هل تكتب الشعر؟ انشر قصيدتك في البيت العربيصفحة شاعر خاصة بك، ونشر دائم يقرؤه آلاف محبي الشعر انشر قصيدتك

أنا حرٌّ يا رب ، حرٌّ : ليَ العتمة

للشاعر يوسف الخال

1
أنا حرٌّ يا رب ، حرٌّ : ليَ العتمة
2
مسرى ، وملعب الشمس مغنى .
3
أَتملَّى وجه الحقيقة أَيان
4
تراءَى ، وأَيَّ فعل تبنّى.
5
فأَحيك الرؤى ، روى العقل ، فكراً
6
يتجلَّى مع الزمان ، ويغنى :
7
أَيّ فكرٍ يؤرخ الناس أَجيالا
8
ويبني لغاية الكون معنى
9
ويردّ الفناءَ وهماً ، وطيفَ الحقّ
10
دنيا ، وقوةَ الشرِّ وَهْنا .
11
أَنا حرٌّ يا ربِّ ! ما أَنت حرٌّ ؟
12
ما وجودي ، تُرى ، إذا كنتَ عبدا :
13
شيمةُ الحرّ أَن يروّض أَحراراً
14
ويأْبى إلا التحرر مبدا .
15
"كن كما شئت" سنّة الله في الكون
16
تناهت إلى الخليقة عهدا.
17
"كن كما شئت" هكذا أَنت إِنسان
18
وكنْهُ الإنسان أَن لا يُحَدّا :
19
حدُّه - إن يُحدّ - حرّية تسمو
20
وتقتاده إلى الخير عمدا .
21
..أَنا حرٌّ يا ربّ ! حرّيتي كنهي ،
22
أَرود الجمال فجراً وفجراً .
23
كُلُّ فجرٍ أَروده أَفرشُ الارض
24
ضحايا ، وأَفجُرُ الدمعَ بحرا.
25
فكأَني وُجدتُ كي أَجتلي كنهي
26
وأَجني حقي رويداً وقسرا ،
27
وكأَن التاريخ ساحةُ حربٍ
28
بين حرٍّ وبين من كان حرّا:
29
أَتُرى جوهرُ الخليقة حرّية أَولى
30
بمن فاز في النضال وأَحرى؟
31
..أَنا حرٌّ يا رب ، حرٌّ : ليَ العقلُ
32
جناحٌ وذروة الحق مرمى .
33
يا إلهي شدّدْ جناحي ، وزده
34
قوة منك ، فهو غضٌّ - ومهما
35
همَّ من نفسهِ وحلَّقَ أَجواءً
36
وطوّى من العلاءِ وضمّا ،
37
ولا تزالُ الرياحُ تلوي خوافيهِ
38
وتهوي بهِ إلى ما تَعمّى :
39
فيصيرُ الوجودُ غمرَ ظلامٍ ،
40
وتصير الحياة طيفاً ووهما.
41
. يا إلهي شدِّدْ جناحي : فما يكفيه
42
علمٌ ، مهما تساميتُ علما .
43
أَنتَ أَدرى بهِ ، فلو ينفع العلمُ
44
لما زادتِ الخليقة إِثما ،
45
ولما جئتَ ههنا تفتدي العقلَ
46
وتروي أَنَّ المحبّةَ أَسمى .
47
هبهُ من عندكَ المحبّةَ يا ربَّ ،
48
وزوّدهُ بالمحبّة فهما :
49
فاذا بالرياحِ غيرُ رياحٍ
50
كلّما قارب الوصولَ ولمّا ...
51
..ربِّ هبني محبّةً ، فبها أُدركُ
52
حريّتي وأَعرفُ نفسي.
53
أَنا ، إِن لا أُحبُّ ، ما نفع عقلي
54
لخلاصي ، وباطلٌ كلّ بأْسي.
55
فخلاصي ، أنا المسيَّرُ بالغيبِ ،
56
ومَن يومُهُ منوطٌ بأَمسِ ،
57
إِنما تمَّ بالمحبة والعقلِ ،
58
فلولاهما أَغوصُ برجسي :
59
نعمةٌ أَستحقها ، إِنْ أَنا آمنتُ
60
وطوَّعتُ للحقيقةِ حِسِّي .
61
أَنا حرٌّ يا رب ! في أَضلعي شوقٌ
62
إلى رؤية الحقيقة حرّا :
63
شاهدٌ ، إِن رأَيتُها ، معلنٌ عنها
64
صراحاً لدى الخليقةِ طرّا ،
65
مفتديها بالروحِ إِنْ رام عبدٌ
66
طمسَها خيفةً ، وجهلاً ، وغدرا .
67
ويح نفسي ، ما أَتعسَ الحقَّ في الدنيا
68
فكم مرةٍ يُباع ويُشرى:
69
كلُّ شيٍ ، لدى العبيدِ ، حلالٌ
70
غيرَ شيءٍ : قولُ الحقيقةِ جهرا .
71
إيهِ حريتي ! تذكرتُ بالأمس
72
صراعي مع الزمانِ وبؤسي :
73
أَنا في مصر بالعبودية عُمّدتُ ،
74
فشبَّت على المذلَّة نفسي .
75
وحسبتُ الخلودَ بالجسدِ الفاني
76
فعمّّرت بالجماجم رمسي
77
هَرَماً ، يسحق الفناءَ بكفَّيهِ
78
ويضحي مع البقاءِ ويمسي :
79
إِنَ من يطلب الخلود على الأَرض
80
كمن يُفرغُ البحار بكأْسِ.
81
وعلى شاطئ الفرات سأَلتُ النجمَ
82
عن حاضري وعن أَحلامي ،
83
أَغنم العيش برهةً قلَّ جدواها
84
وعزّت مصحوبةً بالسلام .
85
لا خلودٌ بعد الممات لنفسي ،
86
ومصيري مغلَّفٌ بالظلامِ
87
كنتُ عبداً للعيشِ ، للموتِ ، للشرِّ ،
88
وعبداً للخوف والآلام ،
89
أَجهلُ الله ، أَجهلُ الحبَّ والحقَّ ،
90
وحرّيتي من الأَوهامِ .
91
ويحَ أَشُّور ! كم سكبتُ بها الدمع ،
92
وغيّبت في ثراها النفوسا ،
93
رافعاً فوقها من المجدِ مُلكاً
94
يتحدّى - إذا تُطلُّ - الشموسا
95
أيُّّ ملكٍ على العبوديةِ العمياءِ
96
يُبنى ، وما أُذِلّ وديسا:
97
سلْ أَشوراً ، ورومةً ، والفراعينَ ،
98
وكسرى - سلْ نينوى ، والمجوسا ،
99
والأُولى طرّقت جيادُهُمُ البحرَ ،
100
وصبّت نعالها هندوسا .
101
..َيُّ ملكٍ كذاكَ يُبنى على القوّة
102
يبقى ، فلا يزول ويبلى :
103
أَين مجد العربان بعد ازدهارٍ
104
حطَّ في قمّة الجلال وحلّا ؟
105
أَين جنكيزُ فاتحُ الشرقِ والغربِ ،
106
نذيرُ الهلاك أَنَّى أَطلَّا ؟
107
أَين "تيمور" قاهراً ، والسلاطينُ
108
غزاةً ، "والبونابرتيّ" مولى ؟
109
هكذا يمّحي ظلام الليالي
110
ويفيءُ الصَّباحُ مهما تولَّى .
111
..إيهِ حرّيتي ! تذكرتُ بالأَمس
112
صراعي مع الزمان ونصري:
113
أَنا في موطن الصنوبر والأَرز
114
تحرّّيتُ عن حقيقةِ أَمري.
115
فتحكمت بالطبيعةِ ، فانقادت
116
إلى فكرتي ، سريعاً ، وفكري .
117
فإِذا العقل سيِّدٌ ، والأَمانيُّ
118
حبالى بكلِّ حبٍّ وخير ،
119
وإِذا الله واحدٌ في ربى القدس ،
120
وحرٌّ يسير بي حيث أَدري.
121
يا لأَبرام ! يا للنبيّينَ من بعدُ
122
ولاةٌ على الحقيقة طفلَهْ .
123
سكبوا في سبيلها الدمَ والدمعَ ،
124
وعاشوا من أجلها العمرَ كلَهْ
125
لهمُ ، دون غيرهم ، شرف الوعدِ ،
126
وإِنْ أَنكروا ، لدنْ تمَّ ، فِعلهْ
127
واستعاضوا عن الحقيقةِ بالوهمِ
128
وبالعيشِ دونها والتعلَّه ،
129
واكتَفوا بالتراثِ من قبلُ ، واهاً
130
أَينَ شأْن التراث إِنْ ظَلَّ قبلهْ ؟
131
ما لحريتي على ملعب الإِغريق
132
تُسقى ، غداة تظمأُ ، سمّا .
133
أَيّ سمٍّ أَمدّ حرّية الفكر
134
بفيضٍ من الشجاعةٍ أَسمى :
135
شرفٌ من يناله يصحب الحقّ
136
ويُجزى من المحبة نعمى .
137
ذاك يومي ، نعمَّه ، ردّني حرّاً
138
أَرى غايتي من العمر وهما ،
139
إِنْ أَنا لا أَرود منتهلَ النور
140
وأَزداد للحقيقةِ فَهْما .
141
..أيّ سمٍّ ، أَقول ، غلَّ يد الليل
142
وأَولى على الصباحِ الخلودا .
143
فإِذا بالأُلومب ملعب أَحرارٍ
144
تحدّوا على الزمان العبيدا :
145
ينشدون الجمال ، والعدل ، والخير ،
146
ولاءً ، ويحْطمون القيودا ،
147
رافعين اللواءَ في موكب الفكر
148
جنوداً ، وحاملين البنودا :
149
موكبٌ شيّد الحضارة من بعدُ ،
150
وأعلى إلى السماء الحدودا.
151
يا لفتحٍ للفكر فتح أَثينا ،
152
أَين منه فتح السيوف البواترْ ؟
153
تمَّحي دونه العروش ، ويفنى
154
كلّ طاغٍ على الشعوب وقاهرْ .
155
يا لفتحٍ للفكر ، مهّد للحقّ
156
سبيلاً ، وزفّ خير البشائر :
157
هوّذا الله عن خطاياي مصلوباً ،
158
يريني وجه المحبّة سافرْ :
159
فالتقى العالمان : الشرق والغرب ،
160
وشدّا على الوداد والأَواصرْ .
161
إِيه حرّيتي - إِذا تمّ نصري
162
بفداءٍ من المحبة سمْحِ ،
163
فتحررت من عبوديّة الشرِّ
164
وفازت على الطبيعة روحي -
165
فأَنا ما أَزال عبداً لنفسي ،
166
أَبتني من لذاذة الحسّ صرْحي ،
167
جائراً ، ظالماً ، أُكنِّن أَيامي
168
بدمعٍ ، من الشقاءِ ، وجرح .
169
فكأَنَّ البقاء غاية عمري
170
أَدّعيها ، إذا تضنّّ ، برمح .
171
..نا في عالمٍ من الخوف والإرهاب
172
صنعُ الفناءِ ، صنعُ يديّا ،
173
زائعٍ يحسب المحبّة وهماً ،
174
والتفاني في خدمة الحق غيّا ،
175
جائعٍ ظنَّ قوته ثروة الأَرض ،
176
وما كان جوعه جسديّا .
177
فمضى في سبيلها يغرس الأَرض
178
حراباً ، ويستبيح البريّا :
179
إِنَّّه الملْك ، كم يدنِّس أَقداساً
180
ويمشي في مأْتم المرءِ حيّا.
181
أَين عهدٌ غيّبت حريتي فيه
182
بسجنٍ من التقاليد قاسي ،
183
أَخنق الفكر إِنْ تعدَّى حدوداً
184
رسمتها ، من قبلُ ، أَيدي الأُناسي
185
فالضحايا ، باسم الكنيسة والدين ،
186
ترامت مخنوقة الأَنفاس ،
187
تحمل النور في الليالي الدواجي
188
وتصبّ الزيوت في النبراس :
189
مأْتمٌ للظلام تلك الضحايا ،
190
وهي للنور أَبهج الأَعراس.
191
ذاك عهدٌ تصارع الفكر فيه
192
معَ سجّانه ، فنال انتصارا .
193
فأَطلَّت حريتي تنسج الفجر
194
رداءً ، على الورى ، وإِزارا ،
195
وعليها من الجلالة إِكليلٌ
196
تسامى ، فزيّن الأَحرار ،
197
ولديها شوق النفوس إلى الموت
198
فداءً عنها ، إِذا ما توارى .
199
واطمأَنَّت إلى يدٍ زندها غضٌّ ،
200
وترمي ، فتسحق الأَشرارا .
201
غداً ، عندما تعود السيوفُ
202
القضْبُ منصورةً إلى الأَغماد ،
203
أَترى ينتهي صراعي مع الشرّ ،
204
فأَحيا حرّاً إلى الآباد :
205
أَصنع الخير ، أَنشد الحبّ والحقّ ،
206
وأَطوي الجمال ملءَ فؤادي ؟
207
نعمت لحظةٌ بها أَنا نفسي ،
208
لا كما شاءَ أَو أَبى أَسيادي :
209
مطمئنٌّ إلى غدٍ ، أَزرع الحسنى
210
وأَجني المنى على ميعاد .
211
يا بلادي حضنتِ ، من قبلُ ، أَمجاداً
212
وشيّدت في بناءِ الحضاره ،
213
تغمرين الأَمداءَ حباً وإِيماناً
214
وتعلين للجمال منارهْ :
215
فعلى كل قمةٍ منك شيءُ ،
216
والليالي تناقلتْ أَخباره.
217
أَيُّ فكرٍ في تربك السمح لم يزهر ،
218
فتجني يد الورى أَزهارهْ :
219
فازدهى عالم ، وكنتِ له الفتح ،
220
وجلَّى ، فكان غاركِ غاره .
221
يا بلادي ، وكمْ رفعت لواءً
222
سرمدياً في موكب الحريَّه :
223
منك لقيان هازئاً بالسلاطين
224
وحرباً على النفوس العتيَّه ،
225
يرسل القول في الوجوه ويعلي
226
الحق ، رغم الأّذى ورغم البليَّه .
227
منك أُولئك الذين "تآخوا
228
للصفا" في عقولهم والرويَّه ،
229
والأَولى قيل عنهم "اعتزلوا" الحق ،
230
وفي قولهم عمىً وأَذيَّه .
231
..ذاك أمسٌ مضى ، وما ينفع الأَمس
232
إِذا لم يكن لدى اليوم حيَّا :
233
وأَبى الدهر أَن يجود ، فغامتْ
234
أَنجمٌ ، وارتمى جبين الثريَّا .
235
وامَّحتْ شعلةٌ ، فساد ظلامٌ
236
في بلادي ، وطأْطأَ الفكر عيَّا ،
237
يحمل القيد في يديه ويمشي
238
في عبودية الضلال شقيَّا :
239
موجةٌ أَسيويةٌ راعها النور
240
فأَرختْ حجابها البربريَّا .
241
يا بلادي سلمت ، ما زال لبنان
242
قويَّ العماد ، لما يذلا ،
243
شامخ الأنف ، رافع الرأْس ، حرّاً ،
244
هانئاً ، دون غيره ، مستقلاً ،
245
ينحر الظلمة العتيَّة بالنور
246
ويبقى لدى الصباح المطلا ،
247
موئلاً يلجأُ الأُباة إِليه ،
248
ويوافيه كل حرٍّ ومولى:
249
ما تراه إلا تفرَّد في الشرق
250
بأَسمى من البقاءِ وأَغلى !
251
يا بلادي ، أَودعت عندك آمالي
252
وأَسلمت في يديك القيادا !
253
أَنت للغير قوة تشهر السيف
254
وتبني ، على الفتوح ، العمادا -
255
يا بلادي ، وانت لي موطنٌ حرٌّ
256
تسامى محبةً ورشادا ،
257
يحضن الفكر عبقريا ويمشي
258
في ركاب الحياة أَنى تهادى :
259
يعربيَّ اللسان ، واليد ، والوجه ،
260
يولِّي شطرَ البحار الفؤادا.

عن القصيدة

«أنا حرٌّ يا رب ، حرٌّ : ليَ العتمة» قصيدة للشاعر يوسف الخال ، أحد شعراء العصر الحديث، عدد أبياتها 260 بيتاً ، نُظمت على البحر الخفيف . مطلعها: «أنا حرٌّ يا رب ، حرٌّ : ليَ العتمة ... ». ولـيوسف الخال قصائد أخرى في البيت العربي تجدها أدناه.

قصائد أخرى من البحر الخفيف

تعليقات القراء 0