سَتَرْنَ المحاسنَ إلاّ العُيونا
للشاعر ناصح الدين الأرجاني
1
سَـتَـرْنَ المـحـاسـنَ إلاّ العُـيـونـا
كـمـا يَـشْهَـدُ المَـعْـرَكَ الدّارِعونا
2
سَـــللْنَ ســـيــوفــاً ولاقَــيْــنَــنــا
فـلا تَـسـألِ اليـومَ مـاذا لَقـينا
3
كَــســرْنَ الجُــفــونَ ولولا الرِّضــا
بـحُـكْـمِ الغـرامِ كَـسـرْنا الجُفونا
4
وحَـــسْـــبُ الشَّهــيــدِ سُــروراً بــأَنْ
يُـعـايِـنَ حُـوراً مـع القَـتْـل عِـينا
5
أفـــي كُـــلِّ يَـــومٍ هـــوىً مُـــعْـــرِضٌ
يَـشُـبُّ لنـا الحـسْـنُ حـربـاً زَبـونا
6
أعَــيْــنــيَّ بَــعْــدَ زِيــالِ الخـليـطِ
أعِـيـنـا عـلى مـا أُلاقـى أَعِـيـنا
7
وكـــنّـــا تــركْــنــا غــداةَ الوَدا
ع كُـــلَّ فـــؤادٍ بــدَيْــنٍ رَهــيــنــا
8
فـــلمّـــا أُتـــيـــحَ لنـــا مَـــوعِــدٌ
يُــعــلِّلنَــا ذِكْــرُه مــا بَــقِــيـنـا
9
قَــضــيــنــا دُيــونَ الهــوَى كُـلَّهـا
سـوى أنّـنـا مـا فَـكـكْنا الرُّهونا
10
فَــرُحْــنــا وقــد كَـمِـدَ الحـاسـدون
لمــا يَــعْــلَمــونَ ومـا يَـجْهـلونـا
11
ولا عَــيْــبَ فــيــنــا ســوى أنّـنـا
عَـفـفْـنـا وظَـنَّ الغَـيـورُ الظُّنـونا
12
عُهـــودٌ تَـــقـــضَّتـــْ ومـــا خـــلّفَــتْ
ســوى أنْ نَـذُمَّ الزَّمـانَ الخَـؤونـا
13
وكـــم قـــد جَــرَرتُ ذيــولَ الصِّبــا
وجُــنَّ العــواذلُ مــنّــي جُــنــونــا
14
وحُــبْــلَى مــن الزَّنْـج قـد أضـمَـرَتْ
من الرُّومِ في البَطْنِ منها جَنينا
15
قَــطــعــتُ دُجــاهــا بــبَــدرٍ يَــعُــدُّ
مـن البَـدْرِ قَـدْرَ اللّيـالي سِنينا
16
ولا عَــــيْــــبَ فــــيـــه ســـوى أنّه
إذا النّـاسُ مَـدُّوا إليه العُيونا
17
يَــــظُــــنُّ خـــيـــالاتِ أهـــدابِهـــا
عِــذاراً عــلى خَــدّه النّــاظـرونـا
18
تُـمـيـتُ وتُـحْـيـي الفـتَـى نَـظْـرتَاهُ
كــنــفْـخـتَـيِ الصُّورِ للعـاشِـقـيـنـا
19
يَـــكُـــمُّ أقــاحِــيَهُ فــي الشَّقــيــقِ
فَــيــفــتُــقُه الدَّلُّ حـتّـى يَـبـيـنـا
20
وقــبــلَ ثــنــايــاهُ والثّــغْـرِ مِـنْ
هُ لم نَـرَ مَـنْ خَطَّ في الميمِ سِينا
21
لقَــلْبــي بَــلابــلُ تـأْوي القُـدودَ
حَـكـتْهـا بـلابـلُ تـأْوي الغُـصـونا
22
غُـــصـــونٌ قَـــدِ اتَّخـــذَتْ فَـــوْقَهُـــنْ
نَ مـنّـا طُـيـورُ القـلوبِ الوُكـونا
23
وحـــاجَـــةُ نَـــفْـــسٍ رَحــلْنــا لهــا
مَــطــايــا نُــدارِسُهُــنَّ الحَـنـيـنـا
24
ألِفْـــنـــا لهــا قَــلِقــاتِ البُــرَى
وعِــفْـنـا لهـا شَـرِقـاتِ البُـريـنـا
25
وكـــلُّ أنـــاةٍ تُـــجـــيــلُ الوِشــاحَ
لكـــلّ وآةٍ تُـــجــيــلُ الوَضــيــنــا
26
هَــجْــرتُ المــلاحَ وجُــزْتُ المِــراحَ
ومــاذا أُرجّــي مــنَ الغــادريـنـا
27
ومــا مــلك الدّهــرُ قَــطُّ الوفــاءَ
فــمِــن أيــن يُــورِثُه للبــنــيـنـا
28
وقـد كُـنـتُ قِـدْمـاً مُـعـنَّى الفـؤادِ
أُوالي جَــواداً وأهْــوَى ضَــنــيـنـا
29
فـــلمّـــا خـــلَصـــتُ نــجِــيَّ العُــلا
وأقــصــرَ عــن عــذْليَ العـاذِلونـا
30
حــلَفــتُ عــلى مَــسْــحــةٍ للسّــحــاب
فــعــزَّتْ فــقــال ليَ القــائلونــا
31
إذا مــا لثَــمْــتَ يَـمـيـنَ الوزيـرِ
ســمَـوْتَ فـأبـرَرْتَ تـلكَ اليَـمـيـنـا
32
إلى شَـــرَفِ الدّيـــنِ تِــرْبِ العُــلا
أثَـرْتُ مـنَ العـيـسِ حَـرْفـاً أمـونـا
33
ولو بِـــعـــتُ ســـاعـــةَ لُقــيــانــه
بــدهْــرٍ ســواهُ لكُـنْـتُ الغَـبـيـنـا
34
كــريــمٌ مــدائحُــنــا الغُــرُّ فـيـه
ولكــنْ صــنــائعُه الغُــرُّ فــيــنــا
35
تَــــرَى للعُــــفـــاةِ بـــأبـــوابـــه
مَــطـيّـاً مُـنـاخـاً وخَـيـلاً صُـفـونـا
36
مَـعـيـنُ النَّدى مـا تَـرى مـن فـتـىً
يُــعِــدُّ رِشــاءً عــليــه مُــعــيــنــا
37
وشــــمــــسٌ غـــدا بُـــرْجَهُ نَـــفْـــسُه
تَــرَى بُــردَه أُفْــقَهُ والعــريــنــا
38
تَــــغــــيــــمُ إذا شـــاء أقـــلامُه
بــجَــوْنٍ فَــتُــمْــطُــرُ للآمِــليــنــا
39
فَـيـعـتـقـدُ البـحـرُ أنْ قـد حـكـاهُ
إذا بَــعــثَ السُّحـْبَ للخَـلْقِ جُـونـا
40
غــدَتْ مُــذْ غـدا وهْـو صَـدر العُـلا
صُـــدورٌ بـــهِ لقـــلوبٍ سُـــجـــونـــا
41
وآلَى بـــــه النَّصـــــرُ لا خــــانَه
فـلم يَـخْـشَ فـي مـوقـفٍ أنْ يَـخـونا
42
ولم يَــعــتــمــدْ بــأبـيـهِ اليَـمـي
نَ إلاّ ليُــومِــنَــنــا أنْ يَـمـيـنـا
43
إذا سَـــدَّد الرُّمـــحَ يــومَ الوغَــى
وقـد صـقَـلَ البِـشْـرُ مـنه الجَبينا
44
فـــكُـــلٌّ عـــلى خَـــدِّه فــي الثّــرى
يَــخِــرُّ له طــائعــاً أو طَــعــيـنـا
45
أأعــــــداءه حــــــاذِروا حِــــــلْمَه
فـقـد تَـخِـذَ المَـوتَ فـيـه كَـمـيـنا
46
ولا تـــأْمـــنـــوا لِيـــنَ أخــلاقِه
فــشــدّةُ بـأْسِ القـنـا أنْ تَـليـنـا
47
هـــو الطَّودُ حِـــلْمــاً ولكــنْ تَــرى
لنــارِ الحــفـيـظـةِ فـيـه كُـمـونـا
48
كـــذا الفَـــلكُ المُــعْــتــلي كُــلُّه
حَــراكٌ وتَــحــسَــبُ فــيــه سُــكـونـا
49
ألا يـــا كـــلوءَ اللّيــالي لِمــا
أُذيــلَ مــن المُـلْكِ حـتّـى تَـصـونـا
50
بــكَ الأنــجــمُ الزُّهْــرُ فـي أنَّهـُنَّ
يَـبـعْـنَ الكَـرى بـالعُـلا يَقْتَدينا
51
ومـــن شَـــرَفِ اسْــمــك أنّ الهــلالَ
تَــقــوَّسَ حــتّــى حـكَـى مـنـه نـونـا
52
إذا طــالبَ الرَأْيَ مــنــكَ الزَّمــا
نَ بـالشّـيء كان القَضاءُ الضّمينا
53
إذا مـا المـلوكُ اتّقَوا بالدُّروعِ
مـن الخـوفِ أو بالحصونِ المَنونا
54
فــلم تَـرْضَ غـيـرَ السُّيـوفِ الدُّروعَ
ولم تَـرْضَ غـيـرَ الجـيادِ الحُصونا
55
ليَهْـــنِـــكَ أنّ مُـــغـــيــثَ الأنــامِ
غــدا لك بــالوُدِّ غَـيْـثـاً هَـتـونـا
56
وقــبــلَ المُـغـيـثِ أبـوه الغِـيـاثُ
تَـبـوّأْتَ مـنـه المـكـانَ المَـكـينا
57
فَـــورِّثـــهُ مـــنـــك أُخْــرى الزّمــا
نِ نُـصـحـاً مُـبـيـنـاً ورأْيَـاً مَتينا
58
وأوّلُ آثـــــــارِكَ البـــــــاهــــــرا
تِ واحــدةٌ تُــرغِــمُ الكــاشِـحـيـنـا
59
مَــنــالُ الخــلافـةِ والمُـلْكِ مـنـك
إعـــادةُ ظَـــنٍّ صــفــاءً بــقــيــنــا
60
وبــالأمـسِ أقْـرَحْـتَ شـأنَ الحـسـودِ
بــأنّــك أصــلحْــتَ تــلك الشُّؤونــا
61
عــلى حــيــنَ أعــضـلَ داءُ العـراق
وكـان الَّذي لم تَـخَـفْ أنْ يـكـونـا
62
أتَــوْهــا فـسـالَتْ مـيـاهُ الحـديـدِ
إلى أنْ أشَــرْتَ فــعــادتْ أُجــونــا
63
وقــد كـان خـطْـبـاً أشـابَ القُـرونَ
ولولاك كـــان أبـــادَ القُــرونــا
64
وبــيــن الإمــام ومَـوْلَى الأنـامِ
أَنْ فَــتَــن المُــلْكَ قــومٌ فُــتـونـا
65
فــمِــنْ قــبــلُ بــيــنَ نَـبِـيِّيـْ هُـدىً
جـنَـى السّـامـرِيُّ خـصـامـاً مُـبِـيـنا
66
وكـــلٌّ له العُـــذْرُ فــيــمــا أتَــى
كــذلكَ يَــعــتــقــدُ المُــؤْمــنـونـا
67
حـــروبٌ جَـــلتْ صَـــدأَ الدَّولتَـــيْــنِ
كــأنّ الصّــوارمَ كــانــتْ قُــيـونـا
68
ومــا كــان ثَــمَّ شــجــارُ القــلوبِ
وإن كـان فـيـه شِـجـارُ القُـنـيـنا
69
ولكـــنْ تـــمَــخّــضُ تــلك الهَــنــاتُ
ليَـنْـتِـجْـنَ يَـومـاً على المارِقينا
70
فــمَــنْ مُــبِــلغٌ لي مــليــكَ الوَرى
مَــقــالاً يُــقــرَّطُه السّــامِــعـونـا
71
أســــلطــــانَــــنـــا أيَّ ذي رأفـــةٍ
تَـــخـــيَّركَ اللهُ للمــســلِمــيــنــا
72
خُــلِقْــتَ عــقــيــداً لتــاجِ العَــلا
ءِ ظَهْـــرِ آدمَ إذ كـــان طـــيـــنــا
73
كــــأنّ مــــلائكــــةَ اللهِ فـــيـــه
رأوكَ فـــخَـــرُّوا له ســاجِــديــنــا
74
وقــالوا يَــمــيــنــاً لهــذا الَّذي
تُــعِــدُّ الخــلافــةُ مـنـه يَـمـيـنـا
75
نـــظَـــرْنـــا عـــلى أنّه طـــالمـــا
عَهِـدْنـا السّـلاطـيـنَ مُـسـتَـوْزِرينا
76
ومـــثْـــلُ اخْــتــيــارِكَ للصّــلبِ ال
مُــؤيّــدِ مــا عَهِــدَ العــاهِــدونــا
77
مَــــلِيَّ بـــإعْـــمـــالِه فِـــكْـــرتَـــيْ
ن يُـرضـيـكَ مـا شـئْتَ دُنـيا ودِينا
78
جَــمــعْــتَ المَــعــانــيَ فــي لَفْـظـةٍ
وقـد رُمْـتَ عـن قَـدْرِه أن تَـبـيـنـا
79
فـــأقْـــرأْتَهُ آيـــةَ الإصْـــطِــفــاء
وقُــلتَ غــدوْتَ مــكــيــنـاً أمـيـنـا
80
فــــشَّبــــْهـــتَه بـــالنّـــبْـــيِّ الّذي
تَــوزَّرَ فــي مــصْــرَ للمَـلْكِ حِـيـنـا
81
ومَــعْــنــاهُ فـارْعَ لنـا مـا رَعـاهُ
وكــنْ مـثْـلَه بـامْـتـثـالٍ قَـمـيـنـا
82
وكــانَ هُــوَ الطّـالبَ الشُّغـْلَ مـنـه
فــحــسْــبُــك أنّـا لكَ الطّـالِبـونـا
83
وهــل أنــتَ أيــضــاً ســوى صــاحــب
نَــعُــدُّكَ للمُــلْكِ حــصْـنـاً حَـصـيـنـا
84
أخـــو مَـــنْـــظَـــرٍ وأخــو مَــخْــبَــرٍ
يُــســهْــلُ يُــمْـنُـكَ عـنّـا الحُـزونـا
85
فـوَجْهُـكَ يُـعـطـي البِـلادِ السّـنـاءَ
ورأيُـك يَـكـفـي العِـبـادَ السِّنينا
86
ألا فـابْـقَـيـا مـا حـدَتْ بـالمـطيّ
حُــداةٌ وحَــجّـوا صَـفـاً أو حَـجـونـا
87
فــنِـعْـمَ الوزيـرُ اتّـخـذْتَ الوزيـرَ
ونِـعْـمَ القـريـنُ ارتضَيْتَ القَرينا
88
عــليــمٌ بــأخــبــارِ كُــلِّ القُــرونِ
وأخْـــبـــارُه نُــزَهُ الدّارِســيــنــا
89
كــأنّ الفَـتـى عـاش عُـمْـرَ الزَّمـانِ
وعــاشــرَ أهـليـهِ مُـسْـتَـجْـمـعـيـنـا
90
إذا مــا دَرى قَــصَــصَ الذّاهــبِـيـنَ
وجــادَ لِيُــذْكَـرَ فـي الغـابِـريـنـا
91
فـــــصـــــوَّرَ هــــذا له الأَوّلِيــــنَ
وَصَـــــوَّرَهُ ذاك للآخِـــــريـــــنـــــا
92
فــــمَــــنْ يــــكُ عِــــلْمٌ وجــــودٌ له
فـقـد عـاشَ عُـمْـرَ الوَرى أجْـمَعِينا
تعليقات القراء 0