مَتى صَدَرَت عَيناكِ عن أرض بابلِ
للشاعر ابن حمديس
1
مَــتـى صَـدَرَت عَـيـنـاكِ عـن أرض بـابـلِ
فَـسِـحـرُهُـما في اللَّحظِ بادي المَخايِلِ
2
عــجــبــتُ لرامٍ كـيـفَ أنـشـبَ مـنـهـمـا
بـسـهـمـيـن نَـصْـلاً واحـداً في مقاتلي
3
أَأَنــتِ الَّتــي سَــقَّيــتِــنــي سَــمّ حـيّـةٍ
وخَـــيّـــلتِ عــنــدي أنّه شَهْــدُ عــاســلِ
4
فـيـا نـارَ وجـدي كـيـف عـشـتِ تـضـرّماً
بــمــاءٍ مـن الأجـفـان للنّـار قـاتـلِ
5
ويـا رَفْـعَ أشـواقـي لقـلبـي وخَـفْـضَها
مـتـى كـان للأشـواقِ فـعـلُ العـوامِـلِ
6
وذي جَهْــلَةٍ بــالحــبّ أعــلمــتُهُ بـمـا
ثــنـاهُ عـذيـري بـعـدمـا كـان عـاذِلي
7
وقــلتُ لهُ إِنَّ الهــوى لأَخــو الوغــى
ولا بُــدّ فــيــه للفــتـى مـن مُـنـازلِ
8
حــذارِ حــســامــاً حــدُّهُ لحــظــةٌ فـمـا
يُـسَـمّـى غِـشـاءُ العـيـنِ جـفـنـاً لباطِلِ
9
وأكـثـر مـا تَـرْوي السيوفُ الَّتي نضا
بـهـا مـن عـقولِ الناس فتحَ المعاقِلِ
10
أقــارعــةً ســمــعــي بِـثِـقْـلِ عـتـابِهـا
يــخــفّ عـلى سـمـعـي سـمـاعُ الثّـقـائِلِ
11
مَــتــى يَــتــســلّى عــنــكِ صَــبٌّ فــؤادُهُ
كــأنّ الهــوى مُــغْـرىً بِهِ غَـيـرُ ذاهِـلِ
12
وَكَــيــفَ وَفـي عَـيـنَـيـكِ قـانِـصُ فِـتـنَـةٍ
تَــقَــنّــصَــنـي مـن غـيـر نَـصْـبِ حـبـائِلِ
13
أرَى شَعَرَاتي السودَ قادتْك في الصبا
وَقَـطَّعـْتِ فـي عَـصـرِ المـشـيـبِ سَـلاسِـلي
14
فَهَـــــلّا وَشَـــــعْـــــري لصـــــبْـــــغَـــــةٍ
لهـا ابـتـسـمـتْ عـيناك صبْغ المكاحِلِ
15
وَعِــبْــتِ لَبـوسـي إذ غـدا دونَ هِـمّـتـي
وكـم شَـمْـلَةٍ فـيـهـا كـريـمُ الشّـمـائلِ
16
وهــل يُـحْـمَـدُ الهـنـديّ مـن حـليـةٍ له
إذا لم يـؤثّـر فـي الطُّلـى والكواهِلِ
17
وَمـــا أَرَّقَ الأجـــفــانَ إِلّا بَــلابِــلٌ
تُــســامِــرُهـا بَـيـنَ الضـلوعِ بَـلابِـلي
18
رَقـــيـــقَــةُ أَطــرافِ الغــنــاءِ كَــأَنَّهُ
إِذا طـافَ بـالأسـمـاعِ جـرسُ الخـلاخِلِ
19
تَـنـالُ صـغـارَ الحَـبّ لَقـطـاً وتـحـتـسي
بــشــقّــاتِ أقــلامٍ ثــمـادَ المـنـاهِـلِ
20
لدى روضـةٍ كـالمـسـك فـي أنْـفِ نـاشـقٍ
وكـالعَـصْبِ ذي التسهيمِ في عينِ نائِلِ
21
سَـقَـاهـا الحـيا فَاستَوعَبَتْ مِنهُ ريّها
وأمــســكَ عــنـهـا قـطـرَهُ غَـيـرَ بـاخِـلِ
22
كــأنّ لهــا بــالحَــزْنِ حِــجْـرَ أمـيـنـةٍ
تــنــوّمُ فــيــه خــشــفَهــا كــلُّ خــاذِلِ
23
يَــنــامُ كَــوَقْــفِ العــاجِ فُـصّـلَ مَـتْـنُهُ
وطــالَ بــه إهــمــالُ بـعـض العـقـائِلِ
24
وتَـخـشَـى عَـلَيـهِ الخـطـفَ مِـن كلِّ كاسِرٍ
إذا لم تُــذِقْهُ الحــتــفَ كِـفّـةُ حـابِـلِ
25
حــديــقــةُ نَـوْرٍ دامـعِ العـيـن ضـاحـكٍ
كـنـشـوانَ ذي جـيـدٍ مـن السُّكـْرِ مـائِلِ
26
وَرَبــعِــيَّةــِ الأَزمــانِ طَــلقٍ هَـواؤهـا
تَـمُـجُّ نَـدى الأَشـجـارِ عِـنـدَ الأَصـائلِ
27
كـأنّ ابـن يـحـيـى والحـيا صنوُ جودِهِ
سـقـى تُـرْبَهـا صَوْبَ الغوادي الهواطِلِ
28
مــليــكٌ له فــي المــلكِ سَــمْـتٌ مُـوَقَّرٌ
وهـــيـــبــةُ مــرهــوبٍ وســيــرةُ عــادِلِ
29
عَـظـيـمُ رَمـادِ المَـنـدَلِ الرّطـبِ نـارُهُ
تَـرى الجَـوَّ مِـنـهـا فـي دُخـانٍ مُـواصِلِ
30
وجــزلُ الأيــادي مُــغــمِــدٌ لعُــفــاتِهِ
سـيـوفَ الأمـانـي فـي رقـابِ الفواضلِ
31
وتــلك بــحــورٌ مـن عـطـايـاه أُنـشِـئَتْ
لهـــا سُـــفُــنُ الآمــال لا للجــداوِلِ
32
أَبــيٌّ أبَــى إلّا انــتِــصــاراً لديــنِهِ
بــصــاعــقــةٍ مـحـمـولةٍ فـي الحـمـائِلِ
33
هــوَ اللَّيــثُ إِلّا أنّ رِفــعــةَ تــاجــهِ
عــلى قــمـرٍ فـي هـالةِ المُـلْكِ كـامِـلِ
34
له نُـــورُ بـــشــرٍ تُــتّــقَــى ســطــواتُهُ
وكـالنـارِ في الإحراقِ ماءُ المفاصِلِ
35
يُـــوَجِّهـــُ وَجْهَ الحــربِ نَــحــوَ عُــداتِهِ
ويـحـشـو حَـشَـاهـا بـالقَـنَا والقَنائِلِ
36
ومــا عــقَــدَ الرايــات إلّا تَــحــلّلَتْ
بــه عُــقَــدُ الآراءِ بــيــن القـبـائِلِ
37
لَهُ عَـمَـلٌ يَـسـتَـغـرِقُ القَولَ في العُلى
وكـم فـي الوَرَى مـن قـائلٍ غيرِ عامِلِ
38
وَرَفــع إِلَيــهِ كــلُّ عِــيــسٍ تَــيَــمّــمَــتْ
مَــعــالمَهُ بِـعـدَ اعـتِـسـافِ المَـجـاهِـلِ
39
وَكــلُّ سَــفــيــنٍ تَــحـرثُ المـاءَ عُـوّمـاً
إذا هـــي شَـــقّــتْ لُجّــةً بــالكــلاكِــلِ
40
فـتـىً لا يُـحَـيّـي القِـرْنَ إلّا بِـضَـربةٍ
تَــسُــلّ لسـانَ السـيـف عـن شِـدْقِ بـازِلِ
41
يَــشُــقُّ أَضَــاةَ الدرعِ فَــوقَ كَــمِــيِّهــا
بـــجـــدولِ بـــأسٍ مـــنــه لُجَّةــُ نــائِلِ
42
تَـرى ضَـيـغَـمَ الأَبـطـالِ يَـعـنـو لِعِـزِّهِ
ذَليــلاً كَـمـا اسـتَـخـذى أَكـيـلٌ لآكـلِ
43
ويـصـعـبُ بـعـدَ الضّـرْبِ إغْـمـادُ سـيـفِهِ
لِكُـــلِّ دَمٍ فـــي مَــتْــنِهِ غَــيــر ســائِلِ
44
أَلا إِنَّ آســـادَ الوَقـــائِعِ حِـــمْـــيَــرٌ
نِــعِــمّــا وهــمْ غـرّ المـلوك الأوائِلِ
45
غــطــارفــةٌ شُــمّ العــرانــيــن قــادةٌ
يَــعُــلّونَ أطــرافَ الرّمــاحِ النـواهِـلِ
46
إذا مـا سَـطَـوْا سـرّوا بـكـفّ شـذَاتِهـمْ
وإن حـاربـوا جـرّوا ذيـولَ الجـحـافِلِ
47
كَـــأَنَّ نَـــدى أَيـــمـــانِهِــم نَــوَّرَت بِهِ
ذَوابِــلُهُــم فــاعــجَــب لِنَــورِ ذَوابِــلِ
48
ومـــا هـــي إلّا مـــشـــرَعــاتٌ أســنّــةٌ
عِــطــاشٌ تُــرَوّى فـي حـيـاضِ المـقـاتِـلِ
49
إليــك حــدا الإنــشـادُ كـلَّ نـجـيـبـةٍ
مُــرَحَّلــَةٍ إرقــالهــا فــي المــحـافِـلِ
50
ومــدحُــكَ مــنــهــا خــصّ كــلّ لطــيـمـةٍ
بــمــســكٍ مــقــيـمٍ فـي التـأرّج راحِـلِ
51
وقَــدرُكَ أعــلى مــن مـدائحِـنـا الَّتـي
أبَــرّتْ عــلى إِحــســانِ مِــصْــقَــعِ وائِلِ
52
وإن قَــصّــرَتْ عــن غــايــةٍ فــلعــلّهــا
تــصــيّــرُ تــحــجــيـلاً لغـرِّ الفـضـائِلِ
53
وإِن نَــنــظـمِ الدرّ الَّذي أنـت بـحـرُهُ
فــفــضـلُكَ ألقـاهُ لنـا فـي السـواحِـلِ
54
فــلا زالتِ الأعــيـادُ فـي كـلّ عَـوْدَةٍ
تـرى الديـنَ مـن مـغناك في ظلِّ كافِلِ
تعليقات القراء 0