هَوِّن عليك فكلُّ حَيٍّ فان
للشاعر اسماعيل صبري
1
هَـــوِّن عـــليـــك فـــكـــلُّ حَـــيٍّ فــان
واذكـــر بـــقــاءَ مُــدَبِّرَ الأكــوانِ
2
واصـبـر على ما قد أصابك واحتَمِل
مُـــرَّ الأَذى ومـــظــالِمَ الإنــســانِ
3
واجـعـل لنـفـسـك مـن ثـبـاتِـكَ قُـوَّةً
تــكــفــيــك شَــرَّ وسـاوِسِ الشـيـطـانِ
4
وانــظُــر لمــرآةِ الزمـان بِـنَـاظِـرٍ
رُسِــمَــت عــليــه عـجـائبُ الحـدثـانِ
5
صَـوِّر عـلى إنـسـان عَـيـنِـكَ مـسـرحـاً
لَعِــبَــت بــســاحَــتِهِ ذَوُو التِّيـجـانِ
6
مــن كــل عــاتٍ كــم تَــخَــيَّلــَ أنــه
بــلغ الســمــاءَ بِــقُــوَّةِ السـلطـانِ
7
فَــطَــغــى وَتَــاهَ بـمـلكـه مُـتَـأَلِّهـاً
ودَعَـــتـــهُ عِــزَّتُهُ إلى العِــصــيــانِ
8
كـم مـن قـصـورٍ بـالمـظـالمِ شـادَهَا
بـاتَـت لِسُـكـنَـى البُـومِ والغِـربـانِ
9
سَــفَـكَ الدمـاءَ وَجـارَ جَـبَّاـراً وقـد
نــســي الحــسـابَ وَهَـيـبَـةَ الرحـمـنِ
10
ومــشـى وَمَـقـتُ الكِـبـريـاءِ يَـقُـودُهُ
والعُــجــبُ يــمـلأُ سـاحـةَ الإيـوَانِ
11
يـروى لك المـاضـي عـجائبَ ما رأى
ويــمــرُّ بــالذِّكــرى عـلى الأذهـانِ
12
فــإذا وَهَــبــتَ له التَّأـَمُّلـَ لحـظـةً
تــبــدو إليــك شَــرَاسَــةُ الحـيـوانِ
13
طــوراً تُــبَـاغِـتُـكَ العِـظَـات وتـارَةً
تُــدمــى فُــؤادَكَ قَــســوَةُ الإنـسـانِ
14
كـم فـي العـصـورِ السالِفاتِ تمثَّلَت
عِــبَــرٌ جَــرَت بـالمَـدمـضـعِ الهَـتَّاـنِ
15
نُـقِـشَـت عـلى صُـحُـفِ الزمـانِ فَـسَجَّلَت
غَضَبَ السماءِ على الأثيمِ الهَتَّاني
16
بـيـنـا الجـرائمُ يـسـتـفـزُّكَ بطشُهَا
والظـلمُ يَـفـتِـكُ بـالبـرئ العـانـي
17
يَـنـجَـابُ دَيـجُـورُ المـظـالمِ مُـسرِعاً
ويــلوح فــجــرُ العــدلِ والإحـسـانِ
18
ويــروقُ للعـيـنِ التَّمـَتُّعـُ حـيـنـمـا
تـبـدو الفـضـيـلةُ فـي أجَـلِّ مـعاني
19
يَـصِـفُ الكِـرامَ العـامـليـن ومالهم
فــي المــجـدِ مـن عِـزٍّ ومـن سُـلطَـان
20
ويُــعــيــدُ ذَكــرَ مــآثــرٍ قـد سَـطَّرَت
لذوي الإنـــابـــةِ آيــةَ الشُّكــران
21
هِــمَــمٌ تــجــاوزت السِّمـاكَ مـكـانـةً
وعــلَت عــلى الجــوزاءِ والمـيـزانِ
22
لم يُـبـلِهـا مـرُّ العـصـورِ ولم تَزَل
مــا عَــمَّرَت مــرصــوصــةَ البُــنـيـانِ
23
تـبـقـى بـقـاءَ العـالمـيـن مَـصُـونَةً
تــزهــو بِــثَــوبِ نَـضـارَةِ الرَّيـعـانِ
24
تـلك الكـنـوزُ الخـالداتـث بـراءةٌ
للعــامــليــن مَــرَاحِــمُ الغُــفــرانِ
25
والعـاكِـفينَ على الفضيلةِ والتُّقى
والذاكـــــريـــــن اللَه كــــلَّ أَوَانِ
26
بِـيـضُ الصـنـائع خيرُ من قد أنجبَت
حَــوَّاء مــن أسـمَـى بـنـي الإنـسـانِ
27
نــورٌ تــلألأ مــن ســنــاءِ مـواهـبٍ
سَــطَــعــت بـجـوهـرِ أطـهَـرِ الأبـدانِ
28
شَهِـدَت بـما للمحسنين أولى النُّهى
فــي البِــرِّ مــن سِــرٍّ ومــن إعــلانِ
29
وبـمـا اقـام المُـصلِحونَ من الهُدى
فــي عــالمِ الذِّكــرى بــكــلِّ مـكـانِ
30
وبِـصِـدقِ عَـزمِ المُـتّـقـيـنَ ومـا لهم
بــالزُّهــدِ مـن قَـدرٍ عـظـيـمِ الشَّاـنِ
31
تـتـمَـثَّلـُ الحُـسـنـى ومـا قـد خَـلَّدَت
بــصــحــائفِ التــاريــخِ مـن رضـوانِ
32
تــبــدو وآيــاتُ الرِّضــاءِ تَــضُـمُّهـا
لِلخُـــــلدِ ضَـــــمَّ الروحِ للأبــــدانِ
33
سِـيَـرٌ تـمـرُّ عـلى البـصائرِ والنُّهى
مــرَّ الكــريــمِ المُــزنِ بـالوِديـانِ
34
فَـيَـفـيـضُ مـاءُ الغَـيثِ بين سهولها
ويــســوقُ سَــيــلَ الخِـصـبِ للعـيـدانِ
35
حـتـى إذا ازدَهَـت المُـرُوجُ وأَينَعَت
لَعِــبَ النــسـيـمُ بِـمُـورِقِ الأغـصـانِ
36
وَجَــرَت يَــنَـابـيـعُ الحـيـاةِ وَنَـوَّرَت
شَـــتَّى الزُّهُـــورِ بــأبــدعِ الألوانِ
37
هَـذي قـلوبُ المـهـتـديـن ومـا حَـوَت
بــالهَــدى مــن صــدقٍ ومــن إيـمـانِ
38
فَـدَع التَّمـَرُّدَ يـا ابـنَ آدم واتَّعِظ
واعــلم بــأنــك فــي نــعــيـمٍ فـانِ
39
مـهـمـا بَـلَغتَ من المكانةِ وَالغِنَى
والحـــظِّ والإقـــبــالِ والسُّلــطــانِ
40
وَتَــقَــرَّبَـت مـنـك المـحـاسِـنُ كـلُّهـا
وَسَــعَــت إليــك مــواهــبُ العِـرفـانِ
41
وَمَــشَـت تُـحَـيِّيـكَ الجـنـودُ وَفَـوقَهـا
رَفَــعَ اللِّوَاءَ بَــوَاسِــلُ الفُــرســانِ
42
وَالمُـلكُ أقـبَـلَ نـحـو بـابِكَ حامِلاً
بِــيَــدِ المَهـابَـةِ أنـفَـسَ التِّيـجـانِ
43
وانــقــادَتِ الآمـالُ حـتـى أصـبـحـت
كـلُّ المـطـالبِ مـنـك طَـوعَ الأزمانِ
44
وَنَــعــيــمُــكَ الزَّاهــي خـيـالٌ زائلٌ
كــالوَهــمِ حــول فَـطـانَـةِ الأذهـانِ
45
بَـسَـمَـت لك الدنـيـا وَغَـرَّكَ حـسـنُها
فَــغَــدوتَ عــبـدَ جـمـالهـا الفَـتَّاـنِ
46
وانـقَـدتَ مـدفـوعـاً بـطَـيـشكَ للهوى
وسَــبــاكَ مــنـهـا سـاحـرُ الأجـفـانِ
47
سَــلَبــت نُهَــاكَ بِــغَـيِّهـا ودهـائهـا
ورَمـــاكَ سَهـــمُ خِــداعِهــا الخــوانِ
48
مـرَّ الشـبـابُ وأنـت مـسـلوبُ النُّهى
تــلهــو وتــلعــبُ فـي صـفـا وأمـانِ
49
ودَنـا المـشـيـبُ مُباغتاً لكَ ناعياً
عــهــدَ الشــبــابِ لسـالفِ الأزمـانِ
50
فـصَـحـوتَ مـرتـجـفَ الفـؤاد مُـقَـلّبـاً
كَـــفَّيـــكَ تــصــلى زفــرةَ النَّدمــانِ
51
تــبـكـي صِـبَـاكَ وكـيـف ضـاع بَهَـاؤُهُ
والنــفــسُ طـامِـحَـةٌ إلى العـصـيـانِ
52
فُـيُـريـقُ دَمـعَـك ذِكـرُ أيَّاـمِ الصِّبـا
والذكــريــاتُ مُــثــيــرَةُ الأشـجـانِ
53
تُــمـسـي وتُـصـبـحُ نـادِمـاً مُـتَـحَـيِّراً
وتَــبــيــتُ فــوقَ مَــراجِـلِ النِّيـرانِ
54
يــا لَيــتَ عُــمــرَكَ مـا تَـقَـضَّى غَـضَّهُ
فـي اللَّهـوِ بـيـنَ الكأسِ والنُّدمانِ
55
والكــاعــبــاتِ السـاحـراتِ رَشـاقَـةً
واللاعـــبـــاتِ فــواتِــنِ الغُــزلانِ
56
والشــاردات الغـيـدِ رَبَّاـتِ البَهَـا
النــاعِــســاتِ مــريــضــةِ الأجـفـانِ
57
وبــواعـثِ الأُنـسِ القَـصِـيـرِ زَمَـانُهُ
مــهــمــا طَــرِبــتَ لِرِقــةِ الألحــانِ
58
والمُـغـريـاتِ الصَّاـفـيـاتِ وما لها
فـي النَّفـسِ مـن شـوقٍ ومـن تـحـنـانِ
59
إنَّ الحــيــاةَ سُــرورَهـا وبُـكـاءَهـا
ونــعــيــمَهــا وشــقــاءَهــا سِــيَّاــنِ
60
وصــفـاءُ عَـيـشِـكَ يـسـتـحـيـلُ دَوَامـهُ
والنَّفــسُ لا تــخــلو مـن الأحـزانِ
61
والدهـرُ لا يـبقى على صَفوِ المُنى
يـــلقـــاكَ بــيــن مــخــاوفٍ وأمــانِ
62
بـيـنـا يـسوقُ لك السَّعادَةَ باسِماص
ويــزيــدُ فــيـكَ مـهـابـةَ السـلطـانِ
63
يـنـسـابُ كـالأَفـعـى فـيـنـشِـبُ نابَهُ
فــي أمـنِـكَ المُـتَـغَـافِـلِ الوَسـنَـانِ
64
فــتــهــبُّ مُـلتـاعَ الفـؤادِ مـعـذبـاً
وتــذوقُ ســوءَ عــواقــبِ الخُــســرانِ
65
تـبـكي على ما فات من زمن الهنا
وتَــنــوحُ نــوحَ الحــائرِ الولهــانِ
66
إذ ذاك يـنـقـشِـعُ الظـلامُ ويـنجلي
نــورُ اليـقـيـن بـيـقـظـةِ الوُجـدانِ
67
فــتــذيــقـكَ الأيَّاـمُ مُـرَّ كُـؤُوسـهـا
لتـــعـــيـــشَ بـــيــن مــذلةٍ وهــوانِ
68
عـدلاً يـبـكـيـكَ القـضـاءُ جـزاءَ ما
أَسـرَفـتَ فـي حُـبِّ المـتـاعِ الفـانـي
69
فـاقـنَـع مـن الدُّنيا بزادِكَ راضياً
واهـجُـر نـعـيـمـاً عـاد بـالخـسـراتِ
70
واتـرُك هـداكَ اللَه غـيَّكـَ واسـتـقم
واخــتـر لنـفـسـكَ خـالدَ البُـنـيـانِ
71
واذكـر هَـوانَـكَ تـحت أطباقِ الثّرى
فـي المُـفـزعـيـنِ الرمـسِ والأَكفانِ
72
أيـنَ الذيـنَ عـنـا لسـطـوةِ مـلكـهم
قــاصــى المـدائن رهـبـةً والدانـي
73
ومـشـت مـلةوك الأرض تـحت لوائهم
طـوعـاً تـحـيـطُ بـهـم عُـتـاةُ الجـانِ
74
وبــأمــرِهِــم جـرَتِ الريـاحُ وسـيـرَت
لهـــم الجـــبــالُ وسُــخِّرَ الثَّقــَلان
75
أيـنَ الأكـاسـرةُ الذيـن تـفـاخَرُوا
بـــعـــروشــهــم وجــلالةِ الإيــوانِ
76
وفـخـامـةِ المُـلكِ الرفـيـع عـمـادُهُ
فــي عــهــد أعــدلهــم أنـو شِـروانِ
77
أيـن الغُـزاةُ الفـاتـحـونَ وبـأسُهُم
أيــن الأُسُــودُ قــيــاصِـرُ الرُّومـانِ
78
ايــن الرؤوسُ العــبـقـريـات التـي
نــزَلَت عــليــهـا حـكـمـةُ اليُـونـانِ
79
تــلك الكـنـوزُ الغـاليـاتُ شـهـادةٌ
لبــلوغــهـم أقـصـى مـدى العِـرفـانِ
80
أيـنَ العـمـالقَـةُ العُتاةُ وأين ما
تــركــوه مــن تَــرَفٍ ومــن عُــمــرَانِ
81
مـــن قـــومِ عــادٍ والعــراقِ وتُــبَّعٍ
وثـمـودَ مـن شَـقُّوا عـصـا العـصـيانِ
82
أيـن العـصـورُ المُـدهِشاتُ وما حَوَت
مــن فـطِـنـةٍ أعـيـت قُـوى الإنـسـانِ
83
عــهــدٌ له شـهـدَ الزمـانُ عـجـائبـاً
ضَــنَّ الوُجــودُ بــهــا لعــهــدٍ ثــانِ
84
نــالَت بـه مـصـرُ الفـريـدةُ هَـيـبَـةً
لجـــلالهـــا قــد كــبَّرَ القــمــرانِ
85
عِـلمٌ يُـحـارُ الفـكـر فـي تـكـيـيـفه
بَـــعُـــدَت مـــدارِكُهُ عـــن الأذهــانِ
86
سِــرٌّ أصــولُ العــلم فــيــه طـلاسِـمٌ
أوحَــى بــهــا الكَهَــنُــوتُ للكُهَّاــنِ
87
دَرَســتــهُ بــيــن هـيـاكـلٍ ومـعـابـدٍ
مــتــعــاقــديــن بـأغـلظِ الأيـمـانِ
88
حـفـظـاً لأسـرارِ الحـيـاةِ وما لهم
فــي الأرض مـن حُـكـمٍ ومـن سُـلطـانِ
89
فــأطـاعـهـم شُـمُّ الجـبـالِ وَصَـلدُهـا
والمـــاءُ لبَّاـــهُـــم بـــكــلِّ لِســانِ
90
وانـصـاعَ مـخـتـلفُ الريـاح لأمرهم
ومَــشَــت سِــبَـاعُ الطَّيـرِ والحـيـوانِ
91
رَصَـدُوا الكـواكبَ وهي بين بروجها
تــجــري بِــقُــدرَةِ مُــبـدعِ الأكـوانِ
92
ومـواقـعَ النـجـم البـعـيـدِ مَـدَارُهُ
فـي الشـاسِـعَـينِ الحوتِ والميزانِ
93
والثـاقـبـاتِ الشُّهـبِ سابحةَ الفَضا
كــالبَـرقِ بـيـن الجَـدى والسـرطـانِ
94
حَـسـبُـوا طـوالِعَـكـل نـجـمٍ واهتدوا
لعــجــائبِ الأفــلاكِ فــي الدورَانِ
95
وتـبـيَّنـُوا تـلك البـروجَ وفـعـلهـا
فــي مــصــر أمِّ المـجـد والعـمـرانِ
96
فـبـنـوا هـيـاكـلهـم عـلى أسرارها
لتـــدومَ رغـــم طــوارئ الحــدثــانِ
97
عــلمـوا بـأن الشـمَ سـيـدةُ القـوى
رمــزُ الحــيـاةِ لهـيـكـلِ الإنـسـانِ
98
ولكــلِّ حــسٍّ حــلَّ تــحــت شــعــاعـهـا
وهـــي النـــمــوُّ لســائر الأبــدانِ
99
فـالنـبـتُ والحـيـوانُ مـفـتـقرٌ لها
والطــيــرُ بـيـن خـمـائلِ الاغـصـانِ
100
والمــاءُ لولاهــا لأصــبـح راكِـداً
عــفــنــاً مــن الأقـذارِ والدِّيـدانِ
101
فـهـي التـي جـعـلتـهُ عـذبـاً جارياً
فـوق السـهـولِ وفـي ربـا الوديـانِ
102
بــعــثـت لسـطـحِ الأرضِ أعـجـبَ آيـةٍ
حـفـظـت نـظـامَ العـالمِ الحـيـواني
103
نــوراً ونــاراً مــن وهـيـجِ سـائهـا
مــلأ الفــضــاءَ وعَــمَّ كــل مــكــانِ
104
حـمـلت بـخـارَ المـاءِ عـذباً طاهراً
خِــــلواً مـــن الأمـــلاحِ والأدرانِ
105
صَــعَــدت بــه مــتـنَ الهـواءِ كـأنـه
أطــوادُ مــاسٍ فــي ســهــولِ جُــمَــانِ
106
حـتـى إذا اصـطـدمـت لِسُـرعَةِ سيرِها
تــلك الجــبـالُ هَـوَت مـن الذَّوَبـانِ
107
طَــوراص تُـمَـزِّقـهـا الريـاحُ وتـارَةً
تـــجـــتــاحُهــا قِــمَــمٌ مــن الصَّوانِ
108
فـالغـيثُ يكسو الأرضَ ثوباً يانِعاً
والسَّيــلُ يُهـدى الخِـصـبَ للقـيـعـانِ
109
ولهــا عـلى سـيـرِ الرِّيـاحِ قـيـادةٌ
وعــلى العـنـاصـرِ إمـرةُ السـلطـانِ
110
والأرضُ لولاهــا لكــانـت بـلقـعـاً
جَــــرداءَ خـــاليـــةً مـــن السُّكـــَّانِ
111
شـادوا لهـيـكـلها العظيمِ معابداً
مُـــزدانـــةً بــنــفــائسِ القُــربــانِ
112
نَـسَـبُـوا لهـا مـجـدَ الأُلوهةِ رهبةً
فــانــدَكَّ صَــرحُ عــبــادة الأوثــانِ
113
عـكـفـوا عـليـهـا عـابِـدينَ وهَدَّموا
مــا شَــيَّدوا للعــجــلِ والجُــعــرانِ
114
واسـتـخـدمـوا تلك القوى لبلوغهم
مـا لم يـكـن مـن قبلُ في الحُسبَانِ
115
نَـحَـتـوا بـبـاطـنِ مَـنـفَ أقدسَ مَعبدٍ
جــعــلوه بَــيــتَ ســرائرِ الأكــوانِ
116
صــنــعــوا له مِــفــتـاحَ سِـرٍّ غـامِـضٍ
نُــقِــشَـت عـليـه طَـلاسِـمُ الكِـتـمـانِ
117
صــانُــوهُ فــي أعــمـاقِ قـلبٍ سـاهـرٍ
للرَّابِــضِ المُــتَــحَــفِّزِ اليــقــظــانِ
118
رمـزَ المَهـابَـةِ والرزانـة والحِمَى
للصَّمــتِ فــيــه وللســكــونِ مَــعــانِ
119
يـرمـي الفـضـاءَ بـنـظرَةٍ قد أوقفت
كَــيــدَ العَــوادي وقـفـةَ الحـيـرانِ
120
جَـسـدٌ حَـوى أسـمـى القـوى رمزاً له
جِــســمَ الهِـزَبـرِ وهـامـةَ الإنـسـانِ
121
هـذا أبـو الهَـولِ الرهـيـبُ ثَـبَاتُهُ
مُـفـنـى العـصـورِ وقـاهـرُ الأزمـانِ
122
عَهِـدُوا إليـه حِراسةَ الوادي الذي
ضَــمَّ الكــنــوزَ غَــوالي الأثــمــانِ
123
واســتــخـدمـوا أرصـاده لبـلوغـهـم
مــجــداً تَــعَـذَّرَ عـن ذوي التِّيـجـانِ
124
حــتــى أتــى مــيــنــا وأسَّسـَ مُـلكَهُ
وطَــوَى الزمــانُ صــحـيـفـةَ الكُهَّاـنِ
125
أيـنَ الفـراعـنـةُ الملوكُ واين من
ربـطـوا السَّفـيـنَ بِـمُـقـلَةِ الرُّبَّاـنِ
126
أيـنَ الأُسُـودُ الفـاتِـحُونَ وأين ما
بـلغـتـه مـصـرُ بـهـم مـن العُـمـرانِ
127
آثــارُهُــم فـي مـصـرَ تـشـهـد أنـهـم
كـانـوا الائمَّةـَ فـي قوى الإمكانِ
128
عـهـدُ العـجـائبِ عـصـرُ منفيس الذي
قــامــت لذِكــرى مــجــده الهَـرَمَـانِ
129
وطـــلاســـمُ السِّرِّ الذي أهــدى إلى
وادي المــلوكِ سِــيــادَةَ الوديــانِ
130
وادٍ كــنــوزُ الأرضِ تــحــت أديــمِهِ
مــخــبــوءةٌ عــن أعــيُــنِ الحَـدَثَـانِ
131
لوأن قــيـمـتـهـا ومـا فـوق الثَّرى
فـي الوَزنِ نـالَت رجـحـةَ المـيـزانِ
132
أخـفـى مـخـابـئهـا العـديـدةَ طَلسَمٌ
أســـرارُهُ غـــابـــت عـــن الأذهــان
133
حُــرَّاسُهُ تــرمــي الفــضـاءَ بـنـاظـرٍ
يَــقِــظٍ تــتــبَّعــَ خُــطــوَةَ العُــدوَانِ
134
سَهِـرَت عـلى تُـحَـفِ المـلوكِ أمـيـنـةً
مــن بــطــن مَـنـفَ إلى رُبـا أسـوانِ
135
وعـلى القِـبـابِ البِـيضِ قام أَشَدُّها
عَــزمــاً يُــؤَدِّي واجــبَ التــيــجــانِ
136
كَهـفٌ حَـوَى كَـنـز الكـنـوزِ ولم يكن
أبـــداً لِتُـــدرِكَهُ يَـــدُ الإنـــســانِ
137
قــد هَــيَّأــَ الكَهَــنُـوتُ أرصـاداً له
أَلقَــت عــليــه طَــلاسِــمَ النِّسـيَـانِ
138
تِـيـجـانُ بَـيتِ المُلكِ من مينا إلى
مَـلِكِ الوَغـى سـيـزوسـتـريس الثاني
139
وصـوالجُ الأُسـدِ الفـراعـنـة التـي
ســحــرت عــيــونَ قـيـاصـرِ الرُّومـانِ
140
وحُــــلِيُّ رَبَّاــــتِ الخُـــدُورِ قـــلائدٌ
مـــنـــضـــودةٌ مـــن جَــوهَــرٍ فَــتَّاــنِ
141
أيـنَ الجـبـابـرةُ المـلوكُ وَبَـأسُهُم
يـوم اشـتـدادِ الكَـربِ في الميدانِ
142
وجـمـاجـمُ الأعـداءِ جَـنـى سُـيُـوفِهِم
تــهــالُ تــحــت سَــنـابِـكِ الفُـرسَـانِ
143
والجــو أقــتَـمُ والدُّرُوعُ تـطـايـرت
مــن هَــولِ مــا قـد حـلَّ بـالأبـدانِ
144
وَجِــيـادُهُـم تـنـسـابُ تـحـت عـجـاجـةٍ
ظَـــلمـــاءَ بـــيـــن أَسِــنَّةــٍ ودُخــانِ
145
كـالأُسـدِ تَـنـقَـضُّ انـقـضـاضَ صـواعـقٍ
تــجــتـاحُ مـا تَـلقـاهُ مـن بُـنـيَـانِ
146
تــتــكـدسُ الأشـلاءُ تـحـت رِكـابِهـا
فــي مَــوجِ بــحــرٍ مــن نـجـيـعٍ قـانِ
147
لم يَثنيها حَشدُ الجموع عن المنى
كــلا ولم تَــحــفِــل بــهــولِ طِـعَـانِ
148
مــهـمـا تـلاحَـمَـت الصـفـوفُ لِرَدَّهـا
فــشَــلَ العــدوُّ وبــاءَ بــالخـسـرانِ
149
وانــدَكَّ صــرحُ حــصــونِهِ وتَــشَــتَّتــَت
أبـــطـــالُهُ فــي ظُــلمَــةِ الوِديــانِ
150
ومـشـى القـضـاء إلى العدوِّ ومزَّقَت
يُــمــنــاهُ قـهـراً رايـةَ العِـصـيـانِ
151
وتـقَـدَّمَ النـصـرُ المـبـيـنُ مُـصافحاً
أبــطــالَ مــصـرَ ضـيـاغِـمَ المـيـدانِ
152
فــيــك لِّ وادٍ كــان مـيـدانـاً لهـم
نــقــشـوا مـواقـعـهـم عـلى الصَّوَّانِ
153
أثــراً يُــمــثِّلـُ بـطـشـهـم بـعـدُوِّهـم
فــتـكَ الجـيـاعِ الأُسـدِ بـالغُـزلانِ
154
صُـــوَراً تـــدلُّ لى ســلامــةِ ذَوقِهِــم
وهُــيــامِهِــم بــالغَــزوِ والعُـمـرانِ
155
دخـلوا المـدائنَ فـاتـحينَ وعَمَّرُوا
مــا هَــدَّمَ الجــبــرُوتُ مـن بُـنـيـانِ
156
وبَـنَـوا لمـصـرَ المـجـدَ رغم مطامعٍ
للفُـــــرسِ والآشُـــــورِ والرُّومــــانِ
157
دُوَلٌ تـمَـنَّتـ مـا لِمـصـرَ مـن العُـلا
ولكـم تـضـيـعُ مـع الغـرورِ أمـانـي
158
قـامـت لتـبـنـي المـجد لكن خانَهَا
بَـطـشَ الأُسُـودِ بـهـا وجَهـلُ الباني
159
أيــنَ الفَـراعِـنَـةُ الذيـن تـألَّهُـوا
فـي مِـصـرَ مـن خُوفلإو إلى الرَّيَّانِ
160
رَعَــمُــوا بــأنَّ اللَهَ حــلَّ بـروحِهِـم
نــوراًوهــيــمـنـهُـم عـلى الإِنـسـانِ
161
فَـطَـغَـوا وعـاثُوا مُفسدين وأَسرَفوا
فـي الظُّلـمِ والجـبـرُوتِ والطَّغـيـانِ
162
كَـفَـرُوا فـمـا الإِنـسـانُ إلا هيكلٌ
جَــســدٌ ســيُــصـبـحُ طـعـمَـةَ الدِّيـدانِ
163
والكــبــريــاءُ إذا تــمـكَّنـَ غـيُّهـا
مــن نــفــســه دَفَــعَــتـهُ للعـصـيـانِ
164
فــهــي الجُــنــونُ لكــلِّ غــرٍّ جـاهـلٍ
قـــد هـــاجَهُ مَـــسٌّ مـــن الشَّيــطــان
165
أو فـهـي مـقـتُ اللَهِ صُبَّ على الذي
نــســيَ الإله وبــاءَ بــالخُــســرانِ
166
ظـلمـوا وجـاروا واسـتـبـدُّوا قسوةً
واســتــســلمــوا لأَوامــرِ الكُهَّاــنِ
167
ظَــنُّوا بــأَن نـعـيـمـهـم وهـنـاءَهـم
فـي مُـلكِ وادي النـيـلِ ليـس بِـفَانِ
168
واسـتـخدموا الإنسان في أهوائِهِم
واســتــعــبَــدُوه بــرهــبــةٍ وهَــوَانِ
169
نـحَـتُوا الجبالَ وشيَّدُوا من صَلدِها
فــوق الهِــضَــابِ غــرائبَ الأَوثــانِ
170
رمــزاً لآمــون الذي عـكـفُـوا عـلى
تــقــديــســهِ رَدحــاً مــن الأَزمــانِ
171
ولمـجـدِ إيـريـس التـي ظَـنُّوا بـهـا
ســـرَّ الحـــيــاةِ وصــحــةَ الأبــدانِ
172
ولعـجـل مـنـف ومـاله قـد هـيـكلوا
جـــســـداً يــمــثــلُهُ بــكــلِّ مــكــانِ
173
آبــيــسُ حــيــاً أكــرمــوه ومــيـتـا
قــد جَهــزُوه بــأنــفَــسِ الأَكــفــانِ
174
ومــشــت تُــشـيِّعـُهُ المـلوكُ يـحـفُّهـُم
كــهــنــوتُ مــنـفَ لمـدفـن الثِّيـرانِ
175
عَـبـدُوه فـي ظـلِّ الحـيـاةِ وبـعـدَها
سـجـدوا لهـيـكـله الرَّمـيمِ الفاني
176
كـفـروا بمن خلقَ الوجودَ وأَشرَكوا
بــالواحــدِ المــتــكــبــرِ الدِّيــانِ
177
وبـنـوا مـن الصـخر الأَصم معابداً
تــحــت الرُّبَــا وبـبـاطـنِ الوِديـانِ
178
دُوراً بـبـطـن الأرضِ لم تَـجسُر على
تــدمــيــرهـا يـومـاً يَـدُ الحـدَثَـانِ
179
قـد أودعـوهـا مـا اسـتـحالَ وجُودُهُ
مــهــمــا تـولى الأرضَ مـن عُـمـرانِ
180
صـوراص مـن الذَّهـبـش المُصَفَّى مَثَّلَت
أشـبـاحَ مـا عَـبـدُوا مـن الهَـذَيـانِ
181
وعـلى الهـيـاكـلِ حـولهـا تُحَفٌ لها
قـــد رُصِّعـــَت بـــالدُّرِّ والمَـــرجــانِ
182
وبـابـدع الصُّوَرِ الجـمـيـلةِ سَـجَّلُوا
أسـرارَ مـا اعتَقَدُوا على الجُدرانِ
183
نقشاً على الصخر الذي عجزَ البِلَى
عــن مَــسِّهــِ لدقـيـق صُـنـعِ البـانـي
184
مَــرَّت بــه الأجــيــالُ وهــو كـأنـه
لم يَــمــضِ بــعــدُ لِصُــنــعِهِ يَـومَـانِ
185
تـرمـى مـعـانـيـه العجيبةُ عن مدى
بُعدِ المُفكِّر في المصير الجُسماني
186
والجـسـمُ يـقـضى في الحياةِ نصيبَهُ
حـتـى يـحـيـنَ مـن الحِـمـامِ تـدانـي
187
فـيـفارقُ الدنيا إلى الدار التي
بـــســـعـــادةٍ تـــلقــاهُ أوبــهــوَانِ
188
كـلُّ النـفـوسِ إلى الخـلود مصيرُها
والحـــظُّ مَـــوكُــولٌ إلى الغُــفــرانِ
189
قـد بَـرهَـنَ الإيـضـاحُ فـي تصويرهم
بـــأدقِّ فـــهـــمٍ فـــي أتــمِّ بــيــانِ
190
عـن صـحـوة الأجـسـادِ بـعد رقودها
وقــيــامِهــا للحــشــر والمــيــزانِ
191
حَـيـرَى تُـبـعـثِـرَهـا القـبورُ كأنها
سَـيـلُ الجَـرادِ يـهـيـمُ في الوِديانِ
192
هــذا هـو البـعـثُ الذي جـحـدَت بـهِ
أُمَــمٌ غَــوتــهــا فِـتـنـةُ الشـيـطـانِ
193
حــقّــاً له فــطــنُـوا ولمـا تـأتِهِـم
رُسُــلٌ لتــهــديــهُــم إلى الإيـمـانِ
194
ولقـد رأى الحـكـمـاءُ أنيَدَ البِلَى
لا بُــدَّ أن تَــسـطُـو عـلى الأبـدانِ
195
فــتــظــلُّ تُـنـشِـزُ فـي عـظـامٍ رَطـبَـةٍ
حـــتـــى تُــجَــرِّدَهــا مــن الديــدانِ
196
فــإذا تــجَــرَّدَ أصــلُهــا وتــطــهَّرَت
مــن كــلِّ مــا حَــمَـلَت مـن الأدرانِ
197
أخـــذ البـــلى أصــلهــا وتــطــهَّرَت
مــن كــلِّ مــا حَــمَـلت مـن الأدرانِ
198
اخـذ البِـلَى يَـسـرى فـيـنخَرُ هيكلاً
يــنــهــارُ تــحـتَ عـوامِـلِ الذَّوَبـانِ
199
عِهــنــاً فَــتُــربـا كـي يُـرَدَّ لأصـله
والتــربُ أصــلُ سُــلالَةِ الإنــســانِ
200
لا بـدَّ يـومـاً كـلُّ مـن فـوق الثرى
ذرّاً يــكــون عــلى مَــدَى الأَزمــانِ
201
لمــا بـدا ليـقـيـنـهـم مـا راعَهُـم
وتـــبـــيَّنــوا أن كــلُّ شــيــءٍ فــانِ
202
خـافُـوا عـلى أجـسادهم من هَولِ ما
يَــنــتــابُهـا فـي وَحـشـةِ الأكـفـانِ
203
فـتـمـكَّنـوا بـالعـلم مـن تَـحليلَها
ودَمُ الحــيــاةِ يَــدِبُّ فـي الأبـدانِ
204
فـحـصُوا كُرَاتِ دَمِ الوريدِ وكيف قد
ردَّ الحـــيـــاةَ لهــا دَمُ الشُّريَــانِ
205
وتـبـيَّنـوا القـلبَ العـجـيبَ بُطَينُهُ
وأذَيــنــه فــي الصـدر يَـنـقـبِـضَـانِ
206
ليــحــوِّلا مَــصــلَ الوريــدِ إلى دَمٍ
حـــيٍّ إذا مـــا دار يَــنــبَــسِــطــانِ
207
بـحـثُوا العِظامَ وما حَوَت أدوارُها
فــي الشِّيــبِ والإطــفـالِ والشُّبـَّانِ
208
بـحـثـاً يـحـارُ الطـبُّ فـي تـلعـيـلهِ
عَــرَفُــوا بــه مــا هـيَّةـَ الحـيـوانِ
209
وبــقــاءهــا عــمــراً طــويـلاً غـضَّةً
فــــي قــــوةٍ وســــلامــــةٍ ومِــــرانِ
210
فــنـخـاعُهـا واللحـم سـرُّ حـيـاتِهـا
وهــمــا لحــفــظ كـيـانِهـا حِـصـنـانِ
211
مـا غـابَ عـنـهـم عـنصرٌ لم يفقهوا
تـأثـيـرَهُ فـي الهَـيـكـلِ الجـثماني
212
لهـم انـطوى العلمُ العجيبُ وصرَّحَت
بــالرغـم مـنـه غـوامـضُ الكِـتـمـانِ
213
فــتـوصَّلـُوا لنـوالِ مـا قـد أَمَّلـُوا
ومـع الهـزيـمـةِ لا تَـضِـيـعُ أمـاني
214
كـانـت نـتـيـجـةُ بـحـثهم أن وُفِّقُوا
عِــلمــاً بــســرِّ صــيــانـةِ الابـدان
215
بـعـدَ المماتِ من اتِّصَال يد البِلى
يــومــاً لتــبــقــى آيــةَ الأزمَــانِ
216
أَمـنـاً تـمـرُّ بـهـا القُرُونُ وبعدَها
تـتـعـاقـبُ الأحـقـابُ فـي اطـمئنانِ
217
وقـــوامُهـــا صـــلبٌ فَـــتِـــيٌّ ذاَبـــلٌ
قــد غــادرتــهُ نــضــارةُ الرَّيـعـانِ
218
ألقـى السُّبـاتَ عليه سلطانُ الكرى
وقـد اخـتـفـى عـن أعـين الحدثضانِ
219
لم تـنـتقِصه سوى الحياةِ ولم يكُن
بــالمـيـت أحـرى مـنـهُ بـالوَسـنـانِ
220
تـرمـي مـنـاعـتـهُ الزمـانَ بـنـظـرةٍ
سَــخِــرَت بــفــتــك كـوارث العـدوانِ
221
والدهـرُ يـعـجَـبُ أن سـلطـان البلى
مــكــتــوفــةٌ بــالرغـم مـنـهُ يَـدانِ
222
مَــرَّت بـه تـلك العـصـورُ وتـنـقـضـى
أمــثــالُهــا وقُــوَاهُ فــي نُــقـصَـانِ
223
ســـدٌّ رهـــيــبٌ كُــلَّمــا قَــد هَــمَّ أن
يــجــتــازَهُ لا يــسـتـطـيـعُ تَـدانـي
224
هــذا هــو الســرُّ الذي هَــزَمَـت بـه
حــكــمــاءُ مــصــرَ عَـوادِي المـلوانِ
225
أقــصــى عـن الإغـريـق كـلَّ حـضـارةٍ
وقــضــى عــلى مــدنــيــة الرومــانِ
226
مـا أبـعـد الإنـسـان فـي تـفـكيره
لو كــان مـنـصـرِفـاً إلى العـرفـانِ
227
تـأتـي المـواهـبُ لو تكامل نورُها
بــالمُــعــجِـزاتِ بـعـيـدةِ الإمـكـانِ
228
هـل بـعـدَ تـلك الخـارقـات فـطـانَةٌ
أو بــعــد ذيَّاــك النـجـاحِ أمـانـي
229
أجــســادُهـم شـهـدَت بـقـوَّةِ عـزمـهـم
وثـــبـــاتــهــم وبــحــدَّةِ الأذهَــانِ
230
ظـهـرت لنُـورِ الشـمـسِ وهـي كـأنَّهـا
لم تـقـض بـعـد المَـوتِ غـيـرَ ثَـوانِ
231
وكــــأنَّ آلافَ الســـنـــى تـــبـــدلت
يــومــاً مــضــى فــي راحــةٍ وأمــانِ
232
هـي بـيـنـنـا وتـظـل دهـراً بـعـدنا
وهـي التـي شـهـدت ضـحـى الطـوفـانِ
233
قـد أظـهـر التـحـنـيـط أعـجـبَ آيـةٍ
وصــلت إليــهــا حــكـمـةُ الإنـسـانِ
234
عــجــزَت شـعـوبُ الأرضِ عـن إدراكـه
وخــبـا سـراجُ الطـبِّ فـي اليـونـانِ
235
وَخَـلَت بـحـارُ العـلمـش مـن أصدافِهِ
مُـــذ كـــفَّ كـــوكـــبُهُ عــن الدَّوَرَانِ
236
عِــلمٌ مـواهِـبُه السـمـاءَ فـأصـبـحَـت
مــمــزوجــةً بــالعــالمِ الرُّوحـانـي
237
قـد كـان إحدى المعجزات ولم يَزَل
أعــجـوبـةَ الدنـيـا مـدى الأَزمـانِ
238
وكــفـى بـه فـخـراً لمـصـر وأهـلهـا
أمِّ القـــرى سُـــلطــانــةِ الوديــانِ
239
هـي جـنـةُ الدُّنـيا التي قد أحرَزَت
مــا عــز مــن مُــلكٍ ومــن عُــمــرانِ
تعليقات القراء 0