أأبكى هوى أم فرحةً أم أمانيا
للشاعر صالح الشرنوبي
1
أأبـكـى هـوى أم فـرحـةً أم أمـانـيـا
عــيــيــتُ ومــا يـجـدى عـلى بـكـائيـا
2
إذا قــلتُ إنّ الفـجـر بُـشـرى هـنـاءَةٍ
تُــنــازعــنـي نـفـسـي فـأرتـدّ راضـيـا
3
رضـا الحـمـل المـشـلول فـي كفّ جازر
وصبر الذي لم يلق في الناس حانيا
4
وإن أطـبـق الليـل الرهـيـب جـفـونـه
عـــلى تـــرامــت فــوق صــدري آهــيــا
5
تــنــوح نــواحَ الظــلِّ ألوى بــعـمـره
هـجـيـر الفـلا حـرّانَ يـشوى المآقيا
6
فـوا رحـمـتـا للناس بل لي فما أرى
عـلى الأرض نـاساً حالهم مثلُ حاليا
7
وجــامـحـةِ الأشـواقِ مـخـمـورة الرؤى
تــرفُّ صــبــابــات وتــنــدى أغــانـيـا
8
تـعـيـشُ عـلى المـاضـي وتـخـشى رجوعَه
وتـهـفو إلى المجهول ما دام خافيا
9
وتــحـرِقُ بـالأوهـام مـا كـان زاهـرا
وتــنــعــشُ بـاللذات مـا كـان ذاويـا
10
تــراهــا فــتــنـسـاهـا كـأنَّ وجـودَهـا
فـنـاءٌ فـإن غـابـت أطـلتَ التـنـاجيا
11
وتـحـسـبُهـا أُنـثـى مـن الطـين روحُها
وتـعـشَـقُهـا طـيـفـاً مـن النور ساميا
12
هـي الجـنّـةُ الحـمـراءُ تـغريكَ ناظِراً
وتـجـفـوكَ قـديـسـا وتـسـبـيـك جـانـيا
13
أرقـتُ عـلى أقـدامِهـا خـمـرةَ الصـبـا
وأفــنــيــتُ فــي لذّاتِهـا كـلّ مـالِيـا
14
وضــيّــعـتُ فـيـهـا العـمـرَ حـبّـاً ولذّةً
ونــادَمـتُهـا كـأسـي مـريـراً وحـاليـا
15
وضــمّــخــتُ أيّــامـي بـعـطـر شـبـابـهـا
وشــعـشَـعـتُ أحـلامـي بـنـور خـيـاليـا
16
وقـامـرت بـالمـجـد الذي كـان رائدي
وشــوّهــتُ تــمــثـالي وحـطّـمـتُ ذاتـيـا
17
وقـلت لنـفـسـي إنـهـا مـرفـأ المُـنـى
ومــهـوايَ مـا عـاشـت وعـاش غـرامـيـا
18
وظــاهـرَنـي قـلبـي عـليـهـا فـأذعَـنَـت
وأرخـيـتُ للعـشـقِ المـريـض عـنـانـيـا
19
ومــا كـنـت أدري مـا يـجـرُّ غـرامـهـا
ولكــنّ قــلبـاً فـي الضـلوع دعـانـيـا
20
وفــي ليـلةٍ خـرسـاءَ مـقـرورةِ الدجـى
تـمـرّدَ فـيـهـا الشـوقُ هـيـمان عاتِيا
21
وعـانـقـتُ فـيها السهد عينا وخاطِراً
وسـامـتـرُ فـيها الوجدَ جهشانَ باكيا
22
سـعـيـتُ إليـهـا جـائعَ الروح ظـامـئاً
إلى نـبـعِهـا المـسموم حيران شاكيا
23
كـأنـي خط السكران يشقى بها الثرى
مـــغـــلّةً شــلّاء تــفــنــى تــوانــيــا
24
أُرَتّــل أشــعــاري حــنــيــنــاً وصـبـوةً
وأسـكـب روحـي فـي الظـلام مـراثـيـا
25
ويـسـبـح ظـلّي فـي سـنا البدر شائعاً
ويـزحـم صـوتـي ضـجّـةُ الريـح شـاجـيـا
26
وللصــمــت أصــداءٌ كــأنّ زفــيــفــهــا
فـحـيـح سـقيم الروح يشجى الأفاعيا
27
ورحــتٌ أنــاديـهـا عـلى بـعـد دارهـا
وأطـيـافـهـا الرعـنـاء ترثي لحاليا
28
ومــازلت أقــتــافُ الظـلام وأحـتـفـى
بـــقـــربِــيَ مــســرفــاً فــي رجــائيــا
29
وأســألُ نــفــسـي هـل تُـسَـرُّ بـمـقـدمـي
وتــرحــم أنّــاتــي وتــحــي رُفــاتِـيـا
30
وقــالت لي الأوهــام أيــن وفـاؤُهـا
فــقــلت لأوهــامــي وأيــن وفــائيــا
31
لقـد وهـبتني الجسم والروح والهوى
ولم أعــطــهــا إلا فـتـاتَ شـبـابـيـا
32
ومـا أنـا يـا أوهـامُ إلا حـيـاتـهـا
ومــا هــي يـا أوهـامُ إلّا حـيـاتـيـا
33
ســأكـفـرُ بـالأقـداس فـي ديـرِ حـبّهـا
وأجــعــلُ شــيــطــان الغــرام إلهـيـا
34
ومــا هــي إلّا وثــبــةٌ وانــطــلاقــةٌ
وألفَـيـتُـنـي أغـشـى عليها المغانيا
35
وأقـدمـتُ إقـدامَ الجـبان على الوغى
تـرى المـوتَ عـيـنـاه بـعيدا ودانيا
36
وألهــبــتُ بــالأشــواق روح إرادتــي
وأُنــســيــتُ إلّا لذّتــي ومــتــاعــيــا
37
ومــزّقَ صــوتــي هـدأةَ الليـل ضـارِعـاً
ومــزّقَ وجــدى هــدأة الروح طــاغـيـا
38
وهـبّـت تـبـاريـنـي الهـتـاف وخـلتُهـا
تــصــارعُ مــثــلي رهــبــةً وتــداعـيـا
39
وحــيّــيـتُهـا فـاسـتـعـجـمَـت وسـألتُهـا
فـكـانـت كـصَمتِ القبر هاج النوازِيا
40
وقـالت بـعـيـنـيـهـا وهـبـتُ عـواطـفـي
لغـيـرك فـاقـطـع فـسحةَ العمر خاليا
41
وأطـرقـتُ إطـراقَ اليـتيم على الأسى
وضــجّـت بـألحـان الثـكـالى سـمـائيـا
42
وودّعــت دنــيــاهـا بـشـجـوى وأدمـعـي
وهـدهـدتُ بـالصـبـر الجـريـح فـؤاديا
43
وقــلتُ لقــلبـي ربّـمـا كـنـتُ مـخـطـئاً
طـريـق الهـوى أو أنـنـي كـنت جانيا
44
ويــا ربّ ليــل طــال حــتــى ظـنَـنـتـهُ
خـلوداً فـكـان الفـجـرُ للظـنِّ مـاحـيا
45
لعَـنـتُـكِ يـا خـرقـاءُ مـا كـنتُ خائناً
ولا كـان قـلبـي فـي غـرامـك لاهـيـا
46
ولكــنــه دهــري وحــظّــي ومــحــنــتــي
تــقــاسَــمــن أيّــامـي وزِدنَ شـقـائيـا
47
سـأصـبـرُ يـا حـمـقـاءُ إلّا عـن البُكا
وعــن ذِكـريـاتـي آه مـن ذكـريـاتـيـا
48
وللدّهــر أن يــقــســو وإنــي لصـامـدٌ
وإن حــطّـمـت سـود الليـالي جـلاديـا
49
ألِفـتُ صـراع الدهـر مـن يـوم مـولدي
كـأنّـي عـلى الدنـيـا مُـلاقٍ حـسـابيا
50
ويـا سـلوتـي عـنـهـا إليـكِ فـلم أكُن
لأســلوَ مــن كـانـت مَـنـارَ حـيـاتـيـا
51
سـئمـتُ غـنـاءَ الحـظ وانـسـاب غـائمي
دمــوعــاً عــلى مــا ذقــتـه ومـآسـيـا
52
وطــهّــرتُ نــفــســي مــن تــراب مـرقّـشٍ
يــحــنُّ إلى رجــعــاه لهـفـان صـاديـا
53
ومــزّقــتُ آمــالي فــبــاتــت ذبــيـحـةً
مــشـرّدةَ الأشـلاءِ تـطـوى الليـاليـا
54
وأودعـت صـفـوي قُـمـقـمـاً مـن غـيـاهب
وأنــكــرتُ حـتـى بـسـمـتـي وعـبـوسـيـا
55
وغـامَـت عـلى عـيني الحقائقُ وانتضى
ليَ الشـكّ سـيـفـاً ظامىء الحد ماضيا
56
وحــيّــرتُ مـن يـأسـى أأدنـى مَـنـيّـتـي
فــأرحـمُ نـفـسـي أم أُمـيـت حـيـاتـيـا
57
حـيـاتـي طـريـقٌ لسـتُ أدرى انـتـهاءه
وقـبـلاً جـهِـلتُ البدءَ منذ ابتدائيا
58
ومـوتـى بـيـدٌ يـعـزف الغـيـبُ فـوقَهـا
مــزامــيـرَ أشـبـاحٍ تـهـزُّ الديـاجـيـا
59
فــمــالي وللدّنــيــا سـئمـتُ نـداءَهـا
أكــرّشــهـا إمّـا اسـتـجـابـت نـدائيـا
60
دعـيـنـي لأبـقـى الخـالديـن يـضـمّـني
لأخــــرج مـــنـــك لا عـــليَّ ولاليـــا
تعليقات القراء 0