بُشراكَ بُشراكَ قد أدناكُمُ النائي
للشاعر جرمانوس فرحات
1
بُـشـراكَ بُـشـراكَ قد أدناكُمُ النائي
مـذ أومَـضَ البَـرقُ مـن تِلقاءِ عَذراءِ
2
فــالجَــوُّ مُـنـبَـجـسٌ بـالنـورِ مَـفـرِقُهُ
والأَرضُ قـد بَـسَـمَـت عَـن ثَـغر لَمياءِ
3
قــد غَــرَّدَ الطـائِرُ السِـرِّيُّ مـن طَـرَبٍ
لمـا رأى القُـضـبَ تَـرقُصْ رَقصَ هَيفاءِ
4
والريـحُ تـكـتُـب فوقَ الماءِ أنملُها
سَـطـراً تُـحـاكـيـهِ بينَ الدُرِّ والماءِ
5
إذ لاحَ شَـمـسُ الهُدى في بُرجِ طالعِه
بِـــشـــارةٌ قَـــدَّســـت أرحـــامَ حَـــوّاءِ
6
وأشـــرَقَ اللَهُ فـــي نــاســوت آدمــهِ
مُـذ جـاءَ جِـبـريـلُهُ العـالي ببُشراءِ
7
كــأَنَّ نــاسـوتَهُ المـخـلوقَ فـي عَـجَـبٍ
بــابٌ للاهــوتــهِ فــي طَــيِّ إِخــفــاءِ
8
أَهــلاً بـمُـتَّشـحِ النـاسـوتِ مُـنـحـدراً
كــأنَّهــُ قَــبَــسٌ فــي جِــنــحِ دَهــمــاءِ
9
شـارَفـتَـنـا وقَـتـامُ الكُـفـر يَصرَعُنا
والعَـقـلُ يَـخـبِـطُ فـيـهِ خَـبـطَ عَـشواءِ
10
وَبَينَما الجَهلُ يَغشى العقلَ مُنتَصِراً
بَـــدَت طَـــلائِعُ جـــبـــريــلٍ لعَــذراءِ
11
جـبـريـل مـا لَكَ مـنـقـضّـاً وقد بزغت
مـن فـيـك شـمـسٌ أراهـا سِـرَّ مـولائي
12
أرى الجـليـلَ بـأَصـقاع الجليل وَقَد
كــانَ الجـليـلُ عـلى أَكـنـافِ أضـواءِ
13
يــا أرضَ نــاصــرةٍ أضــحـيـتِ نـاصـرةً
عَــزائِمــاً كُــنَّ قــبــلاً ذاتَ أســواءِ
14
أجــابَ جِــبـريـلُ والأَسـرارُ تَـعـضُـدُهُ
إنِّيـــ رســـولٌ بــإنــعــامٍ وإِنــشــاءِ
15
إلى بــتــولٍ أُبَــشِّرْهــا وقــد وُصـفَـت
لي مـريـم البكر فَاِسمع نَصَّ بُشرائي
16
لكِ الســلامُ أيــا قُـدسُ اِسـتـقـرَّ بِهِ
ربٌّ تـــعـــالى بـــألقـــابٍ وأســمــاءِ
17
الرب مــعْــكِ وفــي أَحــشــاكِ أَبـصُـرُهُ
إبـنـاً جـنـيـنـاً بدا في سِلك أَبناءِ
18
لكِ الســلامُ أَيـا كَـنـزاً بِهِ وجـدوا
مــاءَ الحــيــاةِ لِأَمــواتٍ وأَحــيــاءِ
19
يَــجــيــءُ مِــنــكِ إلهٌ نَــحـنُ نـعـبُـدُهُ
وَيَــنــشُـلُ الضـالَ مـن تـيـهٍ وإغـواءِ
20
ذاك الذي قـد رَأى حَـزقـيـلُ مَـنـظَرهُ
مــن فـوق مَـركَـبـةٍ مـا بـيـنَ أضـواءِ
21
تَــنــقَـضَّ مِـنـهُ بـروقٌ خـلتُهـا شُهُـبـاً
مِــنـهـا المـلائِك فـي خـوفٍ وإغـراءِ
22
نَـراهُ قَـد حَـلَّ فـيـهـا مِـثـلَمـا سُـفُنٍ
أرسَــت أنــاجــيــرَهــا فــي لجِّ آلاءِ
23
أنـت هـي الرَوضـة المـأمونُ مَغرِسُها
يـنـسـاب فـيـهـا مَعينُ البُرءِ للداءِ
24
أَنـتِ هـي الهـيـكلُ المختار من قِدَمٍ
لم تـــرقَهُ قَـــطُّ أقـــدامٌ بـــأســواءِ
25
أَنـتِ التـي هـي قُـدسُ القُدسِ مَقْدسُها
مِــنــهــا نَـنـال سِـعـاداتِ الأَخِـصّـاءِ
26
ومـنـكِ يـا بـكـرُ يـأتي اللَه مُتَّلِداً
والخــتــمُ بــاقٍ بــإِجــلالٍ وإِرعــاءِ
27
لكــي يُــخَــلِّصَ حَــوّا مــن غَـوايـتـهـا
بــنَهــجِهِ الحــقَّ يــمـحـو آيَ ظَـلمـاءِ
28
فــكــلُّ نُــطــقٍ يــمــاريــهِ بــهِ خَــرَسٌ
وكــلُّ عــيــنٍ شَــنَــتـهُ عـيـنُ عـمـيـاءِ
29
وكـــل سَـــمـــعٍ يـــكـــذبْهُ بِهِ صَـــمَــمٌ
كَـــأَنَّهـــُ جــاءَ مَــحــشــوّاً بــبَــلواءِ
30
يـا حـامـلاً عـرشَهُ الأَجنادُ في رَهبٍ
هـا الآنَ مَـثـواكَ فـي أَحشاءِ عذراءِ
31
طـوبـاكِ يا مَريمُ العذراءُ إذ وَفَدَت
عَـــليـــكِ نُــجّــابُ أفــراحٍ وبُــشــراءِ
32
حـقّـاً لقَـد أُنـطِقَ الراوونَ عنكِ بأن
عــن مـثـلهـا أُعـقِـمـت أرحـامُ حَـوّاءِ
33
إِنّي أرى الكونَ بَعد اليأسِ مبتَهِجاً
قـــد أيـــدتــهُ بــراهــيــنُ الأَوِدّاءِ
34
فـالكُـفـر فـي حَـرَبٍ والكـذْبُ في كُرَبٍ
والصِـدقُ فـي طَربٍ والحاءُ في الياءِ
35
والخَـلقُ فـي رَهَـجٍ والأُفـق فـي بَهَـجٍ
والنُــطــق فـي نَهَـجٍ يَـشـدو كَـوَرقـاءِ
36
والإثــم قــد نَــسَـخَـت آيـاتِ سـورتِهِ
ريـــاتُ مـــطـــلَعِ غُـــفــرانٍ وَإِرضــاءِ
37
والهَـرطَـقـاتُ غَـدا الإيمان يُدحِضُها
كَــأَنَّهــا العــار للمَــرئيُّ والرائي
38
تـرتـدُّ عـنـهـا عـيـونُ النـاس خاسئَةً
كــأَنَّهــا رُقِــمَــت فــي طِــرسِ أَقــذاءِ
39
أَلقـى عـليـهـا معينَ الحق فاندَرَست
مـذ قـام يـمـحَـق مـعْهـا كـلَّ فـحـشاءِ
40
طـوبـى بـنـي آدمٍ إذ قد رأوا ملِكاً
فــي زِيِّ عــبــدٍ بــلا كِـبـرٍ وخِـيْـلاءِ
41
بـشـراك يـا آدمُ المـسـجـونُ في نَفَقٍ
وافـــاك آســـيــكَ مــن ضُــرٍّ وأســواءِ
42
قـد تـمَّ سُـؤلُكَ فَـاخلَع ما عليك فَقَد
نَــجَــوتَ مــن عـثـرةٍ رَقـشـاءَ رَقـطـاءِ
43
لذاك لمـا دعـانـي فـي الورى زَمَني
أجَــبــتُهُ إذ لســانــي غـيـرُ فَـأفـاءِ
44
إليــك عـذراءَ بـكـراً فـي غَـلائِلهـا
مــا شــانَهــا قَــطُّ نَــظّـامٌ بـإيـطـاءِ
45
تُــزَفُّ مَــنــظــومـةً كـالدُرِّ مَـنـطِـقُهـا
يــجِــلُّ إعــرابــهـا عـن قَـدح إِقـواءِ
تعليقات القراء 0