أيا أغنياءَ الروح صونوا كنوزَكم
للشاعر جرمانوس فرحات
1
أيــا أغـنـيـاءَ الروح صـونـوا كـنـوزَكـم
وخـافـوا عـليـهـا مـن لصـوص بـني الدهرِ
2
فــمــا أخــبــث الدهــر الكــذوب بـأهـله
ومـا أكـثـر الآفـات فـي الدهـر والعمر
3
ومــا أســعــد الصــدّيــقَ فــيــه وســعــيُهُ
قـويـمٌ بـنـور الصـدق فـي السـر والجـهر
4
خــــلافٌ له قــــد زاد فــــيــــه خــــلافُه
كــأن الثــريــا قــارنــت مـطـلعَ الفـجـر
5
كـــأن نـــفــوس الخــلق فــيــه غــريــقــةٌ
بــدهــرٍ كــبــحـرٍ مـاج بـالإثـم والكـفـر
6
ولكــن بــونــاً بــيــن غــرقــى بــأبــحــرٍ
وبـــيـــن غــريــقٍ فــي المــآثــم والوزر
7
يــقـوم غـريـقُ المـاء حـيّـاً عـلى الرجـا
ولكـن غـريـق الإثـم مـيـتـاً عـلى الجمر
8
إذا كــان ذا لا بــد مــنــه فـقـم بـنـا
نـمـزِّقُ ثـوبَ المـال بـالنـسـك فـي القفر
9
دخــلنــا إلى الدنــيــا عــراةً وإنــنــا
عــراةً نــفـارقـهـا ولا خُـلفَ فـي الأمـر
10
فــإن تــخـرجـوا والقـلب حـيـث كـنـوزكـم
تَـروا مـا يرى الملّاحُ في ملتقى البحر
11
قــبـيـحٌ بـنـا نـبـغـي الضـلالة كـالهـدى
ونــحــن نـعـد السـهـل خـيـراً مـن الوعـر
12
مــنــيَّتــُنــا كــالفــيــء لاحــقــةٌ بــنــا
وهــمَّتــنــا فــي الزائلات مــن العــمــر
13
فــتـنـشـرنـا الدنـيـا وتـطـوي حـيـاتَـنـا
وليــس لنـا مـنـهـا سـوى الطـي والنـشـر
14
ويُــعــقــبُهـا التـأبـيـد والفـعـل نـاظـرٌ
إلى الخـيـر ثم الشر في النهي والأمر
15
فـــواعـــجـــبـــاً والنــاس نُــوّام شــهــوةٍ
أنُــوّامُ هــبّــوا والحَـقـوا سَـفَـرَ السَـفـر
16
إذا ســرقــتــنــا شــهــوةٌ مــكــرت بــنــا
بــلذتــهــا والصــيــد يــؤخــذ بــالمـكـر
17
ولكـــنـــهــا تُهــدي إلى مــن يــحــبــهــا
ويـعـشـقـهـا التـسـويـف بـالويـل والخسر
18
فــتــربــحـهـا مـن حـيـث تـدري بـكـذبـهـا
وتــخــســرُهــا مــن حــيــث إنـك لا تـدري
19
فــــأولهــــا ســــهــــلٌ وحــــلوٌ مـــذاقـــه
وآخــــرهــــا مــــرٌّ أمـــرُّّ مـــن الصـــبـــر
20
أرتــك المــزايـا البـيـض حـتـى تـحـسـرت
أرتـك المـنـايـا السود بالأسيُفِ الحمر
21
وإن أجــيــراً يــأخــذ الأجــر عــنــدهــا
لمــثــل أســيــر قــد ســبــتــه بـلا أجـر
22
فـأحـسـنُ مـا تـلقـاه فـيـهـا هـو التـقـى
وأقــبـح مـا يـلقـاك فـيـهـا الذي يُـزري
23
فــمــا أسـعـد الإنـسـان إن ظـن حُـسـنَهـا
قــبــيــحــاً وأشـقـاه إذا كـان لا يـدري
24
مـــواســـمـــهـــا تــحــوي رديّــاً وجــيــداً
ومـا أحـسـنَ البـنـيـانَ فيها على الصخر
25
فــإن رُمــت خـيـراً نـلت خـيـراً وإن تـرُم
قـبـيـحـاً تـجـده فـالحـسـام عـلى النـحـر
26
وشــاهــدُنــا مــا قــد رأيــنــا مــثــاله
بــــلوطٍ وأيــــوبٍ وآدم فــــي الصــــبــــر
27
فـــآدم فـــي الفـــردوس بـــاعــدَ فــخــرَه
ولوطٌ بــــســـادومٍ تـــوشَّحـــ بـــالفـــخـــر
28
فــفــي مـسـكـن الأحـيـاء قـد مـات عـائشٌ
وفـي مـسـكـن الأموات قد عاش ذو الذكر
29
وأيــوب فــي الحــاليــن أصــبــح ظـافـراً
بــحـال الغـنـى والجـاه والذل والفـقـر
30
هـو العـقـل فـي الإنسان إن ضل واهتدى
له الإخـتـيار التام في النهي والأمر
31
أأيـــامَـــنـــا مـــا كــنــتِ إلّا تــجــارةً
وقــد سُـرقـت بـالقـصـف واللهـو والسـكـر
32
فــأذنـبـتُ واسـتـأنـفـتُ ذنـبـي فـلم أجـد
لنـفـسـي وقـد تـابـت خـلاصـاً مـن الحـشر
33
وأنـــظـــمُ فــي نــفــســي عــقــودَ مــآثــمٍ
وأنــثــرُ خــســرانَ الدقــائق مــن عـمـري
34
إلى أن ثـنـيـت النـفـس عـن طـرق الهـدى
وأفـنـيـت عـمـري فـيـه بـالنـظـم والنثر
35
وهــا أنــا مــن صــوت النــشــور مــحــيَّرٌ
إذا مـا دعـانـي اللَه مـن جـانـب القبر
36
أتــــوب ولكــــن لا ثــــبــــات لتـــوبـــةٍ
بــعـمـرٍ بـه الأوزار كـالمـاء بـالخـمـر
37
رأى النـاسَ يـومَ الديـن والعـدل حـاكـمٌ
ونــاهــيــك عــن عــدلٍ أدقَّ مــن الفــكــر
38
وكـــلٌّ بـــأثـــواب النـــدامـــة مـــكــتــسٍ
على السعي إلّا التام في السر والجهر
39
فــمــا أشــجــعَ الشُّهــْداءَ والحـربُ قـائمٌ
ولاقَـوا زُؤامَ المـوت بـالبـيـضِ والسـمر
40
ومــا أســعــدَ النــسـاكَ إذ تـم سـعـيـهـم
ورَدّوا هــوى اللذات بــالســود والصـفـر
41
ومــا أجــمــلَ الأبــرارَ والبِــرُّ ثـوبُهـم
يــرومــون مـجـد اللَه بـالأثـوُبِ الخـضـر
42
إذا شــاهــد الأطــهــارُ مــجــداً مـؤثّـلاً
لديــهــم وهــم مـنـه كـشـمـس لدى البـدر
43
يــصــوغــون مــدحــاً تــمَّ إذ تـمَّ عـمـرُهـم
مُـجِـدّاً عـلى الأحـزان والضـيـق والفـقـر
44
وربُّكــ يــرمــيــهــم بـعـيـنٍ بـهـا الرضـا
لأنـــهـــمُ أرضــوه بــالحــمــد والشــكــر
45
وتــنــحــدر الأشــرار بــالويــل والردى
إلى دار نــار العــار بــالذل والقـهـر
46
كــأن تــلكــم النــيــرانَ وهــي عــليـهـمُ
جــبــالُ رصــاصٍ لا جــبــالٌ مــن الصــخــر
47
يـــودون ألّا يـــولدوا ثـــم يـــقــبــروا
ولا يـوعـدوا مـن بـعـدُ بـالبعث والحشر
48
تــرى كُـمَّلـاً فـي حـبِّ مـن قـد أتـاهـمُ ال
كــمــالُ كــبــدرٍ تــم فــي ليــلة البــدر
49
غــدوا إخــوةً فــضــلاً وأربــابَ نــســبــةٍ
إلى مــالكٍ للفــضــل بــالعــز والنــصــر
50
لأنـــهـــمُ لم يــســلكــوا مــســلك الردى
وتــمــوا بــجــســمٍ جــل عــن دنـس الأصـر
51
ومـــا وَلَدُ الإنـــســـانِ إلّا مـــضـــاعـــفٌ
ومــا ضِــعــفُهُ إلّا مــن البـطـن والقـبـر
52
فــمــولده بــالبـطـن يـأتـي إلى الشـقـا
ومـــولدُه بـــالقـــبـــر للديــن والأجــر
53
ســـألتـــك يــا مــولاي ســاعــةَ مــولادي
مــن القــبــر والأمـوات تَـنـهـضُ للنـشـر
54
رضـــاءً وغـــفـــرانـــاً وعــفــواً ورحــمــةً
بـمـن سـاغ فـيها المدحُ بالنظم والنثر
55
وحـــلَّ لهـــا بِـــكـــرُ الخـــلائق كـــلهــم
ونــاهــيــكَ مــن بِــكــرٍ تَــجـسَّدَ مـن بـكـر
56
فــإن تــدعــهــا يــومــاً يـجـبـك حـنـوُّهـا
أنـا يُـسـرُ مـن يـدعـو بـمـريمَ في العسر
57
فــبــي خَــلَصَ الإنــســانُ بــعــد هــلاكــه
وبــي جَــذَب الإيــمــانُ نــاصـيـة الكـفـر
58
وبـــي أُخِـــذ الشـــيـــطــان وهــو مــغــللٌ
أســيـراً ولا يـرجـو الخـلاص مـن الأسـر
59
فـــآدم قـــد أضـــحـــى بــحــواء مــائتــاً
وبـي قـام حـيّـاً نـائلَ العـفـو مـن بِكري
60
بــــحــــوّا تــــردى الخــــزيَ غِــــرّاً وإنَّه
بــفـضـلي تـردّى المـجـد دهـراً عـلى دهـر
61
فــيـا سـعـدَ مـن قـد جـاء نـحـويَ طـالبـاً
بـــتـــوبــتــه عــفــواً ومــغــفــرةَ الوِزر
62
أتــيــتُــكِ يــا مــلجــا الخـطـاة مـؤمّـلاً
غــيــاثَــك فــي يـوم القـيـامـة والحـشـر
تعليقات القراء 0