أدرها لنا صرفاً ودع مزجها عنا
للشاعر أبو مدين التلمساني
1
أدرهــا لنــا صــرفــاً ودع مــزجـهـا عـنـا
فــنــحــن أنـاس لا نـرى المـزج مـذ كـنـا
2
عــرفــنــا بــهــا كــل الوجــود ولم نــزل
إلى أن بــهــا كــل المــعــارف أنــكـرنـا
3
هــي الخــمــر لم تُـعـرف بـكـرم يـخـصـهـا
ولم تـــجـــلهــا راح ولم تــعــرف الدنــا
4
وغــنّ لنــا فـالوقـت قـد طـاب بـاسـمـهـا
لأنــا إليــهــا قــد رحــلنــا بـهـا عـنـا
5
لهــا كــل روح تــعــرف العــهـد عـهـدهـا
وفــي كــل قــلب جــاهــل للســوى مــعــنــى
6
مـــشـــعـــشـــة تـــكـــســو الجــوه جــمــالة
وفــي كــل شــيــء مــن لطــافـتـهـا مـعـنـى
7
حــضــرنــا وغــبــنـا عـنـد دورِ كـئوسـهـا
وعــدنــا كــأنــا لا حـضـرنـا ولا غـبـنـا
8
وأبـــدت لنـــا فـــي كـــل شـــيـــء إشــارة
ومــا احــتــجــبــت إلا بــأنـفـسـنـا عـنـا
9
فــلا تـطـق الأفـهـام تـعـبـيـر كـهـنـهـا
ولكــنــهــا لاذت بــألطـافـهـا الحـسـنـى
10
نــصــحـتـك لا تـقـصـد سـوى بـاب حـانـهـا
فــمــن وجـد الأعـلى فـلا يـطـلب الأدنـى
11
مــوانــعــنــا مــنــهــا حـظـوظ نـفـوسـنـا
فــإن قــطــعــت عــنــا إلهــا تــواصـلنـا
12
تـــجـــلّت دنـــوّاً واخـــتــفــت بــمــظــاهــر
فــجــلّت فــمــا أغــنـى ودقّـت فـمـا أسـنـى
13
ومــا الكــون إلا مــظــهــر لجــمــالهــا
أرتــنــا بــه فـي كـل شـيـء بـدا حـسـنـا
14
لهــا القــدم المــحــض الذي شــغــفـت بـه
بــقــاء غـدا يـفـنـى الزمـان ولا تـفـنـى
15
يــعــيــد ويــبــدي فــعــلهــا كــل مــحــدث
وكــل قــديــم فــهــي قــد حـازت المـعـنـى
16
فــمــا وجــد الآبـاءُ مـن لطـف صـنـعـتـهـا
عــى قــدم الأحــيـان مـا أنـكـر الأبـنـا
17
أذاكـــرهـــا قـــف عـــنـــد حـــدك واقــفــاً
بــعــقــلك عــمــا حـيّـر العـقـل والذّهـنـا
18
أتـــزعـــم فـــيـــمـــا قـــلت أنـــك صـــادق
رويــدك مـا العـرفـان قـالوا ولا قـلنـا
19
لقــد رمــت مــالا تــســتــطــيــع مــرامــه
وأنّــــىلهـــا حـــد يـــكـــيـــفـــهـــا أنـــى
20
كـــفـــاك بـــأعـــيــان الوجــود مــفــكــراً
بــكــل مــليــح يــمــلأ العــيـن والأذنـا
21
فـــذلك عـــيـــن العِـــز إن رمــت عــزّهــا
فـمـن رام أن يـحـيـا بـهـا دائمـا يـفـنى
22
إليــهــا جــمــيــع الكــائنــات مــشــوقــةٌ
تـزيـد افـتـقـاراً وهـي عـنـهـن مـا أغـنـا
23
لهــا مــطـلق الوجـه الحـسـيـن الذي نـأت
جـــنـــايـــتـــه لكــنــهــا أبــدا تــجــنــى
24
ومــا العــقــل إلا مــن مــواهــب جـودهـا
غــدا والهــاً فـي أمـرهـا طـائعـاً مـثـنـى
25
يـــقـــول أنـــاس قـــد تـــمـــلكــه الهــوى
أجــل لســت فــي ليــلى بــأول مــن جــنــا
26
خــفــيــت بــهــا عـن كـل مـا عـلم الورى
وأظــهــر لبــنــى والمــراد ســوى لبــنــى
27
وإنــــي كـــمـــا شـــاء الغـــرام مـــوحّـــد
وإن مـلت تـمـويـهـا إلى الروضـة الغـنـا
28
يــذكّــرنــي مــرّ النــســيــم بــعَــرفــهــا
ويـطـربـنـي الحـادي إذا بـاسـمـهـا غـنّى
29
ولا عــجــب مــنــي الحــنــيـن وذو الهـوى
إذا شـــــاقـــــه إلى قـــــصـــــده حــــنّــــا
30
فـــلله مـــا أرضـــى فـــؤادي لمـــا بـــه
وذو الحال ما أحلى وذو العيش ما أهنى
31
أوافــق قــومــاً ضــمــهــم مــقــعـد الهـوى
وإن كـــان كـــل مــنــهــم قــاصــدا فــنّــا
32
فــــهــــذا يــــورى بـــالغـــزالة غـــيـــرة
وهـذا بـعـيـن السـكـر يـسـتـمـلح الغـصـنا
33
وهــذا بــليــن العــطــف يــبــدي صــبـابـة
وهـذا يـرى مـيـلا إلى المـقـلة الوسـنـا
34
وذا فـــــي ســـــرور بــــالدنــــو وذا له
غــرام وهــذا بــالنــوى يــظـهـر الحـزنـا
35
وذا بــاســم إذ نــال مــا كــان طــالبــا
وهــذا يــسـيـل الدمـع قـد قـرّح الجـفـنـا
36
وذا خـــائف مـــن قــطــعــه بــعــد وصــله
وذا بــالرضــى مــن حــاله وجــد الأمـنـا
37
وهــــذا مــــحــــب بــــالصـــدود مـــنـــعّـــم
وذا آخــذ بــالصــد مــن قــربــه مــضـنـى
38
وهــذا تــســاوى الوصــل والهــجــر عـنـده
فــأنـحـى إلهـا يـقـطـع السـهـل والحـزنـا
39
وهــذا يــرى بــالســيــف مــنــهــا إشــارة
فـيـشـتـاق سـعـيـا نـحوها الضرب والطعنا
40
وهـــذا يـــرى كـــل الجـــهــات مــقــاصــدا
وهــذا يــرى مــهــدا عــلى مـتـنـه يـبـنـى
41
ومــا ضــر هــذا الخــلق والقــصــد واحــد
إذا نــحــن أخــلصـنـا إليـهـا تـوجـهـنـا
42
دعـا بـاسـمـهـا الحـادي ونحن على الغضا
فــقــلنــا له بــالله مــن ذكــرهـا زدنـا
43
فـــجـــاد إلى أن أهـــدت الركـــب نــشــوة
ونــحــن عــلى الأكــوار مــن طــرب مـلنـا
44
لعــمــرك حــتــى العـيـس لذ لهـا السـرى
عــجــبــت لشــوق يـشـمـل الركـب والبـدنـا
45
وحــتــى غــصــون البــان مــالت تــرنــحــا
وغــنــت عــليــهــا كــل صــادحــة مــثـنـى
46
أهـــل عـــائدُ لي رقـــدةٌ كـــي أرى بــهــا
خــيــال رســولٍ زايــراً مــضــجــعــي وهـنـا
47
فــإن جــاءنــي بــالقــرب مــنــهـا مـبـشـرٌ
وهـــــبـــــت له ســــروراً ومــــا أغــــنــــى
48
حــيــيـنـا بـهـا دهـراً وقـد حـكـمـت لنـا
ونــح بــهــا نـحـيـا يـقـيـنـا إذا مـتـنـا
49
فـــلســـت أرى عـــنـــدي لحــالي تــغــيّــرا
ولا مــطــرقــا فــكــراً ولا قـارعـا سـنـا
50
وإنــي عــلى مــا أكــد العــهــد بـيـنـنـا
مـدى الدهـر لا خـنـا العهود ولا حلنا
51
وأزكـــــى صـــــلاة اللّه ثــــم ســــلامــــه
عــلى مــن حـوى كـل المـحـاسـن والحـسـنـى
52
وأصــل وجــود العــالمــيــن جــمــيــعــهــم
هـو المـظهر المجلى هو المقصد الأسنى
تعليقات القراء 0