غفا بعد أن مرّت الزوبعه
للشاعر صالح الشرنوبي
1
غـــفـــا بــعــد أن مــرّت الزوبــعــه
يـــقـــاســـم أحـــلامـــه مـــضــجَــعــه
2
شــــــقــــــيٌّ أحــــــالتـــــه أيـــــامُه
صـــدى نـــغـــمـــة بــالأســى دامِــعَه
3
يـــعـــيـــش عـــلى حــرق الذكــريــات
ويــــقــــتـــات آمـــاله الخـــادعـــه
4
كــأنــي بــه فــي جــحــيــم الحـيـاة
نــــبــــيٌّ جــــفــــاه الذي أبـــدعـــه
5
تــــراه فــــتــــقـــرأ فـــي وجـــهـــه
مــــلاحــــم أيــــامــــه الضـــائعـــه
6
جـــبـــيـــن كـــصـــحـــراء مــجــهــولة
مــشــى الصـمـت فـي جـوفـهـا حـالمـا
7
وعــيــنــان تــســتــغــرقـان الوجـود
ســجــى الليــل فــوق جــفــونَـيـهِـمـا
8
إلهــــيــــتـــان وشـــيـــطـــانـــتـــان
تـــغـــشّــاهــمــا مــا تــغــشّــاهــمــا
9
وريــنــهــمــا تــجــثــمُ الكــبـريـاءُ
عـــلى جـــدولٍ يـــســـكــر العــالمــا
10
ســـمـــاتٌ بــهــنّ يــهــيــمُ الخــيــال
يـــمـــجّــد فــنّــانــهــا الأعــظــمــا
11
له اللَه حــــيــــن أفــــاقَــــت رُؤاه
وهـــامـــت مــواكــبُهــا فــي ســمــاه
12
طـــــفـــــاوات نــــورٍ تــــرى روحــــه
بــهــا غـيـر مـا قـد تـرى مـقـلتـاه
13
رأى نــــفـــســـه قـــبـــســـاً حـــائرا
تــــحــــدّ ســــنــــاه قـــيـــود الإله
14
أثــــيــــريــــرّةٌ غـــيـــر مـــحـــدودة
وكــونٌ يــغــيــبُ المــدى فــي مــداه
15
رأى حـــلمـــا حــقّــقــتــه الحــيــاة
ليــشــتــفَّ أعــمــاق بــحــر الحـيـاه
16
رأى نــــفــــســـه ليـــتـــه مـــا راى
وعــــاش عــــلى جــــدبــــه ظـــامـــئا
17
لقـــــــــد راعـــــــــه أنــــــــه زائلٌ
ســتُــفــنــى المــنــيّــةُ مــا أنــشــأ
18
وأذهـــــــــــــــلهُ أن أيّـــــــــــــــامَه
زوارقُ لا تـــــعـــــرفُ المـــــرفَـــــأ
19
تـــمـــرّ بـــهـــا صـــرخـــات الريــاح
فــتــحــطــمُ مــصــبــاحــهـا المـطـفـأ
20
ويـــجـــهـــش ربّـــانُهـــا بـــالصــلاة
فــيــغــرقُهــا المــوجُ مــســتــهــزِئا
21
وفــي غــمــرةٍ مــن شــعــاع الخــيــل
رأى كــوكــبــاً كــفّــنــتــه الليــال
22
تـــــزفُّ حـــــواليـــــه مـــــن نــــوره
بـــقـــايـــا ســـنــىً آلهــيّ الجــلال
23
تــــحــــدّث عــــن أمــــل الوالديــــن
وعـــن طـــهــره عــيــســويّ المــثــال
24
هــو الأمــسُ أو طــفــلُه العــبـقـريّ
مــضــى والســعــادة بــنــت المـحـال
25
هــو الأمــسُ مــنــتــحــراً والصـفـاءُ
مــــهـــالاً عـــليـــه تـــراب الزوال
26
وعــــانــــقَه كــــالرُؤى الطـــافِـــره
صـــــبـــــيٌّ تـــــلفّـــــع بــــالآخــــره
27
يــــقــــول له أيــــن أحــــلامُـــنـــا
وقــــد كُـــنَّ كـــالروضـــة الزاهـــره
28
فــنــاداه مــن أنــت مــاذا تــريــد
كـــفـــى إنّ دنـــيـــايَ بــي كــافــره
29
فــــقــــال له أنــــا مــــن كـــنـــتَهُ
أنــا الفــجــرُ أو روحــه الحــائره
30
أنــا فــي حــيــتــك مــعــنــىً يـطـوف
وإن أنــكــرتــنــي الرحــى الدائره
31
فـــدىً للطـــفــولة ســحــرُ الشــبــاب
ومــــا هــــو إلا خــــداعُ الســــراب
32
مــنــىً بــعــثَــرتـهـا ريـاح الزمـان
وألقــت بــهــا فـي ضـمـيـر اليـبـاب
33
وأوتــــارُ قــــيــــثــــارة أطـــرقـــت
عــلى شــفــتــيــهــا لحــون العــذاب
34
تــســائلُهــا الريــح عــن صــمــتـهـا
فـــتـــتـــركُ للصـــمـــت ردّ الجـــواب
35
فـــيـــا ذرَّةً فــوق ســطــح العُــبــاب
نــأى الشــطُّ فــالتـحـمـي بـالعُـبـاب
36
يـــقـــيـــنُ الحـــيـــاة وأوهـــامُهــا
ســــــواءٌ إذا جــــــفَّ إلهـــــامُهـــــا
37
ومــا نــحــن إلّا ســطــورُ الكــتــاب
وأعــــمــــارنــــا هــــي أرقـــامُهـــا
38
وكـــاتِـــبُهـــا الخـــالقُ الســرمــديّ
وتـــلك المـــقـــاديـــرُ أقـــلامُهـــا
39
نـــكـــفّـــر عـــمّــا جــنــى الوالدان
فــــيـــا للبـــريّـــة مـــا جـــرمُهـــا
40
تـــحـــفُّ الرزايـــا بـــمـــيـــلادهــا
وتــــرتـــقـــب المـــوت أيـــامـــهـــا
41
أتُـــفّـــاحـــةٌ ســـرُّ هـــذا الشـــقــاء
ومـــن أجـــلهــا كــلُّ هــذا البــلاء
42
تـــعـــاليـــت يـــا ربّ مــاذا أقــول
وأنـــت القـــدرُ عـــلى مـــا تــشــاء
43
أنـا ابـن الطـريـديـن أشـكـو إليـك
ومــــلءُ دمـــى ثـــورة الأبـــريـــاء
44
ألم تـــكُ قـــدّرتَ أن يـــعـــصـــيـــاك
فــلم يــخـرجـا عـن مـحـيـط القـضـاء
45
وإلا فـــلم صُـــغـــتَ هـــذا الوجــود
دحـــوتَ الثـــرى ورفــعــتَ الســمــاء
46
ألم تــخــلق النــار نـار الجـحـيـم
كـــخـــلقـــك للدار دار النـــعــيــم
47
ألم تــقــض أن يــبــعـث الأنـبـيـاء
لكــــلٍّ هــــدى وطــــريــــق قــــويــــم
48
فــــهــــذا نـــبـــيُّ بـــنـــي يـــعـــربٍ
وهـــذا الخـــليـــلُ وذاك الكـــليــم
49
وتــلك الشــيــاطــيــن بــنـت اللظـى
فـــمـــنــهــم وليٌّ وفــيــهــم رجــيــم
50
ودنــيــا المــلائك فــوق الســحــاب
ونــمــلُ التــراب وطــيــر الســديــم
51
تــبــاركــت مــا نـفـع هـذا الوجـود
إذا لم نـــفـــارق جــنــان الخــلود
52
ومــــا بــــإرادتـــنـــا أن نـــجـــىء
ولا بـــمـــشـــيـــئتــنــا أن نــعــود
53
نُـــقـــاســـي الحـــيـــاة وآلامـــهــا
وآخــــرهــــا غــــمــــرات الهـــمـــود
54
وتـــنـــذرُنــا بــعــســيــر الحــســاب
ومـــن ذكـــره تـــقـــشــعِــرُّ الجــلود
55
ومــا ذنــبــنــا نــحــن مـا ذنـبـنـا
ولم نــقــتــرف مــا جــنـاه الجـدود
56
حـــنـــانَــيــك لو أن لي مــا أشــاء
لكــنــتُ نــبــيّــاً مــن الأنــبــيــاء
57
أطَهّـــر قـــومـــي مـــن المــوبــقــات
وأدفـــع عـــنــهــم صــروف القــضــاء
58
أو اخــتــرتُ عــرشــاً كــهـذي العـرو
شِ أو كــنــتُ فــرداً مــن الأثـريـاء
59
أو اخـــــتـــــرتُ ألّا أرى عــــلمــــاً
بـــقـــائي عــلى أرضــه كــالفــنــاء
60
فـــكـــنــتُ تــرابــاً كــهــذا التــرا
ب أو مُــزنــةً فــي جــفــون السـمـاء
61
حــنــانــيــكَ أرضُــك تــشــكــو إليــك
وتـــرجـــو رضـــاكَ وجَـــدوى يـــديـــك
62
لقــــد أجـــدبـــت وهـــي مـــخـــضـــلَّةٌ
ومـــا ســـرُّهـــا بـــخـــفـــيٍّ عـــليـــك
63
بــــحــــولك ســــوّيـــتَ أبـــنـــاءَهـــا
فــعــاشـوا كـمـا شـئتَ فـي عـالَمَـيـك
64
يـــعـــذّبُهــم جــهــلهــم بــالغــيــوب
ومُـــظـــلِمُهـــا مُـــتــنــســيــرٌ لديــك
65
وتــحــدو المــقــاديــر أحــلامــهــم
فــتــطــوى الطــريــق عـلى نـاظـريـك
66
خــــلقـــتـــهـــمـــو وخـــلقـــتَ الردى
وبـــاركـــتَ مـــنـــجـــلةُ الحـــاصِــدا
67
وأغـــريـــتَهـــم بـــجــمــال الوجــود
يــــرون بــــه صـــنـــعـــك الخـــالِدا
68
فــــلم يــــعـــرفـــوك وإن مـــثّـــلوك
فــأنــت النــشــيــد ونــحــن الصــدى
69
وكــــــم وحّــــــدوك وكـــــم عـــــدّدوك
فـــكـــان هـــداهـــم ضـــلال الهـــدى
70
ومــعــنــاك فــوق الخــيـال الشـرود
ودون مــــداك انـــفـــســـاح المـــدى
71
رآك خــــليــــلُك نــــور الشــــمــــوس
وظــنــوك فـي الهـنـد نـار المـجـوس
72
وفــــرعـــون خـــالك فـــي نـــفـــســـه
ونــــاجــــاك آبـــاؤُه فـــي أبـــيـــس
73
وســـمّـــاكَ مـــانـــا ظـــلام الدجـــى
ونــاداك بــوذا بــنــفــس النــفــوس
74
وكــم فـي المـحـاريـب مـن سـاجِـديـن
أفــــــاءوا إليـــــك بـــــذلّ الرؤوس
75
وكـــم فـــي المـــذابـــح مــن راهــب
يــريــقُ اللحــون ويُــزجــى الطـقـوس
76
وأنـــت تـــســـامـــيــت فــي كــل مــا
حــوى الكــون فــي أرضــه والســمــا
77
أحــسُّكــ فــي الفــجــر روح الضـيـاء
وفــي الطــيــر تـغـريـده المُـلهـمـا
78
وفـــي الزهـــر ســرّ حــنــان النــدى
وفــي العــطـر تـهـويـمـه النـاسـمـا
79
وفــي النــهــر تــهــزيــم أمــواجــه
وفـــي الطـــل إطــراقــه الحــالمــا
80
وفــي الطــفــل يــا ليــتــنـي قـلبُه
أُحِـــسّـــك تــســبــيــحــه البــاغــمــا
81
أُحِــسُّكــَ فــي الليــل صـمـت النـيـام
وســحــر النــجــوم وهــول القــتــام
82
وشــكــوى المــنــاكــيـد مـن دهـرهـم
ونــجــوى المـعـامـيـد أهـل الغـرام
83
وأذكــــار مــــســــتَـــوحـــشٍ عـــابـــدٍ
رآك فـــــأقـــــســـــمَ ألّا يـــــنــــام
84
وأدمُــــعَ أفّــــاقــــة فــــي الدجــــى
تــبــيــعُ الهــوى لتــنــال الطـعـام
85
تــــحــــجّ إليــــك بــــآهــــاتــــهــــا
لتــنــقــذهــا مــن أفــاعـي الظـلام
86
أُحِـــسّـــك فـــيّ مـــنـــار الســـفــيــن
وعــصــف الشــكــوك وروح اليــقــيــن
87
أحـسّـك فـي الحـسـن مـعـنـى الجـمـال
رفــيــفَ الشــفــاه وهــمــس الجـفـون
88
وفـي القـبـح إذ أنـت خـلف التـراب
جـــمـــالٌ زوهُ التـــراب الغـــبــيــن
89
أحسّك في الحيّ في الميت في القبر
فــي الدود يــنــهــشُ جـسـمَ الدفـيـن
90
وفــــي الفــــنّ مــــشــــرقُ أنــــواره
ونـــامـــوسُ أبـــنـــائه الخــالديــن
91
لك الأمــرُ بـي مـن هـواك افـتـتـان
ولا زلت أشـــكـــو إليـــك الهـــوان
92
يـــقـــرّبــنــي مــنــك ذلُّ العــبــيــد
ويــبــعــدنــي عــنــك قـهـر المـكـان
93
أريــد الســمــو وأخــشــى الســقــوط
فــهــبــنــي مــمــا قــضــيـتَ الأمـان
94
نـــشـــدتــك فــي صــبــوات الحــســان
وفــي نــشــواتــي بــخــمــر الدنــان
95
فـــقـــالوا غـــويٌّ شـــقــيُّ الخــيــال
يـــعـــربِــدُ فــي رأســه الأفــعــوان
96
وزرتـــكَ فـــي الديـــر والمـــســجــد
فـــلم تـــدنُ مـــنـــي ولم تـــبـــعــد
97
وألفَــيــتــنـي مـغـرقـاً فـي الرجـاء
فــلم تــكــشــف الحــجــبَ أو أشــهــد
98
أشـــعـــتَ وجـــودَك بـــيـــن الوجـــود
فــفــي الحــان ألقــاكَ والمــعــبــد
99
وطـــمـــأنـــت قـــلبـــي وفـــزّعـــتـــه
فـــيـــا ويـــح للمـــؤمــن المــلحــد
100
وأفــزعــتــنــي فــوســعــتُ الفــضــاء
إلّا فــــــضـــــاءً بـــــه تـــــرتـــــدي
101
أطــــوف بـــكـــونـــك فـــي عـــزلتـــي
فـــأنـــســـى بـــآلامـــه مـــحــنــتــي
102
وأرقــــبُ خــــلقَــــك مــــن عـــالمـــي
جــــيــــاع ذئابٍ عــــلى جــــيــــفــــةٍ
103
تـــســـخّـــرهُـــم شــهــوات الحــضــيــض
ويـــخـــنـــقـــهــم جــشَــعُ الطــيــنــة
104
وعــــدُلكَ فــــي ظــــلمــــهـــم تـــائهٌ
وإيـــمـــانـــهـــم شـــبـــه أســطــورة
105
ويـــغـــذو التـــرابُ أبـــاطــيــلهــم
فـــتـــســـخـــر مــنــهــم ألوهــيّــتــي
106
جــــنــــونُ الرؤى وسُــــعــــارُ الألم
رفــيــقــاي مــنــذ صــحــبــت القــلم
107
عــرفــت مــن الفـن مـعـنـى الحـيـاة
وكُــــنــــهَ الخــــلود وســـرّ العـــدم
108
وأكــرمــت نــفــســي فــطــامَــنــتُهــا
زمــانــاً وغــامــرت فــي المُــزدحَــم
109
فـــروّعـــنـــي أن أري العـــالمــيــن
مــقــابــرَ تــنــبــضُ فــيــهـا الرِمَـم
110
فـــــعُـــــدتُ وكـــــليّ ربـــــوبــــيّــــةٌ
تــــطـــهّـــرهـــا عـــبـــراتُ النـــدام
111
شـــرِبـــتُ بـــرغـــمــي كــئوسَ القــدَر
وجــابــهــتُ وحــدي ســهــام الغــيــر
112
ومـــا كـــنـــتُ إلّا لســـانــاً أبــان
وقــــلبــــاً أحــــسّ وروحــــاً شـــعَـــر
113
أُحـــلّقُ فـــوق مـــراقـــي العـــقـــولِ
وأزحــم فــي الطــيــن دودَ البــشــر
114
وقــد أحــتــفــى بــبــكــاء الظــلام
وأنـــفِـــرُ مـــن ضـــحِــكــات القــمــر
115
فـــلم أرَ كـــالنـــاس فـــي أرضــهــم
تـــهـــاويـــلَ مـــخــتــلفــات الصُــوَر
116
فــهـذا فـتـى فـي الشـبـاب الغـريـر
يــعــيــش الحــيــاةَ كــدودِ الحـريـر
117
حـــوى كـــونُه الكــون والكــائنــات
فــفـيـه التـقـى بـدؤهـا بـالمـصـيـر
118
وقـــــلّده الفـــــنُّ تــــاج الخــــلود
ومــا الفــنُّ إلا الوجـودُ الكـبـيـر
119
فــــلم تــــهــــدِه غــــيـــر أضـــوائه
ولم يُـــصـــغِ إلا لصــوت الضــمــيــر
120
فــأعــيَــت مــذاهــبُه فــي الحــيــاة
فــيــا حــســرتــا للإله الفــقــيــر
121
وهــذا ابــنُ أُنــثــى غــويُّ الفــؤاد
رســـالتُه أن يـــعـــيـــثَ الفـــســـاد
122
رقــــاب الأمــــانــــيّ مــــنـــقـــادةٌ
إليــه وطــبــع الأمــانــي العـنـاد
123
حــبَــتــه المــقــاديــر مـلك الثـرى
وألقــــت إليـــه أمـــور العـــبـــاد
124
فــــجُــــنَّ بــــأهــــوائِه الآثـــمـــات
يــرى بــحــرهــا مــاله مــن نــفــاد
125
فـــمـــا خـــنـــقــتــه دمــوع الأســى
ولا طـــوّقـــتــه مــعــانــي الحِــداد
126
وفــي الكــوخ حــيـث تـقـيـم المـحـن
عــلى ســاكــنــيــه ليــالي الشــجــن
127
بــراعِــمُ لم تــحــتــضـنـهـا الريـاض
ولا نـــشـــقــت غــيــر ريــح الدمــن
128
يــــمـــوت النـــدى فـــوق أوراقِهـــا
ويــنــكــرُهــا الغــيــث إمــا هــتــن
129
وتــقــتُــلُهــا العــاصــفـاتُ الشـداد
فــيــدفــنــهــا القـفـرُ فـيـمـا دفَـن
130
وكــــل جــــنــــايــــتـــهـــا أنـــهـــا
تــريــد الحــيــاة فــيــأبـى الزمـن
131
وفـــوق الذرا حـــاكـــمٌ فـــي عــلاه
يــــرى قــــومَه أمّـــةً مـــن شـــيـــاه
132
شـــيـــاهٍ تــودُّ اخــضــرار الجــديــب
لتَــــســــمــــنَ للذئب لا للحـــيـــاه
133
تـــنـــامُ عـــلى الشـــوكِ حــتّــى إذا
نــمــا الورد كــان دخــانــاً شــذاه
134
وراع طــــوت نـــايَهُ الســـافـــيـــاتُ
وغــــاب بـــجـــوف الروابـــي صـــداه
135
يــــهَــــشُّ إلى رقــــصــــات المـــنـــى
وكـــلُّ الردى كـــامـــنٌ فـــي مــنــاه
136
ويــهــفــو إلى الكــأس إن عــربــدت
ويـــســـجــد للمــرأة المــشــتــهــاه
137
وللذئب مــــــــن حــــــــوله شــــــــرَّةٌ
تـــصـــول إذا مــا وهــى جــانــبــاه
138
يـرى الراعـيَ الغـرّ يـنـسـى الحياةَ
ويــنــســى الرعــيـل ويـنـسـى عـصـاه
139
فـــيـــشــرع مــن نــاظــريــه المُــدى
ليــقــطــع عــنــهـا سـبـيـل النـجـاه
140
وإن أيـــقـــظ الذئب صــوتُ الدمــاء
فــلا تــرتــقــب غـيـر نـوم الرعـاه
141
وذي لحــيــةٍ تــرهِــقُ المــاشــطــيــن
ومــســبــحــةٍ تــعــجــزُ الحــاســبـيـن
142
يـــهـــزّ النـــهـــارَ بــأي الســمــاء
فــيُـبـكـى بـتـرتـيـلهـا السـامـعـيـن
143
فـــإن جـــمـــع الليـــل نـــدمـــانــه
رآه إمـــامـــاً عـــلى الشـــاربــيــن
144
يـــــضـــــجُّ بـــــلَعـــــنــــة أقــــداره
ويــســخــرُ مــن خــالق العــالمــيــن
145
فـــإن أنـــت ذكّـــرتـــه بــالحــســاب
أقـــامَـــك رمــزاً إلى الجــاهــليــن
146
وراح بــعــيــنــيــه يُــزجـى الصـلاه
إلى كــــلّ فــــتّــــانــــةٍ قــــاهــــره
147
بـــهـــا مـــا بـــه شـــهـــوةٌ قُــيّــدَت
فــشــبّــت فــثــارت بــهــا الثــائره
148
ويــلتــقــيــان فــيــبــكـى المـسـيـح
ويــــشــــكــــو إلى أمّه الطـــاهـــره
149
ومُــســتــقــتــلٍ فــي صــراعِ الضــنــى
ويــغــسِــلُ بــالدمــع مــيــت المُـنـى
150
تــنــقّــل فــي جــانــبــيــه الجــراح
وتــأكــل جــثــمــانــه المُــشــخــنــا
151
مـــضـــى المــوت يــغــزل أنــفــاســه
لأيّــــامــــه كــــفــــنــــاً واهـــنـــا
152
وأبـــنـــاؤه الجـــائعـــون العــراة
يـــقـــدّون بــالنــوح صــمــتَ الدنــى
153
مــلاهــيــف يــســتــصـرخـون السـمـاء
لتــــرزقـــهـــم زائرا مـــحـــســـنـــا
154
ومـــنـــتـــحـــر بـــحـــبــال المــنــى
ونـــيـــاهُ مـــن نـــورهـــا يـــائســه
155
يــــقـــود الحـــيـــاة بـــأوهـــامـــه
وتـــقـــتــاده القــدرة العــابــســه
156
عــجــبــت له كــيـف يـنـسـى الفـنـاء
ويـــعـــشـــقُ أحـــلامـــه البـــائســه
157
ويُــغــمــض عــيــنــيــه عــمــا يـكـون
إذا اعــتــصــرت جــســمـه اليـابـسـه
158
وقــــامــــت مــــن الدود نــــدّابَــــةٌ
تـــــؤبِّنـــــ أيّـــــامـــــه الدارســــه
159
وكــم واقــفٍ عــنــد بــاب الصــبــاح
وفـــي عَـــيـــنـــهِ لهــفــةٌ للمــســاء
160
يـــــحـــــسُّ كـــــأنّ له بـــــالوجــــود
عــهــداً شــطــونــاً طــوتــه السـمـاء
161
وأنّ له مـــاضـــيـــاً فـــي الفــنــاء
تـــقـــدّمَهُ غـــابـــرٌ فـــي البـــقــاء
162
فـــكـــل الذي ضــمّــنــتــه الحــيــاة
بــمــا لقّــنــت مــن فـنـون القـضـاء
163
له تــــحــــت أعــــمــــاقــــه صــــورةٌ
تـــؤكّـــدُ أن الخـــتـــام ابـــتـــداء
164
ويـــا ربّ شـــيـــخٍ ســـقــاهُ الزمــان
أعـــتـــقَ مـــافـــي كـــئوس الزمـــان
165
تـــحـــطّـــم حـــتـــى لو أن الهـــوان
تـــجـــسّـــم كـــان مـــثـــال الهــوان
166
وأطـــعـــمـــه الدهـــر والفــرقــدان
ليــــأكـــله الدهـــر والفـــرقـــدان
167
وتــســأله مــا مــعــانــي الحــيــاة
ومــاذا وعــى مــن غــريــب المـعـان
168
فــيــعــيــا ويـشـكـو إليـك الشـبـاب
وكــيــف مــضــى قــبــلَ فــوتِ الأوان
169
وطـــــفـــــلٍ يــــبــــاركُ مــــيــــلادَهُ
حـــــــنـــــــانٌ مــــــن الأمِّ والوالد
170
يــنــادونــه بــالمــلاك الصــغــيــر
ويـــكـــفـــونـــه نـــظـــرة الحــاســد
171
ويـــســـتـــقـــبـــلون بـــه عـــالمـــاً
مــــن الأمَـــلِ البـــاســـم الراغـــد
172
ولو أنّهـــم عـــلمـــوا مـــا يــنــال
إذا امـــتـــدّ فــي الزمــن الخــالد
173
أراحـــوه مـــن نــكــبــات الحــيــاة
ومـــن دهـــره الكـــافـــر الحــاقــد
174
وطـــفـــل كـــريـــحــانــةٍ فــي عــلاه
بـــــــــنـــــــــاه وهــــــــدّمَه والداه
175
تـــــلقّـــــفـــــه الليـــــلُ مــــن أمّه
وأســـكـــنــه جــانــبــاً مــن حــمــاه
176
وزفَّ إليـــه القـــضـــاءُ العـــجــيــبُ
يــدى مــتــرَفٍ أعــتَــمــتــهُ الحـيـاه
177
فــــــربّــــــبَهُ وحَــــــبـــــاه اســـــمُه
ومـــا لاســـمـــه مـــن ثــراءٍ وجــاه
178
فـــمَـــن عــمــرك اللَه أدنــى إليــه
أمــن غــرسَ الغــرس أم مــن جــنــاه
179
وطــــــفـــــلٍ تـــــخِـــــفُّ لدى ذكـــــرهِ
قـــلوبُ المـــســاكــيــن مــن شــعــبِه
180
يــحــيّــونَ فــيــه الرجـاء البـعـيـد
ويــــرجــــون لو شـــبَّ فـــي قـــلبـــه
181
ويــخــشــون مــنـه الوريـث الجـديـد
لظــــلم الأب الحـــيّ فـــي ثـــوبـــه
182
ويـــجـــرى بـــه الفـــلك الســرمــدي
عــــتِــــيّ الألوهــــة فــــي جـــذبـــه
183
فــيــنــتــفِــضُ المــهــد عــن فــاتــكٍ
تـــحـــارُ المـــصـــائبُ فـــي حـــربــهِ
184
وطــــفــــلٍ تــــمـــوتُ عـــلى مـــهـــده
مـــنـــى الأمــس والغــدِ والحــاضــر
185
أنـــــــى دون داعٍ ولا مـــــــوجــــــبٍ
ولا ســــــبـــــب واضـــــح ظـــــاهـــــر
186
ســــوى نــــزوَةٍ فـــي دم الوالديـــن
تـــؤجّ بـــيـــحـــمـــومـــهــا الفــائر
187
هـــمـــا ورِثـــاهـــا عــن الوالديــن
وذابـــا عـــلى جــمــرهــا الســاعــر
188
فــكــانــا امــتــداداً لأحــلامــهِــم
وبــــؤســــهـــم الخـــالد القـــاهـــر
189
وطـــــفـــــل يـــــفـــــىءُ بــــآمــــاله
إلى ظــــــــلّ والده البـــــــاسِـــــــق
190
أنــى يــطــرقُ الأرض مــن ســقــفـهـا
فـــــيـــــا للطــــروقَــــةِ والطــــارقِ
191
فــمــا شــاء فــالأرض والســاكـنـون
فـــدى أمـــره النـــافـــذ الســابــق
192
ومــا لم يــشـأ فـالزمـان العـنـيـد
مـــطـــيـــعٌ كـــخـــنـــجـــره البـــارق
193
وبــيــن الســمــوم وبــيــن الصــبــا
كـــمـــا بـــيـــن فــجــرٍ إلى غــاســق
194
وطــــفــــلٍ يــــســـيـــر إلى قـــبـــره
ولمّــا يــزل فــي ضــمــيــر الغـيـوب
195
تُــغَــذّيــه أنــفـاسـهـا فـي الحـيـاة
طــريــدةُ بــأسٍ دهــتــهــا الخــطــوب
196
فـــفـــي قـــلبـــه جـــذوات الشـــروق
وفـــي عـــيـــنـــه ظــلمــاتُ الغــروب
197
ويـــفـــتـــحُهـــا فـــيـــرى عـــالمـــاً
يـــعـــذّبــه الســلم قــبــل الحــروب
198
تــتــوهُ الشــيــاهُ بــه فــي الذئاب
وشــرعــتُه النــهــشُ قــبــل الوثــوب
199
وبــــاك عــــلى أمــــســــه ضــــاحــــك
لغـــرّة فـــجـــر بـــعـــيـــد الظــلال
200
يــعــيــدُ الحــكــايــةَ مــن بــدئِهــا
ويـــنـــســجُهــا بــشــعــاع الخــيــال
201
وللدهــــر طــــاحـــونـــةٌ لا تـــمـــلّ
تُــــدوّرهــــا نــــكــــبـــات الليـــال
202
وفــي جــوفـهـا مـثـل عـمـقِ الفـضـاء
إذا ســـــوّرَتـــــهُ رؤوس الجــــبــــال
203
فـمـا هـو مـا الكـون مـا الكائنات
لعـــلّ الإجـــابـــةَ عـــيــنُ الســؤال
204
وبــــاكٍ عــــلى يـــومـــه قـــبـــل أن
يــــحـــرّره الغـــيـــب مـــن قـــيـــده
205
يــــرى فــــجـــرَه مـــن دجـــى ليـــله
قـــريـــبُ الزمـــان عـــلى بــعــدشــه
206
فـــيـــرصــد بــالوهــم مــا فــي غــدٍ
وكــــل التــــعــــاســــةِ فـــي رصـــدِه
207
ويــــمــــزجُ مـــا ذاقَ مـــن أمـــســـه
بــمــا يــخــبــأ الغــيــب فـي بـرده
208
فـــيـــســكــب مــا حــار مــن دمــعــه
ويــــوقــــظ مـــا نـــام مـــن وجـــده
209
وذي صــــبــــوَة شــــغــــفــــت قــــلبَه
وأضـــنَـــتـــهُ إحـــدى ذوات الخــفــر
210
تــــوَلّه حــــتــــى رأى حــــســــنَهــــا
تــــخــــلّق مــــمــــا وراء الفـــكـــر
211
فــفــيـهـا مـن الشـعـر والأغـنـيـات
وســـحـــر الرؤى والنـــدى والزهـــر
212
روى أمــــــــلاً وروَت مــــــــثــــــــله
عــلى الحــبّ وانــتــظــرت وانــتـظـر
213
وشـــقّ عـــلى الدهـــر أن يـــســعَــدا
فـــجـــفّ الغـــراسُ ومـــات الثـــمـــر
214
وأعـــمـــى العــواطــف شــيــطــانُهــا
غـــويُّ الهـــوى عـــبـــقـــريّ النـــزَق
215
رأى فــتــنــةً مــن بــنــاتِ الخــدورِ
فــمــا زال بــالطـيـر حـتـى انـطـلَق
216
وألقــى عــليــهــا شــبــاكَ المــنــى
وجــاذَبــهــا الثــوب حــتـى انـفـتـق
217
فـــجـــاء بـــه نـــســـبـــاً شـــائعـــاً
يـــجـــوعُ فـــيـــأكـــلُ مـــمّـــا ســـرق
218
ســـــــواءٌ لديـــــــه دام الآدمــــــيّ
وخــمــرٌ بــكــاســاتــهــا تُــغــتَــبَــق
219
وطــــاوٍ عــــلى الفــــقــــر أيّــــامَه
يـــحـــبّ فـــيـــا للهــوى المــتــعــب
220
رأى بــــــشــــــت ســــــيّـــــدهِ مـــــرّة
فـــقـــال هـــنـــا غــايــة المــطــلب
221
وراح يــــــــصــــــــبّ أمـــــــانـــــــيّه
أغـــاريـــدَ فـــي نـــايــه المــطــرب
222
تـــــئِنُّ مـــــن الجــــوع أمــــعــــاؤُه
بـــكـــاءً عـــلى جـــوفـــه المـــجــدب
223
فــيــحــســبــه مــن أنــيــن القــلوب
إذا احــتــرقــت بــالضـنـى المـلهـب
224
وأعـــجـــبُ مـــنـــه ابــنــهُ الســيــد
تــبــيــع الغــنـى بـالغـرام الصـدى
225
رأت فــيــه فــوق مــعـانـي الشـبـاب
ذراعــــــا أشــــــدّ وصـــــدرا نـــــدى
226
وبــــيــــن زواجــــهــــمـــا حـــائلان
مــن الحــســب الضــخــم والمــحــتــد
227
ولكــــنّه الحــــب قــــاس عــــنـــيـــد
ولا بـــدّ للســـهـــم مـــن مـــنـــفــد
228
وكـــم جـــمـــع الحـــبّ فـــي قـــيــده
أخـــا البـــؤس بــالأروع الأمــجــد
229
مــواليــد تــجــرى الليــالي بــهــم
عــــلى قــــدرٍ فــــوقــــهــــم قــــادر
230
كــمــا كــان آبــاؤهـم فـي الحـيـاة
يــــكــــونــــون والفــــرخ للطــــائر
231
وربـــتّـــمـــا خـــالفــوا الوالديــن
فــــقــــد يـــولَدُ البـــرّ للفـــاجِـــر
232
حـــقـــائق جـــلّت عـــن العــالمــيــن
وغـــابـــت عــن البــاحــث الســاهــر
233
أرى وجــهَهــا المــظــلم المــدلهــم
فــــمــــن لي بــــوجــــه لهـــا آخـــر
تعليقات القراء 0