بعد أن مت واحتواني الحفيرُ
للشاعر جميل صدقي الزهاوي
1
بــعـد أن مـت واحـتـوانـي الحـفـيـرُ
جــاءنــي يــبــلو مُــنــكَــرٌ ونــكـيـرُ
2
مــلَكـان اسـطـاعـا الظـهـور ولا أد
ري لمــاذا وكــيــف كــان الظــهــورُ
3
لهـمـا وجـهـان ابـتـنت فيهما الشر
رةُ عـــشـــاً كــلاهــمــا قــمــطــريــرُ
4
ولكــــلٍّ أنــــفٌ غــــليــــظٌ طــــويــــلٌ
هــو كــالقــرن بــالنــطــاح جــديــرُ
5
وفــمٌ مــهــروتٌ يــضــاهــي فــم اللي
ث يــريـنـي نـابـاً هـي العـنـقـفـيـرُ
6
وبــــأيـــديـــهـــمـــا أفـــاعٍ غـــلاظٌ
تـــــتـــــلوى مــــخــــوفــــةٌ وتــــدورُ
7
وإليَّ العــــيــــونُ تــــرســـل نـــاراً
شــرُّهــا مــن ومــيــضــهـا مـسـتـطـيـرُ
8
كــنــت فــي رقــدةٍ بــقـبـري إلى أن
أيــقــظـانـي مـنـهـا وعـاد الشـعـورُ
9
فــبــدا القــبــرُ ضــيــقـاً ذا وخـومٍ
مـــا بـــه للهـــواء خـــرقٌ صــغــيــرُ
10
إنـــه تـــحـــت الأرض إلا قـــليــلاً
مـنـزلُ المـرء ذي الطـمـوحِ الأخـيرُ
11
ألمـــن خـــابَ حـــفـــرةٌ ذات ضـــيـــقٍ
ولمـــــن فـــــاز روضــــةٌ وغــــديــــرُ
12
أتــيــا للســؤال فَــظَّيــنِ حــيــث ال
مــيــتُ بــعــد اســتـيـقـاظـه مـذعـورُ
13
عــن أمــورٍ كــثــيــرةٍ قــد أتــاهــا
يــوم فــي الأرض كـان حـيـاً يـسـيـرُ
14
صـــيـــحــة تــحــت الأرض ثُــمَّ حــوارٌ
بــيــن أقــســاهــمــا وبـيـنـي يـدورُ
15
واقـــفـــاً لي كــأنــمــا هــو نــســرٌ
وكــــأنــــي أمــــامــــهُ عــــصـــفـــورُ
16
خـــار عـــزمـــي ولم أكـــن أتــظــنَّى
أن عــزمــي يــومــاً لشــيــءٍ يــخــورُ
17
ولقــد كــنــتُ فــي البــداءة أشـحـى
مــثــلمــا يـشـحـى للخـشـاة الذعـورُ
18
ثــم إنــي مــلكــت نــفــســي كــأنــي
لســت أخــشــى شــيــئاً وإنــي جـسـورُ
19
مــظــهــراً أنـي كـنـتُ أحـمـل نـفـسـاً
لم يــكــن للشــكــوك فــيـهـا خـطـورُ
20
غــيــر أنـي صـدعـت بـالحـق فـي الآ
خــر حــتــى التــاثــت عـلى الأمـورُ
21
فــي الأديـب الحـر النـفـاق ذمـيـمٌ
وهـو مـا لا يـرضـاه مـنـه الضـمـيرُ
22
فــــألمَّتــــ بــــي الرزيــــة حـــتـــى
ضــجــرت مـن ضـجـيـج قـبـري القـبـورُ
23
قــال مــن أنــتَ وهــو يـنـظـر شـزراً
قـــلت شـــيــخٌ فــي لحــده مــقــبــورُ
24
قــال مــاذا أتــيــتَ إذ كـنـت حـيـاً
قـــلت كـــل الذي أتـــيـــت حــقــيــرُ
25
ليـس فـي أعـمـالي التـي كـنـت آتـي
هــا عــلى وجــه الأرض أمـرٌ خـطـيـرُ
26
قــال فــي أيٍّ مــن ضـروب الصـنـاعـا
ت تـــخـــصـــصـــت إنـــهـــن كـــثـــيــرُ
27
قـلت مـارسـت الشـعر أرعى به الحق
قَ وقــد لا يــفــوتــنــي التــصـويـرُ
28
قـال مـا ديـنـك الذي كنت في الدن
يــا عــليــه وأنــت شــيــخٌ كــبــيــرُ
29
قــلت كــان الإسـلام ديـنـيَ فـيـهـا
وهـــو ديـــنٌ بــالإحــتــرام جــديــرُ
30
قـال مـن ذا الذي عـبـدت فـقـلت ال
لَهَ ربــي وهــو الســمــيـع البـصـيـرُ
31
قــال مــذا كــانــت حــيـاتـك قـبـلاً
يــوم أنـت الحـر الطـليـق الغـريـرُ
32
قـــلت لا تـــســألنَّنــي عــن حــيــاةٍ
لم يــكــن فــي غـضـونـهـا لي حـبـورُ
33
كــنــت عــبــداً مــســيَّراً غــيــر حــر
لا خــــيــــارٌ له ولا تـــخـــيـــيـــرُ
34
مـا حـبـونـي شيئاً من الحول والقد
رة حــــتـــى أديـــر مـــا لا يـــدورُ
35
كــان خـيـراً مـنـي البـهـائمُ تـثـوي
حــــيــــث لا آمــــرٌ ولا مــــأمــــورُ
36
قــال هــلا كـسـبـت غـيـر المـعـاصـي
قــلت إن لم أكــســب فــربــي غـفـورُ
37
كـــان إثـــمــي أنــي إذا ســألونــي
لم أقــل مــا يــقــوله الجــمــهــورُ
38
إنــهــم مــن أوهــامــهــم فـي إسـارٍ
ولقــد لا يــرضــيــهــم التــحــريــرُ
39
وإذا لم يـــــكـــــن هــــنــــالك رأيٌ
لي أفـــضـــي بــه فــلا أســتــعــيــرُ
40
ربَّ أمــرٍ يــقــول فــي شــأنـه العـق
لُ نــقــيــض الذي يــقــول الضــمـيـرُ
41
ثـــمـــراتُ الأحــراث لا تــتــســاوى
هـــذه حـــنـــطـــةٌ وهـــذا شـــعـــيـــرُ
42
وقــــشــــورٌ ومــــا هــــنـــاك لبـــابٌ
ولبــــابٌ ومــــا هــــنــــاك قـــشـــورُ
43
يـــتـــبــع الجــاهــل الغــويُّ أخــاه
مــثــلمـا يـتـبـع الضـريـرَ الضـريـرُ
44
قــال هـل صـدقـت النـبـيـيـن فـيـمـا
بـــلغـــوه ولم يُـــعـــقْـــكَ الغـــرورُ
45
والكــتــاب الذي مــن الله قـد جـا
ء فــأدلى بــه البــشــيــر النـذيـرُ
46
قـــلت فـــي خــشــيــةٍ بــلى وفــؤادي
مـــن شـــعــاع بــه يــكــاد يــطــيــرُ
47
إنــه مُــنــزَلٌ مــن الله يــهــدي ال
نــاس طــرَّاً فـهـو السـراج المـنـيـرُ
48
قــال هــل كــنــت للصــلاة مـقـيـمـاً
قــلت عـنـهـا مـا إن عـرانـي فـتـورُ
49
إنــمــا فــي اقــتــنـاء حـورٍ حـسـانٍ
بــــصــــلاةٍ تــــجــــارةٌ لا تـــبـــورُ
50
قــال هـل صـمـت الشـهـر مـن رمـضـان
قــلت قــد صــمــتــه وطــاب الفـطـورُ
51
قـــال هـــل كــنــت للزكــاة بِــمُــؤتٍ
قــلت مــا كــان بــي لهــا تــأخـيـرُ
52
قـــال والحـــج مــا جــوابــك فــيــه
قــلت قــد كــان لي بــحــجــي ســرورُ
53
قــال هــل كــنــت للجـهـاد خـفـيـفـاً
قـــلت إنـــي لبـــالجـــهــادِ فــخــورُ
54
قــال هــل كــنــت قــائلاً بــنــشــورٍ
قــلت ربــي عــلى النــشــور قــديــرُ
55
فـــإذا شـــاء للعـــبـــاد نـــشـــوراً
فــمــن الســهــل أن يــكــون نــشــورُ
56
قـال مـاذا تـقـول في الحشر والمي
زان ثـــم الحـــســاب وهــو عــســيــر
57
والســؤال الدقــيــق عــن كــل شـيـء
والصـــراط الذي عـــليــه العــبــور
58
والجـنـان التـي بـهـا العـسل الما
ذيُّ قـــد صـــفــوه وفــيــهــا الحــور
59
وبـــهـــا ألبـــانٌ تـــفـــيـــضُ ولهــوٌ
وأبــــــاريـــــقُ ثـــــرةٌ وخـــــمـــــور
60
وبـــهـــا رمـــانٌ ونـــخـــلٌ وأعـــنــا
بٌ وطــلحٌ تــشــدو عــليــه الطــيــور
61
ليــس فــيــهــا أذى ولا مــوبــقــاتٌ
ليــس فــيــهــا شــمـسٌ ولا زمـهـريـر
62
والجـحـيـم التـي بـهـا النار تذكو
فــــــي دهــــــور وراءهـــــنَّ دهـــــور
63
إنـمـا المـهـلُ مـاؤهـا فـهـو يـغـلي
والهــــواء الذي يــــهـــب الحـــرور
64
تــلك فــيــهــا للمــجــرمــيـن عـذابٌ
تــلك فــيــهــا للكــافــريـن سـعـيـر
65
إن مــن كــان كــافـراً فـهـو فـيـهـا
وإن اعـــتـــاد أن يـــبـــرَّ خــســيــر
66
هــو فــي نــارهــا الشــديــدة حــرا
ن وفـــي زمـــهـــريـــرهـــا مـــقــرور
67
قـلت مـهـلاً يـا أيـهـا الملك المُل
حِـــف مـــهـــلاً فـــإن هــذا كــثــيــر
68
كــان إيــمــانــي فـي شـبـابـي جـمّـاً
مـــا بـــه نـــزرةٌ ولا تـــقـــصـــيــر
69
غــيــر أنَّ الشــكــوك هــبَّتــ تـلاحـي
نــي فــلم يــســتـقـرَّ مـنـي الشـعـور
70
ثــم عــادَ الإيـمـان يـقـوى إلى أن
ســلَّه الشــيــطـان الرجـيـمُ الغـرور
71
ثـــم آمـــنـــت ثـــم ألحـــدتُ حـــتــى
قــــيـــل هـــذا مـــذبـــذب مـــمـــرور
72
ثــم دافــعــت عــنــه بــعــد يــقـيـنٍ
مــثــلمــا يــفـعـل الكـمـيُّ الجـسـور
73
وتـــعـــمَّقــتُ فــي العــقــائد حــتــى
قـــيـــل هـــذا عـــلامـــةٌ نـــحــريــر
74
ثــم إنــي فــي الوقـت هـذا لخـوفـي
لسـت أدري مـاذا اعـتـقادي الأخير
75
لم يُــربــنـي أمـرُ الصـراط مـقـامـاً
فـــوق وادٍ مـــن الجــحــيــم يــفــور
76
غـــيـــر أنـــي أجـــل ربـــي مـــن إت
يـانِ مـا يـأبـاه الحـجـى والضـمـير
77
فــــإذا صــــح أنــــه كــــغــــرار ال
ســيــفِ أو شــعــرةٍ فــكـيـف العـبـور
78
لا تــخــل أن عــبــر جــســرٍ دقــيــق
ذرعـــه آلاف الســـنـــيـــن يــســيــر
79
إنَّ ألفـــاً مـــنـــه صـــعــودٌ وألفــاً
ذو اســتــواءٍ ســمــح وألفــاً حــدور
80
إنـــهـــا شـــقـــةٌ تــطــول فــلا يــق
طــعــهــا إلا البــهـمـةُ المـحـضـيـر
81
ولعـــل الذيـــن ضـــحـــوا بــأكــبــا
ش عــليــهــم بــهــا يــهـون المـرور
82
أنــا لو كــنــت بــالبــعـيـر أضـحـي
ســار بــي مــرقـلاً عـليـه البـعـيـر
83
ولو اَنــي ركــبــت صــهــوة يــعــفــو
رٍ مــضــى بــي يـسـتـعـجـلُ اليـعـفـور
84
ولو اَنـــي هـــويــتُ لا ســمــح الرح
مَــن مــنــه فــيـهـا لسـاءَ المـصـيـر
85
لا يــطـيـب الخـلود فـي لجـج النـا
ر فـــإن الخـــلود شـــيـــءٌ كــثــيــر
86
ربــنــا لا تــرسـل عـليـنـا عـذابـاً
ليــس فــيــنــا عـلى العـذاب صـبـور
87
ربــنــا ارفــق بــنــا فـإنـا ضـعـافٌ
مــا لنــا مــن حـولٍ وأنـت القـديـر
88
قــال مـاذا رأيـت فـي الجـن قـبـلاً
ومـــــن الجـــــن صــــالح وشــــريــــر
89
ثـم فـي جـبـريـل الذي هـو بـيـن ال
لَهِ ذي العـــرش والرســـول ســفــيــر
90
ثـم فـي الأبـرار المـلائك حول ال
عـــرشِ والعـــرش قــد زهــاه النــور
91
فـتـدوي السـمـاء فـي السـمع من تس
بــيــحــهـم مـثـلمـا يـدوي القـفـيـر
92
ثـم فـي الخـنـاسِ الذي ليـس مـن وس
واســه فـي الحـيـاة تـخـلو الصـدور
93
والعـــفـــاريـــت ذاهـــبــيــن عــراةً
تــجــفــل الوحــشُ مــنـهـمُ والطـيـور
94
والشــيــاطــيـن مـفـسـديـن بـهـم قـد
ضــلَّ نــاسٌ هــم الفــريــق الكــبـيـر
95
قـــلت لله فـــي الســمــاوات والأر
ضِ ومـــا بـــيــنــهــن خــلقٌ كــثــيــر
96
غــيــر أنـي أرتـابُ فـي كـل مـا قـد
عــجــز العــقــل عــنــه والتـفـكـيـر
97
لم يـكـن فـي الكـتـاب مـن خـطـأٍ كَل
لا ولكــن قــد أخــطــأ التــفــسـيـر
98
قــال هــل فـي السـفـور نـفـعٌ يـرجَّى
قــلت خــيــرٌ مــن الحـجـاب السـفـور
99
إنــمــا فــي الحــجــاب شــلٌّ لشــعــبٍ
وخـــفـــاءٌ وفـــي الســـفــور ظــهــور
100
كــيــف يــسـمـو إلى الحـضـارة شـعـبٌ
مــنــه نــصــفٌ عــن نــصــفـه مـسـتـور
101
ليــس يــأتــي شــعــب جـلائلَ مـا لم
تــــتــــقــــدم إنــــاثـــه والذكـــور
102
إنَّ فـــي رونـــق النــهــار لنــاســاً
لم يَــزُل عــن عــيــونـهـا الديـجـور
103
قـــال هـــل فــي الإله عــنــدك شــك
قـــلت لا والذي إليـــه المــصــيــر
104
قـــال مـــاذا هــو الإله فــهــل أن
ت مــجــيـبـي كـمـا يـجـيـب الخـبـيـر
105
قـــلت إنَّ الإله فـــوق مـــنـــال ال
عـقـل مـنـا وهـو العـزيـز الكـبـيـر
106
إنــمــا هــذه الطــبــيــعــة ذات ال
لاتـــنـــاهــي كــتــابُهُ المــســطــور
107
إنــــهــــا للإله ســــفــــرٌ قـــديـــمٌ
ذو فــصــول والكــائنــاتُ الســطــور
108
ولقــد قــال نــاعــتــوه هــو العــا
لم مـــنـــا بـــمـــا تــكــنُّ الصــدور
109
إنــه فــي الجــبــال والبـر والبـح
ر مـــن الأرض والســـمـــاوات نـــور
110
فــله الأرض مــا لهــا مــن ســكــون
والســـمـــاوات مـــا بـــهــنَّ فــطــور
111
كــــل حـــيٍّ بـــه يـــعـــيـــش ويـــردى
وكــمــا قــد أراد تــجــري الأمــور
112
إنـــــه واهـــــبُ الوجــــود فــــلولا
ه لمــــا كــــان للوجــــود ظـــهـــور
113
إنـــه واجـــبُ الوجـــود فـــقــد كــا
ن ولا عـــــــالمٌ ولا دســـــــتــــــور
114
عــرشــه فــي الســمــاء وهــو عـليـه
مـــســـتـــوٍ مـــا لأمــره تــغــيــيــر
115
وهــو يــهــتــز للمـعـاصـي كـمـا يـه
تــزُّ فــي زرقــة الصــبــاح السـريـر
116
وهــو إن قـال كـن لشـيـءٍ يـكـون ال
شـــيـــءُ مــن فــوره فــلا تــأخــيــر
117
إن هــذا مــا قــد تــلقــنــتــه وال
قـــلبُ مـــن شـــكـــهِ يــكــادُ يــخــور
118
قـــلت مـــا قــلت ثــم إنــك لا تــد
ري أحـــــقٌّ مـــــا قــــلتــــه أم زور
119
وأرى فـــي الصـــفـــات مـــا هــو للَ
هِ تـــعـــالت شـــؤونـــه تـــصـــغــيــر
120
مـا عـقـابـي مـن بـعـد مـا صح نقلاً
أنَّ مـــا قـــد أتـــيـــتـــهُ مـــقــدور
121
ليــس لي فــي مـا جـئتـه مـن خـيـارٍ
إنـــنـــي فــي جــمــيــعــه مــجــبــور
122
وإذا كــان مــنــه كــفــري وإيــمــا
نــي فــإن الجــزاءَ شــيــءٌ نــكــيــر
123
أللهـــــــو والله ليـــــــس بــــــلاهٍ
أم لجــــورٍ والله ليــــس يــــجــــور
124
أمــنَ الحــقِّ خَــلقُ إبــليـس وهـو ال
مـــســـتـــبـــدُّ المـــضـــلِّلٌ الشــريــر
125
إنــه يــلقــي فـي النـفـوس شـكـوكـاً
ذات أظـــفـــارٍ نـــزعـــهــنَّ عــســيــر
126
إنــمــا فــي الداريــن عـسـفٌ وحـيـفٌ
غــيــر أنَّ الســمــاءَ ليــســت تـمـور
127
فــــلنــــاس تــــعــــاشــــةٌ وشـــقـــاءٌ
ولنـــــــاسٍ ســـــــعــــــادةٌ وســــــرور
128
قــال مــا ذاتــه فــقــلت مــجــيـبـاً
بــلســانٍ قــد خــانــه التــفــكــيــر
129
إنــنــي لا أدري مــن الذات شـيـئاً
فــلقــد أســدلت عــليــهــا السـتـور
130
إنـــمـــا عـــلمـــي كــله هــو أن ال
لَهَ حــــــي وأنــــــه لا يــــــبــــــور
131
مــــــا لكـــــل الأكـــــوان إلا إلهٌ
واحـــدٌ لا يـــزول وهـــو الأثـــيــر
132
مــنــه هــذا الوجـود فـاضَ عـمـيـمـاً
وإليـــه بـــعـــد البـــوار يــصــيــر
133
ليــس بــيــن الأثــيــر والله فــرقٌ
فـي سـوى اللفـظ إن هـداك الشـعـور
134
وبــحــبــســي أنــي صــدعــتُ بـمـا أد
ري عـــلى عـــلمــي أنــه ســيــضــيــر
135
وإذا لم أرد لأبــــــســـــط رأيـــــي
فـــي جـــوابـــي فـــإنــنــي مــعــذور
136
أمـــن الســـهــل أن أغــيــرَ قــلبــي
بــعـد مـا فـي فَـوديَّ بـان القـتـيـر
137
قـــال إنـــي أرى بـــخـــدك تــصــعــي
را فــهــل أنــت يــزدهــيـك الغـرور
138
قـــلت مـــن مـــات لا يـــصــعِّر خــداً
ليــس بــالمـوتـى يـخـلق التـصـعـيـر
139
إنــنــي أخـشـى الظـالمـيـن فـلا أف
ضــي إليــهــم بــمــا بــرأسـي يـدور
140
أي ذي مـــســـكــةٍ يــقــول صــريــحــاً
وعــليــهــا ســيــف الأذى مــشــهــور
141
لا تــكــونــا عــليَّ فــظَّيــن فـي قـب
ري فــإنــي شــيــخٌ بــعــطــفٍ جــديــر
142
إنَّ قــول الحــقِّ الصـراح عـلى الأح
رار حــتــى فــي قــبــرهــم مــحـظـور
143
فــدعــانـي فـي حـفـرتـي مـسـتـريـحـاً
أنــا مــن ضــوضــاء الحـيـاة نـفـور
144
أتـعـبـتـنـي الأيـام إذ كـنـت حـيـا
فــأنــا اليــوم للســكــون فــقــيــر
145
أتــركــانــي وحــدي ولا تـزعـجـانـي
بــــزيــــاراتٍ مــــا بــــهـــنَّ ســـرور
146
اتــركــانــي ولا تــزيــدا عــنــائي
بـــــســـــؤالٍ فـــــإنـــــي مــــوتــــور
147
لم تُــصَــنْ مــن جــراءة المـسـتـبـدي
نَ عَــلى الهــالكـيـن حـتـى القـبـور
148
كــيــف أفــضــيــتــمــا إليَّ بــقـبـري
وعـــــليـــــه جــــنــــادلٌ وصــــخــــور
149
قــلت لمــا هــبــطــتُ أعـمـاقَ قـبـري
ليــس خــيـراً مـن البـطـون الظـهـور
150
وإذا القــــبــــر ضـــيـــقٌ بـــذويـــه
وإذا القــبــر فــيــه كــربٌ كــثـيـر
151
إنـــمـــا الدائراتُ فـــي كـــل وقــتٍ
ومـــكـــانٍ عـــلى الضـــعــيــف تــدور
152
قـــال هـــذا هــو الهــراء ومــا إن
لاحــتــجــاجٍ تــلغــو بــه تــأثــيــر
153
قــلت فــي غــصـةٍ إذن فـاصـنـعـا بـي
مـــا تـــريـــدانـــه فــإنــي أســيــر
154
عــذَّبــانــي هــنــا إذا شــئتـمـا أو
ألقــيــانـي فـي النـار وهـي تـثـور
155
كـنـتُ لا أدري يـوم كـنت على الأر
ض طـــليـــقـــاً أن الحـــيــاة غــرور
156
وســـأمـــشـــي إلى جـــهــنــمَ مــدفــو
عــاً وخــلفــي كــالسـيـل جـمٌّ غـفـيـر
157
إنــمــا قــد ســألتــمــا عــن أمــورٍ
هــي ليــســت تـغـنـي وليـسـت تـضـيـر
158
ولمــاذا لم تــســألا عــن ضــمـيـري
والفــتــى مـن يـعـف مـنـه الضـمـيـر
159
ولمــاذا لم تــســألا عــن جــهــادي
فــي ســبــيــل الحـقـوق وهـو شـهـيـر
160
ولمـــاذا لم تـــســألا عــن ذيــادي
عــن بــلادي أيــامَ عــز النــصــيــر
161
ولمـــاذا لم تـــســألا عــن وفــائي
ووفـــائي لمـــن صـــحـــبــت كــثــيــر
162
ولمــاذا لم تــســألا عــن مــسـاعـي
يَ لإبـــطـــال الشــرِّ وهــو خــطــيــر
163
عــن دفــاعــي عـن النـسـاء عـليـهـن
نَ مـــن الشـــقــوة الرجــال تــجــور
164
وســلانــي عــمــا نــظـمـت مـن الشـع
ر فــبــالشــعــر يـرتـقـي الجـمـهـور
165
وســلانــي عــن نــصــري الحــقَّ وثــا
بـــاً بـــه وهــو بــالســؤال جــديــر
166
إنـــمـــا الشــعــر سُــلَّمٌ للمــعــالي
ثــــم فــــيــــه لأمــــةٍ تــــحـــريـــر
167
إنـــــه تـــــارةً لقـــــومٍ غـــــنــــاءٌ
ليــــنـــامـــوا وتـــارةً تـــحـــذيـــر
168
وسـلانـي عـن جـعـلي الصّـدق كـالصـخ
ر أســاســاً تــبــنـى عـليـه الأمـور
169
إنــمــا الصــدق فــاســألانــي عـنـه
خــيــرُ مــا تـنـطـوي عـليـه الصـدور
170
وســلانــي عـن حـفـظـي الفـن مـن أن
يــعــتــريـه قـبـل التـمـام الدثـور
171
أســـكـــوتٌ عـــن كـــلِّ مـــا هـــو حــقٌّ
وســــؤالٌ عــــن كــــلِّ مـــا هـــو زور
172
قـــال كـــل الذي عــرضــت عــليــنــا
أيــهــا الشـيـخ الهِـمُّ شـيـءٌ حـقـيـر
173
نــحــن لســنــا بــسـائليـن سـوى مـا
كــان حــول الديــن المـبـيـن يـدور
174
فــأفــدنــا إن كــنــت ذا صـلةٍ بـال
ديــن واذكــر مــاذا هـو التـقـديـر
175
ثــم زد مــا تـقـول فـي جـبـل القـا
ف أحــــقٌّ فــــحــــواه أم أســــطــــور
176
جـــبـــلٌ مـــن زمـــردٍ نـــصـــفُ أهــلي
ه ذوو إيـــمـــان ونـــصـــفٌ كـــفـــور
177
جـــبـــلٌ إن أرســـلت طـــرفــاً إليــه
رجــع الطــرف عــنــه وهــو حــســيــر
178
وبـــيـــاجــوجَ ثــم مــاجــوج والســد
دِ وإنــــكــــارُ كــــلّ هــــذا غــــرور
179
وبــــهـــاروت ثـــم مـــاروتَ والســـح
ر الذي أســـدلت عـــليــه الســتــور
180
قــــلت مــــا لي بــــكـــل ذلك عـــلمٌ
فــبــجــحــدي عــقــلي عــليَّ يــشــيــر
181
كـــنـــت حــيــاً فــمــت والمــوت حــقٌّ
شــاهــداتٌ بــمــا هــنــاك القــبــور
182
كـنـت فـوق التـراب بـالأمـس أمـشـي
وأنـــا اليـــوم تــحــتــه مــقــبــور
183
إنــمــا المــوت وهــو لا بُــدَّ مـنـه
سُـــنَّةـــُ الله مــا لهــا تــغــيــيــر
184
قــال دع عــنــك ذا وقـل لي مـن رب
بــكَ مــن قــبـل أن يـسـوءَ المـصـيـر
185
قــلت أمـهـلنـي فـي الجـواب رويـداً
إنــــنــــي الآن خــــائفٌ مــــذعــــور
186
لا تــكــن قــاســيــاً عــليَّ كــثـيـراً
أنــــا شــــيــــخ مـــهـــدَّمٌ مـــأطـــور
187
كــان ظــنــي أنَّ الأثــيــرَ هــوَ الر
بُّ كـــريـــمـــاً يـــمــدنــي ويــجــيــر
188
لم يـــزل لي عـــقــيــدة ذاك حــتــى
حـال مـن هـول القـبـر فـيَّ الشـعـور
189
إنــــك اليـــوم أنـــت وحـــدك ربـــي
بــك أحــيــا فــي حــفــرتــي وأبــور
190
إنــك الجــبــارُ الذي ســوف تــبـقـى
تــحــت سـلطـانـك العـظـيـم القـبـور
191
قــال مــا أنــت أيــهـا الرجـسُ إلا
مــلحــدٌ قــد ضــلَّ الســبــيــلَ كـفـور
192
مــا جــزاءُ الذيــن قــد كـفـروا إل
لا عــــذابٌ بــــرحٌ وإلا ســــعـــيـــر
193
ثـــم تـــلَّانـــي للجـــبــيــن وقــالا
ليَ ذق أنــت الفــيــلسـوف الكـبـيـر
194
قــلت صــفــحــاً فــكـل فـلسـفـتـي قـد
كـان مـمـا يـمـليـه عـقـلي الصـغـير
195
ثــم قــولي مــن بــعـدهـا أنـت ربـي
هـــو مـــنـــي حـــمـــاقـــة وقـــصـــور
196
لم تــكــن أقــوالي الجــريــئة إلا
نــفــثــاتٍ يــرمــي بــهــا المـصـدور
197
قــد أســأتُ التـعـبـيـر فـالله ربـي
مــا له فــي كــل الوجــود نــظــيــر
198
فـــأجـــابـــانـــي قــائليــن بــصــوتٍ
لا يــســر الأسـمـاعَ مـنـه الهـديـر
199
قـــضـــي الأمــر فــاســتــعــدَّ لضــربٍ
مـنـه تـدمـى بـعـد البـطـون الظهور
200
لا يـفـيـد الإيـمـان مـن بـعـد كفرٍ
وكـــذا جَـــد الطـــائشـــيــن عــثــور
201
وأمــضَّاــنــي بــالمــقــامــع ضــربــاً
كــدت مــنــه فــي أرض قــبـري أغـور
202
لم يــكــن فـيـهـمـا يـثـيـر حـنـانـاً
جــــســــدٌ لي دام ودمــــعٌ غــــزيــــر
203
ولقـــد صـــحــتُ للمــضــاضــة أبــغــي
لي مــجــيــراً وأيـن مـنـي المـجـيـر
204
ثـــم صـــبَّاــ بــقــســوةٍ فــوق رأســي
قَـــطِـــرانـــاً لســـوء حــظــي يــفــور
205
فـــشـــوى رأســي ثــم وجــهــي حــتــى
بــان مــثــل المـجـدور فـيـه بـثـور
206
ثُـــمَّ أحـــســـســـت أنَّ رأســي يــغــلي
مــثــلمـا يـغـلي بـالوقـود القـدور
207
وقـــد اشـــتــدت الحــرارة فــي قــب
ري حـــــتـــــى كـــــأنـــــه تــــنــــور
208
وأطـــالا فـــيـــه عـــذابــي إلى أن
غــاب وعــيــي وزال عــنــي الشـعـور
209
ثــم لمــا انــتــبــهـت ألفـيـت أنـي
مــوثــقٌ مــن يــدي وحــبــلي مــريــر
210
ثـم طـارا بي في الفضاء إلى الجن
نَــةِ حــتـى يـغـري بـلومـي الضـمـيـر
211
مـــا أرادا إلا عـــذاب ضـــمـــيــري
بــعــد أن إيــفَ جــســمـي المـقـطـور
212
وأســـرَّا فـــي إذن رضـــوان شـــيــئاً
فـــأبـــاح الجـــواز وهـــو عــســيــر
213
لمــســت إذ دخــلتــهـا الوجـه مـنـي
نــفــحــةٌ فــاح عــطــرهـا والعـبـيـر
214
أخــذتــنــي مـنـهـا المـشـاهـدُ حـتـى
خـــلتُ أنـــي ســكــرانُ أو مــســحــور
215
جــنــةٌ عــرضــهــا السـمـاوات والأر
ض بـهـا مـن شـتـى النـعـيـم الكثير
216
فــــطــــعــــام للآكــــليــــن لذيــــذٌ
وشــــرابٌ للشــــاربــــيــــن طـــهـــور
217
ســــمــــكٌ مــــقــــليٌّ وطــــيـــرٌ شـــويٌّ
ولذيــــذ مـــن الشـــواءِ الطـــيـــور
218
وبــــهـــا بـــعـــد ذلكـــم ثـــمـــراتٌ
وبـــهـــا أكــوابٌ وفــيــهــا خــمــور
219
وبــهــا دوحــةٌ يــقــال لهــا الطــو
بــى لهــا ظــل حــيــث ســرت يــسـيـر
220
تـــتـــدلَّى غـــصـــونـــهـــا فــوق أرضٍ
عــرضــهــا مـن كـل النـواحـي شـهـور
221
وجــرت تــحــتـهـا مـن العـسـل المـش
تــارِ أنــهــارٌ مــا عـليـهـا خـفـيـر
222
ومــن الخــمــرة العــتــيــقـة أخـرى
طــعــمــهــا الزنـجـبـيـلُ والكـافـور
223
ومــن الألبــانِ اللذيــذةِ مــا يــش
ربـــه خـــلقٌ وهـــو بـــعـــد غـــزيــر
224
ثــم للســلســبــيــل يــطــفـحُ والتـس
نــيــمِ مــاءٌ يــجـري بـه التـفـجـيـر
225
وجــمــيــع الحــصــبــاء درٌّ ويــاقــو
تٌ ومـــاسٌ شـــعـــاعـــه مــســتــطــيــر
226
كــل مــا يــرغــبــون فــيــه مــبــاحٌ
كـــلٌّ مـــا يــشــتــهــونــه مــيــســور
227
وعـــلى أرضـــهـــا زرابـــيُّ قــد بُــث
ثـــت حـــســـانـــاً كـــأنـــهــن زهــور
228
وعــــــليـــــهـــــا أســـــرَّةٌ وفـــــراشٌ
مــثــلمـا يـهـوى المـؤمـنـون وثـيـر
229
وعــــلى تــــلكــــم الأســــرة حــــورٌ
فـــي حـــليٍّ لهـــا ونـــعـــمَ الحـــور
230
ليـس يـخـشـيـن فـي المـجـانـة عـاراً
وإن اهـــتـــزَّ تــحــتــهــنَّ الســريــر
231
كـــل مـــن صـــلى قـــائمــاً وتــزكــى
فــــمـــن الحـــورِ حـــظُّهـــ مـــوفـــور
232
ولقـد يـعـطـى المـرءُ سـبـعـين حورا
ء عــــليــــهــــن ســـنـــدسٌ وحـــريـــر
233
يــتــهــاديــن كــالجــمــان حــسـانـاً
فــــــوق صـــــرحٍ كـــــأنـــــه بـــــلور
234
حـــبـــذا أجــيــادٌ تــلعــن وأنــظــا
رٌ بـــهـــا كـــل مـــبــصــرٍ مــســحــور
235
وخـــصـــورٌ بـــهـــا ضــمــورٌ وأعــجــا
زٌ ثــقــالٌ تــعــيــا بــهــن الخـصـور
236
و كـــأن الولدان حـــيــن يــطــوفــو
ن عــــلى القـــوم لؤلؤٌ مـــنـــثـــور
237
ائتِ مــا شــئتــه ولا تــخــشَ بـأسـاً
لا حـــرامٌ فـــيــهــا ولا مــحــظــور
238
إنَّ فــيــهــا مــن الحــدائق غــلبــاً
تــتــغــنــى مــن فــوقــهــن الطـيـور
239
إنّ فـيـهـا جـمـيـع مـا تـشـتـهيه ال
نــفــس والعــيـن واللهـا والحـجـور
240
فـإذا مـا اشـتـهـيـت طـيـراً هوى من
غـــصـــنـــه مـــشــويــاً وجــاء يــزور
241
طــيــنـهـا مـن فـالوذج لا يـمـل ال
مــرء مــنـه فـهـو اللذيـذ الغـزيـر
242
وإذا رمـــت أن يـــحـــول لك التـــي
ن دجـــاجـــاً أتـــى إليـــك يــطــيــر
243
أو إذا شــئتَ أن يــصــيـر لك الحـص
بــــاءُ دراً فــــإنــــه ليــــصــــيــــر
244
إنَّ فــيــهــا مـشـيـئة المـرءِ تـأتـي
عــجــبــاً عــنــه يــعــجـزُ الإكـسـيـر
245
ليــس فــيــهــا مــوتٌ ولا مــوبـقـاتٌ
ليــس فــيــهــا شــمـسٌ ولا زمـهـريـر
246
لا شـــتـــاءٌ ولا خـــريـــفٌ وصـــيـــفٌ
أتــــرى أن الأرض ليــــســـت تـــدور
247
جـــنـــة فـــوق جـــنـــةٍ فـــوق أخــرى
درجــــات فــــي كــــلهــــن حــــبــــور
248
وحــــيــــاضٌ قـــد أتـــرعـــت وريـــاضٌ
قــد ســقــى الطــلُّ زهــرهــا وقـصـور
249
كـــل هـــذا وكـــل مـــا فـــوق هـــذا
فــبــه طــرفُ القــوم فــيـهـا قـريـر
250
ولقـــد حُـــلُّوا فـــوق ذلك فـــيــهــا
فـــضـــةً فـــي أســـاور تــســتــنــيــر
251
ولهــم فــيــهــا نـعـمـةٌ بـعـد أخـرى
ولهـــــم فـــــيــــهــــا لذةٌ وســــرور
252
ولقـــد رمـــتُ شــربــةً مــن نــمــيــر
فـــتـــيـــمـــمــتُه فــفــرَّ النــمــيــر
253
وكــــأنَّ المـــاء الذي شـــئت أن أش
ربــــه بــــابــــتـــعـــادهِ مـــأمـــور
254
وتــــذكــــرت أنــــنــــي رجــــلٌ جــــي
ءَ بــه كــي يــراع مــنــه الشــعــور
255
أي حــــقِّ فـــي أن أنـــالَ شـــرابـــي
بـــعـــد أن صَـــحَّ أنـــنــي مــثــبــور
256
قـلت عـودا مـن حـيـث قـد جئتما بي
إنـــمـــا هـــذه لهـــمّـــي تـــثـــيـــر
257
أنـــا راضٍ مـــن البــيــوت بــقــبــر
يـــتـــســـاوى عـــشـــيُّهـــُ والبــكــور
258
أيـهـا القـبـرُ ارحـم طـوالع شـيـبي
أنــا فــي كــربــتــي إليــك فــقـيـر
259
أخــرَجــانــي مــنــهـا وشـدَّا وثـاقـي
بــنــســوعٍ كــمــا يــشــدُّ البــعــيــر
260
ثـــم قـــامــا فــدلَّيــانــي ثــلاثــاً
فــي صــمــيــم الجـحـيـم وهـي تـفـور
261
وأخــيــراً فــي جــوفــهـا قـذفـا بـي
مــثــلمـا يـقـذفُ المـتـاعُ الحـقـيـر
262
لسـت أسـطـيـع وصـف مـا أنـا قـد قا
ســـيـــتُ مــنــهــا فــإنــه لعــســيــر
263
ربــي اصــرف عــنــي العــذاب فـإنـي
إن أكــن خــاطــئاً فــأنــت الغـفـور
264
وكـــأنَّ الجـــحــيــم حــفــرةُ بــركــا
ن عــــظــــيــــمٍ له فـــمٌ مـــفـــغـــور
265
تــدلعُ النــارُ مـنـه حـمـراء تـلقـي
حـــمـــمــاً راحَ كــالشــواظ يــطــيــر
266
ثــم إنــي لهــا ســمــعــتُ حــســيـسـاً
فــاقــشـعـرت مـنـه بـرأسـي الشـعـور
267
خـالطـتـه اسـتـغـاثـةُ القـوم فـيـها
كــهــريــرٍ إذا اســتــمــرَّ الهــريــر
268
إنــهــا فــي أعــمــاقــهــا طــبـقـاتٌ
بــعــضــهــا تــحـت بـعـضـهـا مـحـفـور
269
وأشــدُّ العــذاب مـا كـان فـي الهـا
ويـة السـفـلى حـيـث يـطـغـى السعير
270
حــيــث لا يــنــصــرُ الهـضـيـمَ أخـوهُ
حـيـث لا يـنـجِـدُ العـشـيـرَ العـشـير
271
الطـــعـــامُ الزقــومُ فــي كــل يــومٍ
والشــراب اليــحــمــومُ واليــحـمـور
272
ولقــد يــســقـى الظـامـئون عـصـيـراً
هــو مــن حــنــظــلٍ وســاءَ العــصـيـر
273
ولهــا مــن بــعــد الزفــيـر شـهـيـقٌ
ولهــا مــن بــعــد الشــهـيـق زفـيـر
274
ولهـــم فـــيـــهـــا كــل يــوم عــذابٌ
ولهـــم فـــيــهــا كــلَّ يــوم ثــبــور
275
ثــــم فـــيـــهـــا عـــقـــاربٌ وأفـــاعٍ
ثـــمَّ فـــيـــهـــا ضـــراغـــمٌ ونــمــور
276
يــضـرع المـجـرمـون فـيـهـا عـطـاشـاً
والضـــراعـــات مــا لهــا تــأثــيــر
277
ولهــم مــن غــيــظٍ تــأجَّجــَ فــيــهــم
نـــظـــراتٌ شَـــرارُهـــا مــســتــطــيــر
278
وقـــدت نـــارهـــا تـــئزُّ فـــتـــغــلي
أنـــفـــسٌ فـــوق جـــمــرهــا وتــخــور
279
ولقــد كــانــت الوجــوهُ مــن الصــا
ليـــنَ ســـوداً كـــأنـــهـــن القـــيــر
280
ولقــد كــانــت المــلامــح تــخــفــى
ولقـــد كـــانـــت العـــيــونُ تــغــور
281
لســت أنــســى نــيــرانـهـا مـائجـات
تــــتــــلظَّى كــــأنــــهــــن بــــحــــور
282
ولقـــد صـــاح الخــاطــئون يــريــدو
ن نــصــيــراً لهــم وعــزَّ النــصــيــر
283
وتـــســـاوى أشــرافــهــم والأدانــي
وتـــســـاوى غـــنـــيُّهــم والفــقــيــر
284
كـنـتُ أمـشـي فـيـهـا فـصـادفـت ليلى
بــيــن أتــرابٍ كــالجــمــانِ تــسـيـر
285
فـــوق جـــمــرٍ يــشــوي ونــارٍ تــلظَّى
وأفــــاعٍ فــــي نــــابــــهـــنَّ شـــرور
286
وعـــيـــونُ الحــســنــاء مــغــروقــاتٌ
بــدمــوعٍ فــيــهــا الأســى مــنـظـور
287
قـلت مـاذا يُـبـكـي الجـمـيـلةَ قالت
أنـا لا يـبـكـيـنـي اللظى والسعير
288
إنــمــا يــبــكـيـنـي فـراقُ حـبـيـبـي
وفــراقُ الحــبــيــب خــطــبٌ كــبــيــر
289
هــو عــنــي نــاءٍ كــمــا أنــا عـنـه
فـــكـــلانـــا عـــمــن أحــبَّ شــطــيــر
290
فـرقـوا بـيـنـنـا فما إن أرى اليو
مَ ســمــيــراً ولا يــرانــي ســمــيــر
291
قـــذفـــوه فــي هــوةٍ ليــس مــنــهــا
مـــخـــرجٌ للمــقــذوف فــهــي قَــعــور
292
أوه إن الفـــراق أصـــعــب مــن كُــل
لِ عـــذابٍ يـــشـــقـــى بــه المــوزور
293
ولو اَنَّاــ كــنــا جــيـمـعـاً لخـفَّ ال
خــطــبُ فــي قــربــه وهـان العـسـيـر
294
لا أبــالي نــاراً وعـنـدي حـبـيـبـي
كـــل خـــطــبٍ دون الفــراق يــســيــر
295
قـلتُ مـاذا جـنـيـتِ فـي الأرض حـتـى
كــان حــتـمـاً عـليـك هـذا المـصـيـر
296
فــأجــابــت قــد كــان لي وســمـيـراً
قــبــل أن نــردى للجــحــيــم نُـكـور
297
جـــهـــلنــا للجــحــيــم أوجــب أنــا
بــعــد أن نــردى للجــحــيــم نــزور
298
ولقـــد أبـــصــرتُ الفــرزدقَ نــضــواً
يــــتــــلَّوى ووجــــهــــه مــــعـــصـــور
299
وإلى جــنـبـهِ يـقـاسـي اللظـى الأخ
طــلُ مــســتــعــبــراً ويــشـكـو جـريـر
300
قــلت مـا شـأنـكـم فـقـالوا دهـانـا
مـــن وراء الهـــجــاء ضــرٌّ كــثــيــر
301
ولقـــــد كـــــان آخـــــرون حـــــوالَي
هـــم جـــثـــومـــاً وكــلهــم مــوتــور
302
مــنــهــم العـالم الكـبـيـر ورَبُّ ال
فـــن والفـــيـــلســـوف والنــحــريــر
303
لم أشــاهــد بــعـد التـلفـت فـيـهـا
جـــاهـــلاً ليــس عــنــده تــفــكــيــر
304
إنــمــا مــثــوى الجــاهـليـن جـنـانٌ
شــاهــقــات القـصـور فـيـهـا الحـور
305
غــيــر قـسـمٍ هـو الأقـل سـعـى يـصـل
لِحُ حــتــى اهــتــدى بــه الجــمـهـور
306
ثــم حــيــانــي أحــمــدُ المــتــنـبـي
والمـــعـــريُّ الشــيــخُ وهــو ضــريــر
307
وكـــلا الشـــاعــريــن بــحــرٌ خــضــمٌّ
وكــلا الشــاعــريــن فــحــلٌ كــبـيـر
308
ولقــد كــاد يــخــنــقُ الغـيـظُ بـشـا
راً وفــي وجــهــه الدمــيــم بــثــور
309
وهــو الشــاعــر الذي ظــلَّ مــا قــا
ل طــريــفــاً وإن طــوتــه العــصــور
310
ويـــليـــهــم أبــو نــواسٍ كــئيــبــاً
وهــو ذاك المــمــراحــةُ الســكــيــر
311
مــثــله الخــيـامُ العـظـيـمُ ودَنْـتِـي
وإمـــامُ القـــريـــضِ شـــاكِــســبــيــر
312
ولقـد كـان لامـرئ القـيـس بـين ال
قــــوم صــــدرٌ وللمــــلوك الصــــدور
313
قــلت مـاذا بـكـم فـقـالوا لقـيـنـا
مــن جــزاءٍ مــا لا يــطــيـق ثـبـيـر
314
إنــنــا كــنــا نــســتـخـفُّ بـأمـر ال
ديــن فــي شـعـرنـا فـسـاء المـصـيـر
315
وســمــعــت الخــيـام فـي وسـط الجـم
ع يـــغـــنــي فــيــطــرب الجــمــهــور
316
مــنــشــداً بــيــنــهــم بــصــوتٍ شـجـيٍّ
قــطــعــةً مــن شــعـرٍ غـذاهُ الشـعـور
317
حــبــذا خــمــرةٌ تــعـيـن عـلى النـي
ران حـــتـــى إذا ذكــت لا تــضــيــر
318
وتـــســـلي مــن اللهــيــب فــلا يــب
قــى مــتــى شــبَّ مــنــه إلا النــور
319
تــشــبــه الخــنــدريـسُ يـاقـوتـةً ذا
بــت فــفــيــهــا للنــاظــريـن سـرور
320
وهــي مــثــل النــار التـي تـتـلظـى
ولهـــا مـــثـــلمـــا لهـــذي زفـــيــر
321
ثـــم إنـــي بـــالخـــنـــدريـــس لصــبُّ
ومـــن النـــار والجــحــيــم نــفــور
322
اســقــنــي خــمــرةً لعــلي بــهــا أُرْ
جِـعُ شـيـئاً مـمـا سـبـتـنـي السـعـيـر
323
أنـتِ لو كـنـتِ فـي الجـحـيـم بـجنبي
لم تــرعــنــي نــارٌ ولا زمــهــريــر
324
ثــم إنــي ســمــعــت ســقــراط يـلقـي
خــطــبــةً فــي الجـحـيـم وهـي تـفـور
325
وإلى جــنــبــه عــلى النــار أفــلا
طـــون يـــصـــغـــي كـــأنـــه مــســرور
326
وأرســطــاليــسُ الكــبـيـرُ وقـد أغـر
قَ مــنــه المــشــاعــرَ التــفــكــيــر
327
ثــم كــوبــرنـيـك الذي كـان قـد أف
هــــمـــنـــا أن الأرض جـــرمٌ يـــدور
328
تــتــبـع الشـمـس أيـنـمـا هـي سـارت
وعــليــهــا مــثــل الفــراش تــطــور
329
ثـــم دَرْويـــنُ وهــو مــن قــال إنــا
نــســلُ قــردٍ قــضــت عــليـه الدهـور
330
ثـــم هـــكْـــلٌ وبُـــخْــنُــرٌ وجِــسَــنْــدي
ويــليــهــم ســبــنْــســرُ المــشــهــور
331
ثــم تــومــاسُ ثــم فِــخْــتُ ومــنــهــم
اســــبِـــنـــوزا وهُـــلْبَـــكٌ وجـــيـــور
332
ونـــيـــوتـــونُ الحـــبــرُ ثــم رِنــانٌ
ثـــم روسّـــو ومـــثـــله فـــولتـــيــر
333
وزادشـــــت ثـــــم مــــزدك يــــأتــــي
وجــــمــــوعٌ إمــــامـــهـــم أبـــقـــور
334
والحـكـيـمُ الكـنـدي ثـم ابـن سـينا
وابــنُ رشــدٍ وهــو الحـفـيُّ الجـسـور
335
ثـــم هـــذا أبـــو دلامـــةَ مــنــهــم
بـــعـــده الراونـــدي ثـــم نــصــيــر
336
وجــمــاعــاتٌ غــيــرهــم كــلُّهــم جــل
دٌ عــــلى نــــارهـــا وكـــلٌّ صـــبـــور
337
كــان ســقـراط أثـبـتَ القـوم جـأشـاً
فـــهـــو ذو عــزمٍ فــائقٍ لا يــخــور
338
قـال مـن بـعـد شـرحـه مـنـشـأ النـا
ر وفـــي قـــوله إليـــهـــا يــشــيــر
339
سـوف يـقـضـي فـيـنـا التـطوُّرُ أن نق
وى عــليــهــا وأن تــهــونَ الأمــور
340
إن فـي ذا الوادي السـحـيـق عيوناً
ثـــرَّةَ للبـــتــرول مــنــهــا يــفــور
341
ولقــد تــنــضــبُ العــيــونُ فـلا نـا
رٌ ولا ســــاعــــرٌ ولا مــــســــعــــور
342
ثـــم لمـــا أتـــمَّ خـــطـــبـــتــه عَــج
جـــو له هـــاتــفــيــن وهــو جــديــر
343
ورأيــت الحــلاجَ يــرفــع مــنــه ال
طــرفَ نــحــو الســمــاء وهـو حـسـيـر
344
قـــائلاً أنـــت اللهُ وحـــدك قـــيــو
مــاً وأمــا الأكــوان فــهــي تـبـور
345
أنـت مـن حـيـثُ الذات لسـت كـثـيـراً
غـــيـــر أنَّ التـــجـــليــات كــثــيــر
346
إنـــك الواحـــدُ الذي أنـــا مـــنــه
فــي حــيــاتــي شــرارةٌ تــســتــطـيـر
347
وبـــه لي بـــعــد الظــهــور خــفــاءٌ
وله بـــي بـــعــد الخــفــاء ظــهــور
348
ثــــم شــــئتَ العـــذاب لي ولمـــاذا
لم تــجــرنــي مـنـه وأنـت المـجـيـر
349
كان في الدنيا القتل منهم نصيبي
ونـصـيـبـي اليـوم العـذاب العـسـير
350
قــلت إن المــقــدور لا بــد مــنــه
أوَ حـــتـــى إن أخـــطـــأ المــقــدور
351
مــكــثـوا حـتـى جـاء مـنـهـم حـكـيـمٌ
بــاخــتــراعٍ لم تــنـتـظـرهُ الدهـور
352
آلةٌ تــطــفــئ الســعــيــرَ إذا شــا
ء فــلا تــحــرقُ الجــسـومَ السـعـيـر
353
وأتــــى آخــــرٌ بــــخــــارقــــة يــــه
لكُ فــــي مـــرة بـــهـــا جـــمـــهـــور
354
واهــتــدى غـيـره إلى مـا بـه الإن
ســان يــخــفـى فـلا يـراه البـصـيـر
355
ولقــد قــام فـي الأخـيـر فـتـى يـخ
طــب فــيــهــم والصــوت مـنـه جـهـور
356
فــأحــاطــت بــه المـلايـيـن يـصـغـو
نَ إليـــــه وكـــــلُّهـــــم مـــــوتــــور
357
قــال يــا قــومــنــا جــهــنــمُ غـصـت
بــالألى يـظـلمـون مـنـكـم فـثـوروا
358
قـال يـا قـومـنا أرى الأمر من سو
ءٍ إلى الأســـوأ الأمـــضِّ يـــســـيــر
359
قـال يـا قـومـنا احتملتم من الحي
فِ ثــقــالاً يــعــيـا بـهـنَّ البـعـيـر
360
قـــال يـــا قــوم إن هــذا الذي أن
تُــمْ تــقــاســونــه لشــيــءٌ كــثــيــر
361
قــال يــا قــوم إنـنـا قـد ظُـلمـنـا
شـــرَّ ظـــلم فــمــا لنــا لا نــثــور
362
ومـن النـاس مـن قـضـى الله أن يـك
فــــر والمـــوتُ مـــنـــه دانٍ يـــزور
363
فــهــل الحــقُّ أن يُــخــلَّد فـي النـا
ر عـــلى كـــفـــرِ ســـاعــةٍ مــجــبــور
364
قـال يـا قـوم لا تـخـافـوا فما فو
ق شـــــرور تـــــكــــابــــدونَ شــــرور
365
اجــســروا أيـهـا الرفـاق فـمـا نـا
ل بــعــيــدَ الآمــال إلا الجــســور
366
إنـمـا فـازَ فـي الجـهـاد مـن النـا
س بـــآمـــاله الكــبــار الكــبــيــر
367
أنــتــم اليــوم فــي جــهــنـم أسـرى
وليــكــن مــنــكــمــو لكــم تــحـريـر
368
قـاومـوا القـوة التـي غـشـمـت بـال
مِـــثـــل والدهـــر للقـــوي ظــهــيــر
369
أنــتــم اليــوم الأكــثــرون وأمــا
عــدد الحــارســيــن فــهــو صــغـيـر
370
أي شـــيـــء نــخــاف مــنــهــم وإنــا
لو تـــحـــديــنــاهــم لجــمٌّ غــفــيــر
371
أيــهــا النـاس دافـعـوا عـن حـقـوقٍ
غــصــبــوهــا والكــاثــرُ المــنـصـور
372
ألأهـــل الجـــحـــيـــم بــؤسٌ وتــعــسٌ
ولمـــن حـــلَّ فـــي الجـــنــانِ ســرور
373
ألنـــا أســـفــلُ الجــحــيــم مــقــامٌ
ولهــم فــي أعــلى الجــنــانِ قـصـور
374
كــل مــا قــد أصــابــكــم مـن عـذابٍ
فـــله مـــمــن فــي الســمــاءٍ صــدور
375
إنّ أهــل القــضــاء مــا أنـصـفـوكـم
فـــكـــأنَّ القــلوبَ مــنــهــم صــخــور
376
إنـهـم قـد جـاروا عـليـكـم أشـدَّ ال
جـور مـنـهـم ومـا لهـم أن يـجـوروا
377
قـد خـدمـنـا العـلوم شـتـى بـدنـيـا
نـا فـهـل مـن حـسـن الجزاء السعير
378
كــان فــي تــلكــم اضــطـهـادٌ وقـتـلٌ
ثـــم فـــي هــذه العــذابُ الدهــيــر
379
فــعــلا مــن أهــل الجـحـيـم ضـجـيـجٌ
رجـــف الوادي مـــنـــه والســـاعــور
380
ولقـد هـاجـوا فـي الجـحـيم وماجوا
كـــخـــضـــم مـــرّت عـــليـــه الدَّبــور
381
أطــفــأوا جـمـرةَ الجـحـيـم فـكـانـت
فــتــنــة مــا جـرى بـهـا التـقـديـر
382
ثــورةٌ فــي الجـحـيـم أرجـفـت العـر
شَ وكــادت مــنــهــا السـمـاءُ تـمـور
383
لبـــســـوا عــدة الكــفــاح وســاروا
فـــي نـــظـــامٍ أتـــمــهُ التــدبــيــر
384
زحـــفـــوا ثــائريــن مــن كــل صــوبٍ
فـــي صـــفـــوفٍ كـــأنـــهـــنَّ ســـطـــور
385
للأنـــاشـــيـــد يـــنــشــدون بــصــوتٍ
فــي النــفـوس الحـرَّى لهـا تـأثـيـر
386
غــصــبـوا حـقـكـم فـيـا قـوم ثـوروا
إنَّ غــصــبَ الحــقــوق ظــلمٌ كــبــيــر
387
غــصــبــوا حــقــنـا ولم يـنـصـفـونـا
إنـــمـــا نـــحـــن للحــقــوق نــثــور
388
لكــم الأكــواخ المــشـيـدةُ بـالنـا
رِ وللبــلهِ فــي الجــنــان القـصـور
389
غــصــبــوا حــقــنـا ولم يـنـصـفـونـا
إنـــمـــا نـــحـــن للحــقــوق نــثــور
390
إن خــضـعـتـم فـمـا لكـم مـن نـصـيـبٍ
فــي طــوال الدهــور إلا الســعـيـر
391
غــصــبــوا حــقــنـا ولم يـنـصـفـونـا
إنـــمـــا نـــحـــن للحــقــوق نــثــور
392
مــا حــيــاةُ الإنــســان إلا جـهـادٌ
إنــمــا تــؤثــرُ الســكــون القـبـور
393
غــصــبــوا حــقــنـا ولم يـنـصـفـونـا
إنـــمـــا نـــحـــن للحــقــوق نــثــور
394
إنـــمـــا النـــار للذيـــن لديــهــم
قـد تـسـامـى الإحـسـاسُ بئس المصير
395
غــصــبــوا حــقــنـا ولم يـنـصـفـونـا
إنـــمـــا نـــحـــن للحــقــوق نــثــور
396
ولقـــد أســـرعــت زبــانــيــةُ النــا
ر إليــــهــــم وكــــلهــــم مـــذعـــور
397
يـا لهـا فـي الجـحـيـم حرباً ضروساً
مــا لهــا فــي كــل الحـروب نـظـيـر
398
ولقــــد عــــاضــــد الذكـــور إنـــاثٌ
ولقـــد عـــاضـــد الإنـــاثَ الذكــور
399
ولقــد كــانــوا يــفـتـكـون ولا يـب
صــر مــنــهــم مــهــاجــمٌ أو مــغـيـر
400
ولقـــد كـــانـــت البـــطــونُ تَــفَــرَّى
ولقـــد كـــانـــت الرؤوس تـــطـــيـــر
401
ثـــم جـــاءتِ الشــيــاطــيــن أنــصــا
راً ومــا جــيــش المــارديـن حـقـيـر
402
كــان إبــليــس قــائداً للشــيــاطــي
ن وإبـــليـــسُ حـــيـــث كــان قــديــر
403
ولقـــد جـــاء مــن مــلائكــةِ العــر
شِ لإرجـــاعِ الأمـــن جـــمٌّ غـــفــيــر
404
والذي قــد قــاد المــلائك مــنـهـم
هـــو عـــزرائيـــلُ الذي لا يـــخــور
405
فــهــي بـيـن المـلائك البـيـض صـفَّاً
والشــيــاطــيـنُ السـودُ صـفـاً تـثـور
406
وتــلاقـى فـوق الجـحـيـم الفـريـقـا
ن وهــــــذا نــــــارٌ وهـــــذا نـــــور
407
فـــصـــدامٌ كـــمـــا تــصــادمُ أجــبــا
لٌ رَواس ومـــــثـــــلهـــــنَّ بـــــحــــور
408
وصـراخُ الجـرحـى إلى العـرش يـعـلو
وجـــروح المـــجـــنـــدليـــن تـــفــور
409
يـــتـــرامـــون بـــالصـــواعـــقِ صــفَّي
نِ فــيــشــتــدُّ القــتــلُ والتــدمـيـر
410
حــارَبـوا بـالريـاح هـوجـاً وبـالإع
صـــارِ فـــي نــاره تــذوب الصــخــور
411
حــاربــوا بــالبــروق تـومـض والرع
د فــيــغــلي مــن صــوتــه التـامـور
412
حـاربـوا بـالبـحار تلقى على الجي
ش بِــــحـــولٍ ومـــاؤهـــا مـــســـعـــور
413
حــاربــوا بـالجـبـال تـقـذفُ بـالأي
دي تـــبـــاعـــاً كـــأنـــهـــن قــشــور
414
بــالبــراكــيــن ثــائرات جــرت مــن
حـــمـــمٍ فـــيـــهــا أبــحــرٌ ونــهــور
415
وقـــد اهـــتــزَّ عــرشُ ربــك مــن بــع
د ســــــكــــــونٍ والدائراتُ تــــــدور
416
ولقـــد كـــادت الســـمـــوات تــهــوي
ولقـــد كـــادت النـــجـــوم تـــغـــور
417
كــانـت الحـرب فـي البـداءِ سـجـالاً
مـا لصـبـح النـصـر المـبـيـن سـفـور
418
ثـــم للنـــاظـــريـــن بـــان جـــليّــاً
أن جـــيـــش المـــلائك المـــنــصــور
419
هــزمــوهــم إلى مــعـاقـلهـم فـي ال
ليــلِ حـتـى بـدا الصـبـاحُ المـنـيـر
420
ولأهـــل الجـــحــيــم تــمَّ بــإنــجــا
د الشـيـاطـيـن فـي القـتال الظهور
421
فـاسـتـراحـوا مـن العـذاب الذي كا
نــوا يــقــاســونــه وجــاء الســرور
422
لم يـخـوضـوا غـمـارهـا قـبـل أن تح
كــم فــيــهــا الآراء والتــدبــيــر
423
ثــم طــاروا عـلى ظـهـور الشـيـاطـي
ن خــفــافــاً كــمـا تـطـيـرُ النـسـور
424
يــطــلبــون الجــنـان حـتـى إذا مـا
بـــلغـــوهــا جــرى نــضــالٌ قــصــيــر
425
ثـم فـازوا بـهـا وقـامـوا بـمـا يو
جــبــهُ النــصـر والنـهـى والضـمـيـر
426
طـردوا مـن بـهـا مـن البـلهِ واحتَل
لوا القـصـورَ العليا ونعم القصور
427
غـيـر مـن كـانـوا مـصلحين فهذا ال
قــســم مــنــهـم بـالإحـتـرام جـديـر
428
فــــرَّ رضـــوان للنـــجـــاة ومـــن أت
بـــاعِ رضـــوان مــســرعــاً جــمــهــور
429
وأقــامــوا لفــتــحــهــم حــفــلةً أع
قــبــهــا مـنـهـم الهـتـافُ الكـثـيـر
430
إنـــه أكـــبـــرُ انـــقــلابٍ بــه جــا
دت عــلى كــرهــا الطــويـلِ الدهـور
431
وتــنــبــهــت مــن مــنــامــيَ صــبـحـاً
وإذا الشــمــس فـي السـمـاء تـنـيـر
432
وإذا الأمــر ليــس فــي الحــقِّ إلا
حُـــلُمـــاً قـــد أثـــارَهُ الجــرجــيــر
تعليقات القراء 0