومَ فَــتــحٍ قَــد أَضــاءَ بِهِ
وَجــهُ الزَّمــانِ فَــأَبــدى بِــشــرَ مُـبـتَـسِـمِ
أَتــى بِهِ جَــعــفَــرُ الطَّيــّارُ فَــاِبــتَهَـجَـت
بِـــعَـــودِهِ أَنـــفُـــسُ الأَصــحــابِ وَالعُــزَمِ
فَــكــانَ يَــومــاً حَــوى عِـيـدَيـنِ فـي نَـسَـقٍ
فَــتــحــاً وَعَــود كَــرِيــمٍ طــاهِــرِ الشِّيــَمِ
وَعــادَ بِـالنَّصـرِ مَـولى الدِّيـنِ مُـنـصَـرِفـاً
يَـــؤُمُّ طَـــيـــبَـــةَ فِـــي عِـــزٍّ وَفِــي نِــعَــمِ
ثُــمَّ اِســتَــقــامَ لِبَــيــتِ اللَّهِ مُـعـتَـمِـراً
لِنَـــيـــلِ مـــا فـــاتَهُ بِــالهَــديِ لِلحَــرَمِ
وَســارَ زَيــدٌ أَمــيــراً نَــحــوَ مُــؤتَـةَ فـي
بَــعــثٍ فَــلاقـى بِهـا الأَعـداءَ مِـن كَـثَـمِ
فَــعَـبَّأـَ المُـسـلِمُـونَ الجُـنـدَ وَاِقـتَـتَـلُوا
قِـــتـــالَ مُـــنـــتَــصِــرٍ لِلحَــقِّ مُــنــتَــقِــمِ
فَـــطـــاحَ زَيـــدٌ وَأَودى جَـــعــفَــرٌ وَقَــضــى
تَــحــتَ العَــجــاجَــةِ عَـبـدُ اللَّهِ فـي قُـدُمِ
لا عـارَ بِـالمَـوتِ فَـالشَّهـمُ الجَـرِيءُ يَرى
أَنَّ الرَّدى فــي المَـعـالي خَـيـرُ مُـغـتَـنَـمِ
وَحِــيــنَ خــاسَــت قُــرَيــشٌ بِــالعُهُــودِ وَلَم
تُــنــصِــف وَسـارَت مِـن الأَهـواءِ فـي نَـقَـمِ
وَظــاهَــرَت مِــن بَــنــي بَــكــرٍ حَـليـفَـتَهـا
عَــلى خُــزاعَــةَ أَهــلِ الصِّدقِ فِــي الذِّمَــمِ
قــامَ النَّبــِيُّ لِنَــصــرِ الحَــقِّ مُــعــتَـزِمـاً
بِـــجَـــحـــفَـــلٍ لِجُــمُــوعِ الشِّركِ مُــخــتَــرِمِ
تَــبـدُو بِهِ البِـيـضُ وَالقَـسـطـالُ مُـنـتَـشِـرٌ
كَالشُّهبِ في اللَّيلِ أَو كَالنّارِ فِي الفَحَمِ
لَمــعُ السُّيــُوفِ وَتَــصــهــالُ الخُــيــولِ بِهِ
كَــالبَــرقِ وَالرَّعــدِ فــي مُــغــدَودِقٍ هَــزِمِ
عَــرمــرَمٌ يَــنــسِــفُ الأَرضَ الفَــضــاءَ إِذا
سَـــرى بِهـــا وَيَــدُكُّ الهَــضــبَ مِــن خِــيَــمِ
فِـــيـــهِ الكُــمــاةُ الَّتــي ذَلَّت لِعِــزَّتِهــا
مَـــعـــاطِــسٌ لَم تُــذَلَّل قَــبــلُ بِــالخُــطُــمِ
مِــن كُــلِّ مُــعــتَــزِمٍ بِــالصَّبــرِ مُــحــتَــزِمٍ
لِلقِـــرنِ مُـــلتَــزِمٍ فــي البَــأسِ مُهــتَــزِمِ
طــالَت بِهِــم هِــمَـمٌ نـالُوا السِّمـاكَ بِهـا
عَـــن قُـــدرَةٍ وَعُـــلُوُّ النَّفـــسِ بِــالهِــمَــمِ
بِـــــيـــــضٌ أَســــاوِرَةٌ غُــــلبٌ قَــــســــاوِرَةٌ
شُـكـسٌ لَدى الحَـربِ مِـطـعـامـونَ فـي الأُزُمِ
طــابَــت نُــفُــوسُهُــمُ بِـالمَـوتِ إِذ عَـلِمُـوا
أَنَّ الحَــيــاةَ الَّتـي يَـبـغُـونَ فـي العَـدَمِ
ســاسُــوا الجِــيــادَ فَـظَـلَّت فـي أَعِـنَّتـِهـا
طَــوعَ البَــنــانَــةِ فــي كَــرٍّ وَمُــقــتَــحَــمِ
تَـــكـــادُ تَــفــقَهُ لَحــنَ القَــولِ مِــن أَدَبٍ
وَتَــســبِــقُ الوَحــيَ وَالإِيــمــاءَ مِـن فَهَـمِ
كَـــأَنَّ أَذنـــابَهـــا فـــي الكَـــرِّ أَلوِيَـــةٌ
عَــلَى سَــفِــيــنٍ لِأَمــرِ الرِّيــحِ مُــرتَــسِــمِ
مِـــن كُـــلِّ مُـــنـــجَــرِدٍ يَهــوي بِــصــاحِــبِهِ
بَــيــنَ العَــجــاجِ هــوِيَّ الأَجــدَلِ اللَّحِــمِ
وَالبِـيـضُ تَـرجُـفُ فـي الأَغـمـادِ مِـن ظَـمَـأٍ
وَالسُّمــرُ تَــرعـدُ فـي الأَيـمـانِ مِـن قَـرَمِ
مِــــــن كُــــــلِّ مُــــــطَّرِدٍ لَولا عَــــــلائِقُهُ
لَســابَــقَ المَــوتَ نَــحـوَ القِـرنِ مِـن ضَـرَمِ
كَـــــأَنَّهـــــُ أَرقَــــمٌ فــــي رَأسِهِ حُــــمَــــةٌ
يَــســتَـلُّ كَـيـدَ الأَعـادي بِـابـنَـةِ الرَّقَـمِ
فَـــلَم يَـــزَل ســائِراً حَــتّــى أَنــافَ عَــلى
أَربـــاضِ مَـــكّـــةَ بِـــالفُــرســانِ وَالبُهَــمِ
وَلَفَّهـــم بِـــخَـــمِـــيـــسٍ لَو يَـــشُـــدُّ عَـــلى
أَركـــانِ رَضـــوى لَأَضــحــى مــائِلَ الدِّعَــمِ
فَــأَقــبَـلوا يَـسـأَلُونَ الصَّفـحَ حِـيـنَ رَأَوا
أَنَّ اللَّجــــاجَــــةَ مَــــدعــــاةٌ إِلى النَّدَمِ
رِيــعُــوا فَــذَلُّوا وَلَو طــاشُــوا لَوَقَّرَهُــم
ضَــربٌ يُــفَــرِّقُ مِــنــهُــم مَــجــمَــعَ اللِّمَــمِ
ذاقُـوا الرَّدى جُـرَعـاً فَـاِسـتَـسلَمُوا جَزَعاً
لِلصُّلـــحِ وَالحَـــربُ مَــرقــاةٌ إِلى السَّلــَمِ
وَأَقــبَــلَ النَّصــرُ يَــتــلُو وَهــوَ مُـبـتَـسِـمٌ
المَــجــدُ لِلسَّيــفِ لَيــسَ المَــجــدُ لِلقَــلَمِ
يــا حــائِرَ اللُّبِّ هَــذا الحَــقُّ فَـامـضِ لَهُ
تَــســلَم وَهَــذا سَـبِـيـلُ الرُّشـدِ فَـاِسـتَـقِـمِ
لا يَـــصـــرَعَـــنَّكـــَ وَهـــمٌ بِـــتَّ تَـــرقُـــبُهُ
إِنَّ التَّوَهُّمـــَ حَـــتـــفُ العـــاجِــزِ الوَخِــمِ
هَــذا النَّبــيُّ وَذاكَ الجَــيــشُ مُــنــتَــشِــرٌ
مِـلءَ الفَـضـا فَـاِسـتَـبـق لِلخَـيـرِ تَـغـتَـنِمِ
فَــالزَم حِــمــاهُ تَــجِـد مـا شِـئتَ مِـن أَرَبٍ
وَشِــم نَــداهُ إِذا مــا البَــرقُ لَم يُــشَــمِ
وَاحـــلُل رِحـــالَكَ وَانـــزِل نَـــحــوَ سُــدَّتِهِ
فَـــإِنَّهـــا عــصــمَــةٌ مِــن أَوثَــقِ العِــصــمِ
أَحــيــا بِهِ اللَّهُ أَمــواتَ القُــلوبِ كَـمـا
أَحــيــا النَّبــاتَ بِـفَـيـضِ الوابِـلِ الرَّذِمِ
حَــتّــى إِذا تَــمَّ أَمـرُ الصُـلحِ وَاِنـتَـظَـمَـت
بِهِ عُـــقـــودُ الأَمـــانـــي أَيَّ مُــنــتَــظَــمِ
قــامَ النَّبــِيُّ بِــشُــكــرِ اللَّهِ مُــنـتَـصِـبـاً
وَالشُّكــرُ فِــي كُــلِّ حــالٍ كــافِــلُ النِّعــَمِ
وَطــافَ بِــالبَــيــتِ ســبــعــاً فَـوقَ راحِـلَةٍ
قَـــوداءَ نـــاجِــيَــةٍ أَمــضــى مِــنَ النَّســَمِ
فَـــمـــا أَشـــارَ إِلى بُـــدٍّ بِـــمِـــحـــجَـــنِهِ
إِلّا هـــــوَى لِيَـــــدٍ مَـــــغـــــلُولَةٍ وَفَــــمِ
وَفِـــي حُـــنَــيــنٍ إِذ اِرتَــدَّت هَــوازِنُ عَــن
قَــصــدِ السَّبـيـلِ وَلَم تَـرجِـع إِلى الحَـكَـمِ
سَــرى إِلَيــهــا بِــبَــحــرٍ مِــن مُــلَمــلَمَــةٍ
طــامــي السّـراة بِـمَـوجِ البِـيـضِ مُـلتَـطِـمِ
حَــتّــى اِســتَــذَلَّت وَعـادَت بَـعـدَ نَـخـوَتِهـا
تُــلقــي إِلى كُــلِّ مَــن تَــلقــاهُ بِـالسَّلـَمِ
وَيَـــمَّمـــَ الطّــائِفَ الغَــنّــاءَ ثُــمَّ مَــضــى
عَــنــهــا إلى أَجَـلٍ فـي الغَـيـبِ مُـكـتَـتَـمِ
وَحِــيــنَ أَوفــى عَــلى وادِي تَــبُــوكَ سَـعـى
إِلَيـــهِ ســـاكِـــنُهـــا طَــوعــاً بِــلا رَغَــمِ
فَــــصــــالَحُـــوهُ وَأَدَّوا جِـــزيَـــةً وَرَضُـــوا
بِـــحُـــكـــمِهِ وَتَـــبــيــعُ الرُشــد لَم يَهِــمِ
أَلفــى بِهــا عَــيــنَ مــاءٍ لا تَـبِـضُّ فَـمُـذ
دَعــا لَهــا اِنــفَــجَــرَت عَــن ســائِغٍ سَـنِـمِ
وَراوَدَ الغَـــيـــثَ فَـــاِنـــهَـــلَّت بَـــوادِرُهُ
بَــعــدَ الجُــمــودِ بِــمُــنــهَــلٍّ وَمُــنــسَـجِـمِ
وَأَمَّ طَــــيــــبَــــةَ مَـــســـروراً بِـــعَـــودَتِهِ
يَــطــوي المَــنــازِلَ بِــالوَخّــادَةِ الرُّسُــمِ
ثُــمَّ اِســتَهَــلَّت وُفُــودُ النــاسِ قــاطِــبَــةً
إِلى حِـــمـــاهُ فَـــلاقَـــت وافِـــرَ الكَـــرَمِ
فَــكــانَ عــامَ وُفــودٍ كُــلَّمــا اِنــصَــرَفَــت
عِـــصـــابَـــةٌ أَقـــبَــلَت أُخــرى عَــلى قَــدَمِ
وَأَرسَــلَ الرُّســلَ تَــتــرى لِلمُــلوكِ بِــمــا
فِـــيـــهِ بَـــلاغٌ لِأَهـــلِ الذِّكــرِ وَالفَهَــمِ
وَأَمَّ غــــالِبُ أَكــــنــــافَ الكَـــديـــدِ إِلى
بَــنــي المُــلَوَّحِ فَــاِسـتَـولى عَـلى النَّعـَمِ
وَحِـــيـــنَ خــانَــت جُــذامٌ فَــلَّ شَــوكَــتَهــا
زَيــدٌ بِــجَــمــعٍ لِرَهــطِ الشِّركِ مُــقــتَــثِــمِ
وَســارَ مُــنــتَــحِـيـاً وادي القُـرى فَـمَـحـا
بَــــنـــي فَـــزارَةَ أَصـــلَ اللُّؤمِ وَالقَـــزَمِ
وَأَمَّ خَـــيـــبَـــرَ عَـــبــدُ اللَّهِ فــي نَــفَــرٍ
إِلى اليَـــسِـــيـــر فَـــأَرداهُ بِـــلا أَتَـــمِ
وَيَـــمَّمـــَ اِبــنُ أُنَــيــسٍ عُــرضَ نَــخــلَةَ إِذ
طَــغــا اِبــنُ ثَــورٍ فَــاصــمــاهُ وَلَم يَـخِـمِ
ثُــمَّ اِســتَــقَـلَّ اِبـنُ حِـصـنٍ فَـاِحـتَـوَت يَـدُهُ
عَــلى بَــنــي العَــنــبَـرِ الطُّرّارِ وَالشُّجـُمِ
وَســارَ عَــمــرو إِلى ذاتِ السَّلــاسِــلِ فــي
جَـــمـــعٍ لُهــامٍ لِجَــيــشِ الشِّركِ مُــصــطَــلِمِ
وَغَـــــزوَتـــــانِ لِعَــــبــــدِ اللَّهِ واجِــــدَةٌ
إِلى رِفـــــاعَـــــةَ وَالأُخــــرى إِلى إِضَــــمِ
وَســارَ جَــمــعُ اِبـنِ عَـوفٍ نَـحـوَ دَومَـةَ كَـي
يَــــفُــــلَّ سَــــورَةَ أَهـــلِ الزُّورِ وَالتُّهـــَمِ
وَأَمَّ بِــالخَــيــلِ سـيـفَ البَـحـرِ مُـعـتَـزِمـاً
أَبُـــو عُـــبَـــيـــدَةَ فــي صُــيّــابَــةٍ حُــشُــمِ
وَســـارَ عَـــمـــرو إِلى أُمِّ القُـــرى لِأَبــي
سُــفــيــانَ لَكِــن عَــدَتــهُ مُهــلَةُ القِــسَــمِ
وَأَمَّ مَــــديَـــنَ زَيـــدٌ فَـــاِســـتَـــوَت يَـــدُهُ
عَــلى العَــدُوِّ وَســاقَ السَّبــيَ كَــالغَــنَــمِ
وَقـــامَ ســـالِمُ بِــالعَــضــبِ الجُــرازِ إِلى
أَبــــي عُـــفَـــيـــكٍ فَـــأَرداهُ وَلَم يَـــجِـــمِ
وَاِنــقَــضَّ لَيــلاً عُــمَـيـرٌ بِـالحُـسـامِ عَـلى
عَــصــمــاءَ حَــتّــى سَـقـاهـا عَـلقَـمَ العَـدَمِ
وَســارَ بَــعــثٌ فَــلَم يُــخــطِـئ ثُـمـامَـةَ إِذ
رَآهُ فَـــاحـــتـــازَهُ غُـــنـــمـــاً وَلَم يُــلَمِ
ذاكَ الهُـــمـــامُ الَّذي لَبّــى بِــمَــكَّةــ إِذ
أَتــى بِهـا مُـعـلِنـاً فـي الأَشـهُـرِ الحُـرُمِ
وَبَــعــثُ عَــلقَـمَـةَ اِسـتَـقـرى العَـدُوَّ ضُـحـىً
فَــلَم يَــجِــد فــي خِــلالِ الحَــيِّ مِــن أَرمِ
وَرَدَّ كُـــرزٌ إِلى العَـــذراءِ مَـــن غَـــدَرُوا
يَــســارَ حَــتّــى لَقَــوا بَـرحـاً مِـنَ الشَّجـَمِ
وَســـارَ بَـــعــثُ اِبــنِ زَيــدٍ لِلشَّآــمِ فَــلَم
يَـلبَـث أَنِ انـقَـضَّ كَـالبـازي عَـلى اليَـمَمِ
فَهَـــــذِهِ الغَـــــزَواتُ الغُــــرُّ شــــامِــــلَةً
جَـــمـــعَ البُــعُــوثِ كَــدُرٍّ لاحَ فــي نُــظُــمِ
نَــظَــمــتُهـا راجِـيـاً نَـيـلَ الشَّفـاعَـةِ مِـن
خَـيـرِ البَـرايـا وَمَـولى العُـربِ وَالعَـجَـمِ
هُـــوَ النَّبـــِيُّ الَّذي لَولاهُ مـــا قُـــبِــلَت
رَجـــــاةُ آدمَ لَمّـــــا زَلَّ فـــــي القِـــــدَمِ
حَــســبِــي بِــطَــلعَــتِهِ الغَــرّاءِ مَــفــخَــرَةً
لَمّــا اِلتَــقَــيــتُ بِهِ فــي عــالَمِ الحُــلُمِ
وَقَــد حَــبــانــي عَـصـاهُ فَـاِعـتَـصَـمـتُ بِهـا
فـــي كُـــلِّ هَـــولٍ فَـــلم أَفــزَع وَلَم أَهِــمِ
فَهــيَ الَّتـي كـانَ يَـحـبُـو مِـثـلَهـا كَـرَمـاً
لِمَـــن يَـــوَدُّ وَحَـــســـبِـــي نـــســبَــةً بِهِــمِ
لَم أَخــشَ مِــن بَــعـدِهـا مـا كُـنـتُ أَحـذَرُهُ
وَكَــيــفَ وَهــيَ الَّتــي تُـنـجـي مِـنَ الغُـمَـمِ
كَــفــى بِهــا نِــعــمَـةً تَـعـلُو بِـقـيـمَـتِهـا
نَــفـسِـي وَإِن كُـنـتُ مَـسـلوبـاً مِـنَ القِـيَـمِ
وَمــــا أُبَــــرِّئُ نَــــفـــســـي وَهـــيَ آمِـــرَةٌ
بِـالسُـوءِ مـا لَم تَـعُـقـهـا خـيـفَـةُ النَّدَمِ
فَــيــا نَـدامَـةَ نَـفـسـي فـي المَـعـادِ إِذا
تَــعَــوَّذَ المَــرءُ خَــوفَ النُــطـقِ بِـالبَـكـمِ
لَكِـــنَّنـــي وَاثِـــقٌ بِـــالعَــفــو مِــن مَــلِكٍ
يَــعــفُــو بِــرَحــمَــتِهِ عَــن كُــلِّ مُــجــتَــرِمِ
وَسَــــوفَ أَبــــلُغُ آمـــالي وَإِن عَـــظُـــمَـــت
جَـــرائِمـــي يَــومَ أَلقــى صــاحِــبَ العَــلَمِ
هُــوَ الَّذي يَــنــعَــشُ المَـكـرُوبَ إِذ عَـلِقَـت
بِهِ الرَّزايـــا وَيُـــغـــنـــي كُــلَّ ذي عَــدَمِ
هَـــيـــهـــاتَ يَـــخـــذُلُ مَـــولاهُ وَشــاعِــرَهُ
فـي الحَـشـرِ وَهـوَ كَـريـمُ النَّفـسِ وَالشِّيـَمِ
فَـــمَـــدحُهُ رَأسُ مــالي يَــومَ مُــفــتَــقَــرِي
وَحُــبُّهــُ عِــزُّ نَــفــســي عِــنــدَ مُهــتَــضَـمِـي
وَهَـــبـــتُ نَــفــسِــي لَهُ حُــبّــا وَتَــكــرِمَــة
فَهَــل تَــرانــي بَــلَغـتُ السُّؤلَ مِـن سَـلَمـي
إِنِّيـــ وَإِن مـــالَ بــي دَهــري وَبَــرَّحَ بــي
ضَــيــمٌ أَشــاطَ عَــلى جَــمــرِ النَّوى أَدَمــي
لثــابِــتُ العَهــدِ لَم يَــحــلُل قُـوى أَمَـلِي
يَــأسٌ وَلَم تَــخــطُ بِــي فــي سَــلوَةٍ قَـدَمـي
لَم يَــتــرُكِ الدَّهـرُ لي مـا أَسـتَـعِـيـنُ بِهِ
عَـــلى التَّجـــَمُّلـــِ إِلّا ســـاعِــدي وَفَــمِــي
هَــذا يُــحَــبِّرُ مَــدحــي فــي الرَّســولِ وَذا
يَـتـلُو عَـلى النـاسِ مـا أُوحـيهِ مِن كَلِمِي
يــا سَــيِّدَ الكَـونِ عَـفـواً إِن أَثِـمـتُ فَـلي
بِـــحُـــبِّكـــُم صِـــلَةٌ تُــغــنِــي عَــنِ الرَّحِــمِ
كَـفـى بِـسَـلمـانَ لِي فَـخـراً إِذا انـتَـسَـبَت
نَــفــســي لَكُــم مِـثـلَهُ فـي زُمـرَةِ الحَـشَـمِ
وَحــســنُ ظَــنِّيــ بِــكُــم إِن مُــتُّ يَــكـلَؤُنـي
مِــن هَــولِ مــا أَتَّقــي فِـي ظُـلمَـةِ الرَّجَـمِ
تَــاللَّهِ مــا عــاقَــنــي عَــن حَـيِّكـُم شَـجَـنٌ
لَكِـــنَّنـــِي مُـــوثَـــقٌ فــي رِبــقَــةِ السَّلــَمِ
فَهَــل إِلى زَورَةٍ يَــحــيــا الفُــؤادُ بِهــا
ذَرِيــعَــةٌ أَبــتَــغــيــهــا قَـبـلَ مُـخـتَـرَمِـي
شَــكَــوتُ بَــثِّيــ إِلى رَبِّيــ لِيُــنــصِــفَــنــي
مِــن كُــلِّ بــاغٍ عَــتِــيــدِ الجَــورِ أَوهـكـمِ
وَكَــيــفَ أَرهَــبُ حَــيــفــا وَهــوَ مُــنــتَـقِـمٌ
يَهــــابُهُ كُــــلُّ جَــــبّــــارٍ وَمُـــنـــتَـــقِـــمِ
لا غَــروَ إِن نِــلتُ مـا أَمَّلـتُ مِـنـهُ فَـقَـد
أَنـــزَلتُ مُـــعـــظَـــمَ آمـــالي بِـــذي كَــرَمِ
يــا مـالِكَ المُـلكِ هَـب لِي مِـنـكَ مَـغـفِـرَةً
تَــمــحُــو ذُنُــوبــي غَـداةَ الخَـوفِ وَالنَّدَمِ
وَاِمــنُــن عَــلَيَّ بِــلُطــفٍ مِــنـكَ يَـعـصِـمُـنـي
زَيـغَ النُّهـى يَـومَ أَخـذِ المَـوتِ بِـالكَـظَـمِ
لَم أَدعُ غَــيــرَكَ فِــيـمـا نـابَـنـي فَـقِـنـي
شَــرَّ العَــواقِــبِ وَاِحــفَــظـنِـي مِـنَ التُّهـَمِ
حـاشـا لِراجـيـكَ أَن يَـخـشـى العِـثارَ وَما
بَــعــدَ الرَّجــاءِ سِــوى التَّوفــيـقِ لِلسَّلـَمِ
وَكَــيــفَ أَخــشــى ضَــلالاً بَــعـدَمـا سَـلَكَـت
نَــفــسِــي بِـنُـورِ الهُـدى فـي مَـسـلَكٍ قِـيَـمِ
وَلِي بِـــــحُـــــبِّ رَسُــــولِ اللَّهِ مَــــنــــزِلَةٌ
أَرجُـو بِهـا الصَّفـحَ يَـومَ الدِّينِ عَن جُرُمِي
لا أَدَّعـــي عِـــصــمَــةً لَكِــن يَــدِي عَــلِقَــت
بِـــسَـــيِّدٍ مَـــن يَـــرِد مَـــرعـــاتَهُ يَـــسُـــمِ
خَــدَمــتُهُ بِــمَــديــحــي فَــاِعــتَــلَوتُ عَــلى
هــامِ السِّمــاكِ وَصــارَ السَّعـدُ مِـن خَـدَمِـي
وَكَــيــفَ أَرهَــبُ ضَــيــمــاً بَــعــدَ خِــدمَــتِهِ
وَخـــادِمُ السَّاـــدَةِ الأَجـــوادِ لَم يُـــضَــمِ
أَم كَــيـفَ يَـخـذُلُنِـي مِـن بَـعـدِ تَـسـمِـيَـتِـي
بِــاســمٍ لَهُ فــي سَــمــاءِ العَـرشِ مُـحـتَـرَمِ
أَبــكــانِــيَ الدَّهــرُ حَــتّــى إِذ لَجِــئتُ بِهِ
حَـــنـــا عَــلَيَّ وَأَبــدى ثَــغــرَ مُــبــتَــسِــمِ
فَهـوَ الَّذي يَـمـنَـحُ العـافِـيـنَ مـا سَأَلُوا
فَــضـلاً وَيَـشـفَـعُ يَـومَ الدِّيـنِ فـي الأُمَـمِ
نُـــورٌ لِمُـــقـــتَـــبِـــسٍ ذُخـــرٌ لِمُـــلتَـــمِــسٍ
حِـــرزٌ لِمُـــبـــتَـــئِسٍ كَهـــفٌ لِمُـــعـــتَـــصِــمِ
بَــثَّ الرَّدى وَالنَّدى شَـطـرَيـنِ فَـاِنـبَـعَـثـا
فِــيــمَــن غَــوى وَهَــدى بِــالبُـؤسِ وَالنِّعـَمِ
فَـالكُـفـرُ مِـن بَـأسِهِ المَـشـهـورِ فـي حَـرَبٍ
وَالدِّيــنُ مِــن عَــدلِهِ المَـأثُـورِ فـي حَـرَمِ
هَـــذا ثَـــنــائِي وَإِن قَــصَّرتُ فــيــهِ فَــلي
عُــذرٌ وَأَيــنَ السُّهــا مِــن كَــفِّ مُــســتَــلِمِ
هَــيــهــاتَ أَبــلُغُ بِــالأَشــعــارِ مــدَحــتَهُ
وَإِن سَـــلَكـــتُ سَــبــيــلَ القــالَةِ القُــدُمِ
مــاذا عَــسـى أَن يَـقُـولَ المـادِحُـونَ وَقَـد
أَثــنــى عَــلَيــهِ بِــفَــضــلٍ مُــنـزلُ الكَـلِمِ
فَهــــاكَهــــا يــــا رَسُـــولَ اللَّهِ زاهِـــرَةً
تُهــدِي إِلى النَّفــسِ رَيّــا الآسِ وَالبَــرَمِ
وَســمـتُهـا بِـاسـمِـكَ العَـالي فَـأَلبَـسـنَهـا
ثَـوبـاً مِـنَ الفَـخـرِ لا يَـبلى عَلى القِدَمِ
غَــرِيــبَــةٌ فــي إِســارِ البَـيـنِ لَو أَنِـسَـت
بِــنَــظــرَةٍ مِــنــكَ لاسـتـغـنَـت عَـنِ النَّسـَمِ
لَم أَلتَــزِم نَــظــمَ حَــبّـاتِ البَـديـعِ بِهـا
إِذ كـانَ صَـوغُ المَـعـانِـي الغُـرِّ مُـلتَـزمِي
وَإِنَّمــــا هِــــيَ أَبــــيــــاتٌ رَجَـــوتُ بِهـــا
نَــيــلَ المُـنـى يَـومَ تَـحـيـا بَـذَّةُ الرِّمَـمِ
نَـثَـرتُ فِـيـهـا فَـرِيـدَ المَـدحِ فَـاِنـتَـظَـمَت
أَحــسِــن بِــمُــنــتَــثِــرٍ مِــنـهـا وَمُـنـتَـظِـمِ
صَـــدَّرتُهـــا بِـــنَـــسِـــيـــبٍ شَـــفَّ بـــاطِــنُهُ
عَــن عِــفَّةــٍ لَم يَــشِــنــهــا قَــولُ مُــتَّهــِمِ
لَم أَتَّخـــِذهُ جُـــزافـــاً بَـــل سَـــلَكـــتُ بِهِ
فِـــي القَـــولِ مَــســلَكَ أَقــوامٍ ذَوي قَــدَمِ
تــابَــعــتُ كَــعــبـاً وَحَـسّـانـاً وَلِي بِهِـمـا
فـــي القَـــولِ أُســوَةُ بَــرٍّ غَــيــرِ مُــتَّهــَمِ
وَالشِّعــــرُ مَــــعــــرَضُ أَلبـــابٍ يُـــروجُ بِهِ
مـــا نَـــمَّقـــَتـــهُ يَــدُ الآدابِ وَالحِــكَــمِ
فَــلا يَــلُمـنِـي عَـلى التَّشـبِـيـبِ ذُو عَـنَـتٍ
فَــبُــلبُــلُ الرَّوضِ مَــطــبُــوعٌ عَـلَى النَّغـَمِ
وَلَيـــسَ لِي رَوضَـــةٌ أَلهُـــو بِـــزَهـــرَتِهـــا
فــي مَــعــرَضِ القَــولِ إِلّا رَوضَــةُ الحَــرَمِ
فَهــيَ الَّتِــي تَــيَّمــَت قَــلبـي وَهِـمـتُ بِهـا
وَجــداً وَإِن كُــنــتُ عَــفَّ النَّفــسِ لَم أَهِــمِ
مَــعــاهِــدٌ نَــقَــشَــت فــي وَجــنَــتــيَّ لَهــا
أَيــدِي الهَـوى أَسـطُـراً مِـن عَـبـرَتِـي بِـدَمِ
يــا حــادِيَ العِــيـسِ إِن بَـلَّغـتَـنـي أَمَـلي
مِــن قَـصـدِهِ فَـاِقـتَـرِح مـا شِـئتَ وَاِحـتَـكِـمِ
سِـر بِـالمَـطـايـا وَلا تَـرفَـق فَـلَيـسَ فَـتىً
أَولى بِهَـــذا السُّرى مِـــن ســـائِقٍ حُـــطَــمِ
وَلا تَــخَــف ضَــلَّةً وَاِنــظُــر فَــسَــوفَ تَــرى
نُـــوراً يُـــريــكَ مَــدَبَّ الذَّرِ فِــي الأَكَــمِ
وَكَــيــفَ يَــخــشــى ضَــلالاً مَـن يَـؤُمُّ حِـمـى
مُـــحَـــمَّدٍ وَهـــوَ مِـــشـــكـــاةٌ عَـــلَى عَـــلَمِ
هَــذِي مُــنــايَ وَحَــســبــي أَن أَفــوزَ بِهــا
بِــنِــعــمَــةِ اللَّهِ قَــبــلَ الشَّيـبِ وَالهَـرَمِ
وَمَـــن يَـــكُــن راجِــيــاً مَــولاهُ نــالَ بِهِ
مــا لَم يَــنَــلهُ بِــفَــضـلِ الجِـدِّ وَالهِـمَـمِ
فــاســجُــد لَهُ وَاِقــتـرِب تَـبـلُغ بِـطـاعَـتِهِ
مـا شِـئتَ فـي الدَّهـرِ مِـن جـاهٍ وَمِـن عِـظَمِ
هَـــــوَ المَـــــليـــــكُ الَّذي ذَلَّت لِعِـــــزَّتِهِ
أَهـــلُ المَـــصــانِــعِ مِــن عــادٍ وَمِــن إِرَمِ
يُـحـيـي البَـرايـا إِذا حـانَ المَعادُ كَما
يُــحــيــي النَّبــاتَ بِــشُـؤبـوبٍ مِـنَ الدِّيَـمِ
يــا غــافِــرَ الذَّنــبِ وَالأَلبــابُ حــائِرَةٌ
فـي الحَـشـرِ وَالنـارُ تَرمي الجَوَّ بِالضَّرَمِ
حــاشــا لِفَــضــلِكَ وَهــوَ المُــســتَـعـاذُ بِهِ
أَن لا تَــــمُــــنَّ عَــــلى ذِي خَــــلَّةٍ عَــــدِمِ
إِنّــي لَمُــســتَــشــفِـعٌ بِـالمُـصـطَـفـى وَكَـفـى
بِهِ شَــفِــيــعــاً لَدى الأَهــوالِ وَالقُــحَــمِ
فَــاقــبَــل رَجــائِي فَــمـالي مَـن أَلوذُ بِهِ
سِــواكَ فــي كُــلِّ مــا أَخــشــاهُ مِــن فَـقَـمِ
وَصَــلِّ رَبِّ عَــلى المُــخــتــارِ مــا طَــلَعَــت
شَــمــسُ النَّهــارِ وَلاحَــت أَنــجُــمُ الظُّلــَمِ
وَالآلِ وَالصَّحــبِ وَالأَنـصـارِ مَـن تَـبِـعُـوا
هُــداهُ وَاِعــتَــرَفــوا بِــالعَهــدِ وَالذِّمَــمِ
وَامــنُـن عَـلى عَـبـدِكَ العـانِـي بِـمَـغـفِـرَةٍ
تَــمــحُــو خَــطــايــاهُ فـي بَـدءٍ وَمُـخـتَـتَـمِ
مشاركات الزوار
0أضف تعليقك أو تحليلك