قلْبي وسَمْعيَ في شُغْلٍ عنِ الفَنَدِ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب
1
قــلْبــي وسَــمْــعــيَ فـي شُـغْـلٍ عـنِ الفَـنَـدِ
فــأقْــصِــرِ اللّوْمَ عَــنّــي اليـومَ أوْ فـزِدِ
2
قــد كُــنــتُ أصْــغــي لمـا تُـوحـي إليّ بـهِ
لوْ كــانَ قــلْبـي قـبْـلَ اليـومِ طـوْعَ يَـدي
3
وكــمْ كــتَــمْــتُ وأسْــرَرْتُ الهَــوى زَمَــنــاً
طَــيَّ الجــوانِــحِ حــتّــى خــانَــنــي جــلَدي
4
وشِــيــمَــةُ النّــفْـسِ إنْ أخْـفَـتْ سَـريـرَتَهـا
بــدَتْ شَــواهِــدُهــا يــوْمــاً عــلى الجَـسَـدِ
5
قـالُوا الهَـوى بـعْـدَ بُـعْـدِ الدّارِ مُنْتَكَثٌ
فـــقُـــلْتُ هـــذا قِـــيـــاسٌ غـــيـــرُ مُـــطَّرِدِ
6
سَــلوا عــنِ الحُــبِّ مــنْ قَــلْبــي مُــجــرِّبَهُ
فَــمــا المُــقَــلِّدُ يــومــاً مــثْـلَ مُـجْـتَهِـدِ
7
سَــقــى الإلاهُ زَمــانَ الوصْـلِ صـوْبَ حَـيـا
جَـــوْنِ الرّبـــابـــةِ لا نَـــزْرٍ ولا ثَــمِــدِ
8
وجــادَ رَبْــعــاً عــلى أكْــنــافِ كــاظِــمــةٍ
كُــنّــا بــهِ مــنْ لَذيــذِ العـيْـشِ فـي رَغَـدِ
9
والكــأسُ تُــجْــلى عَــروسـاً فـي مِـنَـصَّتـِهـا
والرّوْضُ يـــرْفُـــلُ فـــي أثْـــوابِهِ الجُــدُدِ
10
وكـــلّمـــا راشَ قـــبْـــلَ القَــطْــرِ عــارِضُهُ
تـــدرّعَ النّهْـــرُ مَـــصْـــقــولاً مــنَ الزّرَدِ
11
والسُّحــْبُ تَـبْـكـي وثـغْـرُ الزّهـرِ مُـبْـتَـسِـمٌ
والنّــرْجِــسُ الغَــضُّ ســاهٍ والغَــمـامُ نَـدي
12
عُهـــودُ أُنْـــسٍ وأيّـــامٌ لَنـــا انْــصَــرَفَــتْ
أخْــنــى عــلَيْهــا الذي أخْـنـى عـلى لُبَـدِ
13
مـــا للزّمـــانِ رَمَـــتْ نَـــحْـــوي نَـــوائِبُهُ
فـــأقْـــصَــدتْــنــي بِــلا عَــقْــلٍ ولا قَــوَدِ
14
وسَـــدّدَ الدّهْـــرُ دونـــي كـــلَّ شـــاحِـــبــةٍ
زَرْقــاءَ أصْــمــى شَــبــاهـا فِـلْذَةَ الكَـبِـدِ
15
سَــطــا عــليّ وقــدْ قــلَّ النّــصــيــرُ وهَــلْ
يُــرْجــى الغَــنــاءُ لدَى كَــفٍّ بِــلا عَــضُــدِ
16
وســـارَ أبْـــنـــاءُ دَهْـــري فـــيَّ سِـــيــرَتَهُ
ويُـــشْـــبِهُ الأبَ حـــقّـــاً مُــنْــجَــبُ الولَدُ
17
تَــخِــذتَهُــمْ عُــدّةً للدّهْــرِ فــانْــقَــلَبــوا
وهُــــمْ عــــليّ لدَهْـــري أعْـــظَـــمُ العُـــدَدِ
18
مَــن مُــنْــصِــفٌ بــيْــنَ آمــالي وغــايَـتِهـا
فــقــدْ تــجـاوزْنَ فـي مَـطْـلي عـلى الأمَـدِ
19
كــأنّــي لمْ أُنِــطْ بــالنّــجْــمِ مـنْ هِـمَـمـي
ولمْ أسِــرْ فــي المَــعــالي ســيْــرَ مُـتّـئِدِ
20
ولا اتّـــخَـــذْتُ مــنَ الأنْــصــارِ لي وَزَراً
فــكــانَ يــوسُــفُ بــعْــدَ اللهِ مُــعْــتـمَـدي
21
ولا نَــــظَـــمْـــتُ عـــلى لَبّـــاتِهِ مِـــدَحـــي
نَـــظْـــمَ الحُـــليِّ عـــلى لَبّــاتِ ذي غَــيَــدِ
22
خــليــفَــةٌ مــنْ صَــمــيــم العُــرْبِ دوْحَــتُهُ
فـيـها انْتَهى المجْدُ مُسْتَوْفىً ومنها بُدي
23
فــي كَــفِّهــِ لبَــنــي الآمــالِ بــحْـرُ نَـدىً
عــذْبُ المَــذاقَــةِ هــيْــنٌ غــيــرُ ذي زَبَــدِ
24
لوْ أنّ راحَــــتَهُ فــــاضَـــتْ أنـــامِـــلُهـــا
فـي الغـيْـثِ لمْ يَـقْـتَـصِـرْ يـوماً على بَلَدِ
25
إنْ أبْهَــمَ الخَــطْــبُ أذْكــى فــي دُجُــنّــتِهِ
رأيـــاً يُـــفَـــرِّقُ بـــيْــنَ الغَــيِّ والرَّشَــدِ
26
وإنْ عَـــدا الدّهْـــرُ أبْـــدى مـــنْ أســرَّتِهِ
وكَـــــفِّهـــــِ رأْيَ حـــــيْـــــرانٍ ورَيَّ صَــــدي
27
وإنْ نــــــــظَـــــــرَتَ الى لأْلاءِ غُـــــــرّتِهِ
يـومَ الهِـيـاجِ رأيْـتَ الشّـمْـسَ فـي الأسَـدِ
28
حــتّــى إذا مــحّــصَ اللهُ القُــلوبَ بــهــا
ولا دِفـــاعَ لِحُـــكْـــمِ الواحِـــدِ الصّــمَــدِ
29
وَقَـــفْـــتَ والرّوْعُ قــدْ مــاجَــتْ جَــوانِــبُهُ
بــــحَــــيْــــثُ لا والِدٌ يـــلْوي عـــلى ولَدِ
30
وصَـلْتَ يـوْمَ التَـقَـى الجَـمْـعـانِ مُـنْـصـلِتاً
كالصّقْرِ في السِّرْبِ أو كاللّيثِ في النّقَدِ
31
فــأصْــبَــحَ الدّيــنُ لا تَــخْــفــى مَـعـالِمُهُ
وأصْــبَــحَ المُــلْكُ مــرْفــوعــاً عــلى عَـمَـدِ
32
إنّ الحُـــروبَ سِـــجـــالٌ طـــالَمــا وَهَــبَــتْ
فــي اليــومِ فُـرْصَـتَهـا واسْـتَـرْجَـعَـتْ لِغَـدِ
33
لا يَـغْـرُرِ الرّومَ مـا نـالُوا وما فَعَلوا
فـــــــــإنّ ذلِكَ إمْـــــــــلاءٌ الى أمَــــــــدِ
34
فـــلِلقُـــلوبِ مـــن الغَـــمّـــاء مُـــنْــصَــرفٌ
بِـــمـــا تـــقـــدّمَ فـــي بَـــدْرٍ وفــي أحُــدِ
35
وإنّ دونَ طِــــلابِ الثّــــأرِ أُسْــــدَ وَغَــــى
مـــنْ قـــوْمِــكَ الغُــرِّ أو آبــائِكَ النُّجــُدِ
36
قــد أقْــلَقـوا كـلَّ مَـشْـحـوذِ الغِـرارِ الى
شَـــنِّ الغِـــوارِ وسَـــلّوا كـــلَّ ذي مَـــيَـــدِ
37
والعـــزْمُ بـــادٍ وصُــنْــعُ اللهِ مُــرْتَــقَــبٌ
والفَــتْــحُ مُــنْــتَــظَــرٌ إنْ لمْ يَـحِـنْ فَـقَـدِ
38
وعــادَةُ النّــصْــرِ لا تَــسْـتَـبْـطِ مَـقْـدَمَهـا
إنْ لمْ تُــوافِــكَ فــي ســبْــتٍ فَــفــي أحَــدِ
39
وهــاكَهــا مــنْ بَــنــاتِ العُــرْبِ ســاحِــرَةً
هــيْــفــاءَ تَــخْـتـالُ بـيْـنَ الدّلِّ والغَـيَـدِ
40
ولسْــتُ يــومــاً عــلى شِــعْــرٍ بــمُــقْــتَـصِـرٍ
ولا بـــأبْـــيــاتِ مــنْــظــومٍ بــمُــنْــفَــرِدِ
41
وإنّـــــمـــــا أنـــــا روْضٌ والعُـــــلومُ لهُ
غـــيْـــثٌ فــإنّــي جَــنــى إنْ شِــئْتَهُ تَــجِــدِ
42
بَــقــيــتَ فــي ظِــلِّ مُــلْكٍ غــيْــرِ مــنْـصَـرِمٍ
مُـــصـــاحَـــبٍ غـــيْــرِ مــحْــصــورٍ الى أمَــدِ
تعليقات القراء 0